النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦١
(١١) - بَابُ جَوَازِ الْحِجَامَةِ لِلْمُحْرِم - حديث رقم (٢٨٨٥)
(١١) - (بَابُ جَوَازِ الْحِجَامَةِ لِلْمُحْرِمِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّهُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢٨٨٥] (١٢٠٢) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ،
وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ
عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ طَاؤُسٍ، وَعَطَاءٍ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿هَ: أَنَّ النَّبِيِّ وَّل
احْتَجَمَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن راهويه تقدّم قبل بابين.
٢ - (عَمْرُو) بن دينار، تقدّم قريباً.
٣ - (طَاءُسُ) بن کیسان، تقدّم قبل بابين.
٤ - (عَطَاءُ) بن أبي رَبَاح أسلم، تقدّم قريباً.
٥ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله البحر الحبر ﴿ًُّا، تقدّم قبل بابين.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف تَخْذَلُهُ، وله فيه ثلاثة من الشيوخ
قرن بينهم؛ لاتحاد كيفية أخذه عنهم، ثم فصّل؛ لاختلافهم فيها .
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه، فالأولان ما
أخرج لهما الترمذيّ، والثالث ما أخرج له ابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين، غير شيوخه، فالأول كوفيّ، والثاني
بغداديّ، والثالث مروزيّ، وطاوس يمانيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّين.
٥ - (ومنها): أن فيه ابن عبّاس ◌ًُّا من المكثرين السبعة، والعبادلة
الأربعة، والله تعالى أعلم.

٣٦٢
البحر المحيط الثجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
شرح الحديث:
(عَن ابْنِ عَبَّاسِ بِ﴿ه: أَنَّ النَّبِيَّ وَّهِ احْتَجَمَ) أي: فعل الحجامة، قال في
(اللسان)): الحَجْم: المصّ، يقال: حَجَمَ الصبيُّ ثديَ أمه: إذا مصّه، وما حَجَمَ
الصبيّ ثدي أمه؛ أي: ما مصّه، وثديٌ محجوم؛ أي: ممصوص، والحجّام:
المصّاص، قال الأزهريّ: يقال للحجّام حجام؛ لامتصاصه فم الْمِحجمة، وقد
حَجَم يحجِمُ، ويحجُم - أي: من بابي ضرب، ونصر - حَجْماً، قال الأزهريّ:
المِحجمة: قارورته، وتطرح الهاء، فيقال: مِحجَمٌ، وجمعه مَحَاجم، قال
زُهیرٌ :
وَلَمْ يُهَرِيقُوا بَيْنَهُمْ مِلْءَ مِحْجَمٍ
وقال ابن الأثير: المِحْجَم الآلة التي يجمع فيها دم الحجامة عند المصّ.
انتهى باختصار. (وَهُوَ مُحْرٌِ) جملة في محل نصب على الحال من الفاعل،
زاد ابن جريج، عن عطاء: ((صائم بِلَحْي جَمَلٍ))، وزاد زكريا بن إسحاق: ((على
رأسه))، وهذه الزيادات موافقة لحديث ابن بُحينة التالي، بلفظ: ((احتجم بطريق
مكة وسط رأسه)).
[تنبيه]: روى البخاريّ تَخْلَثُ هذا الحديث، ونصّه:
(١٨٣٥) - حدّثنا عليّ بن عبد الله، حدّثنا سفيان، قال: قال لنا عمرو:
أولُ شيء سمعت عطاء يقول: سمعت ابن عباس ﴿ًا يقول: احتجم
رسول الله وثر، وهو محرم، ثم سمعته يقول: حدّثني طاوس، عن ابن عباس،
فقلت: لعله سمعه منهما. انتهى.
قال في ((الفتح)): قوله: ((قال لنا عمرو: أولُ شيء)) أي: أول مرة، في
رواية الحميديّ، عن سفيان: حدّثنا عمرو، وهو ابن دينار، أخرجه أبو نعيم،
وأبو عوانة، من طريقه.
وقوله: ((ثم سمعته)) هو مقول سفيان، والضمير لعمرو، وكذا قوله:
((فقلت: لعله سمعه))، وقد بَيَّنَ ذلك الحميديّ، عن سفيان، فقال: حدّثنا بهذا
الحديث عمرو مرتين، فذكره، لكن قال: فلا أدري أسمعه منهما، أو كانت
إحدى الروايتين وَهَماً، زاد أبو عوانة: قال سفيان: ذُكر لي أنه سمعه منهما
جميعاً، وأخرجه ابن خزيمة، عن عبد الجبار بن العلاء، عن ابن عيينة، نحو

٣٦٣
(١١) - بَابُ جَوَازِ الْحِجَامَةِ لِلْمُحْرِمِ - حديث رقم (٢٨٨٥)
رواية عليّ بن عبد الله، وقال في آخره: فظننت أنه رواه عنهما جميعاً، وقد
أخرجه الإسماعيليّ من طريق سليمان بن أيوب، عن سفيان، قال: عن عمرو،
عن عطاء، فذكره، قال: ثم حدّثنا عمرو، عن طاوس به، فقلت لعمرو: إنما
كنت حدّثتنا عن عطاء، قال: اسكت يا صبيّ، لم أَغْلَط، كلاهما حدّثني.
قال الحافظ: فإن كان هذا محفوظاً، فلعل سفيان تردّد في كون عمرو
سمعه منهما لَمّا خَشِي من كون ذلك صدر منه حالة الغضب، على أنه قد حدّث
به فجمعهما، قال أحمد في ((مسنده)): حدّثنا سفيان، قال: قال عمرو أوّلاً،
فحفظناه، قال طاوس: عن ابن عباس فذكره، فقال أحمد: وقد حدّثنا به
سفيان، فقال: قال عمرو: عن عطاء، وطاوس، عن ابن عباس.
قلت(١): وكذا جمعهما عن سفيان: مسدّد عند البخاريّ في ((الطبّ))،
وأبو بكر بن أبي شيبة، وأبو خيثمة، وإسحاق ابن راهويه، عند مسلم، وقتيبة،
عند الترمذيّ، والنسائيّ، وتابع سفيان على روايته له عن عمرو، لكن عن
طاوس وحده زكريا بن إسحاق، أخرجه أحمد، وأبو عوانة، وابن خزيمة،
والحاكم، وله أصل عن عطاء أيضاً، أخرجه أحمد، والنسائيّ، من طريق
الليث، عن أبي الزبير، ومن طريق ابن جريج، كلاهما عنه. انتهى (٢)، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عباس ﴿مّ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٨٨٥/١١] (١٢٠٢)، و(البخاريّ) في ((جزاء
الصيد» (١٨٣٥) و((الصوم)) (١٩٣٨) و((البيوع)) (٢١٠٣) و((الإجارة)) (٢٢٧٨
و٢٢٧٩) و((الطبّ)) (٥٦٩١ و٥٦٩٥ و٥٧٠١)، و(أبو داود) في ((المناسك))
(١٨٣٥ و١٨٣٦) و((الصوم)) (٢٣٧٣)، و(الترمذيّ) في ((الصوم)) (٧٧٥ و٧٧٦
و٧٧٧)، و((الحج)) (٨٣٩)، و(النسائيّ) في ((المناسك)) (٢٨٤٦ و٢٨٤٧
(١) القائل: الحافظ ابن حجر كَّلهُ.
(٢) ((الفتح)) ١٢٥/٥ - ١٢٦.

