النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١ (٨) - بَابُ تَحْرِيمِ الصَّيْدِ عَلَى الْمُحْرِمِ - حديث رقم (٢٨٥١) لحق أبو قتادة، وأصحابه بالنبيّ وَّ، فأحرموا، إلا هو، فاستمرّ هو حلالاً؛ لأنه إما لم يجاوز الميقات، وإما لم يقصد العمرة، وبهذا يرتفع الإشكال الذي ذكره الأثرم، قال: كنت أسمع أصحابنا يتعجّبون من هذا الحديث، ويقولون: كيف جاز لأبي قتادة أن يجاوز الميقات، وهو غير محرم؟ ولا يدرون ما وجهه. قال: حتى وجدته في رواية من حديث أبي سعيد، فيها: ((خرجنا مع رسول الله *، فأحرمنا، فلما كنا بمكان كذا إذا نحن بأبي قتادة، وكان النبيّ وَّ* بعثه في وجه ... )) الحديث، قال: فإذاً أبو قتادة إنما جاز له ذلك لأنه لم يخرج یرید مكة. قال الحافظ: وهذه الرواية التي أشار إليها تقتضي أن أبا قتادة لم يخرج مع النبيّ وَليل من المدينة، وليس كذلك - أي: لأن عامّة الروايات من حديث أبي قتادة على أن أبا قتادة خرج مع النبيّ وَلّ من المدينة، وأن بعثه أبا قتادة ومن معه کان من الرَّوْحاء -. ثم وجدت في ((صحيح ابن حبّان))، والبزّار من طريق عياض بن عبد الله، عن أبي سعيد، قال: ((بعث رسول الله وسل* أبا قتادة على الصدقة، وخرج رسول الله (﴿، وأصحابه، وهم محرمون، حتى نزلوا بعسفان)). فهذا سبب آخر، ويَحْتَمِل جمعهما. والذي يظهر أن أبا قتادة إنما أخّر الإحرام لأنه لم يتحقّق أنه يدخل مكة، فساغ له التأخير. وقد استدلّ بقصّة أبي قتادة على جواز دخول الحرم بغير إحرام لمن لم يرد حجّاً، ولا عمرة. وقيل: كانت هذه القصّة قبل أن يوقّت النبيّ وَله المواقيت. وأما قول عياض، ومن تبعه: إن أبا قتادة لم يكن خرج مع النبيّ وَّ من المدينة، وإنما بعثه أهل المدينة إلى النبيّ ◌َ ه يعلمونه أن بعض العرب قصدوا الإغارة على المدينة، فهو ضعيف مخالف لما ثبت في هذه الطريق الصحيحة طريق عثمان بن موهب الآتية. انتهى كلام الحافظ تَخْذِفُهُ(١). (١) ((الفتح)) ٤/ ٤٩٢. ٢٦٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج وقال الشيخ محمد عابد السنديّ في ((المواهب اللطيفة)): الحاصل أن أبا خرج مع النبيّ وَّه من المدينة، وقد كان رسول الله ولي أمره بأخذ قتادة الصدقات، وكانت طريقهم متّحدةً، فأحرموا كلّهم غيره بناءً على أنه لم يقصد إذ ذاك مكة، ثم سار مع النبيّ وَله بناءً على اتّحاد الطريق حتى بلغوا الرَّوْحاءَ، فأُخبروا بالعدوّ، فوجّهه بَّ مع أصحاب له محرمين، فلمّا أَمِنُوا رجع على حالته التي كان عليها، فساغ له التأخير لذلك. انتهى كلام السنديّ كَُّ(١). قال الجامع عفا الله عنه: عندي أحسن الأجوبة في ترك أبي قتادة الإحرام أنه كان قبل تحديد المواقيت؛ لأن القصّة كانت عام الحديبية، وتحديد المواقيت كان عام حجة الوداع، كما بيانه في موضعه، فلا استشكال، ولا حاجة إلى هذه الأجوبة المتكلّفة، فتبصّر، والله تعالى وليّ التوفيق. (حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْقَاحَةِ) قال النوويّ كَذَتُهُ: ((القاحة)) - بالقاف، وبالحاء المهملة المخففة - هذا هو الصواب المعروف في جميع الكتب، والذي قاله العلماء من كل طائفة، قال القاضي: كذا قَيَّدها الناس كلَّهم، قال: ورواه بعضهم عن البخاريّ (٢) بالفاء، وهو وَهْمٌ، والصواب القاف، وهو وادٍ على نحو ميل من السُّقْيَا، وعلى ثلاث مراحل من المدينة. انتهى(٣). وقال في ((الفتح)): ((القاحة)) - بالقاف، والمهملة -: وادٍ على نحو ميل من السُّقْيَا إلى جهة المدينة، ويقال لواديها: وادي العباديد، وقد بيّن البخاريّ أنها من المدينة على ثلاث؛ أي: ثلاث مراحل، قال القاضي عياض: رواه الناس بالقاف، إلا القابسيّ، فضبطوه عنه بالفاء، وهو تصحيف. قال الحافظ تَخْتُ: ووقع عند الْجَوْزقيّ من طريق عبد الرحمن بن بشر، عن سفيان: ((بالصِّفَاح)) بدل ((القاحة))، و((الصِّفَاح)) بكسر المهملة، بعدها فاء، (١) راجع: ((المرعاة شرح المشكاة)) ٣٩٣/٩ - ٣٩٤. (٢) هكذا في ((الإكمال))، و((شرح النوويّ))، وسيأتي عن ((الفتح)) بلفظ: ((عن القابسيّ))، والظاهر أن هذا هو الصواب؛ لأن صاحب ((الفتح)) أعلم بما وقع عند البخاريّ، فلو كان عنده لتكلّم فيه، والله تعالى أعلم. (٣) ((شرح النوويّ)) ١٠٧/٨ - ١٠٨. ٢٦٣ (٨) - بَابُ تَحْرِيمِ الصَّيْدِ عَلَى الْمُحْرِمِ - حديث رقم (٢٨٥١) وآخره مهملة، وهو تصحيف، فإن الصِّفاح موضع بالرَّوْحاء، وبين الروحاء، وبين السُّقْيا مسافة طويلة، وسيأتي أن الرَّوْحاء هو المكان الذي ذهب أبو قتادة وأصحابه منه إلى جهة البحر، ثم التقوا بالقاحة، وبها وقع له الصيد المذكور، وكأنه تأخر هو ورُفْقته للراحة، أو غيرها، وتقدمهم النبيّ وََّ إلى السُّقْيا حتى لحقوه. انتهى(١). (فَمِنَّا الْمُحْرِمُ، وَمِنَّا غَيْرُ الْمُحْرِمِ) أي: فبعضنا محرم بالعمرة، وبعضنا غير محرم. [فإن قلت]: كيف كان أبو قتادة وغيره منهم غير محرمين، وقد جاوزوا ميقات المدينة، وقد تقرر أن من أراد حجّاً أو عمرةً لا يجوز له مجاوزة الميقات غير محرم؟ [أجيب]: بأجوبة : (أحدها): أن المواقيت لم تكن وُقِّتْت بعدُ. (وثانيها): لكون النبيّ ◌َّهِ بَعَث أبا قتادة ورفقته لكشف عدوّ لهم بجهة الساحل، كما ذكره مسلم في الرواية الآتية. (وثالثها): أنه لم يكن خرج مع النبيّ وَّ من المدينة، بل بعثه أهل المدينة بعد ذلك إلى النبيّ ◌َو؛ ليُعلمه أن بعض العرب يقصدون الإغارة على المدينة . وقيل: إنه خرج معهم، ولكنه لم ينو حجّاً ولا عمرةً، قال القاضي عياض: وهذا بعيدٌ، والله أعلم. انتهى (٢). (إِذْ بَصُرْتُ بِأَصْحَابِي) بضمّ الصاد المهملة، وتُكسر، قال الفيّومِيّ رَّتُهُ: بَصِرتُ بالشيء بالضمّ، والكسر لغةٌ بَصَراً بفتحتين: علمتُ، فأنا بصير به، يتعدّى بالباء في اللغة الفُصحى، وقد يتعدّى بنفسه، وهو ذو بَصَرٍ، وبَصِيرة؛ أي: علمٍ وخِبْرة، ويتعدّى بالتضعيف إلى ثانٍ، فيقال: بصّرته به تبصيراً. انتهى. (١) ((الفتح)) ٨٧/٥. (٢) ((المفهم)) ٢٨٠/٣، و((إكمال المعلم)) ١٩٨/٤ - ١٩٩، و((شرح النوويّ)) ١٠٩/٨ - ١١٠. ٢٦٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج (يَتَرَاءَوْنَ شَيْئاً) أي: ينظرون، ويرون شيئاً، ومنه حديث: ((إن أهل الجنّة ليتراءون أهل عليّين، كما ترون الكوكب الدرّي في أفق السماء))، أو المراد: يتكلّفون النظر إليه، ومنه حديث: ((تراءين الهلال))؛ أي: تكلّفنا النظر إليه، هل نراه أو لا؟ وقال ابن الأثير تَّتُهُ: والترائي: تفاعُلٌ من الرؤية، يقال: تراءى القوم: إذا رأى بعضهم بعضاً، وتراءى لي الشيءُ؛ أي: ظهر حتى رأيته. انتهى (١). وفي الرواية الآتية من طريق يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله أبي قتادة، عن أبيه: ((قال: فبينما أنا مع أصحابه يضحك بعضهم إلى بعض ... )). وفي رواية للبخاريّ في ((الصيد)): ((فينا أنا على ذلك إذ رأيت الناس متشوّفين لشيء، فذهبت أنظر، فإذا هو حمار وحش، فقلت لهم: ما هذا؟ قالوا: لا ندري، قلت: هو حمارٌ وحشيٍّ، فقالوا: هو ما رأيت ... )). وفي رواية أبي حازم عند البخاريّ في ((الهبة)): ((فأبصروا حماراً وحشيّاً، وأنا مشغول أخصف نعلي، فلم يؤذنوني به، وأحبّوا لو أني أبصرته، فالتفتّ، فأبصرته ... )). (فَنَظَرْتُ) أي: إلى ذلك الشيء الذي يتراءونه (فَإِذَا حِمَارُ وَحْشٍ) ((إذا)) هي الفُجائيّة؛ أي: ففجأني وجود حمار وحش، وهو نوع من الصيد على صفة الحمار الأهليّ، وبينهما بعض الميزات، وجمعه حُمَرٌ بضمّتين، ونُسب إلى الوحش؛ لتوحّشه، وعدم استئناسه. وقال النوويّ كَّلُهُ: قوله: ((فإذا حمار وحش)) وكذا ذُكِر في أكثر الروايات: ((حمار وحش))، وفي رواية أبي كامل الجحدريّ: ((إذا رأوا حُمُرَ وحشٍ، فحَمَل عليها أبو قتادة، فعقر منها أتاناً، فأكلوا من لحمها))، فهذه الرواية تُبَيِّن أن الحمار في أكثر الروايات المراد به أنثى، وهي الأتان، وسميت حماراً مجازاً. انتهى(٢). (فَأَسْرَجْتُ فَرَسِي) أي: شَدَدْتُ عليها السرج، وهو رَحْلها، وجمعه سُرُوجٌ، مثلُ فَلْسٍ وقُلُوس. (١) ((النهاية)) ٢ / ١٧٧. (٢) ((شرح النوويّ)) ١١١/٨ - ١١٢. ٢٦٥ (٨) - بَابُ تَحْرِيمِ الصَّيْدِ عَلَى الْمُحْرِمِ - حديث رقم (٢٨٥١) وفي رواية للبخاريّ: ((فركب فرساً له، يقال له الجرادة، قال الحافظ: هو بفتح الجيم، وتخفيف الراء، والجراد اسم جنس، ووقع في السيرة لابن هشام أن اسم فرس أبي قتادة: الحزوة؛ أي: بفتح المهملة، وسكون الزاي، بعدها واو، فإما أن يكون له اسمان، وإما أن أحدهما تصحيف، والذي في ((الصحیح)) هو المعتمد. انتهى. (وَأَخَذْتُ رُمْحِي) بضمّ، فسكون: قَنَاةٌ في رأسها سِنَانٌ، يُظْعَنُ بها، جمعها رِمَاحٌ، وأَرْماحٌ(١). (ثُمَّ رَكِبْتُ، فَسَقَطَ مِنِّي سَوْطِي) بفتح، فسكون: هو ما يُضْرَب به من جلد، سواء كان مضفوراً، أو لا(٢). (فَقُلْتُ لِأَصْحَابِي، وَكَانُوا مُحْرِمِينَ: نَاوِلُونِي السَّوْطَ) أي: أعطونيه (فَقَالُوا: وَاللهِ لَا نُعِينُكَ عَلَيْهِ) أي: على قتل هذا الحمار الوحشيّ (بِشَيْءٍ) لأن صيده محرّم علينا؛ للإحرام (فَنَزَلْتُ) أي: الفرس (فَتَنَاوَلْتُ) أي: أخذت السوط. وفي رواية أبي حازم المذكورة: ((فأبصروا حماراً وحشيّاً، وأنا مشغول أخصف نعلي، فلم يؤذنوني به، وأحبّوا لو أني أبصرته، فالتفتّ، فأبصرته، فقمت إلى الفرس، فأسرجته، ثم ركبتُ، ونسيتُ السوط والرمح، فقلت لهم: ناولوني السوط والرمح، فقالوا: لا والله لا نُعينك عليه بشيء، فغضِبتُ، فنزلت، فأخذته)). (ثُمَّ رَكِبْتُ، فَأَدْرَكْتُ الْحِمَارَ مِنْ خَلْفِهِ، وَهُوَ وَرَاءَ أَكَمَةٍ) بفتحات: تَلُّ، وقيل: شُرْفةٌ كالرابية، وهو ما اجتَمَع من الحجارة في مكان واحد، وربّما غَلُظ، وربما لم يَغلُظ، والجمع أَكَمٌّ، وأَكَمات، مثلُ قَصَبة وقَصَبٍ وقَصَبَات، وجمع الأَكَمِ إِكَامٌ، مثلُ جَبَل وجِبال، وجمع الإِكَامِ أَكُمٌ بضمّتين، مثلُ كتاب وكُتُب، وجمَع الأُكُم آكامٌ، مثلُ عُنُق وأَعناق، قاله الفيّومِيّ تَخْذَهُ(٣). (فَطَعَنْتُهُ بِرُمْحِي، فَعَقَرْتُهُ) أي: قتلته، وأصل العقر الْجَرح، وفي رواية: ((فشددت على الحمار، فعقرته، ثم جئت به، وقد مات))، وفي أخرى: ((حتى عقرته، فأتيت إليهم، فقلت لهم: قوموا، فاحتَمِلُوه، فقالوا: لا نمسّه، فحملته حتی جئتهم به)) . (١) راجع: ((المعجم الوسيط)) ٣٧١. (٣) ((المصباح المنير)) ١٨/١. (٢) راجع: ((المعجم الوسيط)) ٤٦٣. ٢٦٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج (فَأَتَيْتُ بِهِ أَصْحَابِي، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كُلُوهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَأْكُلُوهُ) وفي