النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
(١٣) - بَابُ جَوَازٍ غَسْلِ الْمُحْرِمِ بَدَنَهُ وَرَأْسَهُ - حديث رقم (٢٨٨٩)
(وَهُوَ مُحْرٌِ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (فَوَضَعَ أَبُو
أَيُّوبَ رَظُهُ يَدَهُ عَلَى الثَّوْبِ) أي: الذي جعله ساتراً بينه وبين الناس (فَطَأْطَأَةً)
أي: أزاله عن رأسه، وفي رواية ابن عيينة، عن زيد: ((جمع ثيابه إلى صدره
حتى نظرت إليه)) (حَتَّى بَدَا لِي رَأْسُهُ) أي: ظهر لي رأسه، فرأيته، وفي رواية
ابن جريج: ((حتى رأيت رأسه، ووجهه)).
(ثُمَّ قَالَ لِإِنْسَانٍ) قال الحافظ: لم أقف على اسمه (يَصُبُّ) وفي رواية
النسائيّ: ((يصُبّ عَلَى رَأْسِهِ))، والجملة في محلّ جرّ صفة لـ((إنسان)). ومقول
القول قوله: (اصْبُبْ، فَصَبَّ) ذلك الإنسان الماء (عَلَى رَأْسِهِ) أي: على رأس
أبي أيوب ◌َُّه (ثُمَّ حَرََّكَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ) أي: ذهب بيديه إلى
جهة قُدَّامه، ثم ردّهما إلى ورائه، مبالغة في وصول الماء إلى البشرة.
وفي رواية ابن جريج: ((فَأَمَرّ أبو أيوب بيديه على رأسه جميعاً، على
جميع رأسه، فأقبل بهما، وأدبر)).
(هَكَذَا رَأَيْتُهُ وَهِ يَفْعَلُ) وفي رواية النسائيّ:
(ثُمَّ قَالَ) أي: أبو أيوب ،
((هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَلِهِ يَفْعَلُ))، زاد في رواية ابنه جريج التالية: ((فقال
المسور لابن عبّاس: لا أماريك أبداً»، وفي رواية ابن عيينة، عن زيد:
((فرجعت إليهما، فأخبرتهما، فقال المسور لابن عبّاس: لا أُماريك أبداً))؛ أي:
لا أجادلك. وأصل المراء استخراج ما عند الإنسان، يقال: أمرى فلانٌ فلاناً:
إذا استخرج ما عنده، قاله ابن الأنباريّ. وأطلق ذلك في المجادلة؛ لأن كلّاً
من المتجادلين يَستخرج ما عند الآخر من الحجة، قاله في ((الفتح))، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي أيوب الأنصاريّ ظبه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٨٨٩/١٣ و٢٨٩٠] (١٢٠٥)، و(البخاريّ) في
((جزاء الصيد)) (١٨٤٠)، و(أبو داود) في ((المناسك)) (١٨٤٠)، و(النسائيّ) في
((المناسك)) (٢٦٦٥)، وفي ((الكبرى)) (٣٦٤٥)، و(ابن ماجه) في ((المناسك))

٣٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
(٢٩٣٤)، و(مالك) في ((الموطًا)) (٧١٢)، و(الشافعيّ) في ((مسنده)) (٣٠٨/١)،
و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٣٧٩)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤١٦/٥ و٤١٨
و٤٢١)، و(الدارمي) في ((سننه)) (١٧٩٣)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه))
(٢٦٥٠)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣٩٤٨)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (٢/
٢٦٥)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٢٩٥/٣ - ٢٩٦)، و(الطبرانيّ) في
((الكبير)) (١٥٠/٤)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (٤٤١)، و(الدارقطنيّ) في
((سننه)) (٢٧٢/٢ - ٢٧٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٦٣/٥)، و((المعرفة)) (٤/
٢٩)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (١٩٨٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة الاغتسال للمحرم.
٢ - (ومنها): غسل المحرم رأسه، وتشريبه شعره بالماء، ودلكه بيده إذا
أمن تناثره، واستدلّ به القرطبيّ على وجوب الدلك في الغسل، قال: لأن
الغسل لو كان يتمّ بدونه لكان المحرم أحقّ بأن يجوز له تركه، قال الحافظ:
ولا يخفى ما فيه.
٣ - (ومنها): أنه استُدلّ به على أن تخليل شعر اللحية في الوضوء باق
على استحبابه، خلافاً لمن قال: يكره، كالمتولّي من الشافعيّة، خشية انتتاف
الشعر؛ لأن في الحديث: ((ثم حرّك رأسه بيده))، ولا فرق بين شعر الرأس
واللحية، إلا أن يقال: إن شعر الرأس أصلب. والتحقيق أنه خلاف الأولى في
حقّ بعض دون بعض. قاله السبكيّ الكبير. قاله في ((الفتح)).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: بل الإطلاق هو التحقيق؛ لأن الشارع
الحكيم ما استثنى الحاجّ حين شرع تخليل اللحية، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
٤ - (ومنها): الرجوع إلى النصّ عند الاختلاف، وترك الاجتهاد،
والقياس عند وجود النصّ.
قال الحافظ أبو عمر كَّهُ: في هذا الحديث من الفقه أن الصحابة
إذا اختلفوا لم تكن في قول واحد منهم حجة على غيره، إلا بدليل يجب
لَمّا
التسليم له، من الكتاب، أو السنّة، ألا ترى أن ابن عباس والمسور