٣٦٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
و٢٨٤٨) وفي ((الكبرى)) (٣٨٢٨ و٣٨٢٩ و٣٨٣٠)، و(ابن ماجه) في ((الصوم))
(١٦٨٢) و((المناسك)) (٣٠٨١)، و(مالك) في ((الموطًا)) (٣٤٩/١)، و(الشافعيّ)
في ((مسنده)) (٣١٩/١)، و(الطيالسيّ) في («مسنده)) (٢٤١/١)، و(ابن أبي شيبة)
في ((مصنّفه)) (٣٢٠/٣ و٣٢١ و٣٩/٥)، و(الحميديّ) في («مسنده)) (٥٠٠)،
و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٢١/١ و٢٩٢ و٢٩٩ و٣٧٢ و٣٤٥)، و(الدارميّ) في
((سننه)) (٣٧/٢)، و(ابن خزيمة) في (صحيحه)) (٢٦٥١ و٢٦٥٧)، و(ابن حبّان)
في ((صحيحه)) (٣٩٥١)، و(عبد بن حُميد) في ((مسنده)) (٢١١/١)، و(ابن
الجارود) في ((المنتقى)) (٤٤٢)، و(الطبرانيّ) في («الأوسط)) (٥١/٣ ٢٩/٩)
و ((الكبير)) (١٠٨٥٣ و١١٥٠٠)، و(أبو يعلى) في («مسنده)) (٢٣٦٠)، و(أبو نعيم)
في ((مستخرجه)) (٢٩٣/٣)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤١٢/٢ و٤١٣)،
و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (٢٣٩/١)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٦٢٣/١)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٦٣/٤ و٦٥/٥)، و((المعرفة)) (٣٣/٤)، و(البغويّ)
في ((شرح السنّة)) (١٩٨٤)، و(الضياء) في ((المختارة)) (٤٤/٦ و١٢/٧)، والله
تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في أقوال أهل العلم في حكم الحجامة للمحرم:
قال القرطبيّ تَظُّ: لا خلاف بين العلماء في جواز الحجامة للمحرم
حيث كانت من رأس، أو جسد للضرورة، وأما لغير الضرورة في جسده، حيث
لا يحلق شعراً، فجمهورهم على جوازه، ومالك يمنعه. واتفقوا على أنه إذا
احتجم برأسه، فحلق لها شعراً أنه يفتدي، وجمهورهم على أن حكم شعر
الجسد كذلك، إلا داود، فإنه لا يرى في حلق شعر الجسد لضرورة الحجامة
دماً، والحسن يوجب عليه الدم بالحجامة. انتهى كلام القرطبيّ رَّتُهُ.
وقال النوويّ كَخْلُهُ: وفي هذا الحديث دليل لجواز الحجامة للمحرم، وقد
أجمع العلماء على جوازها له في الرأس وغيره، إذا كان له عذر في ذلك، وإن
قطع الشعر حينئذ، لكن عليه الفدية لقطع الشعر، فإن لم يقطع فلا فدية عليه،
ودليل المسألة قوله تعالى: ﴿فَنْ كَانَ مِنْكُم ◌َرِيضًا أَوْ بِةٍ أَذَّى مِّن رَأْسِهِ، فَفِدْيَةٌ﴾
الآية، وهذا الحديث محمول على أن النبيّ ◌َلّ كان له عذر في الحجامة في
وسط الرأس؛ لأنه لا ينفك عن قطع شعر، أما إذا أراد المحرم الحجامة لغير

٣٦٥
(١١) - بَابُ جَوَازِ الْحِجَامَةِ لِلْمُحْرِمِ - حديث رقم (٢٨٨٦)
حاجة، فإن تضمنت قلع شعر، فهي حرام؛ لتحريم قطع الشعر، وإن لم تتضمن
ذلك بأن كانت في موضع لا شعر فيه، فهي جائزة عندنا، وعند الجمهور، ولا
فدية فيها، وعن ابن عمر، ومالك كراهتها، وعن الحسن البصريّ: فيها الفدية،
دليلنا أن إخراج الدم لس حراماً في الإحرام.
وفي هذا الحديث بيان قاعدة من مسائل الإحرام، وهي أن الحلق
واللباس وقتل الصيد ونحو ذلك من المحرمات يباح للحاجة، وعليه الفدية،
كمن احتاج إلى حلق أو لباس لمرض أو حرّ أو برد، أو قتل صيد للحاجة،
وغير ذلك. انتهى(١).
وقال في ((الفتح)): إذا أراد المحرم الحجامة لغير حاجة، فإن تضمنت
قطع شعر، فهي حرام؛ لقطع الشعر، وإن لم تتضمنه جازت عند الجمهور،
وكرهها مالك، وعن الحسن: فيها الفدية، وإن لم يقطع شعراً، وإن كان
لضرورة جاز قطع الشعر، وتجب الفدية، وخصّ أهل الظاهر الفدية بشعر
الرأس، وقال الداوديّ: إذا أمكن مسك المحاجم بغير حلق لم يجز الحلق.
واستُدِلّ بهذا الحديث على جواز الفصد، وبطّ الجرح(٢) والدّمّل، وقطع
العرق، وقلع الضرس، وغير ذلك من وجوه التداوي، إذا لم يكن في ذلك
ارتكاب ما نُهي عنه المحرم من تناول الطيب، وقطع الشعر، ولا فدية عليه في
شيء من ذلك. انتهى، وهو بحثٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٨٨٦] (١٢٠٣) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا الْمُعَلَّىِ بْنُ
مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ
الْأَعْرَجِ، عَن ابْنِ بُخَيْنَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ وَّهِ احْتَجَمَ بِطَرِيقٍ مَكَّةَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَسَطَ
رَأْسِهِ).
(١) (شرح النوويّ)) ١٢٣/٨.
(٢) يقال: بطّ الجُرحَ: إذا شقه. ((ق)).