رواية: ((فَأَكَلَ مِنْهُ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ وَِّ، وَأَبَى بَعْضُهُمْ))، وفي رواية: ((فأكلنا من لحمه))، وفي رواية: ((فأكلوا، فندموا)). وفي رواية: ((فوقعوا يأكلون منه، ثم إنهم شكّوا في أكلهم إياه، وهم حُرُم، فرُحْنا، وخبأت العضد معي))، وفي رواية: ((فجعلوا يَشْؤُون منه))، وفي رواية عند سعيد بن منصور: ((فظللنا نأكل منه ما شئنا، طبیخاً، وشواء، ثم تزوّدنا منه)). (وَكَانَ النَّبِيُّ ◌َ﴿ِ أَمَامَنَا) أي: تقدّمهم، حيث تأخروا عنه (فَحَرَّكْتُ فَرَسِي، فَأَدْرَكْتُهُ، فَقَالَ: ((هُوَ حَلَالٌ، فَكُلُوهُ))) أي: بعد أن سألوه، ففي الرواية التالية: ((فأدركوا رسول الله وَ له، فَسَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ، فقال: إنما هي طعمة أطعمكموها الله))، وفي رواية عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه الآتية: ((فقلت: يا رسول الله، إني أصبت حمار وحش، وعندي منه، فقال للقوم: كلوا، وهم محرمون))، وفي رواية: ((فلما أتوا رسول الله وَ ل﴿ قال: هل منكم أحد أمره أن يَحْمِل عليها، أو أشار إليها؟ قالوا: لا، قال: فكلوا ما بقي من لحمها))، وفي رواية للبخاريّ: ((فُرُحنا، وخبأت العضد معي)). وفيه: ((معكم منه شيء؟ فناولته العضد، فأكلها حتى تعرّقها))، وفي رواية: ((قال: معنا رجله، فأخذها، فأكلها))، وفي رواية: ((قد رفعنا لك الذراع، فأكل منها)). [تنبيه]: روى الإمام أحمد، وابن ماجه، وعبد الرزّاق في ((مصنّفه))، والدار قطنيّ، وإسحاق ابن راهويه، وابن خزيمة، والبيهقيّ من طريق معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، قال: خرجت مع رسول الله 98 زمن الحديبية، فأحرم أصحابي، ولم أحرم أنا، فرأيت حمار وحش، فحملت عليه، فاصطدته، فذكرت شأنه لرسول الله وَّر، وقلت له: إنما اصطدته له، فأمر النبيّ وَل﴿ أصحابه، فأكلوه، ولم يأكل منه حين أخبرته أني اصطدته له . قال ابن خزيمة، وأبو بكر النيسابوريّ، والدارقطنيّ، والجوزقيّ: تفرّد بهذه الزيادة معمر. قال ابن خزيمة: إن كانت هذه الزيادة محفوظةً احتَمَلَ أن يكون ◌َّ أكل ٢٦٧ (٨) - بَابُ تَحْرِيمِ الصَّبْدِ عَلَى الْمُحْرِمِ - حديث رقم (٢٨٥١) من لحم ذلك الحمار قبل أن يُعلمه أبو قتادة أنه اصطاده من أجله، فلما أعلمه امتنع. انتھی. قال الحافظ: وفيه نظرٌ؛ لأنه لو كان حراماً ما أقرّ النبيّ وَّ على الأكل منه إلى أن أعلمه أبو قتادة بأنه صاده لأجله. ويَحْتَمِل أن يكون ذلك لبيان الجواز، فإن الذي يحرم على المحرم إنما هو الذي يَعْلَم أنه صِيد من أجله، وأما إذا أُتِيَ بلحم لا يدري ألحم صَيدٍ أو لا، فحَمَله على أصل الإباحة، فأكل منه لم يكن ذلك حراماً على الآكل. قال: وعندي بعد ذلك فيه وقفة، فإن الروايات المتقدمة ظاهرة في أن الذي تأخر هو العضد، وأنه سي * أكلها حتى تعرَّقها؛ أي: لم يبق منها إلا العظم، ووقع عند البخاريّ في ((الهبة)): ((حتى نَفّدَها)) أي: فرّغها، فأيُّ شيء يبقى منها حينئذ، حتى يأمر أصحابه بأكله؟ لكن رواية أبي محمد الآتية في ((الصيد)): ((أبقي معكم شيء منه؟ قلت: نعم، قال: كلوا، فهو طُعْمةٌ أطعمكموها الله))، فأشعر بأنه بقي منها غير العضد، والله أعلم. انتهى(١). قال صاحب ((المرعاة)): معمر ثقةٌ لا يضرّ تفرّده، وقد تقدّم وجه الجمع بين الروايتين في كلام ابن خزيمة، ويشهد للزيادة المذكورة في رواية معمر حديث جابر رظُه مرفوعاً: ((لحم الصيد لكم حلال ما لم تصيدوه، أو يُصَد لكم))، وهو حديث صحيح رواه أحمد، وأصحاب ((السنن)). انتهى، وهو بحث مفيدٌ (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي قتادة هذا متّفق عليه . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٨٥١/٨ و٢٨٥٢ و٢٨٥٣ و٢٨٥٤ و٢٨٥٥ (١) ((الفتح)) ٩٢/٥ - ٩٣. (٢) ((المرعاة شرح المشكاة)) ٣٩٧/٩ - ٣٩٨. ٢٦٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج و٢٨٥٦ و٢٨٥٧ و٢٨٥٨ و٢٨٥٩] (١١٩٦)، و(البخاريّ) في ((الحج)) (١٨٢١ و١٨٢٢ و١٨٢٣ و١٨٢٤)، و((الهبة)) (٢٥٧٠)، و((الجهاد والسير)) (٢٨٥٤ و٢٩١٤)، و((المغازي)) (٤١٤٩)، و((الأطعمة)) (٥٤٠٦ و٥٤٠٧)، و((الذبائح والصيد)) (٥٤٩١ و٥٤٩٢)، و(أبو داود) في ((المناسك)) (١٨٥٢)، و(النسائيّ) في ((المناسك)) (٢٨١٦ و٢٨٢٤ و٢٨٢٥ و٢٨٢٦)، و((الصيد والذبائح)) (٤٣٤٥ و٤٨٥٧)، وفي ((الكبرى)) (٣٧٩٨ و٣٨٠٧ و٣٨٠٩)، و((الصيد والذبائج)» (٤٨٥٧)، و(ابن ماجه) في ((المناسك)) (٣٠٩٣)، (ومالك) في ((الموطإ)) في ((الحج)) (٧٨٦ و٧٨٨)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٢٠٤/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٩٦/٥ و٣٠١ و٣٠٦ و٣٠٨)، و(الدارمي) في ((سننه)) (١٨٢٦)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤٠٥/٢)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٢٨٢/٣)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (١٠٥/١)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٣/ ٨٧)، و(الطبريّ) في ((تهذيب الآثار)) (٨٣٨/٢)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٢١١/١٢ و٢٢٠)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٧٨/٥ و١٨٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده(١): ١ - (منها): بيان ما يجوز أكله للمحرم من الصيد، وهو الذي صاده الحلال، دون أن يساعده المحرم عليه بشيء، وهذا يقوّي من حمل الصيد في قوله تعالى: ﴿وَحُرِمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِ﴾ الآية [المائدة: ٩٦] على الاصطياد. ٢ - (ومنها): أن فيه تفريق الإمام أصحابه للمصلحة، واستعمال الطليعة في الغزو. ٣ - (ومنها): أن تمني المحرِم أن يقع من الحلال الصيدُ؛ ليأكل منه لا يقدح في إحرامه، فقد قال أبو قتادة: ((وأحبّوا لو أني أبصرته)). ٤ - (ومنها): جواز الاجتهاد في زمن النبيّ وَّر، قال ابن العربيّ تَخْتُ: هو اجتهاد بالقرب من النبيّ ◌َّ، لا في حضرته. (١) المراد فوائد حديث أبي قتادة كََّفُهُ برواياته المختلفة، لا خصوص السياق المشروح هنا، فتنبه. ٢٦٩ (٨) - بَابُ تَحْرِيمِ الصَّيْدِ عَلَى الْمُحْرِمِ - حديث رقم (٢٨٥١) ٥ - (ومنها): العمل بما أدّى إليه الاجتهاد، ولو تضادّ المجتهدان، ولا يُعاب واحد منهما على ذلك؛ لقوله: ((فلم يَعِب ذلك علينا))، وكأن الآكل متمَسِّك بأصل الإباحة، والممتنع نظر إلى الأمر الطارىء. ٦ - (ومنها): الرجوع إلى النصّ عند تعارض الأدلّة، حيث إنهم لَمّا اختلفوا في أكله سألوا النبيّ وَله. ٧ - (ومنها): جواز ركض الفرس في الاصطياد. ٨ - (ومنها): جواز التصيّد في الأماكن الوَعْرة، والاستعانة بالفارس. ٩ - (ومنها): تسمية الفرس، حيث إن فيه: ((فركب فرساً، يقال له: الجرادة))، وألحق البخاريّ به الحمار، فترجم له في ((الجهاد))، وقال ابن العربيّ: قالوا: تجوز التسمية لما لا يَعْقِل، وإن كان لا يتفطن له، ولا يُجيب إذا نودي، مع أن بعض الحيوانات ربما أدمن على ذلك بحيث يصير يميّز اسمه إذا دعي به. ١٠ - (ومنها): حمل الزاد في السفر. ١١ - (ومنها): إمساك نصيب الرفيق الغائب. ١٢ - (ومنها): تبليغ السلام عن قرب، وعن بعد، وليس فيه دلالة على جواز ترك ردّ السلام ممن بلغه؛ لأنه يَحْتَمِل أن يكون وقع، وليس في الخبر ما ینفیه . ١٣ - (ومنها): أن ذكاة الصيد عَقْره. ١٤ - (ومنها): مشروعية الاستيهاب من الأصدقاء، وقبول الهدية من الصَّدِيق، وقال القاضي عياض تَّثُ: عندي أن النبيّ وَلّ طلب من أبي قتادة ذلك؛ تطبيباً لقلب من أكل منه؛ بياناً للجواز بالقول والفعل؛ لإزالة الشبهة التي حصلت لهم. ١٥ - (ومنها): الرفق بالأصحاب، والرفقاء في السير. ١٦ - (ومنها): استعمال الكناية في الفعل كما تُسْتَعمل في القول؛ لأنهم استعملوا الضحك في موضع الإشارة؛ لما اعتقدوه من أن الإشارة لا تحلّ. ١٧ - (ومنها): جواز سوق الفرس للحاجة، والرفق به مع ذلك؛ لقوله: ((وأسير شأواً)). ٢٧٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج ١٨ - (ومنها): مشروعيّة نزول المسافر وقت القائلة. ١٩ - (ومنها): ذكر الْحُكْم مع الحكمة، حيث قال وَّ: ((إنما هي طُعْمة أطعمكموها الله)). وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢٨٥٢] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكِ، فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ نَافِعِ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ رَبِهِ: أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَهِ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِبَّعْضِ طَرِيقِ مَكَّةَ، تَخَلَّفَ مَعَ أَصْحَابٍ لَهُ مُحْرِمِينَ، وَهُوَ غَيْرُ مُحْرِمِ، فَرَأَى حِمَاراً وَحْشِيّاً، فَاسْتَوَى عَلَى فَرَسِهِ، فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ أَنْ يُنَاوِلُوهُ سَوْطَهُ، فَأَبَّوْا عَلَيْهِ، فَسَأَلَهُمْ رُمْحَهُ، فَأَبَوْا عَلَيْهِ، فَأَخَذَهُ، ثُمَّ شَدَّ عَلَى الْحِمَارِ، فَقَتَلَهُ، فَأَكَلَ مِنْهُ بَعْضُ أَصْحَابٍ النَّبِيِّ ◌َّهِ، وَأَبَى بَعْضُهُمْ، فَأَدْرَكُوا رَسُولَ اللهِ نَّهِ، فَسَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: ((إِنَّمَا هِيَ طُعْمَةٌ، أَطْعَمَكُمُوهَا الله)). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو النَّضْرِ) سالم بن أبي أُميّة، مولى عمر بن عبيد الله التيميّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ، يرسل [٥] (ت١٢٩) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٥٥١/٤. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (عَنْ أَبِي قَتَادَةَ عَظ ◌ُهُ: أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ و ◌َ﴿) وكان ذلك في عام الحديبية. وقوله: (فَاسْتَوَى عَلَى فَرَسِهِ) أي: ركبه، واستقرّ على ظهره. وقوله: (فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ أَنْ يُنَاوِلُوهُ سَوْطَهُ) أي: وقد نسيه، كما في رواية، أو سقط منه، كما في أخرى، ويُجْمَع بينهما بأن أريد بالسقوط النسيان، أو العكس تجوّزاً، قاله السنديّ نَاتُ. ٢٧١ (٨) - بَابُ تَحْرِيمِ الصَّيْدِ عَلَى الْمُحْرِمِ - حديث رقم (٢٨٥٢) وقوله: (فَأَبَوْا عَلَيْهِ) أي: امتنعوا عليه من مناولته له؛ لكونهم محرمين، ففي رواية أبي عوانة: ((فإذا حمار وحشٍ، فركبت فرسي، وأخذت الرمح، والسوط، فسقط منّي السوط، فقلت: ناولوني، فقالوا: ليس نعينك عليه بشيء، إنا محرمون)). وفي رواية للبخاريّ: ((فحملت عليه))، وفي رواية: ((فقمت إلى الفرس، فأسرجته، ثم ركبت، ونسيت السوط والرمح، فقلت: ناولوني السوط والرمح، فقالوا: لا والله، لا نعينك عليه بشيء، فغضبت، فنزلت، فأخذتهما، ثم ركبت)). وفي رواية: ((فركب فرساً يقال له: الجرادة، فسألهم أن يناولوه سوطه، فأبوا، فتناوله))، وفي رواية: ((وكنت نسيت سوطي، فقلت لهم: ناولوني سوطي، فقالوا: لا نعينك عليه، فنزلت، فأخذته))، وعند ابن أبي شيبة: ((فاختلس من بعضهم سوطاً)). قال الحافظ: والرواية الأولى أقوى، ويمكن الجمع بينهما بأنه رأى في سوط نفسه تقصيراً، فأخذ سوط غيره، واحتاج إلى اختلاسه؛ لأنه لو طلبه منه اختياراً لامتنع. انتهى. وفيه دلالة على أنهم كانوا قد علموا أنه يحرم على المحرم الإعانة على قتل الصيد. وقوله: (ثُمَّ شَدَّ عَلَى الْحِمَارِ) أي: حمل عليه. وقوله: (فَأَكَلَ مِنْهُ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ وَّهِ، وَأَبَى بَعْضُهُمْ) في رواية: ((فأتيت به أصحابي، فقال بعضهم: كلوا، وقال بعضهم: لا تأكلوا))، قال الحافظ: قد تقدّم من عدّة أوجه أنهم أكلوا، والظاهر أنهم أكلوا أول ما أتاهم، ثم طرأ عليهم الشكّ، كما في لفظ عثمان بن موهب، عن عبد الله بن أبي قتادة عند البخاريّ: ((فأكلنا من لحمها، ثم قلنا: أنأكل من لحم صيد، ونحن محرمون؟))، وأصرح من ذلك رواية أبي حازم عند البخاريّ في ((الهبة)) بلفظ: ((ثم جئتُ به، فوقعوا فيه يأكلون، ثم إنهم شكّوا في أكلهم إياه، وهم حُرُم)). وقوله: (إِنَّمَا هِيَ طُعْمَةٌ) بضمّ الطاء؛ أي: طعام. وقوله: (أَطْعَمَكُمُوهَا اللهُ) أي: رزقكم الله إياها، والمقصود بنسبة الطعام ٢٧٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج إلى الله تعالى قطع التسبب عنهم؛ أي: فلا إثم عليكم، وإلا فكلّ الطعام مما يُطعم الله تعالى عباده، فافهم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْتُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢٨٥٣] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ رَبُهُ فِي حِمَارِ الْوَحْشِ، مِثْلَ حَدِيثٍ أَبِي النَّضْرِ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَالَ: ((هَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ؟»). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ) العَدَويّ، مولاهم، أبو عبد الله، أو أبو أُسامة المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ، كان يرسل [٥] (ت١٣٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٥٠/٣٦. ٢ - (عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ) الهلاليّ مولاهم، أبو محمد المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ، فاضلٌ عابدٌ، من صغار [٣] (ت٩٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٣/٢٦. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: رواية عطاء بن يسار، عن أبي قتادة هذه لم أر من ساقها تامّةً، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَظُّ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢٨٥٤] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ مِسْمَارِ السُّلَمِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ، قَالَ: انْطَلَقُ أَبِي مَعَ رَسُولِ اللهِلَّهِ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَأَحْرَمَ أَصْحَابُهُ، وَلَمْ يُحْرِمْ، وَحُدِّثَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ أَنَّ عَدُوّاً بِغَيْقَةَ، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ وَلِ قَالَ: فَبَيْنَمَا أَنَا مَعَ أَصْحَابِهِ، يَضْحَلُكَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، إِذْ نَظَرْتُ، فَإِذَا أَنَا بِحِمَارٍ وَحْشٍ، فَحَمَلْتُ عَلَيْهِ، فَطَعَنْتُهُ، فَأَثْبِتُّهُ، فَاسْتَعَنْتُهُمْ، فَأَبُوْا أَنْ يُعِينُونِي، فَأَكَلْنَا مِنْ لَحْمِهِ، وَخَشِينَا أَنْ ٢٧٣ (٨) - بَابُ تَحْرِيمِ الصَّيْدِ عَلَى الْمُخْرِمِ - حديث رقم (٢٨٥٤) نُقْتَطَعَ، فَانْطَلَقْتُ أَطْلُبُ رَسُولَ اللهِ وَلِهِ، أَرْفَعُ فَرَسِي شَأْواً، وَأَسِيرُ شَأْواً، فَلَقِيتُ رَجُلاً مِنْ بَنِي غِفَارٍ، فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، فَقُلْتُ: أَيْنَ لَقِيتَ رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: تَرَكْتُهُ بِتَعْهِنَ، وَهُوَ قَائِلٌ السُّقْبَا، فَلَحِقْتُهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَصْحَابَكَ يَقْرَءُونَ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَرَحْمَةَ اللهِ، وَإِنَّهُمْ قَدْ خَشُوا أَنْ يُقْتَطَعُوا دُونَكَ، انْتَظِرْهُمْ، فَانْتَظَرَهُمْ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَصَدْتُ، وَمَعِي مِنْهُ فَاضِلَةٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َِه ◌ِلْقَوْمِ: ((كُلُوا))، وَهُمْ مُحْرِمُونَ). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (صَالِحُ بْنُ مِسْمَارِ السُّلَمِيُّ) أبو الفضل، ويقال: أبو العبّاس المروزيّ الْكُشْمِيهِنِيّ(١)، ويقال: الرازيّ، صدوقٌ، من صغار [١٠]. رَوَى عن وكيع، وابن عيينة، وابن أبي فُديك، ومعاذ بن هشام، ومَعْن بن عيسى، والنضر بن شُمَيل، وأبي أسامة، وأبي ضَمْرة أنس بن عياض، وغيرهم. وروى عنه مسلم، والترمذيّ، ومحمد بن الصباح الْجَرْجَرائي، سمع منه بمكة، وأبو حاتم، وابن جرير، وغيرهم. قال أبو حاتم: صدوقٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: مات سنة خمسين ومائتين، أو قبلها بقليل، أو بعدها بقليل، وقال أبو إسحاق الصَّرِيفِينِيّ: تُوُقٍّ بكشميهن سنة (٢٤٦). تفرّد به المصنّف، والترمذيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (١١٩٦) وحديث (٢٠٠٣): ((كلُّ مسكر خمر، وكلّ مسكر حرام)). ٢ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَام) الدستوائيّ البصريّ، وقد سكن اليمن، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [٩] (ت٢٠٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٦/١٢. ٣ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد الله سَنْبَر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ (١) بضم الكاف، وسكون الشين، وكسر الميم، وسكون الياء التحتانيّة، وفتح الهاء، وآخره نون: نسبة إلى قرية من قُرى مَرْوَ القديمة، وقد خَرِبَت، قاله في ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٢٥٤/٢. ٢٧٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج ثبتٌ، رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت١٥٤) وله (٧٨) سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٦/١٢. ٤ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) صالح بن المتوكّل، أبو نصر البصريّ، ثم اليماميّ، ثقةٌ ثبتٌ، يدلّس ويُرَسل [٥] (ت١٣٢)، أو قبل ذلك (ع) تقدّم في ((شرح المقدمة)) جـ٢ ص٤٢٤. ٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ) الأنصاريّ المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت٩٥) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦١٩/١٨. و ((أبو قتادة)) ذُكر قبله. وقوله: (انْطَلَقَ أَبِي مَعَ رَسُولِ اللهِ ◌ِّ﴿ِ عَامَ الْحُدَيْنِيَةِ) هكذا ساقه مرسلاً، وكذا أخرجه البخاريّ عن معاذ بن فضالة، عن هشام، عن يحيى، وأخرجه أحمد عن ابن عُلَيّة، عن هشام، عن يحيى، لكن أخرجه أبو داود الطيالسيّ، عن هشام، عن يحيى، فقال: عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، أنه انطلق مع النبيّ وَّر، وفي رواية معاوية بن سلّام: أخبرني يحيى، أخبرني عبد الله بن أبي قتادة، أن أباه ((أخبره ... ))، فصرّح بالإخبار عن أبيه. وقوله: (عَامَ الْحُدَّيْبِيَةِ) صحّ من رواية الواقديّ من وجه آخر، عن عبد الله بن أبي قتادة، أن ذلك كان في عمرة القضيّة. وقوله أيضاً: ((عام الحديبية)) فيه أن ترك أبي قتادة الإحرام، ومجاوزته الميقات بلا إحرام، كان قبل أن تقرّر المواقيت، فإن تقريرها كان عام حجة الوداع سنة عشر، كما تقدم، فلا حاجة إلى الاستشكال بأنه كيف جاز له تأخير الإحرام عن الميقات؟ وقد تقدم غير هذا من التأويلات، وهذا أحسنها . وقوله: (فَأَحْرَمَ أَصْحَابُهُ، وَلَمْ يُحْرِمْ) الضمير لأبي قتادة، بيّنته الرواية الآتية: ((أنه غزا مع رسول الله وَ طار غزوة الحديبية، قال: فأهلّوا بعمرة غيري)). وقوله: (وَحُدِّثَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ أَنَّ عَدُوّاً بِغَيْقَةَ) ببناء الفعل للمفعول، وفي رواية البخاريّ من طريق عليّ بن المبارك، عن يحيى: ((وأُنبئنا بعدو بغَيْقَةَ، فتوجهنا نحوهم)). و((غَيْقَةُ)) بغين معجمة مفتوحة، ثم ياء مثنّاة تحتانيّة ساكنة، ثم قاف ٢٧٥ (٨) - بَابُ تَحْرِيمِ الصَّيْدِ عَلَى الْمُحْرِمِ - حديث رقم (٢٨٥٤) مفتوحة: موضع من بلاد بني غفار، بين مكة والمدينة، قال القاضي عياض: وقيل: هي بئر ماء لبني ثعلبة. انتهى(١). قال في ((الفتح)): وفي هذا السياق حذفُ بيّنته رواية عثمان بن موهب، عن عبد الله بن أبي قتادة الآتية بلفظ: ((خرج رسول الله وَ له حاجّاً، وخرجنا معه، فصَرَفَ من أصحابه، فيهم أبو قتادة، فقال: خذوا ساحل البحر حتى تلقوني، قال: فأخذوا ساحل البحر، فلما انصرفوا أحرموا كلهم، إلا أبا قتادة ... ))، قال: وسيأتي الجمع هناك بين قوله في هذه الرواية: ((خرج حاجًّاً))، وبين قوله في هذا الحديث: ((عام الحديبية)) - إن شاء الله تعالى -. قال: وبَيَّن المطلب عن أبي قتادة، عند سعيد بن منصور مكان صرفهم، ولفظه: ((خرجنا مع رسول الله وَي﴿ حتى إذا بلغنا الرَّوْحَاء)). وقوله: (قَالَ: فَبَيْنَمَا أَنَا مَعَ أَصْحَابِهِ) أي: أصحاب النبيّ ◌َّ الذين صرفهم معه إلى جهة العدوّ، وفي رواية النسائيّ: ((فبينما أنا مع أصحابي ... إلخ)) هذا يدلّ على أن عبد الله رواه عن أبيه، كما تقدم. وقوله: (يَضْحَكُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ) وفي رواية عليّ بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عند البخاريّ: ((فبصُر أصحابي بحمار وحش، فجعل بعضهم يضحك إلى بعض))، زاد في رواية أبي حازم: ((وأحبّوا لو أني أبصرته)). قال الحافظ تَخَُّ: هكذا في جميع الطرق، والروايات، ووقع في رواية العذريّ في مسلم: ((فجعل بعضهم يضحك إليّ))، فشدّدت الياء من ((إليّ))، قال عياض: وهو خطأ، وتصحيف، وإنما سقط عليه لفظة ((بعض))، ثم احتجّ لضعفها بأنهم لو ضَحِكُوا إليه، لكانت أكبر إشارة، وقد قال لهم النبيّ وَّ: ((هل منكم أحد أمره، أو أشار إليه؟))