النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
(٨) - بَابُ تَحْرِيمِ الصَّيْدِ عَلَى الْمُحْرِمِ - حديث رقم (٢٨٤٥)
ثمانية أميال، قريبة من الجحفة، أكثر نُصَيب(١) من ذكرها في شعره، فقال
لسليمان بن عبد الملك [من الطويل]:
قِفَا ذَاتَ أَوْشَالٍ وَمَوْلَاكَ قَارِبُ
أَقُولُ لِرَكْبٍ قَافِلِينَ عَشِيَّةً
لِمَعْرُوفِهِ مِنْ آلِ وَدَّانَ رَاغِبُ
قِفُوا خَبِّرُونِي عَنْ سُلَيْمَانَ إِنَّنِي
وَلَوْ سَكَتُوا أَثْنَتْ عَلَيْكَ الْحَقَائِبُ
فَعَاجُوا فَأَثْنَوْا بِالَّذِي أَنْتَ أَهْلُهُ
(فَرَدَّهُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ وَيِ﴾ أي: ردّ ذلك الحمار على الصعب بن
جثّامة ◌َّه (قَالَ) الصعب (فَلَمَّا أَنْ) ((أن)) زائدة، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّآ أَنْ
جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِىَّ بِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٣٣](٢). (رَأَى رَسُولُ اللهِ وَّهِ مَا فِي
وَجْهِي) وفي رواية البخاريّ عن عبد الله بن يوسف، عن مالك: ((فلما رأى ما
في وجهه))، وفي رواية الليث، عن الزهريّ، عند الترمذيّ: ((فلما رأى ما في
وجهه من الكراهية))، وكذا لابن خزيمة من طريق ابن جريج المذكورة.
(قَالَ) وَِّ ((إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ) وفي رواية للبخاريّ من طريق شعيب،
وابن جريج، عن الزهريّ: ((ليس بنا ردٌّ عليك))، وفي رواية عبد الرحمن بن
إسحاق، عن الزهريّ، عند الطبرانيّ: ((إنا لم نردّه عليك كراهيةً له، ولكنا
حُرُمٌ»، وفي رواية النسائيّ: ((أما إنه لم نردّه عليك)).
قال القاضي عياض تخلّثُ: ضبطناه في الروايات ((لم نردّه)) بفتح الدال،
وردّه محقّقو مشايخنا من أهل العربيّة، وقالوا: ((لم نردُّهُ)) بضم الدال، وهكذا
وجدته بخطّ بعض الأشياخ أيضاً، وهو الصواب عندهم، على مذهب سيبويه
في مثل هذا في المضاعف، إذا دخله الهاء أن يُضمّ ما قبلها في الأمر، ونحوه
من المجزوم، مراعاة للواو التي توجبها له ضمة الهاء بعدها، لخفاء الهاء،
فكأن ما قبلها ولي الواو، ولا يكون ما قبل الواو إلا مضموماً، قال: وليس
الفتح بغلط، بل ذكره ثعلب في ((الفصيح)). نعم تعقّبوه عليه بأنه ضعيف،
وأوهم صنيعه أنه فصيح، وأجازوا أيضاً الكسر، وهو أضعف الأوجه.
(١) مصغّراً، كزُبير: اسم شاعر، قاله في ((القاموس)) ١٣٣/١.
(٢) راجع: ((مغني اللبيب عن كتب الأعاريب)) ٧٥/١.

٢٤٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
هذا في المذكر، وأما في المؤنث، مثل ((لم تردها)) مفتوح الدال، مراعاة
للألف.
وقال العينيّ كَّهُ: في مثل هذه الصيغة قبل دخول الهاء عليها أربعة
أوجه: الفتح؛ لأنه أخف الحركات، والضمّ؛ إتباعاً لضمة عين الفعل،
والكسر؛ لأنه الأصل في تحريك الساكن، والفكّ. وأما بعد دخول الهاء
فيجوز فيه غير الكسر. انتهى(١).
قال الحافظ: ووقع في رواية الكشميهنيّ بفكّ الإدغام: ((لم نردُدْهُ)) بضمّ
الأولى، وسكون الثانية، ولا إشكال فيه. انتهى(٢).
[تنبيه]: قال ابن حمدون دَّثُ في ((حاشيته على شرح المكودي لألفية ابن
مالك تَخْتُ)) في ((باب الإدغام))، ما نصه:
(تتمة): حكاية جرت عادتهم بذكرها هنا، لمناسبتها، نَقَلَها صاحبُ
((الأنيس المطرب)) عن الفقيه البوعصامي في ترجمته، وذلك أن بعضهم سأل
الفقيه المذكور عن حركة آخر الفعل المضارع المجزوم المضعف الآخر، وعن
الأمر منه، نحو لم يَشُدّ، وشُدّ؟ فقال: إن لهذه المسألة قصةً اتفقت للراعي كَّتُهُ
مع بعض أصحابه.
قال الراعي: كان لي صاحب في خواص الملك، فسألني يوماً عن الفعل
المضارع المجزوم المضعف، وعن الأمر منه؟ فلما شرعت في الجواب،
فَهِمتُ منه، كأنه إنما سألني مختبراً ما عندي، وأنه غير محتاج إلى جوابي،
فسكت عنه، فأعاد السؤال مراراً، فحلفت يميناً مغلظة أن لا أخبره حتى ينزل
من موضع عالٍ هو به، ويقعد على الأرض وسط المدرسة من غير حائل بينه،
وبين الأرض، ويخضع لي، كما يخضع الصبيّ لمؤدبه، وإلا فهؤلاء العلماء
فيهم كفاية عني في هذه المسألة وغيرها .
فرّد الأمر في نفسه مراراً، وأطرق، ثم قال: لا بأس بالذلّ في طلب
العلم، فإنه عِزّ على الحقيقة، ثم فعل ما طُلب منه، والطَّلَبَةُ ينظرون.
(١) ((عمدة القاري)) ٣٥٨/٨.
(٢) ((الفتح)) ٩٧/٥.

