النص المفهرس
صفحات 401-420
٤٠١
(١٤) - بَابُ مَا يُفْعَلُ بِالْمُحْرِمِ إِذَا مَاتَ - حديث رقم (٢٨٩٢)
الغنم، وهو موتها بداء يأخذها، فلا يُلبثها، قاله في ((المفهم))(١).
وقال في ((القاموس)): قَعَصَهُ، كمنعه: قتله مكانه، كأقعصه، وانقعص:
مات، والشيءُ انثنى، وقال أيضاً: الْقَعْصُ: الموت الْوَحِيّ، ومات قعصاً:
أصابته ضربة، أو رَمْيةٌ، فمات مكانه، وكغُرَاب: داء في الغنم، لا يُلبثها أن
تموت، وداء في الصدر، كأنه يَكسر العُنُق. انتهى(٢).
وقوله: (وَلَا تُحَنِّطُوهُ) هو بالحاء المهملة؛ أي: لا تُمِسُّوه حَنُوطاً،
والْحَنُوط بفتح الحاء، ويقال له: الْحِنَاط بكسر الحاء، وهو أخلاط من طيب،
تُجمع للميت خاصّة، لا تُستعمل في غيره.
قال الفّوميّ كَّتُ: الْحَنُوطِ، والْحِنَاطُ، مثلُ رَسُولٍ، وكِتَابِ: طيبٌ يُخلط
للميت خاصّةً، وكلُّ ما يُطيّب به الميتُ، من مسك، وذَرِيرةٍ، وصَنْدَل، وعَنْبَرٍ،
وكافورٍ، وغير ذلك، مما يُذَرّ عليه؛ تطبيباً له، وتخفيفاً لرطوبته، فهو حَنُوط.
انتهى (٣)
وقوله: (وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ) أي: لا تغطوه، قال القرطبيّ كَُّهُ: قال
بمقتضى ظاهر هذا الحديث: الشافعي، وأحمد، وإسحاق. فقالوا: إذا مات
المحرم لا يحنَّط، ولا يغطى رأسه. وقال مالك، والكوفيون، والحسن،
والأوزاعي: إنه يُفعل به ما يُفعل بالحلال. وكأنهم رأوا: أن هذا الحكم
مخصوص بذلك الرجل. واستدل لهم بوجهين:
أحدهما: أن التكاليف إنما تلزم الأحياء، لا الأموات.
وثانيهما: أن قوله وَله: ((فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً))؛ تصريح بالمقتضي
لذلك، ولا يعلم ذلك غير النبيّ ◌َّهور، فهو تعليل قاصر على ذلك الرجل.
وقد أجيب عن الأول: بأن الميت لما كان غير مكلف؛ فالحيّ هو
المكلف بأن يفعل به ذلك.
وعن الثاني: أنه وإن لم يعلم ذلك غير النبيّ وَّ، لكنه يُرْجَى من
فضل الله أن يفعل ذلك بكل من اتفق له من المحرمين مثل ذلك. وهذا كما قد
(١) ((المفهم)) ٢٩٣/٣.
(٣) ((المصباح المنير)) ١٥٤/١.
(٢) ((القاموس المحيط)) ٣١٤/٢.
٤٠٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
قال ◌َّه في الشهيد: ((إنه يبعث يوم القيامة وجرحه يثعب دماً، اللون لون دم،
والعَرْف عَرْف مسك)). انتهى(١).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث
الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢٨٩٣] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِيهِ عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ
أَيُّوبَ، قَالَ: نُبِّئْتُ عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ، عَن ابْنِ عَبَّاسِ ﴿يَا أَنَّ رَجُلاً كَانَ وَاقِفاً
مَعَ النَّبِيِّ ◌ِ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَذَكَرَ نَحْوَ مَا ذَكَرَ حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، تقدّم في الباب
الماضي.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن عُليّة، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (نُبِّئْتُ عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ) هكذا في رواية إسماعيل ابن عليّة،
عن أيوب قال: نُبِّئتُ، ولم يذكر من أنبأه، وقد رواه المصنّف في الرواية
السابقة، عن أبي الربيع، عن حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، وأيوب،
كلاهما عن سعيد بن جبير، ولم يقل: ((نُبِّئتُ))، وكذلك أخرجه البخاريّ عن
سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، عن أيوب وحده، عن سعيد بن جُبير،
ولم يقل: ((نُبِّئْتُ)).
وقد أجاب الحافظ الرشيد العطّار ◌َآهُ(٢) في رسالته التي تقدّمت في
(شرح المقدّمة)): فقال: ووقع في بعض طرقه في كتاب مسلم أيضاً، من رواية
(١) ((المفهم)) ٢٩٣/٣ - ٢٩٤.
(٢) هو الحافظ أبو الحسين يحيى بن عليّ بن عبد الله القرشيّ المصريّ المالكيّ الشهير
برشيد الدين العطار (٥٨٤ - ٦٦٢هـ).
٤٠٣
(١٤) - بَابُ مَا يُفْعَلُ بِالْمُحْرِمِ إِذَا مَاتَ - حديث رقم (٢٨٩٣)
إسماعيل ابن علية، عن أيوب، قال: نُبِّئت عن سعيد، عن ابن عباس: ((أن
رجلاً كان واقفاً مع النبي ◌َّ، وهو محرم ... )) الحديث. وهذا أيضاً يدخل
في باب المقطوع، على مذهب الحاكم وغيره، إلا أن مسلماً تَخَّتُهُ، لم يورده
هكذا إلا بعد أن أورده من حديث حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، وأيوب،
كلاهما عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿يا متصلاً، ثم أورد بعده حديث
ابن علية الذي ذكرناه لينبّه - والله أعلم - على الاختلاف فيه على أيوب، وإذا
اختلف حماد بن زيد، وغيره، في حديث أيوب بن أبي تميمة، فالقول قول
حماد بن زيد، وقد روى ابن أبي خيثمة، عن يحيى بن معين، أنه قال: ليس
أحد في أيوب أثبت من حماد بن زيد.
قال الرشيد نَّلهُ: ولهذا قدّم مسلم في هذا الحديث طريق حماد على
طريق ابن علية، والله ما أعلم.
وقد أخرجه البخاري عن سليمان بن حرب، وأبو داود عن مسدد،
والنسائي عن قتيبة، كلهم عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن سعيد بن جبير،
عن ابن عباس، فتبيّن اتصاله، والحمد لله.