٣٦٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (الْمُعَلَّى بْنُ مَنْصُورٍ) أبو يعلى الرازيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ فقيهٌ سنّيّ،
طُلب للقضاء، فامتنع، أخطأ من زعم أن أحمد رماه بالكذب [١٠] (ت٢١١)
على الصحيح (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٤٣.
٢ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو أيوب
المدني، ثقة [٨] (ت١٧٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤/ ١٦٠.
٣ - (عَلْقَمَةُ بْنُ أَبِي عَلْقَمَةَ) واسمه بلال المدنيّ، مولى عائشة، وهو
علقمة ابن أم علقمة، واسمها مَرْجانة - بفتح الميم - ثقة عَلّامة [٥].
رَوَى عن أمه مَرْجانة، وأنس بن مالك، وسعيد بن المسيِّب، والأعرج،
وغيرهم.
وروى عنه عبد الرحمن بن أبي الزناد، ومالك، وسليمان بن بلال،
والدّراورديّ، وحمزة بن عبد الواحد، وعبد العزيز بن عبد الله بن حمزة بن
صهيب.
قال ابن معين، وأبو داود، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صالح
الحديث، لا بأس به، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال ابن سعد: مات في
أول خلافة المنصور، وله أحاديث صالحة، وكان له كتاب، يُعَلِّم النحو،
والعربية والعروض، وقال ابن حبان في ((الثقات)): مات في آخر خلافة أبي
جعفر، وقد روى عن أنس أحرفاً، فلا أدري أدَلّسها أو سمعها منه؟(١)، وقال
ابن عبد البرّ: كان ثقةً مأموناً، واسم أمه مَرْجانة.
أخرج له الجماعة، وليس له عند الشيخين إلا هذا الحديث.
٤ - (عَبْدُ الرَّحْمُنُ الْأَعْرَجُ) هو: ابن هُرْمُز، أبو داود المدنيّ، مولى ربيعة بن
الحارث، ثقة ثبت فقيهٌ [٣] (ت١١٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٩٢/٢٣.
٥ - (ابْنُ بُحَيْنَةَ) هو: عبد الله ابن بُحَينة - بضم الموحدة، وفتح الحاء
المهملة، بعدها ياء ساكنة، ثم نون، بعدها هاء - اسم أم عبد الله، ولذا كتبت
(١) وقال في ((الفتح)) ١٢٦/٥: هو مدنيّ تابعيّ صغير، سمع أنساً. انتهى.

٣٦٧
(١١) - بَابُ جَوَازِ الْحِجَامَةِ لِلْمُحْرِمِ - حديث رقم (٢٨٨٦)
الألف في ((ابن بُحينة))، وهو عبد الله بن مالك بن القِشْب الأزديّ، أبو محمد،
حليف بني المطلب، يعرف بابن بُحينة، الصحابيّ المعروف، مات تَظُه بعد
(٥٠) (ع) تقدم في ((الصلاة)) ١١١٠/٤٦.
وشیخه ذُكر قبله.
لطائف هذا الإسناد :
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رَّلهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخه، فقد أخرج له
الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فكوفيّ، وشيخ شيخه
فبغداديّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ) في رواية النسائيّ من طريق محمد بن خالد،
عن سليمان بن بلال: ((أخبرني علقمة بن أبي علقمة)) (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ الْأَعْرَج،
عَنِ ابْنِ بُحَيْنَةَ) وفي رواية البخاريّ في ((الطبّ)) عن إسماعيل بن أبي أويسَ،
عن سليمان بن بلال، عن علقمة أنه سمع عبد الرحمن الأعرج، أنه سَمِعَ
عبد الله ابن بُحينة، وفي رواية النسائيّ: ((قال: سمعتُ عَبْدَ اللهِ ابْنَ بُحَيْنَةَ
يُحَدِّثُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ احْتَجَمَ، وَسَطَ رَأْسِهِ. (أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ احْتَجَمَ بِطَرِيقٍ
مَكَّةَ، وَهُوَ مُحْرٌِ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، وقوله: (وَسَطَ
رَأْسِهِ) بالنصب على أنه مفعول به لـ((احتجم))، لا منصوب على الظرفية.
قال الفيوميّ كَُّ: يقال: ضربت وَسَطَ رأسه بالفتح؛ لأنه اسم لما يكتنفه
من جهاته غيرُهُ، ويصحّ دخول العوامل عليه، فيكون فاعلاً، ومفعولاً، ومبتدأ،
فيقال: اتسع وسَطُهُ، وضربتُ وسَطَ رأسه، وجلستُ في وسَطِ الدار، ووسَطُهُ
خيرٌ من طَرَفه، قالوا: والسكون فيه لغة.
وأما وَسْطٌ بالسكون، فهو بمعنى ((بَيْنَ))، نحو جلست وسْطَ القوم؛ أي:
بینهم. انتهى.

٣٦٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
فتبيّن بهذا أن ((وسط)) هنا نُصب على أنه مفعول به، وليس منصوباً على
الظرفية.
وقال النوويّ تَخُّْهُ: ((وسط الرأس)) - بفتح السين - قال أهل اللغة: كلُّ ما
كان يَبِين بعضه من بعض، كوسط الصفّ، والقِلادة، والسُّبْحة، وحَلْقة الناس،
ونحو ذلك، فهو وَسْط بالإسكان، وما كان مُصْمَتاً لا يَبِين بعضُه من بعض؛
كالدار، والساحة، والرأس، والراحة، فهو وَسَطّ بفتح السين، قال الأزهريّ،
والجوهريّ، وغيرهما: وقد أجازوا في المفتوح الإسكان، ولم يجيزوا في
الساكن الفتح. انتهى(١).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((وسط رأسه)) بفتح السين المهملة، ويجوز
تسكينها؛ أي: متوسطه، وهو ما فوق اليأفوخ، فيما بين أعلى القرنين. قال
الليث: كانت هذه الحجامة في فأس الرأس. وأما التي في أعلاه، فلا؛ لأنها
ربما أعمت.
[تنبيه]: روى البخاريّ ◌َُّ هذا الحديث بلفظ: ((احتجَم النبيّ وَِّ، وَهُوَ
مُحْرِمٌ بِلَحْي جَمَلٍ في وسط رأسه)).
قال في ((الفتح)): وهو بفتح اللام، ويجوز كسرها، وسكون الحاء
المهملة، وياء مثنّاة تحتيّة، وفي بعض الروايات: ((بِلَحْيَيْ جَمَل)) أي: بياءين
بصيغة التثنية، و((جَمَل)) - بفتح الجيم، والميم -: اسم موضع بطريق مكة، كما
بيّنه هنا، قال الحافظ: ذكر البكريّ في ((معجمه)) في رسم العقيق، قال: هي
بئر جمل التي ورد ذكرها في حديث أبي جهم في ((التيمم))، وقال غيره - يعني
ابن وضاح ـ هي عقبة الجحفة على سبعة من السُّقيا. انتهى.
وقال صاحب ((القاموس)): (لَحْيُ جمل)): موضع بين الحرمين، وإلى
المدينة أقرب، وزعم أن السقيا - بالضم -: موضع بين المدينة، ووادي
الصفراء، وما ظنه بعضهم من أن المراد بلحي جمل أحد فَكَّي الجمل الذي هو
ذكر الإبل، وأن فكّه كان هو آلة الحجامة؛ أي: احتجم بعظم جمل، فهو
غلط، لا شكّ فیه.
(١) ((شرح النوويّ)) ١٢٣/٨.

