النص المفهرس
صفحات 1-20
التِّ الحَيَ التجارى في شرح جَع الإمامُ مُسْلِمُ الحَخارج لَجَامِعِه الْفَقِبْرِ المِصَوْلَه الغَنِ الْقَدِرُ مُقَدَبْالشَّهُ الْعُلَّمَ بَكِنْ آدَمِ بنُمُوسَى الإِنْيُوُبِالوَلْوِيّ مُخْوَيَدْمِ الْعِلْمُ بِمَكّة المُكرَّة عَفَا اللَّه تَعَالَى عَنْهُ، وَعَنْهُ وَالدِيُّه آمين المجَلَّدُ الثَّالِثُ وَالعِشْرون كِتَابُ الحَجِّ رقم الأحاديث (٢٩٥٠ - ٣١٧٧) دارابن الجوزي 3 nº التحِ الخَطُ التجاري في شرح ◌ِي الأَمِلْ مُسُلِي الحجار حقوق الطبع محفوظة لِدَارَابْن الَوزي الطَّبَعَة الأولى صَفَرٌ ١٤٣٣هـ حقوق الطبع محفوظة ٥ ١٤٣٣هـ، لا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي نظام ميكانيكي أو إلكتروني يمكن من استرجاع الكتاب أو ترجمته إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من الناشر. ابن U للنشرو التوزيع دارابن الجوزي لِلِنَّشر والتوزيع المملكة العربية السعودية: الدمام - طريق الملك فهد - ت: ٨٤٢٨١٤٦ - ٨٤٦٧٥٩٣، ص ب: ٢٩٨٢ الرمز البريدي: ٣١٤٦١ - فاكس: ٨٤١٢١٠٠ - الرياض - تلفاكس: ٢١٠٧٢٢٨ - جوال: ٠٥٠٣٨٥٧٩٨٨ الإحساء - ت: ٥٨٨٣١٢٢ - جدة - ت: ٦٣٤١٩٧٣ - ٦٨١٣٧٠٦ - ٠٥٦٣٤٧٦٣٨٨ - بيروت - هاتف: ٠٣/٨٦٩٦٠٠ - فاكس: ٠١/٦٤١٨٠١ - القاهرة - ج.م.ع - محمول: ٠١٠٦٨٢٣٧٨٣ - تلفاكس: ٠٢٤٤٣٤٤٩٧٠ - الإسكندرية - ٠١٦٩٠٥٧٥٧٣ - البريد الإلكتروني: aljawzi@hotmail.com - www.aljawzi.com ٥ (١٨) - بَابُ ذِكْرٍ حَدِيثٍ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﴿ّ الطَّوِيلِ فِي حِبَجَّةِ النَِّّ لَه براسه الرحمن الرحيم يوم الجمعة المبارك الثامن من شهر صفر الخير ١٤٢٩/٢/٨ هـ أول الجزء الثالث والعشرين من شرح ((صحيح الإمام مسلم» المسمّى ((البحر المحيط الثجّاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج، رحمه الله تعالى. (١٨) - (بَابُ ذِكْرٍ حَدِيثٍ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ صَّ الطّوِيل فِي حِجَّةِ النَّبِيِّ وٍَّ) هذا حديث عظيمٌ، مشتملٌ هُنَّه [تنبيه]: قال النوويّ كَلُّ: حديث جابر . على جُمَل من الفوائد، ونفائسَ من مهمات القواعد، وهو من أفراد مسلم، لم يروه البخاريّ في ((صحيحه))، ورواه أبو داود كرواية مسلم، قال القاضي عياض: وقد تكلم الناس على ما فيه من الفقه، وأكثروا، وصَنَّف فيه أبو بكر بن المنذر جزءاً كبيراً، وخرَّج فيه من الفقه مائة ونيفاً وخمسين نوعاً، ولو تقصى لزيد على هذا القدر قريب منه، وقد سبق الاحتجاج بنكت منه، في أثناء شرح الأحاديث السابقة، وسنذكر ما يحتاج إلى التنبيه عليه على ترتيبه - إن شاء الله تعالى - انتهى كلام النوويّ تَخَّهُ(١). قال الجامع عفا الله عنه: وأنا - إن شاء الله تعالى - سأقوم بشرح الحديث شرحاً مستوعباً، مستكملاً لمقاصده، ومستجمعاً لفوائده، ومستخرجاً لعوائده، بحيث تقرّ به عيون الراغبين من روّاده، وبالله تعالى أستعين، ومنه أطلب المدد والتمکین، إنه جواد كريم، رءوف رحيم. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب قال: (١) ((شرح النوويّ)) ١٧٠/٨. ٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج [٢٩٥٠] (١٢١٨) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعاً عَنْ حَاتِم، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيُّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنَّ أَبِهِ، قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، فَسَأَلَ عَنْ الْقَوْمِ، حَتَّى انْتَهَى إِلَيَّ، فَقُلْتُ: أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، فَأَهْوَى بِيَدِهِ إِلَى رَأْسِي، فَتَزَعَ زِرِّي الْأَعْلَى، ثُمَّ نَزَعَ زِرِّي الْأَسْفَلَ، ثُمَّ وَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ ثَدْبَيَّ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ غُلَامٌ شَابٌّ، فَقَالَ: مَرْحَباً بِكَ يَا ابْنَ أَخِي، سَلْ عَمَّا شِئْتَ(١)، فَسَأَلْتُهُ، وَهُوَ أَعْمَى، وَحَضَرَ وَقْتُ الصَّلَاةِ، فَقَامَ فِي نِسَاجَةٍ (٢)، مُلْتَحِفاً بِهَا، كُلَّمَا وَضَعَهَا عَلَى مَنْكِهِ، رَجَعَ طَرَفَاهَا إِلَيْهِ، مِنْ صِغَرِهَا، وَرِدَاؤُهُ إِلَى جَنْبِهِ عَلَى الْمِشْجَبِ، فَصَلَّى بِنَا، فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ حَجَّةِ رَسُولِ اللهِ وَ﴾ فَقَالَ بِيَدِهِ: فَعَقَدَ تِسْعاً، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ لَِّ مَكَثَ تِسْعَ سِنِينَ لَمْ يَحُجَّ، ثُمَّ أَّنَ فِي النَّاسِ (٣) فِي الْعَاشِرَةِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ حَاجٌ، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ بَشَرٌ كَثِيرٌ، كُلُّهُمْ يَلْتَمِسُ أَنْ بَأْتُمَّ بِرَسُولِ اللهِ نَّهِ، وَيَعْمَلَ مِثْلَ عَمَلِهِ، فَخَرَجْنَا مَعَهُ حَتَّى أَتَيْنَا ذَا الْحُلَيْفَةِ، فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَِّ كَيْفَ أَصْنَعُ؟ قَالَ: ((اغْتَسِلِي، وَاسْتَثْفِرِي بِقَوْبٍ، وَأَحْرِمِي))، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ نَّهِ فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ، حَتَّى إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى الْبَيْدَاءِ، نَظَرْتُ إِلَى مَدِّ بَصَرِي بَيْنَ بَدَيْهِ، مِنْ رَاكِبٍ، وَمَاشٍ، وَعَنْ يَمِينِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَعَنْ يَسَارِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَمِنْ خَلْفِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَرَسُولُ اللهِ وَّهِ بْنَ أَظْهُرِنَا، وَعَلَيْهِ يَنْزِلُ الْقُرْآنُ، وَهُوَ يَعْرِفُ تَأْوِيلَهُ، وَمَا عَمِلَ بِهِ مِنْ شَيْءٍ عَمِلْنَا بِهِ، فَأَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ: ((لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ))، وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهَذَا الَّذِي يُهِلُّونَ بِهِ، فَلَمْ يَرُدَّ رَسُولُ اللهِ وَّهِ عَلَيْهِمْ شَيْئاً مِنْهُ، وَلَزِمَ رَسُولُ اللهِ وَلِ تَلْبِيَتَهُ. (١) وفي نسخة: ((سل عمّ شئت)). (٣) وفي نسخة: ((ثم آذن الناسَ)). (٢) وفى نسخة: ((في ساجة)). ٧ (١٨) - بَابُ ذِكْرٍ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﴿ مّ الطَّوِيلِ ... إلخ - حديث رقم (٢٩٥٠) قَالَ جَابِرٌ: لَسْنَا نَنْوِي إِلَّ الْحَجَّ، لَسْنَا نَعْرِفُ الْعُمْرَةَ، حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ مَعَهُ، اسْتَلَمَ الرُّكْنَ، فَرَمَلَ ثَلَاثاً، وَمَشَى أَرْبَعاً، ثُمَّ نَفَذَ إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ عَلَّا، فَقَرَأَ: ﴿وَّخِذُواْ مِن ◌َّقَامِ إِبْرَهِمَ مُصَلٌ﴾، فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ، فَكَانَ أَبِي يَقُولُ: وَلَا أَعْلَمُهُ ذَكَرَهُ إِلَّ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ (١)، وَ﴿قُلْ بَأَيُّهَ اُلْكَفِرُونَ ﴾﴾، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْبَابِ إِلَى الصَّفَا، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الصَّفَا قَرَّأَ: ((﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ الهِ﴾ أَبْدَهُ(١) بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ»، فَبَدَأَ بِالصَّفَا، فَرَقِيَ عَلَيْهِ، حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَوَخَّدَ اللهَ، وَكَبَّرَهُ، وَقَالَ: ((لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْلُكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ»، ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ، قَالَ مِثْلَ هَذَا (٢) ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ نَزَلَ إِلَى الْمَرْوَةِ، حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي سَعَى، حَتَّى إِذَا صَعِدَنَا مَشَى، حَتَّى أَتَّى الْمَرْوَةَ، فَفَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا، حَتَّى إِذَا كَانَ آخِرُ طَوَافِهِ(٣) عَلَى الْمَرْوَةِ، فَقَالَ: ((لَوْ أَنّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ، لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ، وَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ لَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَحِلَّ، وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً))، فَقَامَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُم، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَلِعَامِنَا هَذَا، أَمْ لِأَبَدٍ؟ فَشَبَّكَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ أَصَابِعَهٌ وَاحِدَةً فِي الْأُخْرَى، وَقَالَ: ((دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ - مَرَّتَيْنِ - لَا بَلْ لِأَبَدٍ أَبَدٍ))(٤). وَقَدِمَ عَلِيٌّ مِنَ الْيَمَنِ بِبُدْنِ النَّبِّ وَّهِ، فَوَجَدَ فَاطِمَةَ رَ﴿يَا مِمَّنْ خَلَّ، وَلَبِسَتْ ثِيَاباً صَبِيغاً، وَاكْتَحَلَتْ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ: إِنَّ أَبِي أَمَرَنِي بِهَذَا، قَالَ: فَكَانَ عَلِيٍّ يَقُولُ بِالْعِرَاقِ: فَذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ مُحَرِّشاً عَلَى فَاطِمَةَ؛ لِلَّذِي صَنَعَتْ، مُسْتَفْتِياً (١) وفي نسخة: ((ابدءوا)) بصيغة الأمر. (٢) وفي نسخة: ((فقال مثل ذلك)). (٣) وفي نسخة: ((آخر طواف)). (٤) وفي نسخة: ((بل لأبد الأبد)) بالإضافة. ٨ البحر المحيط الثجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج لِرَسُولِ اللهِنَ ﴿ فِيمَا ذَكَرَتْ عَنْهُ، فَأَخْبَرْتُهُ أَنِّي أَنْكَرْتُ ذَلِكَ عَلَيْهَا، فَقَالَ: (صَدَقَتْ صَدَقَتْ، مَاذَا قُلْتَ حِينَ فَرَضْتَ الْحَجَّ؟)) قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُهِلُّ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُكَ، قَالَ: ((فَإِنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ، فَلَا تَحِلُّ))، قَالَ: فَكَانَ جَمَاعَةُ الْهَدْيِ الَّذِي قَدِمَ بِهِ عَلِيٍّ مِنَ الْيَمَنِ، وَالَّذِي أَتَى بِهِ النَّبِيُّ ◌َهِ مِائَةً، قَالَ: فَحَلَّ النَّاسُ كُلُّهُمْ، وَقَصَّرُوا، إِلَّ النَّبِيَّ وَهَ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْتٌ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ، تَوَجَّهُوا إِلَى مِنَّى، فَأَهَلُّوا بِالْحَجِّ، وَرَكِبَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ، فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ، ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلاً، حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وَأَمَرَ بِقُبَّةٍ مِنْ شَعَرِ تُضْرَبُ لَهُ بِنَمِرَةَ، فَسَارَ رَسُولُ اللهِ، وَلَا تَشُك قُرَيْشٌ إِلَّا أَنَّهُ وَاقِفٌ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ، كَمَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تَصْنَعُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَجَازَ رَسُولُ اللهِ وَهِ حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ، فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ، فَتَزَلَ بِهَا، حَتَّى إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ، فَرُحِلَتْ لَهُ، فَأَتَّى بَطْنَ الْوَادِي، فَخَطَبَ النَّاسَ، وَقَالَ: ((إِنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةٍ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرٍ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعُ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَم أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعاً فِي بَنِي سَعْدٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِباً أَضَعُ رِبَانَا، رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعُ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَداً تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْباً غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّواْ بَعْدَهُ، إِنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟)) قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ، وَأَدَّيْتَ، وَنَصَحْتَ، فَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السََّّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ، وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ: ((اللَّهُمَّ اشْهَدْ، اللَّهُمَّ اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَنَّنَ، ثُمَّ أَقَامَ، فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ، فَصَلَّى الْعَصْرَ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئاً، ثُمَّ رَكِبَ ٩ (١٨) - بَابُ ذِكْرٍ حَدِيثٍ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﴿َّ الطَِّيلِ ... إلخ - حديث رقم (٢٩٥٠) رَسُولُ اللهِ بَّهِ حَتَّى أَتَّى الْمَوْقِفَ، فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ إِلَى الصَّخَرَاتِ، وَجَعَلَ حَبْلَ الْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفاً حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلاً، حَتَّى غَابَ الْقُرْصُ، وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ خَلْفَهُ، وَدَفَعَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ، وَقَدْ شَنَقَ لِلْقَصْوَاءِ الزَّمَامَ، حَتَّى إِنَّ رَأْسَهَا لَيُصِيبُ مَوْرَِكَ رَحْلِهِ، وَيَقُولُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى: ((أَيُّهَا النَّاسُ السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ))، كُلَّمَا أَتَّى حَبْلاً مِنَ الْحِبَالِ أَرْخَى لَهَا قَلِيلاً، حَتَّى تَصْعَدَ، حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ، فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنٍ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْتَهُمَا شَيْئاً، ثُمَّ اضْطَجَعَ رَسُولُ اللهِ وَِّ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، وَصَلَّى الْفَجْرَ حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ، بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ، حَتَّى أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَدَعَاهُ، وَكَبَّرَهُ، وَهَلَّلَهُ، وَوَخَّدَهُ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفاً، حَتَّى أَسْفَرَ جِدّاً، فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَأَرْدَفَ الْفَضْلَ بْنَ عَبَّاسٍ، وَكَانَ رَجُلاً حَسَنَ الشَّعْرِ، أَبْيَضَ، وَسِيماً، فَلَمَّا دَفَعَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ مَرَّتْ بِهِ ظُمُنْ يَجْرِينَ، فَطَفِقَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهِنَّ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ يَدَهُ عَلَى وَجْهِ الْفَضْلِ، فَحَوَّلَ الْفَضْلُ وَجْهَهُ إِلَى الشِّقِّ الْآخَرِ يَنْظُرُ، فَحَوَّلَ رَسُولُ اللهِ وَهِ يَدَهُ مِنْ الشِّقِّ الْآخَرِ، عَلَى وَجْهِ الْفَضْلِ يَصْرِفُ وَجْهَهُ مِنْ الشِّقِّ الْآخَرِ يَنْظُرُ، حَتَّى أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ، فَحَرََّكَ قَلِيلاً، ثُمَّ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْوُسْطَى الَّتِي تَخْرُجُ عَلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى، حَتَّى أَتَى الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ، فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا، مِثْلٍ حَصَى الْخَذْفِ، وَمَى مِنْ بَطْنِ الْوَادِي، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمَنْحَرِ، فَنَحَرَ ثَلَاثاً وَسِتِّينَ بِيَدِهِ، ثُمَّ أَعْطَى عَلِيّاً، فَتَحَرَ مَا غَبَرَ، وَأَشْرَكَهُ فِي هَذْبِهِ، ثُمَّ أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ، فَجُعِلَتْ فِي قِدْرٍ، فَطُبِخَتْ، فَأَكَلَا مِنْ لَحْمِهَا، وَشَرِبًا مِنْ مَرَقِهَا، ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ وَلِهِ، فَأَفَاضَ إِلَى الْبَيْتِ، فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ، فَأَتَى بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، يَسْقُونَ عَلَى زَمْزَمَ، فَقَالَ: ((انْزِعُوا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَلَوْلَا أَنْ يَغْلِبَكُمُ النَّاسُ عَلَى سِقَايَتِكُمْ، لَنَزَعْتُ مَعَكُمْ))، فَنَاوَلُوهُ دَلْواً، فَشَرِبَ مِنْهُ»). ١٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ مصنّف [١٠] (ت٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١/١. ٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه الحنظليّ، أبو يعقوب، أو أبو محمد المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ حجة إمام [١٠] (ت٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥. ٣ - (حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيُّ) أبو إسماعيل الحارثيّ مولاهم، كوفيّ الأصل، صدوقٌ يَهِم، صحيح الكتاب [٨] (ت٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في ((الصلاة)) ١٠٨٦/٤٢. ٤ - (جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن عليّ الهاشميّ، أبو عبد الله المدنيّ المعروف بالصادق، صدوقٌ فقيهٌ إمامٌ [٦] (ت١٤٨) (بخ م ٤) تقدم في ((الحيض)) ٧٤٩/١٠. ٥ - (أَبُوهُ) محمد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، أبو جعفر المدنيّ المعروف بالباقر، ثقةٌ فاضلٌ [٤] مات سنة بضع و(١١٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٦١. ٦ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ـ، مات بالمدينة بعد السبعين، وهو ابن (٩٤) سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤/ ١١٧. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف نَّثُ، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتحاد كيفيّة أخذه عنهما، ثم فرّق؛ لاختلافهما فيها . ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين غير شيخيه، فالأول كوفيّ، والثاني مروزيّ. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه. ٤ - (ومنها): أن صحابيّه ذو مناقب جمّة، فهو ابن صحابيّ، وغزا مع النبيّ وََّ تسع عشرة غزوةً، وهو من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثاً، وهو من المعمّرين، كما مرّ آنفاً، والله تعالى أعلم. ١١ (١٨) - بَابُ ذِكْرِ حَدِيثٍ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﴿هَا الطَّوِيلِ ... إلخ - حديث رقم (٢٩٥٠) شرح الحديث: (عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ) المعروف بالصادق تَظْتُ (عَنْ أَبِيهِ) محمد بن عليّ المعروف بالباقر تَُّ أنه (قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ﴾ ﴿َّا (فَسَأَلَ عَنِ الْقَوْم) أي: عن الجماعة الذين دخلوا عليه؛ لأنه كان إذ ذاك أعمى؛ لأنه عَمِيَ في أَخر عمره، كما صرّح به في هذه الرواية، وفيه عناية الإنسان بالداخلين عليه، والسؤال عنهم؛ لينزل كلّاً منزلته. (حَتَّى انْتَهَى) أي: وصل بالسؤال (إِلَيَّ، فَقُلْتُ: أَنَّا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، فَأَهْوَى بِيَدِهِ إِلَى رَأْسِي) أي: يده إليها، قال الفيّوميّ: يقال: أهوى إلى الشيء بيده: مدّها؛ ليأخذه إذا كان عن قُرْب، فإن كان عن بُعْدٍ قيل: هَوَى إليه بغير ألف، وأهويتُ بالشيء بالألف: أومأتُ به. انتهى (١). (فَتَزَعَ) بفتح الزاي، يقال: نزَعته من موضعه نَزْعاً، من باب ضرب: إذا قَلَعته، وانتزعه: مثله. (زِرِّي الأَعْلَى) بكسر الزاي، وتشديد الراء، هو الذي يوضع في القميص، جمعه: أَزْرارٌ، وزُرُورٌ، قاله في ((القاموس))(٢)، وقال في ((المصباح)): زَرّ الرجلُ القميصَ زَرّاً، من باب قَتَلَ: أدخل الأزرار في الْعُرًا، وزَرّرَه بالتضعيف مبالغةٌ، وأزرّه بالألف: جَعَل أَزرَاراً، واحدها زِرِّ بالكسر. (٣) انتھی(٣). والمعنى: أنه أخرج زرّي من عروته؛ لينكشف صدري عن القميص، وفيه إكرام الرجل بنزع ردائه عنه؛ إيناساً له، وملاطفة، وإظهار مودّة. (ثُمَّ نَزَعَ زِرِّي الْأَسْفَلَ، ثُمَّ وَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ ثَدْبَيَّ) تثنية