قال الجامع عفا الله عنه: خلاصة ما أشار إليه الرشيد دَخْذَتُهُ أن مسلماً تَظّتُهُ
لم يورد رواية إسماعيل ابن عليّة هذه هنا اعتماداً عليها، بل اعتماده على رواية
حماد بن زيد التي قبلها، وهي التي أخرجها البخاريّ، وأبو داود، والنسائيّ؛
إذ هي متّصلة، وأما هذه فإنما أوردها لبيان الاختلاف الواقع في إسناد هذا
الحديث مع الإشارة إلى ترجيح رواية حمّاد عليها؛ إذ هو مقدّم في أيوب على
غيره، وقد تقدّم هذا البحث مطوّلاً في مقدّمة ((قرّة عين المحتاج))، فراجعه
(١)
تستفد، وبالله تعالى التوفيق
٠
[تنبيه]: رواية إسماعيل ابن عُليّة، عن أيوب هذه لم أجدها بنصّها،
ولكن ساق نحوها أبو عوانة دَّثُ في ((مسنده)) (٢٧٤/٢):
(٣١١٨) - حدّثنا عليّ بن عبد الصمد، نا داود بن رُشيد، نا ابن عُليّة، نا
(١) راجع: ((قرة عين المحتاج في شرح مقدّمة صحيح مسلم بن الحجاج)) ١٠٨/١ -
١١١.
٤٠٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
أيوب، عن رجل، وعمرو بن دينار، وجعفر بن أبي وحشية، عن سعيد بن
جبير، عن ابن عباس: أن رجلاً كان واقفاً مع النبيّ وَّ بعرفة، فصُرِع عن
راحلته، فأقعصته، أو قال كلمة نحو هذا، فقال رسول الله صلى: ((اغسلوه بماء
وسدر، ولا تحنِّطوه، وكفنوه في ثوبيه، ولا تخمروا رأسه، فإنه يبعث يوم
القيامة - قال: وقال أحدهما: يلبي، وقال الآخر: ملبياً، وقال الآخر: ملبداً.
انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢٨٩٤] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَم، أَخْبَرَنَا عِيسَى، يَعْنِي ابْنَ
يُونُسَ، عَنْ ابْنِ جُرَيْج، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ، عَن ابْنِ
عَبَّاسِ ضَا قَالَ: أَقْبَلَّ رَجُلٌ حَرَاماً مَعَ النَّبِيِّ ◌َّهِ، فَخَرَّ مِنْ بَعِيرِهِ، فَوُقِصَ وَقْصاً،
فَمَاتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَأَلْبِسُوهُ ثَوْبَيْهِ، وَلَا تُخَمِّرُوا
رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُلَبِّي))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلّهم ذُكروا في الباب، والذي قبله.
وقوله: (أَقْبَلَ رَجُلٌ حَرَاماً) أي: محرماً، قال النوويّ تَخْذُ: هكذا هو في
معظم النسخ، وفي بعضها: ((حَرَامٌ))، وهذا هو الوجه، وللأول وجهٌ أيضاً،
ويكون حالاً وقد جاءت الحال من النكرة على قلّة، كما أشار إلى ذلك ابن
مالك كثُ في ((خلاصته)) حيث قال:
لَمْ يَتَأَخَّرْ أَوْ يُخَصَّصْ أَوْ يَبِنْ
وَلَمْ يُنَكَّرْ غَالِباً ذُو الْحَالِ إِنْ
يَبْغِي امْرُؤٌ عَلَى امْرِىءٍ مُسْتَسْهِلَا))
مِنْ بَعْدِ نَفِي أَوْ مُضَاهِيهِ كَـالَا
وقوله: (فَخَرَّ مِنْ بَعِيرِهِ) أي: سقط من ظهره.
وقوله: (فَوُقِصَ وَقْصاً) بالبناء للمفعول؛ أي: كُسرت عنقه كسراً، يقال:
وُقِصَ الرجلُ، فهو موقوصٌ.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
٤٠٥
(١٤) - بَابُ مَا يُفْعَلُ بِالْمُحْرِمِ إِذَا مَاتَ - حديث رقم (٢٨٩٥ - ٢٨٩٦)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَظْهُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢٨٩٥] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاه عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ
الْبُرْسَانِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج، أَخْبَرَنِ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، أَنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرِ أَخْبَرَهُ،
قَالَ: أَقْبَلَ رَجُلٌ حَرَامٌ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ:
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ .
((فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّياً))، وَزَادَ: لَمْ يُسَمِّ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ حَيْثُ خَرَّ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسّيّ، تقدّم قريباً.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ الْبُرْسَانِيُّ) تقدّم أيضاً قريباً.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (بِمِثْلِهِ) أي: بمثل حديث عيسى بن يونس عن ابن جريج.
وقوله: (غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ) الضمير لمحمد بن بكر الْبُرسانيّ، وكذا فاعل
((وزاد)).
وقوله: (وَزَادَ: لَمْ يُسَمِّ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرِ حَيْثُ خَرَّ) أي: زاد محمد بن بكر
في روايته قوله: ((لم يُسمّ سعيد بن جبير حيث مات)) أي: المكان الذي مات
فيه ذلك الرجل الموقوص، وقد بُيّن ذلك المكان فيما سبق من رواية عمرو بن
دينار، وأيوب السختيانيّ، كلاهما عن سعيد بن جبير، وفيه: ((بينما رجل واقف
مع رسول الله وَيقول بعرفة ... )) الحديث، فتبيّن أنه مات بعرفة، والله تعالى
أعلم.
[تنبيه]: رواية محمد بن بكر، عن ابن جريج هذه لم أجد من ساقها
تامّة، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٨٩٦] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِبِعُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ
عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ ◌ِِّ: أَنَّ رَجُلاً أَوْقَصَتْهُ
رَاحِلَتْهُ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَمَاتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ نَِّ: ((اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ
فِي ثَوْبَيْهِ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، وَلَا وَجْهَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّياً)).
٤٠٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم قريباً
٢ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (سُفْيَانُ) الثوريّ، تقدّم أيضاً قريباً.
والباقون ذُكروا قبله، والحديث متفق عليه، وقد تقدّم شرحه، وبيان
مسائله .