٣٦٩
(١١) - بَابُ جَوَازِ الْحِجَامَةِ لِلْمُحْرِمِ - حديث رقم (٢٨٨٦)
وجزم الحازميّ وغيره بأن ذلك كان في حجة الوداع.
وهذا الحديث صرّح بأن حجامته وَّ ﴿ كانت في وسط رأسه، وصرّح في
حديث أنس عند النسائيّ: ((احتَجَم، وهو محرم على ظهر القدم، من وَثْءٍ كان
به)»، وهذا صريحٌ في كونها على ظهر قدمه، وفي حديث جابر ◌ُبه عند أحمد
أنها كانت بِوَرِكِهِ، أو ظهره، والجمع بين هذه الروايات أن تحمل على أنها
تعدّدت الحجامة منه له .
أنه عَلَّ احتجم،
لضُرُعَنْه
قال الحافظ تَخْدَلهُ: اتفقت الروايات عن ابن عباس
وهو محرم في رأسه، ووافقها حديث ابن بُحينة ظُه هذا، وخالف ذلك حديث
أنس له، أخرجه أبو داود، والترمذيّ، في (الشمائل))، والنسائيّ، وصححه
ابن خزيمة، وابن حبان من طريق معمر، عن قتادة، عنه، قال: ((احتجم
النبيّ ◌َّ﴿ وهو محرم، على ظهر القدم، من وجع كان به))، ورجاله رجال
الصحيح، إلا أن أبا داود حَكَى عن أحمد أن سعيد بن أبي عروبة، رواه عن
قتادة، فأرسله، وسعيد أحفظ من معمر.
قال الحافظ: وليست هذه بعلة قادحة، والجمع بين الحديثين واضح
بالحمل على التعدد، أشار إلى ذلك الطبريّ. انتهى(١)، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
. هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الأولى): حديث عبد الله ابن بُحينة
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٨٨٦/١١] (١٢٠٣)، و(البخاريّ) في ((جزاء
الصيد)) (١٨٣٦) و((الطبّ)) (٥٦٩٩)، و(النسائيّ) في ((المناسك)) (٢٨٥١)، وفي
((الكبرى)» (٣٨٣٣)، و(ابن ماجه) في ((الطبّ)) (٣٤٨١)، و(ابن أبي شيبة) في
(مصنّقه)) (٢٦/٨)، وفي («مسنده)) (٣٤٠/٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٤٥/٥)،
و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٨٢٠)، و(الحاكم) في ((مستدركه)) (٤٨٦/٣)، و(أبو
(١) راجع: ((الفتح)) ٨٨/١٣ (كتاب الطبّ)) رقم (٥٧٠٠).

٣٧٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
عوانة) في ((مسنده)) (٤١٢/٢)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٢٩٤/٣)، و(ابن
حبّان) في (صحيحه)) (٣٩٥٣)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٩٨/٢ و١٥/٨)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٦٥/٥)، و((المعرفة)) (٣٤/٤)، و(البغويّ) في ((شرح
السنّة)) (١٩٨٥)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَّوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(١٢) - (بَابُ جَوَازِ مُدَاوَاةِ الْمُحْرِمِ عَيْنَيْهِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٨٨٧] (١٢٠٤) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ،
وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعاً عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ،
حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى، عَنْ نُبَيْهِ بْنِ وَهْبٍ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ، حَتَّى
إِذَا كُنَّا بِمَلَلِ، اشْتَكَى عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ عَيْنَيْهِ، فَلَمَّا كُنَّا بِالرَّوْحَاءِ اشْتَدَّ وَجَعُهُ،
فَأَرْسَلَ إِلَى أَبَانَ بْنٍ عُثْمَانَ يَسْأَلُهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَنِ اضْمِدْهُمَا بِالصَّبِرِ، فَإِنَّ
عُثْمَانَ رَظُهُ حَدَّثَ عَنْ رَسُولِ اللهِوَ ◌ّهِ فِي الرَّجُلِ إِذَا اشْتَكَى عَيْنَيْهِ، وَهُوَ مُحْرِمٌ،
ضَمَّدَهُمَا بِالصَّبِرِ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى) بن عمرو بن سعيد بن العاص الأمويّ، أبو موسى
المكيّ، ثقةٌ [٦] (ت١٣٢) (ع) تقدم في ((الحيض)) ١١/ ٧٥٠.
٣ - (نُبَيْهُ(١) بْنُ وَهْبٍ) بن عثمان بن أبي طلحة بن عبد العُزّى بن
عثمان بن عبد الدار بن قُصَيّ الْعَبْدريّ المدنيّ، ثقةٌ، من صغار [٣].
رَوَى عن أبي هريرة، وأبان بن عثمان، ومحمد ابن الحنفية، وكعب مولى
سعید بن العاص.
(١) بضم النون، وفتح الموحّدة، آخره هاء، مصغّراً.