٣٨٣
(١٣) - بَابُ جَوَازِ غَسْلِ الْمُحْرِمِ بَدَنَهُ وَرَأْسَهُ - حديث رقم (٢٨٨٩)
اختلفا لم يكن لواحد منهما حجة على صاحبه حتى أدلى ابن عبّاس بالحجة
بالسنة، ففلج - أي: فاز، وغلب خصمه بحجته -.
وهذا يبيّن لك أن قوله وَله: ((أصحابي كالنجوم)) هو على ما فسّره
المزنيّ وغيره، وأن ذلك في النقل؛ لأن جميعهم ثقات عدول، فواجب قبول
من نقل كلّ واحد منهم، ولو كانوا كالنجوم في آرائهم، واجتهادهم إذا
اختلفوا لقال ابن عباس للمسور: أنت نجم، وأنا نجمٌ، فلا عليك، وبأيّنا
اقتدى المقتدي فقد اهتدى، ولَمَا احتاج لطلب البيّنة، والبرهان من السنّة على
صحّة قوله.
وكذا سائر الصحابة ﴿ إذا اختلفوا حكمهم كحكم ابن عبّاس والمسور،
وهم أوّل من تلا: ﴿فَإِن تَنَزَعْثُمْ فِ شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اَللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية [النساء: ٥٩].
قال العلماء: إلى كتاب الله، وإلى سنة نبيّه وَِّ﴿ ما كان حيّاً، فإن قُبض
فإلى سنّته.
ألا ترى أن ابن مسعود قيل له: إنَّ أبا موسى الأشعريّ قال في أخت،
وابنة ابن: إن للابنة النصفَ، وللأخت السدسَ، ولا شيء لبنت الابن، وأنه
قال للسائل: ائت ابن مسعود، فإنه سيتابعنا، فقال ابن مسعود: ﴿قَدْ ضَلَلْتُ
إِذًا﴾ [الأنعام: ٥٦] أقضي فيها بقضاء رسول الله وَّه: ((للبنت النصفُ، ولابنة
الابن السدسُ تكملة للثلثين، وما بقي فللأخت)).
وبعضهم لم يرفع هذا الحديث، وجعله موقوفاً على ابن مسعود.
وفي ((الموطٍ)) أن أبا موسى الأشعريّ أفتى بجواز رضاع الكبير، وردّ
ذلك عليه ابن مسعود، فقال أبو موسى: لا تسألوني ما دام هذا الحبر بين
أظهركم.
وروى مالك عن ابن مسعود: أنه رجع عن قوله في الربيبة إلى قول
أصحابه في المدينة (١).
(١) رواه مالك في ((الموطأ)) في ((كتاب النكاح))، ((باب ما لا يجوز من نكاح الرجل أم
امرأته»، ولفظه: وحدثني عن مالك، عن غير واحد، أن عبد الله بن مسعود،
استفتي وهو بالكوفة، عن نكاح الأم بعد الابنة، إذا لم تكن الابنة مُسّت، فأرخص =

٣٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
وهذا الباب طويل إذا كان الصحابة خير أُمّة أُخرجت للناس، وهم أهل
العلم والفضل، لا يكون أحدهم حجة على صاحبه، إلا الحجة من كتاب الله،
أو سنّة نبيّه وَّ﴿، فمن دونهم أولى أن يَعضِدَ قولَه بما يجب التسليم له.
قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ الَّذِىّ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن
رَّيِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ الآية [السبأ: ٦] قال: أصحاب محمد وَّل.
قال مالك: الحكم حكمان: حكم جاء به كتاب الله، وحكم أحكمته
السنّةُ، قال: ومجتهدُ رأيه، فلعلّه يُوفّق، ومتكلّف، فطعن عليه.
قال: وذكر ابن وضّاح، عن ابن وهب، قال: قال لي مالك: الحكمة،
والعلم نورٌ يهدي به الله من يشاء، ويؤتي الحكمة من أحبّ من عباده، وليس
بكثرة المسائل.
قال أبو عمر: وقد استوفينا هذا المعنى في ((كتاب العلم)) (١). انتهى كلام
أبي عمر رَّقُ(٢)، وهو بحث نفيس جدّاً إلا ما يأتي من الكلام على الحديث
الذي احتج به.
= في ذلك، ثم إن ابن مسعود، قدم المدينة، فسأل عن ذلك، فأخبر أنه ليس كما
قال، وإنما الشرط في الربائب، فرجع ابن مسعود إلى الكوفة، فلم يصل إلى
منزله، حتى أتى الرجل الذي أفتاه بذلك، فأمره أن يفارق امرأته، قال مالك، في
الرجل تكون تحته المرأة، ثم ينكح أمها، فيصيبها: إنها تحرم عليه امرأته،
ويفارقهما جميعاً، ويحرمان عليه أبداً، إذا كان قد أصاب الأم، فإن لم يصب
الأم، لم تحرم عليه امرأته، وفارق الأم، وقال مالك، في الرجل يتزوج المرأة،
ثم ينكح أمها، فيصيبها: إنه لا تحل له أمها أبداً، ولا تحل لأبيه، ولا لابنه، ولا
تحل له ابنتها، وتحرم عليه امرأته، قال مالك: فأما الزنا، فإنه لا يحرم شيئاً من
ذلك؛ لأن الله تبارك وتعالى قال: ﴿وَأُمَّهَتُ نِسَآَيِكُمْ﴾، فإنما حرم ما كان
تزويجاً، ولم يذكر تحريم الزنا، فكل تزويج كان على وجه الحلال، يصيب صاحبه
امرأته، فهو بمنزلة التزويج الحلال، فهذا الذي سمعت، والذي عليه أمر الناس
عندنا .
(١) أراد به: ((كتاب جامع العلم)) ٢٦/٢ - ٣٠.
(٢) راجع: ((الاستذكار» ١٥/١١ - ١٨.

٣٨٥
(١٣) - بَابُ جَوَازِ غَسْلِ الْمُحْرِمِ بَدَنَهُ وَرَأْسَهُ - حديث رقم (٢٨٨٩)
٥ - (ومنها): استتار الشخص بالثوب عند الاغتسال، وأن الذي كان
يستره بالثوب، لا يطّلع منه على ما يتستّر به من مثله، فالسترة واجبة عن
القريب والبعيد.
٦ - (ومنها): قبول خبر الواحد، وأن قبوله كان مشهوراً عند
الصحابة
٧ - (ومنها): السلام على المتطهّر في وضوء، أو غسل، بخلاف الجالس
على الحدث.
٨ - (ومنها): جواز الاستعانة في الطهارة، ولكن الأولى تركها إلا
لحاجة، قاله النوويّ نْشُهُ .
٩ - (ومنها): أن فيه الاعتراف للفاضل بفضله، وإنصاف الصحابة بعضهم
بعضاً، رضي الله تعالى عنهم أجمعين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): حيث ذكر الحافظ أبو عمر في كلامه السابق حديث:
((أصحابي كالنجوم)) موهماً أنه حديث ثابت، مع أنه لا يثبت، وقد تَكَلّم فيه هو
في غير هذا الكتاب، فلا بدّ من بيان ما قاله العلماء فيه، حتى يتبيّن الحقّ،
وكذلك ما اشتهر على الألسنة: ((اختلاف أمتي رحمة)).
أما الأول، فقد رُوي من حديث جابر، ومن حديث ابن عباس، ومن
حديث عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله
رُه) فهو: ((أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم)).
(أما حديث جابر
رواه ابن عبد البرّ في ((جامع العلم)) ٩١/٢، وابن حزم في ((الإحكام)) ٦/
٨٢ من طريق سلام بن سليم، قال: حدثنا الحارث بن غُضَين، عن الأعمش،
عن أبي سفيان، عن جابر، مرفوعاً به.
وقال ابن عبد البرّ: هذا إسناد لا تقوم به حجة؛ لأن الحارث بن غضين
مجهول، وقال ابن حزم: هذه رواية ساقطة، أبو سفيان ضعيف، والحارث بن
غُضَين هذا هو أبو وهب الثقفي، وسلام بن سليمان يروي الأحاديث
الموضوعة، وهذا منها بلا شك.
قال الشيخ الألبانيّ تَُّ: الحمل في هذا الحديث على سلام بن سليم -