[تنبيه]: قوله: (وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، وَلَا وَجْهَهُ) وفي رواية أبي بشر، عن
سعيد بن جبير: ((خارجٌ رأسه، ووجهه))، وفي رواية أبي الزبير، عن سعيد:
((فأمرهم رسول الله ◌َالقر أن يغسلوه بماء وسدر، وأن يكشفوا وجهه))، وفي رواية
منصور، عن سعيد: ((ولا تُغَطُّوا وجهه)).
قال السنديّ تَكْثُ في ((شرح النسائيّ)): قيل: كشف الوجه ليس لمراعاة
الإحرام، وإنما هو لصيانة الرأس من التغطية، كذا ذكره النوويّ، وزعم أن هذا
التأويل لازم عند الكل.
قال السنديّ: ظاهر الحديث يفيد أن المحرم يجب عليه كشف وجهه
أيضاً، وأن الأمر بكشف وجه الميت لمراعاة الإحرام، نعم من لا يقول
بمراعاة إحرام الميت يحمل الحديث على الخصوص، ولا يلزم منه أن يؤول
الحديث، كما قال النوويّ، والله أعلم.
قال الحافظ ◌َُّ: واستُدِلّ بذلك على بقاء إحرامه؛ خلافاً للمالكيّة،
والحنفيّة، وقد تمسّكوا من هذا الحديث بلفظة اختلف في ثبوتها، وهي قوله:
(ولا تخمّروا وجهه))، فقالوا: لا يجوز للمحرم تغطية وجهه، مع أنهم لا
يقولون بظاهر هذا الحديث فيمن مات محرماً. وأما الجمهور، فأخذوا بظاهر
الحديث، وقالوا: إن في ثبوت ذكر الوجه مقالاً، وتردّد ابن المنذر في صحّته،
وقال البيهقيّ: ذكر الوجه غريبٌ، وهو وَهَمٌّ من بعض رواته.
وفي كلّ ذلك نظر، فإن الحديث ظاهره الصحّة، ولفظه عند مسلم من
طريق إسرائيل، عن منصور، وأبي الزبير، كلاهما عن سعيد بن جبير، عن ابن
عبّاس، فذكر الحديث، قال منصور: (ولا تُغَظُوا وَجْهَهُ)). وقال أبو الزبير:
٤٠٧
(١٤) - بَابُ مَا يُفْعَلُ بِالْمُحْرِمِ إِذَا مَاتَ - حديث رقم (٢٨٩٦)
((وأن يكشفوا وجهه))(١).
وأخرجه النسائيّ، من طريق عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير بلفظ:
((ولا يُمسّ طيباً خارجٌ رأسه))، قال شعبة: ثم حدثني به بعد ذلك، فقال:
(خارج رأسه ووجهه)). انتهى. وهذه الرواية تتعلق بالتطيب، لا بالكشف،
والتغطية، وشعبة أحفظ من كلّ من روى هذا الحديث، فلعلّ بعض رواته انتقل
ذهنه من التطيب إلى التغطية.
وقال أهل الظاهر: يجوز للمحرم الحيّ تغطية وجهه، ولا يجوز للمحرم
الذي يموت، عملاً بالظاهر في الموضعين.
وقال آخرون: هي واقعة عين، لا عموم لها؛ لأنه علّل ذلك بقوله: ((فإنه
يبعث يوم القيامة ملبياً))، وهذا الأمر لا يتحقّق وجوده في غيره، فيكون خاصّاً
بذلك الرجل، ولو استمرّ بقاؤه على إحرامه لأَمَرَ بقضاء مناسکه.
وقال أبو الحسن ابن القصّار: لو أريد تعميم هذا الحكم في كلّ محرم
لقال: ((فإن المحرم))، كما جاء: ((أن الشهيد يبعث، وجرحه يثعب دماً)).
وأجيب بأن ظاهر الحديث ظاهر في أن العلّة في الأمر المذكور كونه كان
في النسك، وهي عامة في كلّ محرم، والأصل أن كلّ ما ثبت لواحد في زمن
النبيّ وَّ ثبت لغيره، حتى يتّضح التخصيص. انتهى المقصود من كلام
الحافظ .
وقد أجاد المحدّث الكبير الشيخ الألباني تَُّ في كتابه ((إرواء الغليل))،
حيث حقّق صحّة زيادة ذكر الوجه في هذا الحديث خلاف ما قاله البيهقيّ
وغيره من أن ذكره غريب، وحاصل ما قاله الشيخ بعدما خرّج الحديث:
وفي رواية منصور، عن سعيد بن جبير بلفظ: ((ولا تُغَظُوا وجهه))، بدل:
((ولا تخمّروا رأسه))، رواه مسلم، وأبو عوانة، وابن الجارود، والبيهقيّ، وكذلك
(١) قال الجامع: نقل الحافظ تخلّفُ لرواية مسلم تخليط، فقوله: من طريق إسرائيل، عن
منصور، وأبي الزبير، ليس كذلك؛ لأن رواية إسرائيل قاصرة على منصور، وأما
أبو الزبير، فإنما روى عنه زهير، لا إسرائيل، وقوله: وقال أبو الزبير: ((ولا
تكشفوا وجهه)) ليس كما قال، بل هو: ((وأن يكشفوا وجهه))، فتنبه.
٤٠٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
رواه جماعة عن عمرو بن دينار، عن ابن جبير. أخرجه الطبرانيّ، والدارقطنيّ.
وجمع بينهما سفيان، وهو الثوريّ، عن عمرو بن دينار بلفظ: ((ولا تخمّروا
رأسه، ولا وجهه))، أخرجه مسلم، وابن ماجه، والبيهقيّ، من طريقين عن
وكيع، عن سفيان به، وتابع وكيعاً أبو داود الْحَفَريّ، عن سفيان به، أخرجه
النسائيّ بسند صحيح.
وتابعه أشعث بن سوّار، وهو ضعيف، وأبو مريم، وأظنه عبد الغفّار بن
قاسم الأنصاريّ رافضيّ ليس بثقة، كلاهما عن عمرو بن دينار به، أخرجه
الطبرانيّ. وفي رواية أبي الزبير، عن سعيد بن جبير بلفظ: ((وأن يكشفوا وجهه
- حسبته قال: ورأسه))، أخرجه مسلم، وأبو عوانة، والبيهقيّ تعليقاً، وقال:
وذكر الوجه فيه غريب، ورواية الجماعة الذين لم يشكوا، وساقوا المتن،
أحسن سياقة أولى بأن تكون محفوظة.
ويرد عليه ما سبق من الطرق، والمتابعات التي لا شكّ فيها أصلاً،
ولهذا تعقّبه ابن التركمانيّ.