٣٧١
(١٢) - بَابُ جَوَازِ مُدَاوَاةِ الْمُحْرِمِ عَبْنَيْهِ - حديث رقم (٢٨٨٧)
وروى عنه أولاده: عبد الأعلى، وعبد الجبار، وعبد العزيز، ونافع مولى
ابن عمر، وأبو الزناد، وأيوب بن موسى القرشيّ، ومحمد بن إسحاق، وغيرهم.
قال النسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن سعد: روى عنه نافع، وليس به بأسٌ، توفي
في فتنة الوليد بن يزيد، وكان ثقةً قليل الحديث، أحاديثه حسان، وقال ابن أبي
عاصم: كان من أشراف بني عبد الدار معروف الدار والنسب بمكة، وذكره ابن
حبان في ((الثقات)) في أتباع التابعين، وقال أبو زرعة حديثه عن عمرو بن
عثمان مرسلٌ، وحَكَى ابن عبد البرّ عن ابن معين: ثقةٌ.
أخرج له المصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط هذا برقم
(١٢٠٤) وأعاده بعده، وحديث (١٤٠٩) في نكاح المحرم، وكرّره خمس مرّات.
٤ - (أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ) بن عفّان الأمويّ، أبو سعيد، أو أبو عبد الله
المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت١٠٥) (بخ م ٤).
روى عن أبيه، وزيد بن ثابت، وأسامة بن زيد.
وعنه: ابنه عبد الرحمن، وعمر بن عبد العزيز، والزهري وغيرهم.
عدّه يحيى القطان في فقهاء المدينة، ووثّقه العجلي وابن سعد.
روى له البخاري في ((الأدب المفرد)»، والمصنف، والأربعة. وله في هذا
الكتاب حديثان فقط، كرّر أحدهما مرتين والآخر خمس مرات.
٥ - (عُثْمَانُ) بن عفّان بن أبي العاص بن أُميّة بن عبد شمس الأمويّ،
أمير المؤمنين، استُشهد به في ذي الحجة بعد عيد الأضحى سنة (٣٥) (ع)
تقدم في ((الإيمان)) ١٠/ ١٤٤.
والباقون ذُكروا في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف تَخْذُهُ، وله فيه ثلاثة من الشيوخ
قرن بينهم، ثم فصّل؛ لما تقدّم غير مرّة.
٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من نُبَيْهِ.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ عن تابعيّ، وهو من
رواية الأقران.

٣٧٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
٤ - (ومنها): أن صحابيه أحد الخلفاء الأربعة، والعشرة المبشرين
بالجنة، وأحد السابقين إلى الإسلام، وكان يُلَقَّبُ بذي النورين؛ لأنه تزوج
بابنتي النبيّ وَِّ: رُقَيَّة، ثم أم كلثوم ﴿ه، وكانت خلافته اثنتي عشرة سنةً،
وهو أطول الخلفاء الراشدين عمراً، فقد تُوفّي، وهو ابن ثمانين سنة، وقيل:
أكثر، وقيل: أقلّ، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ نُبَيْهِ) بضمّ النون، مصغّراً (ابْنٍ وَهْبٍ) أنه (قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ أَبَانَ بْنِ
عُثْمَانَ) بن عفّان، في ((أبان)) وجهان: الصرف، وعدمه، والصحيح الأشهر
الصرف، فمن صرفه قال: وزنه فَعَال، ومن منعه قال: وزنه أفعَل، قاله النوويّ.
وقال بعضهم: من لم يصرف أبان، فهو أتان.
وأما عثمان فممنوع من الصرف؛ للعلمية، وزيادة الألف والنون، وأما
عفّان، ففيه وجهان أيضاً: الصرف، وعدمه، فالصرف على تقدير أن نونه أصلية،
من العفن، وعدمه على تقدير زيادتها مع الألف، من العفّة، والله تعالى أعلم.
(حَتَّى إِذَا كُنَّا بِمَلَلٍ) - بفتح الميم، بلامين - وهو موضع على ثمانية وعشرين
مِيلاً من المدينة، وقيل: اثنان وعشرون، حكاهما القاضي عياض في ((المشارق)).
(اشْتَكَى عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ) بن معمر القرشيّ التيميّ، روى عن أبان بن
عثمان، وعنه نُبَيه بن وهب، يقال: مات سنة اثنتين وثمانين، ذكره المدايني
فقال: وفد على عبد الملك بن مروان سنة اثنتين وثمانين، فمات بدمشق،
وليست لعمر رواية في الكتب الستّة، ولذا لم يذكره صاحبا ((التهذيبين))، أفاده
في ((تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأربعة))(١).
(عَيْنَيْهِ) منصوب على المفعوليّة لـ((اشتكى))؛ لأنه متعدٍّ، قال في
((القاموس)): شكا أمره إلى الله شَكْوَى، ويُنَوَّنُ، وشَكاةً، وشَكاوةً، وشَكِيّةً،
وشِكايةً بالكسر، وتشكَّى، واشتكى، وتشاكَوْا: شكا بعضُهم إلى بعض،
والشَّكْوُ، والشَّكْوَى، والشَّكْوَاءُ، والشَّكَاةُ، والشَّكاءُ: المرض. انتهى(٢).
(١) ((تعجيل المنفعة)) ٢٩٩/١.
(٢) ((القاموس المحيط)) ٣٤٩/٤.