ثَدْىٍ، بفتح، فسكون، قال الفيّوميّ كَّلُ: الثَّدْيُ: للمرأة، وقد يقال في الرجل أيضاً، قاله ابن السِّكِّيت، ويُذَكَّرُ ويُؤَنَّث، فيقال: هو الثَّدْيُ، وهي الثديُ، والجمع: أَنْدٍ، وتُدِيٌّ، وأصلهما أَفْعُلٌ، وفُعُولٌ، مثلُ أَفْلُس وقُلُوس، وربما جُمِع على ثِدَاءٍ، (١) ((المصباح المنير)) ٦٤٣/٢ - ٦٤٤. (٢) وقال في ((المعجم الوسيط)) ٣٩١/١: الزِّرُّ: شيءٌ كالحبّة، أو القُرْص يُدْخَلُ في الْعُرْوة. انتهى. (٣) ((المصباح المنير)) ١/ ٢٥٢. ١٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج مثلُ سَهْم وسِهَام، والثَّنْدُوَةُ: وزنها فُنْعُلةٌ، بضم الفاء والعين، ومنهم من يجعل النون أصلية، وَالواو زائدة، ويقول: وزنها فُعْلُوَةٌ، قيل: هي مَغْرِزُ الثَّدْي، وقيل: هي اللحمة التي في أصله، وقيل: هي للرجل بمنزلة الثدي للمرأة، وكان رُؤْبَةُ يَهْمِزُها، قال أبو عبيد: وعامة العرب لا تَهْمِزها، وحَكَى في (البارع)) ضم الثاء مع الهمزة، وفتح الثاء مع الواو، وقال ابن السِّكِّيت: وجمع الثَّنْدُوة: ثِنَادٍ، على النقص. انتهى (١). (وَأَنَا يَوْمَئِذٍ غُلَامٌ شَابٌّ) إنما ذكر هذا بياناً لسبب فعل جابر تُه به ما ذُكر من نزع زرّه، وكشف صدره، وذلك أنه تأنيس له لصغره، ولا يُفعل هذا مع الكبار. (فَقَالَ) جابر . (مَرْحَباً بِكَ يَا ابْنَ أَخِي) أي: نزلتَ مكاناً رَحْباً؛ أي: مضرعنه واسعاً، يقال: رَحُبَ المكان رُحْباً، من باب قَرُبَ، فهو رَحِيبٌ، وَرَحْبٌ، مثالُ قَرِيبٍ، وفَلْسٍ، وفي لغة: رَحِبَ رَحَباً، من باب تَعِبَ، وأرحب بالألف مثله، ويَتَعَدَّى بالحرف، فيقال: رَحُبَ بك المكانُ، ثم كَثُرَ حتى تعدى بنفسه، فقيل: رَحُبَتْكَ الدارُ، وهذا شاذٍّ في القياس، فإنه لا يوجد فَعُلَ بالضم إلا لازماً، مثل شَرُفَ وكَرُمَ، ومن هنا قيل: مَرْحَباً بك، والأصل: نزلتَ مكاناً واسعاً، ورَحَّب به، بالتشديد: قال له: مَرْحَباً. انتهى(٢). (سَلْ) أمر من سأل بالهمزة، أو من سال بدونها، قال الفيّوميّ ◌َُّهُ: وسألت الله العافيةَ: طلبتها سؤالاً، ومسألةً، وجمعها: مسائل بالهمز، وسألته عن كذا: استعملته، وتساءلوا: سأل بعضهم بعضاً، والسؤل: ما يُسْأَل، والمسؤول: المطلوب، والأمرُ من سَأَلَ: اسْأَلْ، بهمزة وصل، فإن كان معه واو جاز الهمز؛ لأنه الأصل، وجاز الحذف؛ للتخفيف، نحو: واسْأَلُوا، وسَلُوا، وفيه لغةٌ: سَالَ يَسَالُ، من باب خاف، والأمر من هذه: سَلْ، وفي المثنى والمجموع: سَلا وسَلُوا، على غير قياس، وسِلْتُهُ أنا، وهما يتساولان. انتھی (٣) (٣) . (١) ((المصباح المنير)) ٨٠/١ - ٨١. (٣) ((المصباح المنير)) ١/ ٢٩٧. (٢) ((المصباح المنير)) ٢٢٢/١. ١٣ (١٨) - بَابُ ذِكْرٍ حَدِيثٍ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﴿َّ الطَّوِيلِ ... إلخ - حديث رقم (٢٩٥٠) (عَمَّا شِئْتَ) متعلّق بـ((سَلْ))، و((ما)) اسم موصول بمعنى الذي، ووقع في بعض النسخ بلفظ: ((سَلْ عَمَّ شئتَ))، والظاهر أنه غلطً؛ لأن ((ما)) الموصولة لا تُحذف ألفها، وإنما تحذف ألف ((ما)) الاستفهاميّة، ولا وجه لها هنا، فتأمل، والله تعالى أعلم. (فَسَأَلْتُهُ، وَهُوَ أَعْمَى) جملة حاليّة؛ أي: كان سؤالي له في حال عماه، وإنما طرأ له العمى في آخر حياته، كما قال في ((أُسد الغابة))، ويدلّ على ذلك قوله فيما يأتي من حكايته عن نفسه: ((نظرت إلى مدّ بصري ... إلخ)). وقوله: (وَحَضَرَ وَقْتُ الصَّلَاةِ) جملة معطوفة على ((فسألته))، ويَحْتَمِل أن تكون حالاً بتقدير ((قد)) على رأي البصريين، ودونها على رأي الكوفيين (فَقَامَ فِي نِسَاجَةٍ) قال النوويّ نََّثُ: هي بكسر النون، وتخفيف السين المهملة، وبالجيم، هذا هو المشهور في نسخ بلادنا، ورواياتنا ((صحيح مسلم))، و((سنن أبي داود))، ووقع في بعض النسخ: في ((سَاجَةٍ)) بحذف النون، ونقله القاضي عياض عن رواية الجمهور، قال: وهو الصواب، قال: والساجةُ، والساجُ: ثوبٌ كالطيلسان وشبهه، قال: ورواية النون وقعت في رواية الفارسيّ، قال: ومعناه ثوب مُلَفَّقٌ، قال: قال بعضهم: النون خطأً، وتصحيفٌ، قال النوويّ: وليس كذلك، بل كلاهما صحيح، ويكون ثوباً مُلَفّقاً على هيئة الطيلسان، قال القاضي في ((المشارق)): الساجُ والساجة: الطيلسان، وجمعه سِيجان، قال: وقيل: هي الخضر منها خاصَّة، وقال الأزهريّ: هو طيلسان مُقَوَّرٌ يُنْسَجُ كذلك، قال: وقيل: هو الطيلسان الحسن، قال: ويقال: الطيلسان بفتح اللام، وكسرها، وضمها، وهي أقلّ. انتهى(١). وقال ابن الأثير كَّتُهُ: ((النِّسَاجةُ: هي ضَرْبٌ من الملاحف منسوجةٌ، كانها سُمِّيت بالمصدر، يقال: نسجت أَنْسُجُ نَسْجاً، ونِسَاجَةً)). انتهى(٢). (مُلْتَحِفاً بِهَا) حال من ((نساجة))، وهو اسم فاعل من الْتَحَفَ به: إذا تغطّى، و((اللِّحَافُ: ما يُلتَحَف به، كالْمِلْحَفة، والْمِلْحَف، أفاده (١) ((إكمال المعلم)) ٢٦٦/٤، و(شرح النوويّ)) ١٧٠/٨. (٢) ((النهاية في غريب الأثر)) ٤٥/٥. ١٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج المجد تَّهُ(١)، وقال الفيّوميّ كَُّهُ: الْمِلْحَفةُ بالكسر: هي الْمُلاءة التي تَلْتَحف بها المرأة، واللِّحَافُ، مثلُ كِتَابٍ: كلُّ ثوب يُتَغَتَّى به، والجمع