قلت: قد صحّ النهي عن تغطيتهما، فجمعهما بعضهم، وأفرد بعضهم
الرأس، وبعضهم الوجه، والكلّ صحيح، ولا وهم في شيء منه في متنه، وهذا
أولى من تغليط مسلم. يعني في إخراجه للرواية التي فيها ذكر الوجه، وهو كما
قال، فإنه يبعد جدّاً أن يجتمع أولئك الثقات على ذكر هذه الزيادة في الحديث
خطأ منهم جميعاً، فهي زيادة محفوظة، إن شاء الله تعالى.
وقد جاءت من طريق آخر عن سعيد بن جبير، يرويه شعبة، قال: سمعت
أبا بشر يحدّث، عن سعيد بن جبير ... فذكر الحديث بلفظ: (( ... وأن يكفّن
في ثوبين، ولا يمسّ طيباً، خارجٌ رأسُهُ، قال شعبة: ثم حدثني به بعد ذلك:
خارج رأسه ووجهه))، أخرجه مسلم، وأبو نعيم، والبيهقيّ. وأخرجه النسائيّ،
بلفظ: ((وكفّنوه في ثوبين، ثم قال على أثره: خارجاً رأسه، قال: ولا تمسّوه
طيباً، فإنه يُبعث يوم القيامة ملبياً، قال شعبة: فسألته بعد عشر سنين، فجاء
بالحديث كما كان يجيء به إلا أنه قال: ولا تخمّروا وجهه ورأسه)). أخرجه
من طريق خالد: حدّثنا شعبة به.
وأخرجه ابن حبّان في (صحيحه)) من طريق أبي أسامة، عن شعبة بهذا
٤٠٩
(١٤) - بَابُ مَا يُفْعَلُ بِالْمُحْرِمِ إِذَا مَاتَ - حديث رقم (٢٨٩٧)
اللفظ: ((ولا تخمّروا وجهه ورأسه)) كما في ((الجوهر النقي))، ثم أخرجه
النسائيّ، من طريق خَلَف بن خليفة، عن أبي بشر بلفظ: ((ولا يُغَّى رأسه
ووجهه)). وإسناده على شرط مسلم، إلا أن خلفاً هذا كان اختلط في الآخر،
ومن طريقه رواه ابن حزم في ((حجة الوداع))، كما في ((الجوهر النقيّ))، وعزاه
إليه وحده، وهو قصور.
وأما قول الحافظ في ((الفتح)) ٤/ ٤٧ بعد أن ذكر رواية شعبة هذه من
طريق مسلم: ((وهذه الرواية تتعلّق بالتطيّب، لا بالكشف والتغطية، وشعبة
أحفظ كلّ من روى هذا الحديث، فلعلّ بعض رواته انتقل ذهنه من التطيّب إلى
التغطية)).
قلت: وهذا من الحافظ أمر عجيب، فإن الطرق كلها تدلّ أن الرواية إنما
تتعلّق بالكشف، لا بالتطيب، على خلاف ما حملها عليه الحافظ، وإنما غرّه
رواية مسلم، وفيها تقديم، وتأخير، كما دلّ على ذلك رواية النسائيّ وغيره،
فقوله: ((خارج رأسه) عند مسلم جملة حالية لقوله: ((وأن يكفّن في ثوبين))، لا
لقوله: ((ولا يمسّ طيباً)) كما توهّم الحافظ، ويؤيّد ذلك رواية شعبة نفسه فضلاً
عن غيره: ((ولا تخمّروا وجهه ورأسه))، فإنها صريحة فيما ذكرنا .
وجملة القول أن زيادة الوجه في الحديث ثابتة محفوظة عن سعيد بن
جبير من طرق عنه، فيجب على الشافعيّة أن يأخذوا بها كما أخذ بها الإمام
أحمد في رواية عنه، كما يجب على الحنفيّة أن يأخذوا بالحديث، ولا يتأوله
بالتأويلات البعيدة توفيقاً بينه وبين مذهب إمامهم. انتهى كلام الشيخ الألباني،
وهو تحقيقٌ نفيس جدّاً.
والحاصل أن زيادة ((وجهه)) صحيحة، فيجب العمل بها، فيحرم على
المحرم تغطية وجهه، ورأسه، كما هو ظاهر مذهب النسائيّ تَخْشُهُ، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْتُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢٨٩٧] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو
بِشْرٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿ّا (ح) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى،
٤١٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
ـا؛
وَاللَّفْظُ لَهُ، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
أَنَّ رَجُلاً كَانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَِّ مُحْرِماً، فَوَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ، فَمَاتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ:
((اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ، وَلَا تَمَسُّوهُ بِطِيبٍ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ،
فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّداً))).
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ :
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ) الدُّولابِيّ، أبو جعفر البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠]
(ت٢٢٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٧/٥.
٢ - (هُشَيْمُ) بن بشير، تقدّم قريباً.
٣ - (أَبُو بِشْرٍ) بن أبي وحشيّة جعفر بن إياس الواسطيّ، بصريّ الأصل،
ثقةٌ من أثبت الناس في سعيد بن جبير [٥] (ت٥ أو ١٢٦) (ع) تقدم في
((الطهارة)) ٥٧٨/٩.
[تنبيه]: كون أبي بشر هذا هو جعفر بن إياس هو الذي ذكره في ((تحفة الأشراف»
(٤ / ٣٠٢) ومن الغريب أن القاضي عياض، وتبعه النوويّ قال في ((شرحه)): أبو بشر
هذا هو الْعنبريّ، واسمه الوليد بن مسلم يُعدّ في البصريين ... إلخ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن الأول هو الصواب؛ لأمور:
(الأول): أن الحافظ أبا عوانة صرّح به في ((مسنده))، فقال (٢٧٤/٢):
((وجعفر بن أبي وحشيّة)).
(والثاني): أن الحافظ المزيّ صرح به أيضاً في ((تحفته)) (٣٠٢/٤)،
حيث أورد الحديث في ((ترجمة جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبير))، ولم
يتعقّبه الحافظ في ((النكت))، بل وافقه عليه.
(والثالث): أنه لم يذكر المزيّ في ((تحفته)) ترجمة الوليد بن مسلم عن
سعيد بن جبير أصلاً، لا في هذا الحديث، ولا في غيره.
والحاصل أن أبا بشر هذا هو جعفر بن إياس، لا الوليد بن مسلم، فتأمله
بالإنصاف، والله تعالى وليّ التوفيق.
(١) راجع: ((إكمال المعلم)) ٢٢٤/٤، و((شرح النوويّ)) ١٣٠/٨.
٤١١
(١٤) - بَابُ مَا يُفْعَلُ بِالْمُحْرِمِ إِذَا مَاتَ - حديث رقم (٢٨٩٨)
٤ - (يَحْبَى بْنُ يَحْتَى) التميميّ، تقدّم قريباً.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (فَوَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ) ورُوي: ((فأوقصته))، وهما صحيحان، قاله
القاضي، أبو الفضل اليحصبي. قال: ولم يذكر صاحب ((الأفعال)) إلا ((وقصه))
لا غير، والوقص ههنا كسر العنق، ومعناه: أنها صرعته، فدقت عنقه، وجاء
في بعض طرقه أيضاً: ((فأقعصته))، ومعناه: قتلته لوقته، ورُوي: ((فأقصعته))
بتقديم الصاد على العين، ومعناه: فضخته، وهكذا جاء: ((فأقعصته)) رباعياً،
وقال بعض العلماء: الوجه فيه أن يكون ثلاثياً، والله تعالى أعلم.
وقوله: (وَلَا تَمَسُّوهُ) بفتح التاء، والميم، يقال: مَسّ الماء الجسدَ، من
باب تَعِبَ، مَسَّاً: أصابه، ويتعدى إلى ثان بالحرف، وبالهمزة، فيقال: مسِسْتُ
الجسدَ بماء، وأمسَسْتُ الجسد الماءَ، قاله في ((المصباح))، فالباء في قوله
(بِطِيبٍ) للتعدية، فما وقع في شرح السيوطيّ، والسنديّ، من ضبطه بضم التاء،
وكسر الميم، من الإمساس رباعياً فغلطٌ، لأن الرباعيّ يتعدى بنفسه، لا بالباء،
ولفظ الرواية التالية: (ولا يُمسُ طيباً)) بالبناء للمفعول، من الإمساس.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ◌َّهُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢٨٩٨] (.) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو كَامِلِ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنِ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا
أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَن ابْنِ عَبَّاسِ رَه: ((أَنَّ رَجُلاً
وَقَصَهُ بَعِيرُهُ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ وَلِ أَنْ يُغْسَلَ
بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَلَا يُمَسَّ طِيباً، وَلَا يُخَمَّرَ رَأْسُهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّداً))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (أَبُو كَامِلِ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنِ الْجَحْدَرِيُّ) البصريّ، تقدّم قريباً.
٢ - (أَبُو عَوَانَّةَ) وضّاح بن عبد الله اليشكريّ، تقدّم أيضاً قريباً.
والباقون ذُكروا قبله.
٤١٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تََّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٨٩٩] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ نَافعِ، قَالَ ابْنُ
نَافِعٍ: أَخْبَرَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بِشْرِ، يُحَدِّثُ عَنْ سَعِيدٍ بْنِ
جُبَيْرٍ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ ﴿يَا يُحَدِّثُ أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ ◌َّهِ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَوَقَعَ
مِنْ نَاقَتِهِ، فَأَفْعَصَتْهُ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ وَّهِ أَنْ يُغْسَلَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَأَنْ يُكَفَّنَ فِي ثَوْبَيْنِ،
وَلَا يُمَسَّ طِيباً، خَارِجٌ رَأْسُهُ، قَالَ شُعْبَةُ: ثُمَّ حَدَّثَنِي بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: خَارِجٌ رَأْسُهُ
وَوَجْهُهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّداً).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) تقدّم قريباً .
٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِع) محمد بن أحمد بن نافع الْعَبديّ البصريّ، صدوقٌ،
من صغار [١٠] مات بعد (٢٤٠) (م ت س) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٨/١٢.
٣ - (غُنْدَرٌ) محمد بن جعفر، تقدّم قريباً.
٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج، تقدّم أيضاً قريباً.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (فأقعصته)؛ أي: قتلته الراحلة قتلاً سريعاً، يقال: قعصه، كمنعه:
قتله مكانه، كأقعصه. قاله في ((القاموس)).
وقوله: (وَأَنْ يُكَفَّنَ فِي ثَوْبَيْنِ) استدلّ به على إبدال ثياب المحرم، وتُعُقّب
بأنه تقدّم بلفظ: ((ثوبيه))، وبالإضافة، وأصرح منه ما وقع في رواية للنسائيّ،
بلفظ: ((في ثوبيه اللذين أحرم بهما))، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقوله: (خَارِجْ رَأْسُهُ) هكذا النسخ بالرفع، وهو خبر لمحذوف؛ أي:
وهو خارج رأسه، والجملة حال من المفعول.
وقوله: (قَالَ شُعْبَةُ: ثُمَّ حَدَّثَنِي بِهِ ... إلخ) أشار به شعبة إلى أن أبا بشر
حدّثه بهذا الحديث مرّتين، ففي المرة الأولى حدّثه بقوله: ((خارج رأسه))، وفي
٤١٣
(١٤) - بَابُ مَا يُفْعَلُ بِالْمُحْرِمِ إِذَا مَاتَ - حديث رقم (٢٩٠٠)
المرة الثانية حدّثه بقوله: ((خارج رأسه ووجهه))، فزاده: ((ووجهه))، وقد تقدّم
أنها زیادة صحیحة، فتنبه.
وقوله: (مُلَبِّداً) من التلبيد، وهو إلزاق بعض الشعر ببعض بنحو الصمغ
حتى لا يتشعّث، ولا يَقْمَل، وإنما يُلبّد من يطول مُكثه في الإحرام(١).