، قالوا: لا، وإذا دلّ المحرم الحلال على الصيد لم يأكل منه اتفاقاً، وإنما اختلفوا في وجوب الجزاء. انتهى. وتعقّبه النوويّ بأنه لا يمكن ردّ هذه الرواية لصحّتها، وصحة الرواية الأخرى، وليس في واحدة منهما دلالة، ولا إشارة، فإن مجرّد الضحك ليس فيه إشارة. (١) (شرح النوويّ)) ١٠٨/٨ - ١٠٩. ٢٧٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج قال بعض العلماء: وإنما ضحكوا تعجباً من عروض الصيد لهم، ولا قدرة لهم علیه؛ لمنعهم منه. قال الحافظ: قوله: فإن مجرد الضحك ليس فيه إشارة صحيح، ولكن لا يكفي في ردّ دعوى القاضي، فإن قوله: ((يضحك بعضهم إلى بعض)) هو مجرّد الضحك. وقوله: ((يضحك بعضهم إليّ)) فيه مزيد أمر على مجرّد الضحك. والفرق بين الموضعين أنهم اشتركوا في رؤيته، فاستووا في ضحك بعضهم إلى بعض، وأبو قتادة لم يكن رآه، فيكون ضحك بعضهم إليه بغير سبب باعثاً له على التفّن إلى رؤيته. ويؤيد ما قال القاضي ما وقع في رواية أبي النضر، عن مولى أبي قتادة، بلفظ: ((إذا رأيت الناس متشوفين لشيء، فذهبت أنظر، فإذا حمار وحش، فقلت: ما هذا؟ فقالوا: لا ندري، فقلت: هو حمار وحش، فقالوا: هو ما رأیت)). ووقع حديث أبي سعيد عند البزّار، والطحاويّ، وابن حبان في هذه القصّة: ((وجاء أبو قتادة، وهو حِلٌّ، فنكسوا رؤوسهم، كراهية أن يُحِدُّوا أبصارهم له، فيفطن، فيراه)). انتهى. فكيف يُظنّ بهم مع ذلك أنهم ضحكوا إليه؟ فتبيّن أن الصواب ما قاله القاضي. قال: وفي قول الشيخ: قد صحّت الرواية نظر؛ لأن الاختلاف في إثبات هذه اللفظة، وحذفها لم يقع في طريقين مختلفين، وإنما وقع في سياق إسناد واحد مما عند مسلم، فكان مع من أثبت لفظ ((بعض)) زيادة علم سالمة من الإشكال، فهي مقدّمة. وبيّن محمد بن جعفر في روايته عن أبي حازم، عن عبد الله بن أبي أوفى، كما عند البخاريّ في ((الهبة)) أن قصّة صيده للحمار كانت بعد أن اجتمعوا بالنبيّ وَّ﴾، وأصحابه، ونزلوا في بعض المنازل، ولفظه: ((كنت يوماً جالساً مع رجال من أصحاب النبيّ وَّه في منزل في طريق مكة، ورسول الله وقلقه نازل أمامنا، والقوم محرمون، وأنا غير محرم)). وبيّن في هذه الرواية السبب الموجب لرؤيتهم إياه، دون أبي قتادة بقوله: ((فأبصروا حماراً وحشيّاً، وأنا ٢٧٧ (٨) - بَابُ تَحْرِيمِ الصَّيْدِ عَلَى الْمُحْرِمِ - حديث رقم (٢٨٥٤) مشغول أخصف نعلي، فلم يؤذنوني به، وأحبّوا لو أني أبصرته، والتفتّ، فأبصرته)). ووقع في رواية أبي سعيد المذكورة أن ذلك وقع، وهم بعسفان، وفيه نظر، والصحيح ما في رواية البخاريّ، من طريق صالح بن كيسان، عن أبي محمد، مولى أبي قتادة، عنه، قال: ((كنا مع النبيّ وَّر بالقاحة، ومنا المحرم، وغير المحرم، فرأيت أصحابي، يتراءون شيئاً، فنظرت، فإذا حمار وحش ... )) الحدیث. و((القاحة)) - بقاف، ومهملة خفيفة، بعد الألف -: موضع قريبٌ من السقيا. انتهى. وقوله: ((وخشينا أن نُقتَطَع)) بالبناء للمفعول؛ أي: نصير مقطوعين عن النبيّ وَّ منفصلين عنه؛ لكونه سبقهم، وكذا قوله بعد هذا: ((وخَشُوا أن يقتطعوا دونك))، وبيّن ذلك رواية علي بن المبارك، عن يحيى، عند أبي عوانة بلفظ: ((وخشينا أن يقتطعنا العدو)). وللبخاريّ: ((وأنهم خشوا أن يقتطعهم العدوّ دونك))، وهذا يُشعر بأن سبب إسراع أبي قتادة لإدراك النبيّ وَّ خشية على أصحابه أن ينالهم بعض أعدائهم. وفي رواية أبي النضر عند البخاريّ في ((الصيد)): ((فأبى بعضهم أن يأكل، فقلت: أنا أستوقف لكم النبيّ وَّ، فأدركته، فحدثته الحديث)). ففي هذا أن سبب إدراكه أن يستفتيه عن قصّة أكل الحمار. ويمكن الجمع بأن يكون ذلك بسبب الأمرين، قاله في ((الفتح))(١). وقوله: (فَإِذَا أَنَا بِحِمَارِ وَحْشٍ) قد تقدم أن رؤيته له كانت متأخرة عن رؤية أصحابه، وصرح بذلك فضيل بن سليمان في روايته، عن أبي حازم كما عند البخاريّ في ((الجهاد))، ولفظه: ((فرأوا حماراً وحشيّاً قبل أن يراه أبو قتادة، فلما رأوه تركوه حتى رآه، فركب ... )). وقوله: (فَحَمَلْتُ عَلَيْهِ) وفي رواية محمد بن جعفر: ((فقمت إلى الفرس، فأسرجته، ثم ركبت، ونسيت السوط والرمح، فقلت لهم: ناولوني السوط والرمح، فقالوا: لا، والله لا نعينك عليه بشيء، فغضبت، فنزلت، فأخذتهما، (١) ((الفتح)) ٨١/٥ - ٨٢. ٢٧٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج ثم ركبت))، وفي رواية فضيل بن سليمان: ((فركب فرساً له، يقال له: الْجَرَادة، فسألهم أن يناولوه سوطه، فأبوا، فتناوله))، وفي رواية أبي النضر: ((وكنت نسيت سوطي، فقلت لهم: ناولوني سوطي، فقالوا: لا نعينك عليه، فنزلت، فأخذته)). ووقع عند النسائيّ من طريق شعبة، عن عثمان بن موهب، وعند ابن أبي شيبة، من طريق عبد العزيز بن رُفيع، وأخرج مسلم إسنادهما، كلاهما عن أبي قتادة: ((فاختَلَسَ من بعضهم سوطاً))، والرواية الأولى أقوى. ويمكن أن يُجمَع بينهما بأنه رأى في سوط نفسه تقصيراً، فأخذ سوط غيره، واحتاج إلى اختلاسه؛ لأنه لو طلبه منه اختياراً لامتنع، قاله