٣٧٣
(١٢) - بَابُ جَوَازِ مُدَاوَاةِ الْمُحْرِمِ عَيْنَيْهِ - حديث رقم (٢٨٨٧)
(فَلَمَّا كُنَّا بِالرَّوْحَاءِ) بالفح، على وزن حمراء: موضع بين مكة والمدينة،
قاله في ((المصباح)) (١)، وقال في ((القاموس)): والرَّوْحاء: موضع بين الحرمين،
على ثلاثين، أو أربعين ميلاً من المدينة. انتهى(٢).
(اشْتَدَّ وَجَعُهُ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ يَسْأَلُهُ) جملة في محلّ نصب على
الحال من الفاعل، أو المفعول (فَأَرْسَلَ) أي: أبان (إِلَيْهِ) أي: إلى عمر بن
عبيد الله (أَنِ اضْمِدْهُمَا) ((أن)) هنا يَحْتمل أن تكون مصدريّة، ويقدّر قبلها حرف
جرّ؛ أي: بأن اضمدهما، ويَحْتَمِل أن تكون مفسّرة، كـ((أي)) التفسيريّة، كما
قيل في قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ أَنِ أَصْنَعِ اٌلْفُلْكَ﴾ [المؤمنون: ٢٧]، وقوله:
﴿وَنُودُوّاْ أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا﴾ الآية [الأعراف: ٤٣](٣).
وقوله: ((اضمدهما)) قال النوويّ كَّلُهُ: هو بكسر الميم، وقوله بعده
((ضَمّدهما)) هو بتخفيف الميم، وتشديدها، يقال: ضَمَدَ، وضَمَّدَ بالتخفيف،
والتشديد، وقوله: ((اضْمِدهما)) جاء على لغة التخفيف، ومعناه: اللطخ.
انتھی
(٤)
وقال ابن الأثير تَخْذَلُهُ: أصل الضّمْد: الشدّ، يقال: ضمد رأسه،
وجُرْحَهُ: إذا شدّه بالضِّمَاد، وهي خرقة يُشدّ بها العضو الْمَؤُوف(٥)، ثم قيل
لوضع الدواء على الجرح، وغيره، وإن لم يُشدّ. انتهى(٦).
وقوله: (بِالصَّبِرِ) بكسر الباء، ويجوز إسكانها: الدواء المرّ، وقال في
(القاموس)): ((الصَّبِرُ))، كَكَتِفٍ، ولا يُسكّن إلا في ضرورة الشعر: عُصَارة شجرٍ
(٧)
مُرّ. انتهى (٧) .
وقال الفيّوميّ: هو بكسر الباء في الأشهر، وسكونها للتخفيف لغةٌ قليلةٌ،
ومنهم من قال: لم يُسمع تخفيفه في السَّعَة، وحكى ابن السِّيدِ في ((كتاب مثلّث
(١) ((المصباح المنير)) ٢٤٥/١.
(٢) ((القاموس المحيط)) ٣٣٥/١.
(٣) راجع: ((مغني اللبيب)) لابن هشام الأنصاريّ كَفَلَهُ ٧٤/١.
(٤) ((شرح النوويّ)) ١٢٤/٨.
(٥) ((المؤوف)): اسم مفعول من آفه: إذا أصابته الآفة.
(٦) ((النهاية)) ٩٩/٣.
(٧) ((القاموس المحيط)) ٦٧/٢.

٣٧٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
اللغة)) جواز التخفيف، كما في نظائره بسكون الباء مع فتح الصاد، وكسرها،
فيكون فيه ثلاث لغات. انتهى(١).
ثم ذكر أبان تَظُّ حجته على ما قاله بالفاء التعليليّة، فقال: (فَإِنَّ
عُثْمَانَ
حَدَّثَ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَه فِي الرَّجُلِ إِذَا اشْتَكَى عَيْنَيْهِ) أي: أصابه
مرضهما (وَهُوَ مُحْرِمٌ) جملة حاليّة من الفاعل (ضَمَّدَهُمَا بِالصَّبِرِ) أي: جعل
عليهما صَبِراً، وداواهما به، يقال: ضَمَدَ الجرحَ يَضمِده، ويَضمُدُه، من بابي
ضرب، ونصر، وضَمَّده بالتشديد: إذا شدّه بالضِّمَادة، وهي بالكسر: العصابة؛
كالضِّمَاد، أفاده في ((القاموس)).
وقال الطيبيّ تَخُّْ: قوله: ((إذا اشتكى)) شرط، و((ضمدهما)) جوابه، وهو
الْمُحَدَّث به، يعني إذا اشتكى الرجل من عينيه ضَمَد، وقوله: ((ضَمَدهما))،
أصل الضمد: الشدّ، يقال: ضَمَد رأسه وجرحه: إذا شدّهما بالضِّمَاد، وهي
خرقة يُشدّ بها العضو المؤوف (٢)، ثم قيل لوضع الدواء على الجرح وغيره،
وإن لم يُشدّ. انتهى(٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عثمان بن عفّان ◌َبه هذا من أفراد
المصنّف نَخَذَتُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٨٨٧/١٢ و٢٨٨٨] (١٢٠٤)، و(أبو داود) في
((المناسك)) (١٨٣٨ و١٨٣٩)، و(الترمذيّ) في ((الحج)) (٩٥٢)، و(النسائيّ) في
((المناسك)) (٢٧١١)، وفي ((الكبرى)) (٣٦٩١)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (١/
١٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٥٩/١ و٦٥ و٦٨ و٦٩)، و(الدارمي) في ((سننه))
(١٩٣٠)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٢٦٥٤)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه))
(١) ((المصباح المنير)) ٣٣١/١ - ٣٣٢.
(٣) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٠/٦ - ٢٩.
(٢) أي: الذي أصابته الآفة.

٣٧٥
(١٢) - بَابُ جَوَازِ مُدَاوَاةِ الْمُحْرِمِ عَيْنَيْهِ - حديث رقم (٢٨٨٧)
(٢٩٤/٣ - ٢٩٥)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٦٢/٥)، و((المعرفة)) (٢٨/٤)،
والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم الاكتحال للمحرم:
قال النوويّ كَّلُهُ: واتفق العلماء على جواز تضميد العين، وغيرها
بالصبر، ونحوه، مما ليس بطيب، ولا فدية في ذلك، فإن احتاج إلى ما فيه
طيب، جاز له فعله، وعليه الفدية. واتفق العلماء على أن للمحرم أن يكتحل
بکحل لا طيب فيه، إذا احتاج إليه، ولا فدية عليه فيه.
وأما الاكتحال للزينة، فمكروه عند الشافعيّ، وآخرين، ومنعه جماعة،
منهم: أحمد، وإسحاق، وفي مذهب مالك قولان كالمذهبين، وفي إيجاب
الفدية عندهم بذلك خلاف، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ تَّتُهُ .
وقال أبو العبّاس القرطبيّ ◌َّتُهُ: ونَهْيُ أبان بن عثمان للسائل أن يكحل
عينيه ليس على إطلاقه، وكأنه إنما نهاه عن أن يكحلها بما فيه طيب، وتضميد
العين هو: لطخها، والصبر ليس بطيب، ولا خلاف في جواز مثل هذا مما
ليس فيه طيب، ولا زينة، فلو اكتحل المحرم، أو المحرمة بما فيه طيب
افتديا. وكذلك المرأة إذا اكتحلت للزينة، وإن لم يكن فيه طيب، فلو اكتحل
الرجل للزينة، فأباحه قوم، وكرهه آخرون، وهم: أحمد، وإسحاق، والثوريّ.
وعلى القول بالمنع، فهل تجب الفدية، أم لا؟ قولان، وبالثاني قال الشافعيّ،
رجلاً كان، أو امرأة. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الأرجح عندي هو ما ذهب إليه أحمد،
وإسحاق، من منع الكحل للمحرم؛ لأنه ينافي صفة الحاجّ، فإنه ينبغي أن
يكون أشعث أغبر، كما جاء في الحديث الصحيح: ((إن الله يباهي بأهل عرفات
أهل السماء، فيقول لهم: انظروا إلى عبادي هؤلاء جاءوني شُعْئاً غُبْراً))(٢)،
لكن إن أصابه مرض؛ كالرَّمَد، ونحوه، فيكتحل بما ليس فيه طيب، كأن
يضمده بالصبر، ونحوه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) ((المفهم)) ٢٩٠/٣.
(٢) حديث صحيح، رواه أحمد، وابن حبان في ((صحيحه))، والحاكم.