لُحُفٌ، مثلُ کتاب وُتُب. انتهى(٢). (كُلَّمَا وَضَعَهَا) أي: تلك النساجة (عَلَى مَنْكِبِهِ) بفتح الميم، وكسر الكاف، وزانُ مَجْلِس: هو مُجْتَمَعُ رأس العَضُد والْكَتِفِ؛ سُمّي بذلك؛ لأنه يُعْتَمَد عليه (رَجَعَ طَرَفَاهَا إِلَيْهِ، مِنْ صِغَرِهَا) أي: لأجل صغرها (وَرِدَاؤُهُ إِلَى جَنْبِهِ) جملة حاليّة، وقوله: (عَلَى الْمِشْجَبِ) حال أيضاً، وهو بميم مكسورة، ثم شين معجمة ساكنة، ثم جيم، ثم باء موحدة، وهو اسم لأعواد، توضع عليها الثياب، ومتاع البيت، قاله النوويّ(٣). وقال الفيّوميّ تَُّهُ: شَجِبَ شَجَباً، فهو شَجِبٌ، من باب تَعِبَ: إذا هَلَكَ، وتشاجب الأمر: اختَلَطَ، ودخل بعضه في بعض، ومنه اشتقاق المِشْجَب بالكسر، قاله ابن فارس، وقال الأزهريّ: الْمِشْجَبُ: خشباتٌ مُوَثَّقَةٌ، تُنْصَبُ، فيُنشَرُ عليها الثياب. انتهى (٤). (فَصَلَّى بِنَا) أي: صار جابر إماماً لهم في تلك الصلاة التي حضرت، وفيه أن صاحب البيت أحقّ بالإمامة إذا لم يأذن، فقد تقدّم للمصنّف حديث أبي مسعود الأنصاريّ ◌ُه مرفوعاً: ((ولا تؤمّنّ الرجلَ في أهله، ولا في سلطانه، ولا تجلس على تكرمته في بيته إلا أن يأذن لك)). (فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ حَجَّةٍ رَسُولِ اللهِ وَ﴿) بفتح الحاء وكسرها، أصل الحجّ: القصد، قال الفيّوميّ: حَجَّ حَجّاً، من باب قَتَلَ: قَصَدَ، فهو حاج، هذا أصله، ثم قُصِر استعماله في الشرع على قصد الكعبة للحج أو العمرة، ومنه يقال: ما حَجَّ، ولكن دَجَّ، فالحجُّ: القصد للنُّسُك، والدَّتجُّ: القصد للتجارة، والاسم: الحِجُّ بالكسر، والْحِجَّة: المرة بالكسر على غير قياس، والجمع حِجَجْ، مثلُ سِدْرَةٍ وسِدَرٍ، قال ثعلب: قياسه الفتح، ولم يُسْمَع من العرب، وبها سُمِّي الشهر ذو الحجة بالكسر، وبعضهم يفتح في الشهر، وجمعه: ذَوَاتٌ (١) ((القاموس المحيط)) ١٩٤/٣ - ١٩٥. (٣) ((شرح النوويّ)) ١٧١/٨. (٢) ((المصباح المنير)) ٥٥٠/٢. (٤) (المصباح المنير)) ١/ ٣٠٥. ١٥ (١٨) - بَابُ ذِكْرٍ حَدِيثٍ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﴿هُ الطَّوِيلِ ... إلخ - حديث رقم (٢٩٥٠) الحجة. انتهى (١) (فَقَالَ بِيَدِهِ) أي: أشار، ففيه إطلاق القول على الفعل (فَعَقَدَ تِسْعاً) أي: أن يضمّ الوسطى والخنصر والبنصر مع مدّها إلى أصل لحمة الإبهام. [تنبيه]: عقد تسعة من العقود المعروفة عند العرب قديماً حيث يستعملون الأصابع في الحساب، وقد بيّنت ذلك في أبيات، فقلت: لِلْعَرَبِ الْعَرْبَاءِ خُذْ جَوابِي يَا طَالِباً مَعْرِفَةَ الْحِسَابِ بَاطِنٍ كَفِّكَ وَأَحْكِمْ تُصِبٍ لِلْوَاحِدِ اضْمُمْ خِنْصِراً لأَقْرَبٍ تَزِيدُ وُسْطَاكَ ثَلَاثَةً خُذَا الاثْنَيْنِ بِنْصِراً تَزِيدُ وَإِذَا أَرْبَعَةً وَضَمُّ وُسْطَى أَرْشَدَا ضَمُّهُمَا مَعْ رَفِعٍ خِنْصِرٍ غَدَا وَضَمُّ خِنْصِرٍ فَقَطْ لِسَبْعَةِ لِخَمْسَةٍ وِبِنَْصِرٍ لِسِنَّةِ بِأَصْلِ إِنْهَامِكَ خُذْ مَا نَقَلُوا مَعْ مَدِّهَا لِلَحْمَةٍ تَتَّصِلُ وَمَعَهَا الْوُسْطَى لِتِسْعِ وَاقِيَهْ وَمَعَهَا الْبِنْصِرُ لِلثَّمَانِيَهْ إلى آخر الأبيات، وقد تقدّمت في ((كتاب الصلاة))، فراجعها هناك، وبالله تعالى التوفيق. (فَقَالَ) جابر ◌َُّه (إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِّ مَكَثَ) بضمّ الكاف، وفتحها؛ أي: لبث، قال الفيّوميّ ◌َخْذُهُ: مَكَثَ مَكْثاً، من باب قَتَلَ: أقام، وتلبّث، فهو ماكثٌ، ومَكُثَ مُكْثاً، فهو مَكِيثٌ، مثلُ قَرُبَ قُرْباً، فهو قَرِيبٌ لغةٌ، وقرأ السبعة: ﴿فَمَكَثَ غَيّرَ بَعِيدٍ﴾ [النمل: ٢٢] باللغتين، ويتعدّى بالهمزة، فيقال: أمكثه، وتمكّث في أمره: إذا لم يَعْجَل فيه. انتهى(٢). زاد في رواية النسائيّ: ((بالمدينة)) (تِسْعَ سِنِينَ لَمْ يَحُجَّ) اتّفق العلماء على أنه وَ ل﴿ لم يحجّ بعد هجرته إلى المدينة سوى حجة واحدة، وهي حجة الوداع هذه، وعلى أنها كانت سنة عشر (ثُمَّ أَذَّنَ فِي النَّاسِ) بتشديد الذال المعجمة، وفي نسخة: ((ثمّ آذن)) بالمدّ والتخفيف، وفي ((المرعاة)): ((ثمّ أُذّن)) بضمّ الهمزة، وكسر الذال المعجمة، مبنيّ للمجهول؛ أي: نادى منادٍ بإذنه وَل، ويجوز بناؤه للمعلوم؛ أي: أمر بأن ينادى بينهم، قال: وعلى كلا الاحتمالين (١) ((المصباح المنير)) ١/ ١٢١. (٢) ((المصباح المنير)) ٢/ ٥٧٧. ١٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج فالمراد إعلام الناس بحجه وَيهر، وإشاعته بينهم؛ ليتأهّبوا للحج معه، ويتعلّموا المناسك، والأحكام، ويُشاهدوا أفعاله، وأقواله، ويوصيهم ليبلّغ الشاهد الغائب، وتشيع دعوة الإسلام، وتبلغ الرسالة القريب والبعيد، وفيه أنه يُستحبّ للإمام إيذان الناس بالأمور المهمّة؛ ليتأهّبوا لها، ولا سيّما في هذه الفريضة الكثيرة الأحكام المفروضة (١). (فِي الْعَاشِرَةِ) متعلّق بخبر لمبتدإٍ محذوف؛ أي: ذلك كائن في السنة العاشرة من الهجرة، ولا يتعلّق بـ((آذن))، فتنبّه. (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ حَاتجٌ) أي: خارج إلى الحجّ، ومريد له، وقاصد، زاد في رواية أحمد، والنسائيّ: ((هذا العام)) (فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ بَشَرٌ كَثِيرٌ) تحقيقاً لقوله تعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ أي: مشاة ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ أي: راكبين على كل بعير ضعيف ﴿يَأْنِنَ مِن كُلِّ فَجّ عَمِيقٍ﴾ أي: طريق بعيد، ﴿لِيَشْهَدُواْ مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج: ٢٨] أي: ليحضروا منافع دينية، ودنيوية، وأخروية، وفي رواية النسائيّ: «فلم يبق أحد يقدر أن يأتي راكباً، أو راجلاً إلا قَدِمَ، فتدارك الناس؛ ليخرجوا معه)). (كُلُّهُمْ يَلْتَمِسُ) أي: يطلب (أَنْ يَأْتَمَّ) أي: يقتدي (بِرَسُولِ اللهِنَّهِ، وَيَعْمَلَ مِثْلَ عَمَلِهِ) لأنه القدوة الحسنة، ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَّةٌ لِّمَنْ كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (﴾﴾ [الأحزاب: ٢١]، و﴿ وَأَتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]، ﴿وَمَآ ءَالَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنَكُمْ عَنّهُ فَأَنْتَهُواْ﴾ [الحشر: ٧]. وقال القاضي عياض ◌َّتُهُ: هذا مما يدلّ على أنهم كلهم أحرموا بالحج؛ لأنه وَ أحرم بالحج، وهم لا يخالفونه، ولهذا قال جابر ◌َه: ((وما عَمِل من شيء عملنا به))، ومثله توقفهم عن التحلل بالعمرة ما لم يتحلل حتى أغضبوه، واعتذر إليهم، ومثله تعليق عليّ وأبي موسى ظًا إحرامهما على إحرام النبيّ وَّ. انتهى(٢). (فَخَرَجْنَا مَعَهُ) أي: لخمس بقين من ذي القعدة، كما رواه النسائيّ بين (١) ((المرعاة)) ٩/ ٢. (٢) ((إكمال المعلم)) ٤/ ٢٦٧. ١٧ (١٨) - بَابُ ذِكْرِ حَدِيثٍ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﴿َّ الطَِّيلِ ... إلخ - حديث رقم (٢٩٥٠) الظهر والعصر، وروى الترمذيّ، وابن ماجه، عن أنس رَظُه، والطبراني عن ابن عباس ﴿ًّا أنه وَّهِ حج على رَحْلِ رَتِّ، يساوي أربعة دراهم(١). (حَتَّى أَتَيْنَا ذَا الْحُلَيْفَةِ) أي: المكان المعروف بهذا الاسم، وهو ماء من مياه بني جُشَم، وهو ميقات أهل المدينة، نحو مرحلة عنها، ويقال: ستة أميال(٢). (فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ) تقدّمت ترجمتهما قبل باب (فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَِ) الظاهر أنها أرسلت زوجها أبا بكر الصدّيق ◌ِظُه، ويدلّ له ما رواه مالك في ((الموطأ)) عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن أسماء بنت عُميس أنها ولدت محمد بن أبي بكر، فَذَكَر ذلك أبو بكر لرسول الله وَ﴾، ويدلّ عليه أيضاً ما رواه النسائيّ من حديث أبي بكر ره: فأتى أبو بكر النبيّ وَل﴿، فأخبره، فأمره أن يأمرها أن تغتسل، وقوله: (كَيْفَ أَصْنَعُ؟) مقول لقول محذوف حال من الفاعل؛ أي: أرسلت حال كونها قائلةً كيف أصنع؟ أي: في الإحرام بالحجّ. وقال الباجيّ في ((شرح الموطأ)»: يَحْتَمِل أن أبا بكر سأل أن النفاس الذي يمنع صحة الصلاة والصوم يمنع صحّة الحج؟ فبيّن وَيّ أنه لا ينافي الحجّ، ويَحْتَمل أنه سأل عن اغتسالها للإحرام بعد أن عَلِمَ أن إحرامها بالحجّ يصحّ، فخاف أن النفاس يمنع الاغتسال الذي يوجب حكم الطهر. انتهى. (قَالَ) وَمِهِ مجيباً عن سؤالها، مبيّناً كيفيّة ما تصنعه في حال الإحرام ((اغْتَسِلِي) فيه دلالة على أن اغتسال النفساء للإحرام سنة، وهو للنظافة لا للطهارة، ومثلها في ذلك الحائض، كما أمر النبيّ وَّ عائشة رضيّا بذلك حين حاضت بسرف، کما تقدّم بیانه. وقال الخطّابِيّ تَُّ في ((المعالم)): في الحديث استحباب التشبّه من أهل التقصير بأهل الفضل والكمال، والاقتداء بأفعالهم طمعاً في إدراك مراتبهم، ورجاء مشاركتهم في نيل المثوبة، ومعلوم أن اغتسال الحائض والنفساء قبل (١) صححه الشيخ الألبانيّ كَثُ، لغيره، انظر: ((صحيح ابن ماجه)) ٩٦٥/٢. (٢) ((المصباح المنير)) ١٤٦/١. ١٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج أوان الطهر لا يُطهّرهما، ولا يُخرجهما عن حكم الحدث، وإنما هو لفضيلة المكان والوقت. قال وليّ الدين العراقيّ كَّتُهُ: هذا يدلّ على أن العلّة عنده في اغتسالهما التشبّه بأهل الكمال، وهنّ الطاهرات، والظاهر أنه إنما هو لشمول المعنى الذي شُرع الغسل لأجله، وهو التنظيف، وقطع الرائحة الكريهة؛ لدفع أذاها عن الناس عند اجتماعهم، وبذلك علّله الرافعيّ، ولا يَرِد عليه التيمّم عند العجز؛ لأن التنظيف هو أصل مشروعيّته للإحرام، فلا ينافيه قيام التراب مقامه؛ لأنه يقوم مقام الغسل الواجب، فأولى المسنون، وبعد استمرار الحكم قد لا توجد علته في بعض المحالّ. انتهى. قال الخطّابِيّ تَخْتُهُ: وفي أمره ◌َّ الحائض والنفساء بالاغتسال دليل على أن الطاهر أولى بذلك. انتهى(١). (وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ) بالثاء المثلّثة، بعد الفوقيّة: أمر من الاستثفار، يقال: استثفرت الحائض: إذا شدّت على فرجها خرقةً، وعلقت طرفيها إلى شيء مشدود في وسطها من مُقَدَّمها ومؤخرها، مأخوذ من ثَفَر الدابة، وهو ما يكون تحت ذنبها . وقال في ((المرعاة)): الاستثفار هو أن تحتشي المرأة قطناً، وتشُدّ في وسطها شيئاً، وتأخذ خرقةً عريضةً تجعلها على محلّ الدم، وتشدّ طرفيها من قُدّامها ومن ورائها في ذلك المشدود في وسطها، والمقصود أن تجعل هناك ما يمنع من سيلان الدم تنزهاً أن تظهر النجاسة عليها؛ إذ لا تقدر على أكثر من ذلك. قال النوويّ كَّلُهُ: فيه استحباب غسل الإحرام للنفساء، وقد سبق بيانه في باب مستقلّ فيه أمر الحائض والنفساء، والمستحاضة بالاستثفار، وهو أن تَشُدّ في وسطها شيئاً، وتأخذ خرقة عريضة تجعلها على محل الدم، وتشُدّ طرفيها من قُدّامها ومن ورائها في ذلك المشدود في وسطها، وهو شبيه بثَفَر الدابة - بفتح الفاء - وفيه صحة إحرام النفساء، وهو مجمع عليه. انتهى(٢). (١) راجع: ((المرعاة)) ٤/٩. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٧٢/٨. ١٩ (١٨) - بَابُ ذِكْرٍ حَدِيثٍ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رِ﴿ّ الطَّوِيلِ ... إلخ - حديث رقم (٢٩٥٠) (وَأَحْرِمِي))) بقطع الهمزة، من الإحرام؛ أي: أحرمي بالنّة والتلبية، وفيه صحّة إحرام النفساء، ومثلها الحائض، وأولى منهما الجنب؛ لأنهما شاركتاه في شمول اسم الحدث، وزادتا عليه بسيلان الدم، وهو مجمع عليه (١). (فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ وَّهِ﴾ أي: ركعتي الظهر، وقيل: سنة الإحرام، والصحيح الأول (فِي الْمَسْجِدِ) أي: في مسجد ذي الحليفة، قال ابن العجميّ في منسكه: ينبغي إن كان في الميقات مسجد أن يصلي ركعتي الإحرام فيه، ولو صلاهما في غير المسجد فلا بأس به، ولو أحرم بغير صلاة جاز، ولا يصلّ في أوقات الكراهة، وتجزىء المكتوبة عنهما كتحيّة المسجد، وقيل: صلى الظهر، وقال ابن القيّم: لم ينقل أنه وَلّ صلى للإحرام ركعتين غير فرض الظهر، وقد تقدّم البحث في هذا مستوفّى، وبالله تعالى التوفيق. (ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ) بفتح القاف، وبالمدّ: اسم ناقة النبيّ بَّ، قال القاضي عياض تَظُّْهُ: ووقع في نسخة العذريّ ((القُصْوَى)) بضم القاف، والقصر، قال: وهو خطأ، قال القاضي: قال ابن قتيبة: كانت للنبيّ وَّهُ نُوقٌ: القصواء، والجدعاء، والعضباء، قال أبو عبيد: العضباء: اسم لناقة النبيّ وَ لآ، ولم تسم بذلك لشيء أصابها، قال القاضي: قد ذكر هنا أنه ((رَكِب القصواء))، وفي آخر هذا الحديث: ((خطب على القصواء))، وفي غير مسلم: ((خطب على ناقته الجدعاء))، وفي حديث آخر: ((على ناقةٍ خَرْماء))، وفي آخر: ((العضباء))، وفي حديث آخر: ((كانت له ناقة لا تُسْبَق))، وفي آخر: ((تسمى مخضرمة))، وهذا كله يدل على أنها ناقة واحدة، خلاف ما قاله ابن قتيبة، وأن هذا كان اسمها، أو وصفها لهذا الذي بها، خلاف ما قال أبو عبيد، لكن يأتى في ((كتاب النذر)) أن القصواء غير العضباء، كما سنبينه هناك. قال الحربيّ: الْعَضْبُ والْجَدْع، والْخَرْم، والْقَصْوُ، والْخَضْرمة في الأُذن، قال ابن الأعرابيّ: القصواء التي قُطِع طرف أذنها، والجدع أكثر منه. وقال الأصمعيّ: والقصو مثله، قال: وكل قطع في الأذن جدع، فإن جاوز الربع فهي عضباء، والمخضرم مقطوع الأذنين، فإن اصطلمتا فهي صَلْمَاء. (١) ((المرعاة)) ٤/٩. ٢٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج وقال أبو عبيد: القصواء المقطوعة الأذن عرضاً، والمخضرمة المستأصلة، والعضباء المقطوعة النصف فما فوقه. وقال الخليل: المخضرمة مقطوعة الواحدة، والعضباء مشقوقة الأذن. قال الحربيّ: فالحديث يدلّ على أن العضباء اسم لها، وإن كانت عضباء الأذن، فقد جُعِل اسمها. انتهى كلام القاضي نَّثُهُ. وقال محمد بن إبراهيم التيميّ التابعيّ وغيره: إن العضباء، والقصواء، والجدعاء اسم لناقة واحدة، كانت لرسول الله وَ ظله. انتهى(١). وقال النوويّ ◌َُّ في ((المجموع)): ((القَضْواء)) - بفتح القاف، وإسكان الصاد، وبالمدّ - قال أهل اللغة: يقال: شاة قصواء، وناقة قصواء: إذا قُطِع من أذنها شيءٌ لا يجاوز الربع، فإن جاوز فهي عضباء، قال العلماء: ولم تكن ناقة النبيّ و﴿ مقطوعاً من أذنها شيءٌ، قال صاحب المطالع: قال الدراورديّ: إنما قيل لها: القصواء؛ لأنها كانت لا تكاد تُسْبَقُ، قال الجوهريّ: يقال: شاة قصواء، وناقة قصواء، ولا يقال: جَمَلٌ أقصى، وإنما يقال: مَقْصُوّ، ومَقْصِيٍّ، كما يقال: امرأة حسناء، ولا يقال: رجل أحسن، وكان يقال لهذه الناقة: القصواء، والقصى، والجدعاء، قال العلماء: هي اسم لناقة واحدة، وقيل: هي ثلاثٌ، والله أعلم. انتهى(٢). [تنبيه]: عقد الحافظ العراقيّ تَخْذُّ في ((ألفيّة السيرة)) باباً في بيان جِماله وَلفقير، فقال: ((باب ذكر لقاحه، وجماله ◌َّالآ)): عُرَيِّسٌ بَغُومُ السَّمْرَاءُ كَانَتْ لَهُ لِقَاحٌ الْحِنَّاءُ حَفَدَةٌ مَهْرَةُ وَالْيُسَيْرَةُ بُرْدَةُ وَالْمَرْوَةُ وَالسَّعْدِيَّةُ عَضْبَاء وَجَدْعَاءُ هُمَا الْقَصْوَاءُ رَيَّاءُ وَالشَّقْرَاءُ وَالصَّهْبَاءُ وَجَمَلٌ أَحْمَرُ وَالْمُكْتَسَبُ وَغَيْرُهُنَّ وَالْحِمَالُ الثَّعْلَبُ جَهْلٍ فَأَهْدَاهُ إِلَى الْبَيْتِ النَّبِي غَنِمَهُ فِي يَوْمٍ بَدْرٍ مِنْ أَبِي غَاظَ بِهِ كُفَّارَ أَهْلِ مَكَّةٍ فِي أَنْفِهِ بُرَةٌ اَيْ مِنْ فِضَّةِ (حَتَّى إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى الْبَيْدَاءِ) بفتح الموحّدة، وسكون التحتانيّة: (١) ((شرح النوويّ)) ١٧٣/٨. (٢) ((المجموع شرح المهذّب)) ١١٩/٨.