في ((الفتح))(١). وقوله: (فَطَعَنْتُهُ، فَأَثْبَتُّهُ) بالمثلثة، ثم الموحدة، ثم المثناة؛ أي: جعلته ثابتاً في مكانه، لا حِرَاك به، وفي رواية أبي حازم: ((فشددت على الحمار، فعقرته، ثم جئت به، وقد مات)). وقوله: (فَاسْتَعَنْتُهُمْ، فَأَبَوْا أَنْ يُعِينُونِي) وفي رواية أبي النضر الماضية: ((حتى عَقَرته، فأتيت إليهم، فقلت لهم: قوموا، فاحتملوا، فقالوا: لا نمسه، فحملته، حتی جئتهم به)). وقوله: (فَأَكَلْنَا مِنْ لَحْمِهِ) وفي رواية فضيل، عن أبي حازم: ((فأكلوا، فَنَدِموا))، وفي رواية محمد بن جعفر، عن أبي حازم: ((فوقعوا يأكلون منه، ثم إنهم شَكّوا في أكلهم إياه، وهم حُرُمٌ، فرُحْنا، وخبأت العَضُد معي))، وفي رواية مالك، عن أبي النضر: ((فأكل منه بعضهم، وأبى بعضهم))، وفي حديث أبي سعيد: ((فجعلوا يشوون منه))، وفي رواية المطلب، عن أبي قتادة، عند سعيد بن منصور: ((فظللنا نأكل منه ما شئنا، طَبِيخاً وشِوَاءً، ثم تزوّدنا منه)). وقوله: (وَخَشِينَا أَنْ نُقْتَطَعَ) أي: نصير مقطوعين عن النبيّ نَّ منفصلين عنه؛ لكونه سبقهم، وكذا قوله بعد هذا: ((وخَشُوا أن يُقْتَطُعوا دونك))، وبَيَّن ذلك رواية علي بن المبارك، عن يحيى عند أبي عوانة، بلفظ: ((وخَشِينا أن (١) ((الفتح)) ٨٣/٥. ٢٧٩ (٨) - بَابُ تَحْرِيمِ الصَّيْدِ عَلَى الْمُحْرِمِ - حديث رقم (٢٨٥٤) يقتطعنا العدوّ))، وفيها عند البخاريّ: ((وإنهم خَشُوا أن يقتطعهم العدوّ دونك))، وهذا يُشعر بأن سبب إسراع أبي قتادة لإدراك النبيّ وَّ خشيةٌ على أصحابه أن ينالهم بعض أعدائهم. وفي رواية أبي النضر عند البخاريّ في ((الصيد)): ((فأبى بعضهم أن يأكل، فقلت: أنا أستوقف لكم النبيّ ◌َلّ، فأدركته، فحدثته الحديث ... ))، ففي هذا أن سبب إدراكه أن يستفتيه عن قصة أكل الحمار، ويمكن الجمع بأن يكون ذلك بسبب الأمرين، قاله في ((الفتح))(١). وقوله: (أَرْفَعُ فَرَسِي شَأْواً، وَأَسِيرُ شَأْواً) ((أرفع ... إلخ)) بالتخفيف، والتشديد؛ أي: أكلّفه السير السريع، و((شأواً)) بالشين المعجمة، بعدها همزة ساكنة؛ أي: تارةً، والمراد أنه يركضه تارةً، ويسير بسهولة أخرى، قاله في ((الفتح)). وفي ((اللسان)): الشأو: الطَّلَقُ، والشوط، والشأو: الغاية، والأمد، قال: ويقال: عَدَا الفرسُ شأواً، أو شأوين: أي: طلقاً أو طلقين. انتهى. و((الطلق)) - بفتحتين، أو بكسر، فسكون -: الشوط. وقوله: (فَلَقِيتُ رَجُلاً مِنْ بَنِي غِفَارٍ) قال الحافظ: لم أقف على اسمه. وقوله: (قَالَ: تَرَكْتُهُ بِتَعْهِنَ) - بكسر المثناة، وبفتحها، بعدها عين مهملة ساكنة، ثم هاء مكسورة، ثم نون -، ورواية الأكثر بالكسر، وبه قيّدها البكريّ في ((معجم البلاد)»، ووقع في رواية عند الكشميهنيّ بكسر أوله، وثالثه، ولغيرهما بفتحهما، وحكى أبو ذرّ الهرويّ أنه سمعها من العرب بذلك المكان بفتح الهاء، ومنهم من يضمّ التاء، ويفتح العين، ويكسر الهاء. وقيل: هو من تغييراتهم، والصواب الأول، وأغرب أبو موسى المدينيّ، فضبطه بضم أوله، وثانيه، وبتشديد الهاء، قال: ومنهم من يكسر التاء، وأصحاب الحديث يسكنون العين، ووقع في رواية الإسماعيليّ: ((بِدِعْهِن)) بالدال المهملة بدل المثناة، قاله في ((الفتح)). وقوله: (وَهُوَ قَائِلٌ السُّقْبَا)؛ أي: يريد القيلولة بالموضع المسمّى بالسُّقْيا - (١) ((الفتح)) ٨٤/٥. ٢٨٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج بضم السين المهملة، وسكون القاف، بعدها تحتانيّة مقصورة -: قرية جامعة بين مكة والمدينة. وقال النوويّ كَّتُهُ: قوله: ((قائل)) روي بوجهين: أصحّهما، وأشهرهما بهمزة بين الألف واللام، من القيلولة؛ أي: تركته في الليل بتعهن، وعزمُهُ أن يَقِيل بالسقيا، فمعنى قوله: ((وهو قائل))؛ أي: سیقیل . والوجه الثاني: أنه ((قابل)) بالموحدة، وهو غريب، وكأنه تصحيف، فإن صحّ فمعناه أن تعهن موضع مقابل للسقيا، فعلى الأول الضمير في قوله: ((وهو)) للنبيّ ◌َّ، وعلى الثاني الضمير للموضع، وهو تعهن، ولا شكّ أن الأول أصوب، وأكثر فائدة. وأغرب القرطبيّ، فقال: ((وهو قائل)) اسم فاعل من القول، أو من القائلة، والأول هو المراد هنا، و((السقيا)) مفعول بفعل مضمر، وكأنه كان بتعهن، وهو يقول لأصحابه: اقصدوا السقيا. ووقع عند الإسماعيليّ من طريق ابن علية، عن هشام: ((وهو قائم بالسقيا))، فأبدل اللام في ((قائل)) ميماً، وزاد الباء في ((السقيا)). قال الإسماعيليّ: الصحيح ((قائل)) باللام. قال الحافظ: وزيادة الباء توهي الاحتمال الأخير المذكور. انتهى(١). وقوله: (إِنَّ أَصْحَابَكَ يَقْرَءُونَ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَرَحْمَةَ اللّهِ) - بفتح الياء، من قرأت ثلاثيّاً، قال الفيّوميّ: وقرأتُ على زيد السلامَ أقرؤه عليه قراءةً، وإذا أمرت منه قلتَ: اقرأ عليه السلام. قال الأصمعيّ: وتعديته بنفسه خطأٌ، فلا يقال: أقرئه السلام؛ لأنه بمعنى: ((اتلُ عليه)). وحكى ابن القطّاع أنه يتعدّى بنفسه رباعيّاً، فيقال: فلان يُقرِئك السلامَ. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحاصل أنه إذا تعدى بحرف الجرّ، كهذا الحديث، فهو ثلاثيّ مفتوح الأول، لا غير، وإذا تعدى بنفسه، فهو رباعيّ، لا غير، والله تعالى أعلم. (١) ((الفتح)) ٨٤/٥ - ٨٥.