٣٧٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢٨٨٨] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، حَدَّثَنَا
عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنِي نُبَيْهُ بْنُ
وَهْبٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مَعْمَرٍ رَمِدَتْ عَيْنُهُ، فَأَرَادَ أَنْ يَكْحُلَهَا، فَهَاهُ أَبَانُ بْنُ
عُثْمَانَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُضَمِّدَهَا بِالصَّبِرِ، وَحَدَّثَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّنَ، عَنِ النَّبِيِّ وَلِ أَنَّهُ
فَعَلَ ذَلِكَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ) ابن راهويه، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ) العنبريّ مولاهم، أبو سهل التَّنُّوريّ
البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت٢٠٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٨٢/٦.
٣ - (أَبُوهُ) عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان العنبريّ مولاهم، أبو عبيدة
التّنّوريّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٧٦/١٨.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (رَمِدَتْ عَيْنُهُ) بفتح الراء، وكسر الميم، يقال: رَمِدَت العينُ
رَمَداً، من باب تَعِبَ، فالرجل أرمد، والمرأة رَمْداء، مثلُ أحمر وحمراء،
ويقال: أيضاً: رَمِدٌ، ورَمِدَةٌ، وأرمدت العين بالألف لغةٌ، قاله الفيّوميّ(١).
وقوله: (فَأَرَادَ أَنْ يَكْحُلَهَا) من باب نصر؛ أي: يجعل الكحل فيها .
وقوله: (وَأَمَرَهُ أَنْ يُضَمِّدَهَا بِالصَّبِرِ) تقدّم أن يضمد من بابي ضرب،
ونصر، وضَمّد بالتشديد أيضاً؛ أي: شدّ بالضماد، وهي العصابة.
والحديث من أفراد المصنّف تَذَتُهُ، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، في
الذي قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ اُلْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْثُّ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(١) ((المصباح المنير)) ٢٣٨/١.

٣٧٧
(١٣) - بَابُ جَوَازٍ غَسْلِ الْمُحْرِمِ بَدَنَهُ وَرَأْسَهُ - حديث رقم (٢٨٨٩)
(١٣) - (بَابُ جَوَازِ غَسْلِ الْمُحْرِمِ بَدَنَهُ وَرَأْسَهُ)
(الغسل)) - بفتح الغين المعجمة -: مصدر غَسَلَ الشيءَ، من باب ضرب،
والغُسل بالضم اسم منه، والجمع أَغسال، مثل قُفْل وأقفال، وبعضهم يجعل
المضموم والمفتوح بمعنَى، وعزاه إلى سيبويه، وقيل: الغُسل بالضمّ هو الماء
الذي يُتْطهّر به، أفاده في ((المصباح))(١).
قال في ((الفتح)) عند قول البخاريّ: ((باب الاغتسال للمحرم)): أي:
ترَقُّهاً، وتنظّفاً، وتطهّراً من الجنابة. قال ابن المنذر: أجمعوا على أن للمحرم
أن يغتسل من الجنابة. واختلفوا فيما عدا ذلك. وكأن المصنّف أشار إلى ما
رُوي عن مالك أنه كره للمحرم أن يُغطّ رأسه في الماء. وروى في ((الموظّا))
عن نافع، عن ابن عمر، كان لا يغسل رأسه، وهو محرم، إلا من احتلام.
انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْلُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٨٨٩] (١٢٠٥) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ،
وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ
أَسْلَمَ (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَهَذَا حَدِيثُهُ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسِ، فِيمَا قُرِئَ
عَلَيْهِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ حُنَيْنٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ
عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍٍ، وَالْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، أَنَّهُمَا اخْتَلَفَا بِالْأَبْوَاءِ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ
عَبَّاسٍ: يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ، وَقَالَ الْمِسْوَرُ: لَا يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ، فَأَرْسَلَنِي
ابْنُ عَبَّاسٍ إِلَى أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ أَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ بَيْنَ
الْقَرْنَيْنِ، وَهُوَ يَسْتَتِرُ بِثَوْبٍ، قَالَ: فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقُلْتُ: أَنَا
عَبْدُ اللهِ بْنُ حُتَيْنٍ، أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ، أَسْأَلُكَ كَيْفَ كَانَ
(١) ((المصباح المنير)) ٢/ ٤٤٧.

٣٧٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
رَسُولُ اللهِ وَِّ يَغْسِلُ رَأْسَهُ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَوَضَعَ أَبُو أَيُّوبَ رَبِهِ يَدَهُ عَلَى الثَّوْبِ،
فَطَأْطَهُ، حَتَّى بَدَا لِي رَأْسُهُ، ثُمَّ قَالَ لِإِنْسَانٍ يَصُبُّ: اصْبُبْ، فَصَبَّ عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ
حَرَّكَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا، وَأَدْبَرَ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُهُ وَهِ يَفْعَلُ).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) إمام دار الهجرة، تقدّم أيضاً قبل ثلاثة أبواب.
٣ - (زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ) العدويّ، تقدّم قريباً.
٤ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ حُنَيْنٍ) الهاشميّ مولاهم، أبو إسحاق
المدنيّ، ثقةٌ [٣] مات بعد المائة (ع) تقدم في ((الصلاة)) ١٠٨١/٤٢.
٥ - (أَبُوهُ) عبد الله بن حُنين الهاشميّ مولاهم المدنيّ، ثقةٌ [٣] مات في أول
خلافة يزيد بن عبد الملك في أول المائة الثانية (ع) تقدم في ((الصلاة)) ١٠٨١/٤٢.
٦ - (أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ) خالد بن زيد بن كُليب الصحابيّ الشهير، من
كبار الصحابة، شهد بدراً، ومات غازياً بالروم سنة (٥٠) أو بعدها (ع) تقدم
في ((الإيمان)) ١١٣/٤.
والباقون ذُكروا في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيات المصنّف نَّتُهُ، وله فيه إسنادان فصل
بينهما بالتحول، وفي الأول له أربعة من الشيوخ قرن بينهم؛ لاتحادهم أخذاً
وأداء.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيوخه الثلاثة
الأولين، فالأول والثالث ما أخرج لهما الترمذيّ، والثاني ما أخرج له
الترمذيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين غير شيوخه، فالأول كوفيّ، والثاني
والثالث بغداديّان، والرابع بغلاني.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وفيه ثلاثة من التابعين روى
بعضهم عن بعض: زيد عن إبراهيم عن أبيه.