٣٨٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
ويقال: ابن سليمان، وهو الطويل - أولى، فإنه مجمع على ضعفه، بل قال ابن
خراش: كذّاب، وقال ابن حبان: روى أحاديث موضوعة. وأما أبو سفيان
فليس ضعيفاً، كما قال ابن حزم، بل هو صدوق، كما قال الحافظ في
((التقریب))، وأخرج له مسلم في ((صحیحه)). انتهى.
(وأما حديث ابن عباس رضيه): فهو: ((مهما أوتيتم من كتاب الله، فالعمل
به، لا عذر لأحدكم في تركه، فإن لم يكن في كتاب الله، فسنة مني ماضية،
فإن لم يكن سنة مني ماضية، فما قال أصحابي، إن أصحابي بمنزلة النجوم في
السماء، فأيها أخذتم به اهتديتم، واختلاف أصحابي لكم رحمة)).
أخرجه الخطيب في ((الكفاية)) ص٤٨، وابن عساكر، وغيرهما من طريق
سليمان بن أبي كريمة، عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس، مرفوعاً به.
وهذا الإسناد ضعيف جدّاً، سليمان بن أبي كريمة قال ابن أبي حاتم:
ضعيف الحديث، وجويبر هو ابن سعيد الأزديّ متروك، والضحّاك لم يلق ابن
عباس.
(وأما حديث عمر ر﴿به): فهو: ((سألت ربي فيما اختلف فيه أصحابي من
بعدي، فأوحى الله إليّ: يا محمد إن أصحابك عندي بمنزلة النجوم في
السماء، بعضها أضوأ من بعض، فمن أخذ بشيء مما هم عليه من اختلافهم،
فهو عندي علی هدی)).
رواه ابن بطّة في ((الإبانة)) ١١/٤، والخطيب، وابن عساكر، وغيرهم من
طريق نعيم بن حماد، ثنا عبد الرحيم بن زيد العمّيّ، عن أبيه، عن سعيد بن
المسيّب، عن عمر بن الخطاب ◌َُّه مرفوعاً به. قال ابن الجوزيّ في ((العلل)):
هذا لا يصحّ، نعيم مجروح، وعبد الرحيم قال ابن معين: كذّاب، وفي
((الميزان)): هذا الحديث باطل.
(وأما حديث ابن عمر رضيها): فهو: ((إنما أصحابي مثل النجوم، فأيهم
أخذتم بقوله اهتدیتم)).
ذكره ابن عبد البر معلقاً، من طريق أبي شهاب الحناط، عن حمزة
الجزريّ، عن نافع، عن ابن عمر، مرفوعاً به، ووصله عبد بن حميد في
((المنتخب من المسند))، قال: أخبرني أحمد ابن يونس، حدثنا أبو شهاب به،

٣٨٧
(١٣) - بَابُ جَوَازِ غَسْلِ الْمُحْرِمِ بَدَنَهُ وَرَأْسَهُ - حديث رقم (٢٨٨٩)
ورواه ابن بطة في ((الإبانة))، وفي سنده حمزة بن أبي حمزة قال الدارقطنيّ:
متروك، وقال ابن عديّ: عامة مروياته موضوعة، وقال ابن حبان: ينفرد عن
الثقات بالموضوعات، حتى كأنه المتعمد لها، ولا تحل الرواية عنه.
وقد ساق له الذهبي في ((الميزان)) أحاديث من موضوعاته، هذا منها.
وقال أبو محمد بن حزم ٨٣/٦: فقد ظهر أن هذه الرواية لا تثبت
أصلاً، بل لا شكّ أنها مكذوبة؛ لأن الله تعالى يقول في صفة نبيّه وَل: ﴿وَمَا
يَطِقُ عَنِ الْمَوَ ﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَى (١)﴾ [النجم: ٣، ٤] فإذا كان كلامه وَّل
في الشريعة حقّاً، وواجباً، فهو من الله تعالى بلا شكّ، وما كان من الله
تعالى، فلا يُختَلَف فيه، لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ
اخْتِلَفًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] وقد نهى الله تعالى عن التفرّق والاختلاف بقوله:
﴿وَلَا تَتَزَعُواْ﴾ [الأنفال: ٤٦] فمن المحال أن يأمر رسول الله وَّه باتباع كلّ قائل
من الصحابة وَ﴾، وفيهم من يحلّل الشيء، وغيره يحرّمه، ولو كان ذلك لكان
بيع الخمر حلالاً، اقتداءً بسمرة بن جندب، ولكان أكل البَرَد للصائم حلالاً،
اقتداءً بأبي طلحة، وحراماً اقتداءً بغيره منهم، ولكان ترك الغسل من الإكسال
واجباً، اقتداء بعليّ، وعثمان، وطلحة، وأبي أيوب، وأبيّ بن كعب، وحراماً
اقتداء بعائشة، وابن عمر، وكلّ هذا مرويّ عندنا بالأسانيد الصحيحة.
ثم أطال في بيان بعض الآراء التي صدرت من الصحابة، وأخطأوا فيها
السنّة، وذلك في حياته وَلّ، وبعد مماته، ثم قال (٨٦): فكيف يجوز تقليد
قوم يُخطئون، ويصيبون؟
وقال قبل ذلك ٦٤/٥ تحت باب (ذمّ الاختلاف)):
وإنما الفرض علينا اتباع ما جاء به القرآن عن الله تعالى الذي شرع لنا
دين الإسلام، وما صحّ عن رسول الله وَليل الذي أمره الله تعالى ببيان الدين ...
فصحّ أن الاختلاف لا يجب أن يراعى أصلاً، وقد غلط قومٌ، فقالوا:
الاختلاف رحمة، واحتجّوا بما رُوي عن النبيّ وَّ: ((أصحابي كالنجوم بأيهم
اقتديتم اهتديتم))، قال: وهذا الحديث باطل مكذوب من توليد أهل الفسق؛
لوجوه ضروريّة :
(أحدها): أنه لم يصحّ من طريق النقل.