[تنبيه]: كتب في هامش النسخة التركيّة ما نصّه: قوله: ((ملبّداً)) كذا
بصيغة الفاعل في نسخة معتمدة بضبط القلم مصلح بالقلم بوضع كسرة تحت
الباء بعد إزالة فتحتها بالحكّ من فوقها، وهو وإن وافق نظيره الكائن من التلبية
من حيث الصيغة، إلا أنه لم يوافقه في المعنى المقصود منه؛ إذ لا يَحسُن بعثه
وهو يلبّد رأسه، وإنْ حوّلنا إلى صيغة المفعول يحصل التحوّل في المعنى، لكن
المحصّل منه إنما هو التحوّل من الحدوث إلى البقاء، والحال أن التلبيد كما
سبق إلزاق بعض الشعر ببعض بنحو الصمغ، وهو لا يبقى بعد الغسل خصوصاً
مع استعمال السدر، فلعلّ الصحّة في رواية ((مليّاً)). انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: لا حاجة إلى هذه التكلفات، والحديث صحيح
بلفظ ((ملبّدا))، كما هو صحيح بلفظ ((ملبّياً))، ولا غرابة في معناه، فإن الإنسان
يُبعث على ما مات عليه، فإت مات ملبّداً يُبعث ملبّداً، ولا أثر لإزالة الغسل له
بالماء والسدر؛ لأن المعتبر ما مات عليه، لا ما حصل له بعد ذلك من تغيير
الغاسل له أو نحوه، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢٩٠٠] ( .. ) - (حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا الْأَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، عَنْ
زُهَيْرٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرِ يَقُولُ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَّ:
وَقَصَتْ رَجُلاً رَاحِلَتْهُ، وَهُوَ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ وَّهِ أَنْ يَغْسِلُوهُ
(١) راجع: ((النهاية)) ٢٢٤/٤.
(٢) ((صحيح مسلم)) نسخة تحقيق محمد ذهني ٢٥/٤.
٤١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَأَنْ يَكْشِفُوا وَجْهَهُ، حَسِبْتُهُ قَالَ: وَرَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ(١)،
وَهُوَ يُهِلُّ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الحمّال، تقدّم قريباً.
٢ - (الْأَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ) الملقّب شاذان، أبو عبد الرحمن الشاميّ، نزيل
بغداد، ثقةٌ [٩] (ت٢٠٨) (ع) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٥٥٢/٥٦.
٣ - (زُهَيْرُ) بن معاوية بن حُدیج، تقدّم أيضاً قريباً .
٤ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ،
صدوقٌ يُدلّس [٤] (ت١٢٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٩/٤.
والباقيان ذكرا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٩٠١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى،
حَدَّثَنَا(٢) إِسْرَائِيلُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿يَا قَالَ:
كَانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ لَّهِ رَجُلٌ، فَوَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ فَمَاتَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َيِ: ((اغْسِلُوهُ، وَلَا
تُقَرِّبُوهُ طِيباً، وَلَا تُغَطُّوا وَجْهَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يُلَبِّي))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى) بن أبي المختار باذم الْعَبسيّ الكوفيّ، تقدّم
قريباً .
٢ - (إِسْرَائِيلُ) بن يونس بن أبي إسحاق السَّبِيعيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٧]
(ت١٦٠) أو قبلها (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٥٤٢/٢.
(١) وفي نسخة: ((فإنه يبعث، وهو يهل)).
(٢) وفى نسخة: ((أخبرنا)).
٤١٥
(١٤) - بَابُ مَا يُفْعَلُ بِالْمُحْرِمِ إِذَا مَاتَ - حديث رقم (٢٩٠١)
٣ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر، تقدّم قريباً.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (وَلَا تُغَطَّوا وَجْهَهُ) بضمّ التاء، وفتح الغين المعجمة، وتشديد
الطاء، وأصله تُغطّيُوا، بوزن تُعَلِّموا، نُقلت ضمّة الياء التي هي لام الكلمة إلى
الطاء، بعد سلب حركتها، ثم حُذفت الياء لالتقاء الساكنين، فصار تُغَفُوا، فتنبّه.
[تنبيه]: هذا الإسناد مما استدركه الإمام الدارقطنيّ على المصنّف،
فقال: إنما سمعه منصور من الحكم بن عُتيبة، وكذا أخرجه البخاريّ في
((صحيحه)) عن منصور، عن الحكم، عن سعيد بن جبير، وهو الصواب، وقيل:
عن منصور، عن سلمة ولا يصحّ. انتهى.
قال الحافظ الرشيد العطار في ((غرره)) بعد نقل كلام الدارقطنيّ هذا:
قلت: وقد تابع البخاريّ على إخراجه كذلك أبو داود السجستانيّ، وأبو
عبد الرحمن النسائيّ، فأما أبو داود فرواه عن عثمان بن أبي شيبة، وأما
النسائي، فرواه عن محمد بن قُدامة، كلاهما عن جرير، عن منصور، عن
الحكم بإسناده، كما رواه البخاري، وجرير بن عبد الحميد من أعلم الناس
بحديث منصور، وهذا مما يؤيد قول الدارقطني تَُّ، إلا أن مسلماً قدّس الله
روحه، ونوّر ضريحه، قد أخرج هذا الحديث من طُرُق ثابتة، من رواية عمرو بن
دينار، وأبي بشر، جعفر بن أبي وحشية، وغيرهما عن سعيد بن جبير، عن ابن
عباس، بألفاظ أتم من حديث منصور الذي قدمناه، ثم أورد حديث منصور آخر
طرق هذا الحديث، فإن ثبت انقطاعه من هذا الوجه، فقد بيّنا أنه متصل في
كتاب مسلم من طرق أُخَرَ سواه، وأن البخاري وغيره قد أخرجوه في كتبهم
متصلاً من حديث منصور أيضاً، عن الحكم، عن سعيد بن جبير، ونحن نورده
من كتب الأئمة الثلاثة ليتضح اتصاله، ثم ساق الأحاديث بإسناده، وقال: فهذه
طرق هذا الحديث من الكتب الثلاثة التي ذكرناها، فقد اتّضح اتّصال وبان وجه
الصواب فيه. انتهى كلام الرشيد العطّار ◌َّتُهُ، وهو بحثٌ مفيدٌ جدّاً، وقد تقدّم
نقل رسالته برمّتها فيما سبق من شرح مقدّمة مسلم، فراجعه تستفد علماً جمّاً،
وبالله تعالى التوفيق.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنِيْبُ﴾ .
٤١٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
(١٥) - (بَابُ جَوَازِ اشْتِرَاطِ الْمُحْرِمِ التَّحَلَّلَ بِعُذْرِ الْمَرَضِ وَنَحْوِهِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢٩٠٢] (١٢٠٧) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا
أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عائشة ◌َّا قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِنَّهِ عَلَى
ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ، فُقَالَ لَهَا: ((أَرَدْتِ الْحَجَّ؟)) قَالَتْ: وَاللّهِ مَا أَجِدُنِي إِلَّ وَجِعَةً،
فَقَالَ لَهَا: ((حُجِّي، وَاشْتَرِطِي، وَقُولِي: اللَّهُمَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي))، وَكَانَتْ
تَحْتَ الْمِقْدَادِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ) الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠]
(ت٢٤٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٧/٤.
٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ
ثبتٌ، من كبار [٩] (٢٠١) وهو ابن (٨٠) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥١/٦.
٣ - (هِشَامٌ) بن عروة الأسديّ، أبو المنذر المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ ربما دلّس
[٥] (ت٥ أو١٤٦) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٥٠.
٤ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن العوّام الأسديّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ
ثبتٌ فقيه مشهور [٣] (ت٩٤) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٠٧.
٥ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ﴿ّا، ماتت سنة (٥٧) تقدّمت في ((شرح
المقدّمة)) ج١ ص٣١٥.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ◌َّلهُ .
٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين اتّفق الجماعة بالرواية عنهم بلا
واسطة، وهم المذكورون في قولي:
٤١٧
(١٥) - بَابُ جَوَازِ اشْتِرَاطِ الْمُحْرِمِ التَّخَلُّلَ بِعُذْرِ الْمَرَضِ وَنَحْوِهِ - حديث رقم (٢٩٠٢)
ذَوُو الأُصُولِ السِّنَّةُ الْوُعَاةُ
اشْتَرَكَ الأَئِمَّةُ الْهُدَاةُ
الْحَافِظِينَ النَّاقِدِينَ الْبَرَرَةْ
فِي تِسْعَةٍ مِنَ الشُّيُوخِ الْمَهَرْهُ
نَصْرٌ وَيَعْقُوبُ وَعَمْرُ السَّرِي
أُولَئِكَ الأَشَجُّ وَابْنُ مَعْمَرٍ
ابْنُ الْمُثَنَّى وِزِيَادٌ يُخْتَذَى
وَابْنُ الْعَلَاءِ وَابْنُ بَشَّارٍ كَذَا
وقد تقدّم هذا غير مرّة، وإنما أعدته؛ تذكيراً؛ لطول العهد به، فتنبّه.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من هشام، والباقيان كوفیّان.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، ورواية الابن عن أبيه، عن
خالته.
٦ - (ومنها): أن فيه عائشة ◌َّا حبيبة رسول الله وَله، وبنت حبيبه، ومن
المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ رٌِّّا) أنها (قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ عَلَى ضُبَاعَةَ بِنْتِ
الزُّبَيْرِ) إنما دخل ◌َِّ عليها عيادةً لها، أو زيارةً وصلةً؛ لأنها بنت عمه، وفيه
بيان تواضعه وَ ﴾، وصلته، وتفقّدہ لأقاربه.
و((ضُباعة)) - بضم الضاد المعجمة، بعدها باء موحّدة، مخفّفة، وبعد
الألف عين مهملة - بنت الزبير بن عبد المطلب الهاشميّة، بنت عمّ النبيّ وَّر،
تزوّجها المقداد بن عمرو، فولدت له عبد الله، وكَرِيمة، فقتل عبد الله يوم
الجمل مع عائشة رؤيا، رَوَت ضُباعة عن النبيّ وَّ، وعن زوجها المقداد،
وعنها ابنتها كريمة بنت المقداد، وابن عباس، وعائشة، وابن المسيب،
وعروة، وغيرهم، قال ابن عبد البرّ: لضباعة عن النبيّ وَلهو أحاديث: منها
الاشتراط في الحجّ، قال الزبير بن بكّار: لم يكن للزبير بن عبد المطلب عَقِب
إلا من بنتيه: ضُباعة، وأختها أم الحكم.
[تنبيه]: قال الحافظ وليّ الدين العراقيّ كَّلهُ: وأما قوله في رواية ابن
ماجه من حديث أسماء، أو سعدى: ((دخل على ضباعة بنت عبد المطلب))،
فهو وَهَمِّ، لا يتأوّل بما قاله والدي تَخّْثُ في ((شرح الترمذيّ)) من أنه نسبة إلى
جدّها كقوله {وَ﴾: ((أنا ابن عبد المطلب))، لأنه عَقَّبَ ذلك بقوله: فقال: ((ما
٤١٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
يمنعك يا عمّتاه من الحجّ))؛ فدلّ على أنه بنى على أنها بنت عبد المطلب
حقيقة حتى تكون عمته وَلّ، وهو وَهَمُ.
ووقع في كلام إمام الحرمين، والغزاليّ أنها ضباعة الأسلمية، وهو غلط
فاحش، كما قال النوويّ، وغيره، والصواب الهاشمية، وليس في الصحابة
أخرى يقال لها: ضباعة الأسلميّة، ولكنهما وَهِما في نسبتها، نعم في الصحابة
أخرى تسمى ضباعة بنت الحارث أنصارية، وهي أخت أم عطية. انتهى كلام
وليّ الدين تَّهُ(١).
(فَقَالَ لَهَا: «أَرَدْتِ الْحَجَّ؟)) هو بتقدير همزة الاستفهام، وفي الرواية
التالية: ((فقالت: يا رسول الله إني أريد الحجّ، وأنا شاكيةٌ))، وفي حديث ابن
عبّاس طه: ((أن ضباعة بنت عمّ المطّلب ﴿ها أتت رسول الله وَعليه، فقالت:
إني امرأة ثقيلة، وإني أريد الحج، فما تأمرني؟ .. )).
قال الحافظ وليّ الدين تَخُّْ: قولها: ((وإني أريد الحجّ)) قد يقتضي ظاهره
أنها قالت له ذلك ابتداء، وفي ((صحيح البخاريّ)): ((لعلك أردت الحجّ))، وفي
((صحيح مسلم)) من ذلك الوجه: ((أردت الحجّ)).
ولا منافاة، فقد تكون إنما قالت: إني أريد الحجّ في جواب استفهامه
لها، وليس اللفظ صريحاً في أنها قالت ذلك ابتداء، وكذا قوله في رواية ابن
ماجه من حديث ضباعة أنه ﴿ ﴿ قال لها: ((أما تريدين الحجّ العام؟))، ومن
رواية أسماء، أو سعدى: ((ما يمنعك من الحجّ؟))، كلّ ذلك يقتضي أن كلامها
كان جواباً لسؤاله.