٣٧٩
(١٣) - بَابُ جَوَازِ غَسْلِ الْمُحْرِمِ بَدَنَهُ وَرَأْسَهُ - حديث رقم (٢٨٨٩)
· نزل النبيّ
نج ،
٥ - (ومنها): أن صحابيّه صَ لُه من مشاهير الصحابة
عليه حينما هاجر إلى المدينة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) العدويّ المدنيّ مولى عمر بن الخطاب التابعيّ (عَنْ
إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ حُتَيْنٍ) قال في ((الفتح)): قوله: ((عن زيد بن أسلم، عن
إبراهيم)) كذا في جميع ((الموطّت))، وأغرب يحيى بن يحيى الأندلسيّ، فأدخل
بين زيد وإبراهيم نافعاً، قال ابن عبد البرّ: وذلك معدود من خطئه. انتهى.
وقال أيضاً: قوله: ((عَنْ إِبْرَاهِيمَ)) في رواية ابن عيينة، عن زيد: أخبرني
إبراهيم، أخرجه أحمد، وإسحاق، والحميديّ في ((مسانيدهم))، عنه، وفي
رواية ابن جريج التالية: ((أخبرني زيد بن أسلم))، وعند أحمد: عن زيد بن
أسلم: أن إبراهيم بن عبد الله بن حنين مولى ابن عبّاس أخبره. كذا قال:
((مولى ابن عباس)). وقد اختلف في ذلك، والمشهور أن حنيناً كان مولى
للعبّاس، وهبه له النبيّ وَّي، فأولاده موالٍ له، قاله في ((الفتح)).
(عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن حنين (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ) الحبر البحر ◌َّ،
تقدّم قبل باب (وَالْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ) بن نوفل بن أُهيب بن عبد مناف بن زهرة
الزهريّ، أبي عبد الرحمن، له، ولأبيه صحبة ضًا، مات سنة (٦٤هـ) تقدّمت
ترجمته في ((الحيض)) ٧٧٩/١٨.
والمراد أنه أخبر عن قصّتهما، فالكلام على حذف مضاف، فليس المراد
أن عبد الله بن حنين أخبر بهذا الخبر راوياً عنهما .
وقوله: (أَنَّهُمَا اخْتَلَفَا) في تأويل المصدر بدل عن المجرور قبله؛ أي:
عن اختلافهما .
وفي رواية البخاريّ من رواية عبد الله بن يوسف، عن مالك: ((أن
عبد الله بن عباس، والمسور بن مَخْرَمة اختلفا ... إلخ))، وفي رواية ابن جريج
عند أبي عوانة: کنت مع ابن عباس، والمسور.
(بِالْأَبْوَاءِ) بفتح الهمزة، وسكون الموحّدة وزان أَفْعال: موضع بين مكة
والمدينة، ويقال له: وَدّان، قاله في ((المصباح))؛ أي: وهما نازلان بها، وفي

٣٨٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
رواية ابن عيينة: ((بالعَرْج))، وهو بفتح أوّله، وإسكان ثانيه: قرية جامعة قريبة
من الأبواء.
(فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ◌ًِّا (يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ، وَقَالَ الْمِسْوَرُ)
(لَا
e
يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ) الَّظاهر أنه قال ذلك اجتهاداً منه؛ لأنه ربما يتسبّب في
انتتاف شعره، فخشيةً لذلك قال: لا يغسل (فَأَرْسَلَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ) ﴿ّ (إِلَى أَبِي
أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ) ﴿به، زاد ابن جريج، فقال: ((قل له: يقرأ عليك السلامَ ابنُ
أخيك عبدُ الله بن عباس، ويسألك)).
(أَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ) أي: عن حكم غسل المحرم رأسه (فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ بَيْنَ
الْقَرْنَيْنِ) وفي رواية النسائيّ: (بَيْنَ قَرْنَي الْبِثْرِ))، وهو بفتح القاف: تثنية قَرْن،
وهما الخشبتان القائمتان على رأس البئر، وشبههما من البناء، وتُمدّ بينهما
خشبة يُجرّ عليها الحبل المستقَى به، وتُعلّق عليها البكرة، قاله النوويّ.
(وَهُوَ يَسْتَتِرٌ بِثَوْبٍ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (فَسَلَّمْتُ
عَلَيْهِ) فيه أنه يُشرع السلام على من يغتسل، ولذا لم ينكر عليه أبو أيوب، وقد
ثبت في «الصحيحين))، وغيرهما في قصّة أم هانىء يؤيّا أنها قالت: ذهبت إلى
رسول الله #، عام الفتح، فوجدته يغتسل - وفاطمة ابنته تستره - قالت:
فسلمت عليه، فقال: ((من هذه؟ .. )) الحديث.
(فَقَالَ) أبو أيوب ◌َّهِ (مَنْ هَذَا؟) أي: المسلّم عليه (فَقُلْتُ: أَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ
حُنَيْنِ، أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ، أَسْأَلُكَ كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهِ يَغْسِلُ
رَأْسَةً) قال الحافظ أبو عمر تَّقُ: الظاهر أن ابن عبّاس ◌َّا كان عنده نصّ عن
النبيّ ◌َ﴿ أخذه عن أبي أيوب، أو غيره، ولهذا قال عبد الله بن حُنين لأبي
أيوب: أسألك كيف كان يغسل رأسه؟ ولم يقل: هل كان يغسل رأسه، أوْ لا؟
على حسب ما وقع فيه اختلاف بين المسور، وابن عباس.
قال الحافظ تَخُّ: ويَحْتَمِل أن يكون عبد الله بن حُنين تصرّف في السؤال
الفطنته، كأنه لَمّا قال له: سله، هل يغتسل المحرم، أوْ لَا؟ فجاء، فوجده
يغتسل، فَهِم من ذلك أنه يغتسل، فأحبّ أن لا يرجع إلا بفائدة، فسأله عن كيفيّة
الغسل، وكأنه خصّ الرأس بالسؤال؛ لأنها موضع الإشكال في هذه المسألة؛
لأنها محلّ الشعر الذي يُخشى انتتافه، بخلاف بقية البدن غالباً. انتهى.