٣٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
(والثاني): أنه بَّ لم يَجُز أن يأمر بما نهى عنه، وهو ◌َّ قد أخبر أن
أبا بكر قد أخطأ في تفسير فسّره، وكَذَب عمر في تأويل تأوّله في الهجرة،
وخطأ أبا السنابل في فتيا أفتى بها في العدّة، فمن المحال الممتنع الذي لا
يجوز البتة أن يكون * يأمر باتباع ما قد أخبر أنه خطأ، فيكون حينئذ أمر
بالخطأ، تعالى الله عن ذلك، وحاشا له ◌َّليه من هذه الصفة، وهو ◌َ ﴾ قد أخبر
أنهم يُخطئون، فلا يجوز أن يأمر باتباع من يُخطىء، إلا أن يكون وَلّ أراد
نقلهم لما رووا عنه، فهذا صحيح؛ لأنهم ثّ كلهم ثقات، فمن أيهم نقل فقد
اهتدى الناقل.
(والثالث): أن النبيّ وَله لا يقول الباطل، بل قوله الحقّ، وتشبيه المشبه
للمصيبين بالنجوم تشبيه فاسد، وكذب ظاهر؛ لأنه من أراد مطلع الجدي، فأمّ
جهة مطلع السرطان لم يهتد، بل قد ضلّ ضلالاً بعيداً، وأخطأ خطأ فاحشاً،
وليس كلّ النجوم يُهتدى بها في كلّ طريق، فبطل التشبيه المذكور، ووضح
كذب ذلك الحديث، وسقوطه وضوحاً ضروريّاً. انتهى.
ونقل خلاصته ابن الملقّن في ((الخلاصة)) ١٧٥/٢ وأقرّه، وبه ختم على
الحديث، وقال: وقال ابن حزم: خبر مكذوب، موضوع، باطل، لم يصحّ
قط .
وروي هذا الحديث بلفظ آخر، وهو:
((أهل بيتي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم))، وهو في نسخة أحمد بن
نبيط الكذّاب، وقد قال الذهبيّ في هذه النسخة: فيها بلايا، وأحمد بن إسحاق
لا يحلّ الاحتجاج به، فإنه كذاب، وأقرّه الحافظ في ((اللسان)).
(وأما حديث: ((اختلاف أمتي رحمة))): فلا أصل له، قال السبكي تَخَّتُهُ:
ليس بمعروف عند المحدّثين، ولم أقف له على سند صحيح، ولا ضعيف، ولا
موضوع.
وأما قول السيوطيّ في ((الجامع الصغير)): ولعله خُرّج في بعض كتب
الحفّاظ التي لم تصل إلينا، فمن أعجب ما يُسمع ويرى من أمثال السيوطيّ
الجامع بين النقل والعقل، فهل نقول لكل حديث موضوع: فلعل له سنداً
صحيحاً لم يصل إلينا؟ إن هذا لهو العجب العجاب !.

٣٨٩
(١٣) - بَابُ جَوَازٍ غَسْلِ الْمُحْرِمِ بَدَتَهُ وَرَأْسَهُ - حديث رقم (٢٨٩٠)
وقال أبو محمد بن حزم تَُّ في ((الإحكام في أصول الأحكام)) ٦٥/٥
بعد أن أشار إلى أنه ليس بحديث: وهذا من أفسد قول يكون؛ لأنه لو كان
الاختلاف رحمة لكان الاتفاق سخطاً، وهذا ما لا يقوله مسلم؛ لأنه ليس إلا
اتفاق، أو اختلاف، وليس إلا رحمة، أو سخط.
[فإن قيل]: إن الصحابة ﴿ه قد اختلفوا، وهم أفاضل الناس، أفيلحقهم
الذمّ المذكور؟
[قلت]: أجاب عنه الإمام ابن حزم تَّهُ، فقال في كتابه المذكور ٦٧/٥ -٦٨ :
كَلّا، ما يلحق أولئك شيء من هذا؛ لأن كلّ امرىء منهم تحرّى سبيل الله،
ووجهة الحقّ، فالمخطىء منهم مأجور أجراً واحداً؛ لنّته الجميلة في إرادة
الخير، وقد رُفع عنهم الإثم في خطئهم؛ لأنهم لم يتعمّدوه، ولا قصدوه، ولا
استهانوا بطلبهم، والمصيب منهم مأجور أجرين، وهكذا كلّ مسلم إلى يوم
القيامة فيما خفي عليه من الدين، ولم يبلغه، وإنما الذمّ المذكور، والوعيد
المنصوص لمن ترك التعلّق بحبل الله تعالى، وهو القرآن، وكلام النبيّ وَّهِ بعد
بلوغ النصّ إليه، وقيام الحجّة به عليه، وتعلّق بفلان وفلان، مقلّداً عامداً
للاختلاف، داعياً إلى عصبيّة، وحميّة الجاهليّة، قاصداً للفرقة، متحرياً في
دعواه بردّ القرآن والسنة إليها، فإن وافقها النصّ أخذ به، وإن خالفها تعلّق
بجاهليّته، وترك القرآن، وكلام النبيّ وَلقر، فهؤلاء هم المختلفون المذمومون،
وطبقة أخرى، وهم قوم بلغت بهم رقّة الدين، وقلّة التقوى إلى طلب ما وافق
أهواءهم في قول كلّ قائل، فهم يأخذون ما كان رخصة في قول كلّ عالم،
مقلّدين له غير طالبين ما أوجبه النصّ عن الله، وعن رسوله وَّر. انتهى كلام
ابن حزم كَّثُ، وهو تحقيقٌ نفيس، وبحثٌ أنيسٌ لمن كان له قلب، أو ألقى
السمع وهو شهيد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٨٩٠] (.) - (وَحَدَّثَنَاه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَم، قَالَا:
أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْج، أَخْبَرَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، بِهَذَا اَلْإِسْنَادِ،

٣٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
وَقَالَ: فَأَمَرَّ أَبُو أَيُّوبَ بِيَدَيْهِ عَلَى رَأْسِهِ جَمِيعاً، عَلَى جَمِيعٍ رَأْسِهِ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا
وَأَدْبَرَ، فَقَالَ الْمِسْوَرُ لِاِبْنِ عَبَّاسٍ: لَا أُمَارِيكَ أَبَداً).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِیمَ) بن راهویه تقدّم قبل حدیث.
٢ - (عَلِيُّ بْنُ خَشْرَم) بوزن جعفر المروزيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠]
(ت٢٥٧) أو بعدها، وقد قارّب المائة (م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٥/٤.
٣ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السبيعيّ الكوفيّ، نزل الشام
مرابطاً، ثقةٌ مأمون [٨] (ت١٨٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥.
٤ - (ابْنُ مُرَيْج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم قريباً.
و((زيد بن أسلم)) ذُكر قبله.
وقوله: (فَأَمَرَّ أَبُو أَيُّوبَ ... إلخ) بتشديد الراء، من الإمرار.
وقوله: (عَلَى جَمِيعِ رَأْسِهِ) تأكيد لما قبله.
[تنبيه]: رواية ابن جريج، عن زيد بن أسلم هذه ساقها أبو عوانة دخّلُهُ
في ((مسنده)) (٢٦٥/٢) فقال:
(٣٠٧٨) - حدّثنا عبد الصمد بن الفضل، نا مكيّ (ح) وحدّثنا الصاغانيّ،
ثنا رَوْح، قال: نا ابن جريج، قال: أخبرني زيد بن أسلم، عن إبراهيم بن
عبد الله بن حُنين، أنه أخبره، عن أبيه عبد الله بن حُنين، قال: كنت مع ابن
عباس والمسور بن مخرمة بالأبواء، فأرسلني ابن عباس إلى أبي أيوب، فقال:
قل له: يَقْرَأُ عليك السلامَ ابنُ أخيك عبد الله بن عباس، ويسألك كيف كان
رسول الله * يغسل رأسه، وهو محرم؟ قال: فوضع يده على الثوب،
وطأطأه، حتى رأيت رأسه، وقال لرجل: صُبّ، فصَبَّ عليه، وقال: هكذا
رأيت رسول الله و ﴿ يغسل رأسه، وهو محرم، إلا أن مكيّ: قال: فأقبل بهما
وأدبر، وقال مسور لابن عباس: لا أماريك أبداً. انتهى، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنِيْبُ﴾ .