لكن في حديث ابن عباس عند مسلم، وأصحاب السنن الأربعة: ((أن
ضباعة أتت رسول الله (ص18، فقالت ... ))، وهذا قد ينافي قوله في حديث
عائشة: ((دخل على ضباعة ... )). وقد يُجمع بينهما بأنها أتت رسول الله وَله،
ولم يكن إذ ذاك في منزله، ثم جاء، فدخل عليها، وهي في منزله.
وفي حديث ابن عباس عند أبي داود، والترمذيّ: أنها قالت له: إني
أريد الحجّ، فأشترط؟ فقال لها: ((نعم))، وهذا يقتضي أن أمره بالاشتراط ما
(١) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ١٦٧/٥.
٤١٩
(١٥) - بَابُ جَوَازِ اشْتِرَاطِ الْمُحْرِمِ النَّخَلُّلَ بِعُذْرِ الْمَرَضِ وَنَحْوِهِ - حديث رقم (٢٩٠٢)
كان إلا بعد استئذانها. انتهى كلام وليّ الدين ◌َّتُهُ(١).
(قَالَتْ: وَاللهِ مَا أَجِدُنِي) أي: ما أجد نفسي، واتّحاد الفاعل والمفعول
مع كونهما ضميرين لشيء واحد من خصائص أفعال القلوب(٢). (إِلَّ وَجِعَةً)
بفتح الواو، وكسر الجيم؛ أي: مريضةً، وقال الطيبيّ تَُّهُ؛ أي: أجد في
نفسي ضعفاً من المرض، ولا أدري أأقدر على إتمام الحجّ أم لا؟
قال: فإن قلت: كيف طابق قولها: ((والله)) جواباً عن قوله وَله: ((لعلّك
أردت؟)).
قلت: تضمّن في ((لعلّ)) معنى الاستقصار على سبيل التلطّف، ومن ثمة
أظهرت العذر، وأقسمت عليه. انتهى (٣).
(فَقَالَ لَهَا: ((حُجِّي) أي: أحرمي بالحجّ (وَاشْتَرِطِي) أي: اجعلي شرطاً
في حجك عند الإحرام، وهو اشتراط التحلّل متى احتجتِ إليه، فكأنها قالت
لما سألها النبيّ وَّ﴿ عن إرادتها الحجّ: إني أريده، وإني أُحسّ من نفسي مرضاً
يمنعني من الاستمرار على الإحرام، أفأشترط شرطاً يجعلني في حِلّ متى أحتاج
إليه؟ فقال ◌َله: نعم، ثم قالت كما في النسائيّ: ((كيف أقول؟ قال: قولي:
لبيك اللهمّ لبيك، ومحلّي من الأرض حيث تحبسني، فإن لك على ربّك ما
استثنيت))؛ أي: قولي لدى إحرامك: اللهمّ مَحِلِّي؛ أي: موضع إحلالي من
الأرض حيث حبستني؛ أي: هو المكان الذي عجزت عن الإتيان بالمناسك،
وانحبست عنها بسبب قوّة المرض.
(وَقُولِي: اللَّهُمَّ مَحِلِّي) الْمَحِلّ - بفتح الميم، وكسر الحاء -: زمانٌ، أو
مكانٌ، من حَلّ: إذا خرج من الإحرام، قاله الطيبيّ ◌َخْذُهُ(٤).
وقال وليّ الدين تَكْتُ: قوله: ((مَحِلّي)) بكسر الحاء؛ أي: موضع حلولي،
أو وقت حلولي، والمحلّ يقع على المكان والزمان. انتهى (٥).
(١) ((طرح التثريب)) ١٦٨/٥.
(٢) ((الفتح)) ٣٦٣/١١ ((كتاب النكاح)) رقم (٥٠٨٩).
(٣) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٠٣٧/٦ - ٢٠٣٨.
(٤) ((الكاشف)) ٢٠٣٨/٦.
(٥) ((طرح التثريب)) ١٦٨/٥.
٤٢٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
والمعنى: زمان، أو مكان تحلّلي من الإحرام، فـ((محلّي)) مبتدأ، خبره
قوله: (حَيْثُ حَبَسْتَتِي))) أي: منعتني من السير بسبب ثِقَل المرض.
وفائدة هذا الاشتراط أن تصير حلالاً بدون دوم الإحصار.
وقال القرطبيّ تَخْتُهُ: قوله: ((حجي واشترطي، وقولي: اللهم محلي حيث
حبستني))؛ معناه: أنه وَلّ لما استفهمها عن إرادة الحج اعتَلَّت بأنها مريضة،
وأنها خافت إن اشتد مرضها أن يتعذر عليها الإحلال، بناءً منها على أن
المحصر بالمرض لا يتحلل إلا بالطواف بالبيت، وإن طال مرضه، كما هو
مذهب مالك وغيره، فلما خافت هذا أقرّها رسول الله وَلّ على ذلك، ثم
رَخَّصَ لها في أن تشترط: أن لها التحلل حيث حبسها مرضها.
وبظاهر هذا الحديث قال جماعة من العلماء من الصحابة، والتابعين،
وغيرهم؛ منهم: عمر، وعلي، وابن مسعود، وهو قول أحمد، وإسحاق، وأبي
ثور.
وللشافعي قولان، فقال كل هؤلاء: يجوز الاشتراط في الحج، وأنه له
الفسخ إذا وقع شرطه.
ومنع ذلك جماعة أخرى، وقالوا: إنه لا ينفع؛ منهم: ابن عمر،
والزهريّ، ومالك، وأبو حنيفة؛ متمسكين بقوله تعالى: ﴿وَأَنِقُواْ الْحَجَّ وَالْعُبْرَةَ لِلَّهِ﴾،
وبقوله: ﴿ ولا نُطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ﴾، واعتذروا عن هذا الحديث بوجهین:
أحدهما: ادعاء الخصوص بهذه المرأة.
وثانيهما : أنهم حملوه على التحلل بالعمرة، فإنها أرادت أن تحج؛ كما
جاء مفسراً من رواية ابن المسيب، وهو: أن رسول الله وَلو أمر ضباعة أن
تشترط وتقول: ((اللهم الحج أردت، فإن تيسر، وإلا فعمرة)).
وروي عن عائشة: أنها كانت تقول: ((للحج خرجت، وله قصدت، فإن
قضيته فهو الحج، وإن حال دونه شيء فهو العمرة))، والله تعالى أعلم. انتهى
كلام القرطبيّ ◌َذفهُ(١) .
قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن المذهب الأرجح هو ما ذهب إليه
(١) ((المفهم)) ٢٩٥/٣ - ٢٩٦.