٣٩١
(١٤) - بَابُ مَا يُفْعَلُ بِالْمُحْرِمِ إِذَا مَاتَ - حديث رقم (٢٨٩١)
(١٤) - (بَابُ مَا يُفْعَلُ بِالْمُحْرِمِ إِذَا مَاتَ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٨٩١] (١٢٠٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ
عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنٍ جُبَيْرٍ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿ها، عَنِ النَّبِيِّ وَ خَرَّ
رَجُلٌّ مِنْ بَعِيرِهِ، فَوُقِصَ، فَمَاتَ، فَقَالَ: ((اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ،
وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّ اللهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّياً)).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَمْرُو) بن دينار، تقدّم قبل بابين.
٢ - (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ) تقدّم قريباً.
٣ - (ابْنُ عَبّاسٍ) الحبر البحر ﴿ّ، تقدّم قبل بابين.
والباقيان ذكرا قبل حديث.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ◌َظّتُهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له
الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: عمرو، عن سعيد بن
جبير .
٤ - (ومنها): أن فيه ابن عباس ظّ حبر الأمة، وبحرها، ومن المكثرين
السبعة، والعبادلة الأربعة، ومن المشهورين بالفتوى، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿هَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِ﴿ْ خَرَّ رَجُلٌ مِنْ بَعِيرِهِ) أي: سقط من
ظهر بعيره، و((البعِير)) بفتح الموحّدة، وقد تُكسر: الجمل البازل(١)، أو
(١) بَزَل البعير بُزولاً، من باب قعد: فَطَرَ نابُهُ بدخوله في السنة التاسعة، فهو بازلٌ، -

٣٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
الجَذَعُ(١)، قاله في ((القاموس))(٢).
وفي رواية حماد: ((بينما رجل واقف مع رسول الله وَّه بعرفة إذ وقع من
راحلته))، وفي رواية ابن جريج: ((أقبل رجل حَرَاماً مع النبيّ وَّ، فخرّ من
بعيره)) .
[تنبيه]: قوله: ((خرّ رجلٌ)) قال الحافظ: لم أقف في شيء من طرق هذا
الحديث على تسمية المحرم المذكور، وقد وهم بعض المتأخّرين، فزعم أن
اسمه واقد بن عبد الله، وعزاه لابن قتيبة في ترجمة عمر، من كتاب المغازي،
وسبب الوهم أن ابن قتيبة لما ذكر ترجمة عمر، ذكر أولاده، ومنهم عبد الله بن
عمر، ثم ذكر أولاد عبد الله بن عمر، فذكر فيهم واقد بن عبد الله بن عمر،
فقال: وقع عن بعيره، وهو محرم، فهلك، فظنّ هذا المتأخّر أن لواقد بن
عبد الله بن عمر صحبة، وأنه صاحب القصّة التي وقعت في زمن النبيّ وَّر،
وليس كما ظنّ، فإن واقداً المذكور لا صحبة له، فإن أمه صفيّة بنت أبي عُبيد،
إنما تزوّجها أبوه في خلافة أبيه عمر، واختلف في صحبتها، وذكره العجليّ،
وغيره في التابعين، ووجدت في الصحابة واقد بن عبد الله آخر، لكن لم أر في
شيء من الأخبار أنه وقع عن بعيره، فهلك، بل ذكر غير واحد، منهم ابن سعد
أنه مات في خلافة عمر، فبطل تفسير المبهم بأنه واقد بن عبد الله من كلّ
وجه. انتهى كلام الحافظ تَذَتُهُ(٣).
(فَوُقِصَ) بالبناء للمفعول؛ أي: انكسرت عنقه، ووقصته، وأوقصته
بمعناه، يقال: وَقَصَت الناقة براكبها وَقْصاً، من باب وَعَدَ: رَمَتْ به، فدَقّت
عُنُقُه، فالعُنُق موقوصة، قاله في ((المصباح))(٤).
وقال في ((القاموس)): وَقَصَ عُنُقْه، كوَعَد: كسرها، فَوَقَصَتْ لازم مُتعَدٍّ،
ووُقِصَ كِعُنِي، فهو موقوصٌ، ووَقَصَتْ به راحلته تَقِصُهُ. انتهى(٥) .
= يستوي فيه الذكر والأنثى، قاله في ((المصباح)) ٤٨/١.
(١) هو من الإبل ما دخل في السنة الخامسة.
(٣) ((الفتح)) ٤/ ٥٣٢.
(٢) ((القاموس المحيط)) ٣٧٤/١ - ٣٧٥.
(٤) ((المصباح المنير)) ٦٦٨/٢.
(٥) ((القاموس المحيط)) ٣٢١/٢.

٣٩٣
(١٤) - بَابُ مَا يُفْعَلُ بِالْمُحْرِمِ إِذَا مَاتَ - حديث رقم (٢٨٩١)
وقال ابن الأثير تَّتُهُ: الوقصُ: كسرُ العنق، وقصتُ عنقَهُ أَقِصُها وَقْصاً،
ووقَصَت به راحلته، كقولك: خُذ الخطامَ، وخذ بالخطام، ولا يقال: وَقَصَتِ
العنقُ نفسُهَا، ولكن يقال: وُقِصَ الرجلُ، فهو موقوصٌ. انتهى(١).
(فَمَاتَ، فَقَالَ) وَِّ ((اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ) فيه دليلٌ على وجوب غسل
الميت، وفيه جواز غسل المحرم بالسدر ونحوه مما لا يُعدّ طيباً، وحَكَى
المزنيّ عن الشافعيّ أنه استدلّ على جواز قطع سدر الحرم بهذا الحديث، لقوله
فيه: ((واغسلوه بماء وسدر))، والله أعلم، قاله في ((الفتح)).
(وَكَفِّنُوهُ فِي ◌َوْبَيْهِ) أي: إزاره ورداءه اللذين لبسهما في الإحرام، وهذا
نصّ في أن كفن المحرم ثوباه اللذان أحرم بهما، ولا يزاد عليهما غيرهما.
وفي رواية أخرى: ((في ثوبين)) بدون الضمير، قال القاضي عياض:
والأولى أكثر الروايات، قال القرطبيّ: فعلى الرواية الأولى يحتجّ الشافعيّ على
بقاء حكم إحرامه، كما سيأتي؛ لأنه أمر أن يكفّن في ثيابه التي كانت عليه،
والرواية الثانية يَحْتَمِل أن تُحْمَل على الأولى، ويَحْتَمِل أن يريد: زيدوا على
ثوبه الذي أحرم فيه ثوبين، ليكون كفنه وتراً، والأول أولى لأن إحدى الروايتين
مفسِّرة للأخرى.
وقال المحبّ الطبريّ كَّتُهُ في ((أحكامه)): إنما لم يزده ثوباً ثالثاً، تكرمةً
له، كما في الشهید، حیث قال: ((زمّلوهم بدمائهم)). انتهى.
وقال في ((الفتح)): يَحْتَمِل اقتصاره له على التكفين في ثوبيه؛ لكونه مات
فيهما، وهو متلبّس بتلك العبادة الفاضلة، ويَحْتَمِل أنه لم يجد له غيرهما.
انتھی.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الاحتمال الأول هو الظاهر، كما بيّنه
المحبّ الطبريّ، ورجّحه القرطبيّ رحمهما الله تعالى، والله تعالى أعلم.
(وَلَا تُخَمِّرُوا) بالتشديد، من التخمير؛ أي: لا تغطّوا، ولا تستروا (رَأْسَهُ)
في النهي عن تخمير رأسه دليلٌ على بقاء إحرامه، وكذا في المنع عن التحنيط،
وأصرح من ذلك ما ذكره بالفاء التعليليّة، حيث قال: (فَإِنَّ اللهَ يَبْعَثُهُ) أي:
(١) ((النهاية)) ٢١٤/٥.

٣٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
يحشره من قبره (يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّياً)) أي: لأن الله ◌ُعَلَ يبعثه يوم القيامة على
الحالة التي مات عليها، وهي التلبّس بالحجّ، قائلاً: لبيك اللهمّ لبيك، وفي
رواية أبي بشر: ((فإنه يُبعث يوم القيامة ملِّداً)). وفي رواية أبي الزبير: ((فإنه
يُبْعَثُ يوم القيامة، وهو يُهِلّ))، وفي رواية منصور: ((فإنه يُبعث يلبي))، وفي
رواية للنسائيّ: ((فإنه يُبعث يوم القيامة مُحرماً)).
قال الصنعانيّ تَّتُهُ: الظاهر أنه يُبعث قائلاً: لبيك، وقيل: على الهيئة
التي مات عليها؛ ليكون علامة على النسك الذي تلبّس به. انتهى (١).
وقال النوويّ تَخْلَثُ: معناه على الهيئة التي مات عليها، ومعه علامة
لحجّه، وهي دلالة الفضيلة، كما يجيء الشهيد يوم القيامة، وأوداجه تَشْخَب
دماً. انتهى.
ووقع في رواية: ((يبعث يوم القيامة ملبّداً)) بدال بدل التحتانية، والتلبيد:
جمع الشعر بصمغ، أو غيره، ليخفّ شعثه، وكانت عادتهم في الإحرام أن
يصنعوا ذلك.
وقد أنكر عياض هذه الرواية، وقال: ليس للتلبيد معنى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لا وجه لإنكار القاضي عياض لرواية
((مُلَبِّداً)) بعد صحة نقلها، ودعواه عدم المعنى لها، غير صحيحة، بل لها معنى
مقصود، وهو أن يكون التلبيد علامة على موته، وهو كذلك، كما أن الشهيد
يأتي بدمه وكَلِمِهِ علامة على موته كذلك، والله تعالى أعلم بالصواب.
[تنبيه]: قال الإمام أبو داود كَّلُ في ((سننه)) - بعد إخراج الحديث -:
سمعت أحمد بن حنبل يقول: في هذا الحديث خمس سنن: كَفِّنُوه في ثوبیه؛
أي: يكفن الميت في ثوبين، واغسلوه بماء وسدر؛ أي: إن في الغَسَلات كلها
سدراً، ولا تُخَمِّروا رأسه، ولا تقربوه طيباً، وكان الكفن من جميع المال.
انتهى(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان،
وعليه التكلان.
(١) ((العدّة حاشية العمدة)) ٢٤٥/٣.
(٢) ((سنن أبي داود)) ٢١٩/٣.

٣٩٥
(١٤) - بَابُ مَا يُفْعَلُ بِالْمُحْرِمِ إِذَا مَاتَ - حديث رقم (٢٨٩١)
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عباس ظّ هذا مُتَّفَقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٨٩١/١٤ و٢٨٩٢ و٢٨٩٣ و٢٨٩٤ و٢٨٩٥
و٢٨٩٦ و٢٨٩٧ و٢٨٩٨ و٢٨٩٩ و٢٩٠٠ و٢٩٠١] (١٢٠٦)، و(البخاريّ) في
(الجنائز)) (١٢٦٥ و١٢٦٦ و١٢٦٧)، و((جزاء الصيد)) (١٨٤٩ و١٨٥٠
و١٨٥١)، و(أبو داود) في ((المناسك)) (٣٢٣٨ و٣٢٤١)، و(الترمذيّ) في
((الحجّ)) (٩٥١)، و(النسائيّ) في ((المناسك)) (٣٩/٤ و١٤٤/٥ و١٤٥ و١٩٦
و١٩٧)، و(الكبرى) (٦٢٢/١ و٣٧٨/٢ و٣٧٩ و٤٨٠)، و(ابن ماجه) في
(المناسك)) (٣٠٨٤)، و(الشافعيّ) في («مسنده)) (٣٥٧/١)، و(ابن أبي شيبة) في
((مصنّفه)) (٣٠٣/٣ و٢٩٨/٧)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٢٦٢٣)،
و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٤٦٧)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢١٥/١ و٢٢٠
و٢٢١ و٢٦٦ و٢٨٦ و٣٢٨ و٣٣٣ و٣٤٦)، و(الدارمي) في ((سننه)) (١٨٥٢)،
و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٧٠/٩ - ٢٧٣)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢)
٢٦٩ و٢٧٠ و٢٧١ و٢٧٢)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٢٩٧/٣ - ٢٩٩)،
و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (٥٠٦)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٥٣/٧)،
و((الصغير)) (١٤٢/١)، و((الكبير)) (٢٤/١٢ و٧٦ و٧٧)، و(الدارقطنيّ) في
((سننه)) (٢٩٦/٢ و٢٩٧)، و(الطحاويّ) في ((مشكل الآثار)) (٩٩/١)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٩٢/٣)، و((المعرفة)) (١٢٨/٣ و١٢٩)، و(البغويّ)
في ((شرح السنّة)) (١٤٨٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان ما يُفعل بالمحرم إذا مات.
٢ - (ومنها): استحباب تكفين المحرم في ثياب إحرامه، وأن إحرامه
باق.
٣ - (ومنها): أنه لا يكفّن في المخيط.
٤ - (ومنها): أن فيه التعليل بالفاء، لقوله: ((فإنه يبعث إلخ)).

٣٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
٥ - (ومنها): أن التكفين في الثياب الملبوسة جائز، قال النوويّ تَخْذّلهُ:
وهو مجمع علیه. انتھی.
٦ - (ومنها): جواز التكفين في ثوبين، والأفضل الثلاثة إذا تيسر، لغير
المحرم.
٧ - (ومنها): أن الكفن يكون من رأس المال، وأنه مقدّم على الدَّين
وغيره؛ لأن النبيّ وَّر أمر بتكفينه في ثوبيه، ولم يستفصل هل عليه دَين
مستغرق، أم لا؟
٨ - (ومنها): أن التكفين واجب، قال النوويّ كَّلُ: وهو إجماع في حقّ
المسلم، وكذلك غسله، والصلاة عليه، ودفنه. انتهى.
٩ - (ومنها): استحباب دوام التلبية في الإحرام، واستحباب التلبيد.
١٠ - (ومنها): إباحة غسل المحرم الحيّ بالسدر، خلافاً لمن كرهه له.
١١ - (ومنها): أن الوتر في الكفن ليس بشرط في الصحّة، بل هو
مستحبّ لغير المحرم، وهو قول الجمهور، واختُلِف فيما إذا شحّ بعض الورثة
بالثاني، أو الثالث، والمرجّح أنه لا يُلتفت إليه، وأما الواحد الساتر لجميع
البدن، فلا بدّ منه بالاتفاق.
١٢ - (ومنها): أن الإحرام يتعلّق بالرأس.
١٣ - (ومنها): أن من شرع في عمل طاعة، ثم حال بينه وبين إتمامه
الموت يُرجَى له أن يكتبه الله في الآخرة من أهل ذلك العمل.
١٤ - (ومنها): أنه يدلّ على ترك النيابة في الحجّ؛ لأنه وَّ لم يأمر أحداً
أن يُكَمِّل عن هذا المحرم أفعال الحجّ، هكذا قيل، وفيه نظر لا يخفى.
١٥ - (ومنها): أنه استَنْبَط الإمام الشافعيّ، وتبعه المزنيّ - رحمهما الله
تعالى - من هذا الحديث جواز قطع شجر السدر؛ لقوله: ((اغسلوه بماء
وسدر))، وأما حديث: ((من قطع شجر سدر، صوّب الله رأسه في النار))،
حديث صحيح أخرجه أبو داود، فمحمول على من قطع ما يَستَظِلُّ به ابنُ
السبيل، والبهائم عبثاً بغير حقّ، وقيل غير ذلك، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: أغرب القرطبي، فحكى عن الشافعيّ أن المحرم لا يصلَّى عليه،

٣٩٧
(١٤) - بَابُ مَا يُفْعَلُ بِالْمُحْرِمِ إِذَا مَاتَ - حديث رقم (٢٨٩١)
وليس ذلك بمعروف عنه، ذكره في ((الفتح)) (١)، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف العلماء فيما يُفعل بالمحرم إذا مات:
قال الإمام ابن المنذر تَّتُهُ: وقد اختلف أهل العلم في تخمير رأس
المحرم الميت، وتطييبه، فقالت طائفة: يُصنع به كما يُصنع بسائر الموتى، هذا
قول عائشة، وبه قال عمر، وطاوس، والأوزاعيّ، وأصحاب الرأي، وقال
مالك: لا بأس بأن يُحِّطَ الحلالُ المحرمَ الميتَ بالطيب.
وقالت طائفة: لا يُغطى رأسه، ولا يُمسّ طيباً، رُوي هذا القول عن
عليّ ◌َظُه، وقال ابن عباس ﴿هَا: لا يُغطّى رأسه، وقال الشافعيّ: لا يُمسّ
طيباً، ولا يُخمّر رأسه، وبه قال أحمد، وإسحاق.
قال ابن المنذر تَخْلُقُهُ: وبما ثبت عن رسول الله وَ ﴾ نقول - يعني حديث
الباب -. قال: وكان الثوريّ يميل إلى القول بالحديث.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وبما قاله ابن المنذر، ومال إليه الثوريّ -
رحمهما الله تعالى - أقول، لصحة المنقول.
وحاصله أن المحرم الميت يكفّن في ثوبيه، ولا يمسّ طيباً، ولا يغطّى
رأسه، كما أرشد إلى ذلك النبيّ وَلي في حديث الباب. والله تعالى أعلم.
قال: وروينا عن عطاء قولاً ثالثاً، وهو أن يُغسل بالماء، ويكفّن، ويُغطّى
رأسه، ولا يُحنط .
قال: واختلفوا في تخمير وجهه، فأما من قال: إذا مات المحرم ذهب
إحرامه، فلا معنى للمسألة على مذهبه؛ لأنه يَرى أن يُفعل به كما يُفعل بسائر
الموتى، وقياس قول من رأى أن للمحرم الحيّ أن يُخمِّرَ وجهَهُ أن يقول: يُخَمَّرُ
وجهُ المحرم الميت.
وممن كان لا يرى بأساً أن يُخَمِّرَ المحرمُ وجهَهُ سعد بن أبي وقّاص،
وجابر بن عبد الله، والقاسم بن محمد، وطاوس، والثوريّ، والشافعيّ،
وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور.
(١) ((الفتح)) ٤٨٠/٣.

٣٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
وكرهت طائفة من أصحاب الحديث أن يُخَمِّرَ وجهَهُ، وأن يُخَمَّر وجهُ
المحرم الميت. وحُجَّةُ هؤلاء حديثُ ابن عباس ◌ًَّا بلفظ: (ولا تخمِّروا وجهه
ورأسه ... )).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما عزاه إلى أصحاب الحديث هو الحقّ،
لصحة الحديث بذلك كما سيأتي تحقيقه - إن شاء الله تعالى - والله تعالى
أعلم.
وقال في ((الفتح)) عند قول البخاريّ: ((باب الحنوط للميت)): أي: غير
المحرم، وأورد حديث ابن عباس المذكور في الباب، قال: وشاهدُ الترجمة
قوله: ((ولا تحتّطوه))، ثم علّل بأنه يُبعث ملبياً، فدلّ على أن سبب النهي أنه
كان محرماً، فإذا انتفت العلّة انتفى النهي، وكأن الحنوط للميت كان مقرّراً
عندهم، وكذا قوله: ((ولا تخمّروا رأسه))؛ أي: لا تُغَُّوه.
قال البيهقيّ تَخُّْ: فيه دليل على أن غير المحرم يُحتّط، كما يُخمّر رأسه،
وأن النهي إنما وقع لأجل الإحرام، خلافاً لمن قال من المالكيّة وغيرهم: إن
الإحرام ينقطع بالموت، فيُصنع بالميت ما يُصنع بالحيّ. قال ابن دقيق
العيد تخّثُ: وهو مقتضى القياس، لكن الحديث بعد أن ثبت يقدّم على
القياس، وقد قال بعض المالكية: إثبات الحنوط في هذا الخبر بطريق المفهوم
من منع الحنوط للمحرم، ولكنها واقعة حال، يتطرّق الاحتمال إلى منطوقها،
فلا يستدلّ بمفهومها .
وقال بعض الحنفية: هذا الحديث ليس عامّاً بلفظه؛ لأنه في شخص
معيّن، ولا بمعناه؛ لأنه لم يقل: يبعث ملبياً لأنه محرم، فلا يتعدى حكمه إلى
غيره إلا بدلیل منفصل.
وقال ابن بزيزة: وأجاب بعض أصحابنا عن هذا الحديث بأن هذا
مخصوص بذلك الرجل؛ لأن إخباره وَس18 بأنه يُبعث ملبياً شهادة بأن حجه قُبل،
وذلك غير محقّق لغيره.
وتعقّبه ابن دقيق العيد بأن هذه العلة إنما ثبتت لأجل الإحرام، فتعمّ كلّ
محرم، وأما القبول وعدمه فأمر مغيّب.
واعتلّ بعضهم بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَّيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلَّا مَا سَعَى

٣٩٩
(١٤) - بَابُ مَا يُفْعَلُ بِالْمُحْرِمِ إِذَا مَاتَ - حديث رقم (٢٨٩١)
[النجم: ٣٩]، وبقوله وقالت: ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث))، وليس
هذا منها، فينبغي أن ينقطع عمله بالموت.
وأجيب بأن تكفينه في ثوبي إحرامه، وتبقيته على هيئة إحرامه من عمل
الحيّ بعده، كغسله، والصلاة عليه، فلا معنى لما ذكره.
وقال ابن المنّر كَّثُ في ((الحاشية)): وقد قال وَّر في الشهداء: ((زمّلوهم
بدمائهم)) مع قوله: ((والله أعلم بمن يُكلم في سبيله))، فعمّم الحكم في الظاهر،
بناء على ظاهر السبب، فينبغي أن يُعمّم الحكم في كلّ محرم، وبين المجاهد
والمحرم جامعٌ؛ لأن كلّ منهما في سبيل الله.
وقد اعتذر الداوديّ عن مالك، فقال: لم يبلغه هذا الحديث.
وأورد بعضهم أنه لو كان إحرامه باقياً، لوجب أن يكمّل به المناسك،
ولا قائل به.
وأجيب بأن ذلك ورد على خلاف الأصل، فيقتصر به على مورد النصّ،
ولا سيّما وقد وضح أن الحكمة في ذلك استبقاء شعار الإحرام؛ كاستبقاء دم
الشهيد. انتهى ما قاله في ((الفتح)).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أكثر هذه الأقوال آراء ساقطة؛ لأنها في
مقابلة النصّ، واحتجاجٌ على المنقول بالمعقول، وأحسن ما يُعتذر به عن الأئمة
كمالك، ونحوه هو ما قاله الداوديّ، وهو أنه لم يبلغهم النصّ، وإلا لما
خالفوه مع وضوحه.
والحاصل أن الصواب العمل بما دلّ عليه حديث ابن عباس ظنًّا المذكور
في الباب، فلا يُخمّر رأس المحرم الميت، ولا وجهه، ولا يحنّط، وأنه باق
على إحرامه، وأن العلة هي الإحرام، وهي عامة في كل محرم، والأصل أن ما
ثبت لشخص في زمنه 8* ثابت لغيره حتى يدلّ الدليل على خلافه، ولم يثبت
خلافه، كيف، وقد ثبت أنه وَ ل* قال: ((يبعث كلّ عبد على ما مات عليه)) رواه
مسلم، وهذا عام في كل صورة ومعنى، فاقتضى ذلك تعلق هذا الحكم على
الإحرام حيث مات محرماً، فيعمّ كل محرم، كيف والتلبية من لوازم الإحرام،
والعمل بالحديث مقدم على القياس، وهو متعين.
ولقد أجاد من قال، وأحسن في المقال [من الوافر]:

٤٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
إِذاْ جَالَتْ خُيُولُ النَّصِّ يَوْماً تُجَارِي فِي مَيَادِينِ الْكِفَاحِ
غَدَتْ شُبَهُ الْقِيَاسِيِّينَ صَرْعَى تَطِيرُ رُؤُوسُهُنَّ مَعَ الرِّيَاحِ
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢٨٩٢] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّدٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ
دِينَارٍ، وَأَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿هَا قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ وَاقِفٌ
مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ بِعَرَفَةَ، إِذْ وَقَعَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، قَالَّ أَيُوبُ: فَأَوْقَصَتْهُ، أَوْ قَالَ:
فَأَفْعَصَتْهُ، وَقَالَ عَمْرٌو: فَوَقَصَتْهُ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِّ وََّ، فَقَالَ: ((اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ
وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنٍ، وَلَا تُحَنِّطُوهُ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ - قَالَ أَيُّوبُ: فَإِنَّ اللهَ
يَبْعَثُّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّياً، وَقَالَ عَمْرٌو: فَإِنَّ اللهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُلَِّي))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ) سليمان بن داود الْعَتَكيّ، تقدّم قبل ثلاثة
أبواب.
٢ - (حَمَّادُ) بن زيد، تقدّم أيضاً قبل ثلاثة أبواب.
٣ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة السَّخْتيانيّ، تقدّم أيضاً قبل ثلاثة أبواب.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (مِنْ رَاحِلَتِهِ) هو بمعنى قوله في الرواية السابقة: ((من بعيره))؛ لأن
الراحلة والبعير يُطلق كلّ منهما على الذكر والأنثى، فتنبّه.
وقوله: (قَالَ أَيُّوبُ: فَأَوْقَصَتْهُ، أَوْ قَالَ: فَأَفْعَصَتْهُ ... إلخ) أشار به إلى
الاختلاف الواقع بين أيوب السختيانيّ، وبين عمرو بن دينار، فقال أيوب في
رواية: ((فأوقصته، أو فأقعصته)) بالشكّ، وقال عمرو: ((فوقصته)) بدون شكّ،
هذا من حيث اللفظ، وأما من حيث المعنى فالثلاثة بمعنى واحد، يقال:
وقصته ناقته؛ أي: أوقعته، فاندقّت عنقه، ويقال: لمن اندقّت عنقه: وقِصٌ،
فهو موقوص على بناء ما لم يُسمّ فاعله، ويقال أيضاً: أوقصته رباعيّاً، وهما
لغتان، والثلاثيّ أفصح، ويقال: قصعته: بمعنى قتلته لحينه، ومنه قُعاص