٢٤٣
(٨) - بَابُ تَحْرِيمِ الصَّيْدِ عَلَى الْمُحْرِمِ - حديث رقم (٢٨٤٥)
فقلت: يا عبد الله لم تجئني هذه المسألة رَخِيصَة، وسأحدثك كيف
استوفیتها .
اعلم أني رَحَلتُ يوماً لشيخنا وسيدنا أبي الحسن علي بن محمد
الأندلسي الْغَرْنَاطِيّ ◌ََّفُ، وكان فقيراً مُقِلّاً، وكان أبوه، وأخوه يعيشان من نقل
الحطب على حمارين لهما، وكان أبي تاجراً في سوق القُمَاش.
فكنت أخدم الشيخ خدمة العبيد الناصحين، فأتيت له صبيحة يوم بارد،
فقلت: هل من حاجة؟ قال: نعم، ليس عندنا ماء، ثم أخرج إليّ سَطْلاً من
نحاس وقُلَّةً يسعان أربعين رطلاً من الماء، والماء من بيته على مسافة بعيدة،
فأتيت بنحو اثنتي عشرة نَقْلَة حتى امتلأ الزِّير، وجميع أواني الدار.
ثم سلمت عليه، وأردت الخروج، وأنا في غاية التعب، قد ابْتَلَّتْ ثيابي،
وامتلأت بالطين، وأنا أرتعد من البرد، فلما رأى ما بي، قال: اقعُد حتى
أعطيك مسألة جليلة، فقعدت معه.
فقال: ذكر صاحب ((الدرّ المكنون)) أنه وصل رجل إلى أشبيلية يقصد
قراءة الحديث على أبي بكر الحافظ، فلما قرأ عليه قوله وَله: ((ما لم تصفَرٌ
الشمس))، وفي الحلقة جماعة من الطلبة، فيهم أبو بكر الشلوبين، فقال الشيخ:
كيف تضبطون الراء من قوله: ((ما لم تصفرِّ الشمس))، فقالوا بأجمعهم بالفتح،
ما عدا أبا بكر، فإنه بقي ساكتاً .
فأنشد الشيخ:
أُوْرَدَها سَعْدٌ وَسَعْدٌ مُشْتَمِلْ مَا هَكَذَا يَا سَعْدُ تُورَدُ الإِلْ
ثم التفت إلى أبي بكر، وقال: ما تقول أنت؟ فقال: إن العرب على
ثلاث فِرَقٍ: مُتْبِعُون، وكاسرون، وفاتحون.
فالمتبعون، يتبعون الحرف المضعّف لحركة الحرف الذي قبله؛ فإن كانت
ضمة ضموه، نحو: لم يردُّ، ورُدُّ، وإن كانت فتحة، أو ألفاً فتحوا، نحو: لم
يَعَضَّ، وعَضَّ، وقوله تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَلِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وإن
كانت كسرة كسروه، نحو لم يفِرّ، وفِرّ يا عمرو، إلا في ثلاث مواضع، فإنهم
لا يتبعون لما قبله.
(أحدها): إذا اتصل بالفعل ضمير مذكر غائب، فإن المتبعين إنما يتبعون

٢٤٤
البحر المحيط الثجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
لحركة الضمير، فيقولون: لم يَفِرُّهُ، وفِرُّهُ، بضم الراء فيهما، ولم يَعَضُّهُ، بضم
الضاد، وعليه يخرج قوله تعالى: ﴿لَّا يَمَشُّهُمْ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ
[الواقعة: ٧٩]
إن قلنا: إن ((لا ناهية))، لا نافية.
(ثانيها): إذا اتَّصَل بالفعل ضمير مؤنث غائب، نحو رُدَّهَا، ولم يَرُدَّهَا،
وفرّها، بفتح الحرف المدغم فيه اتباعاً لحركة الهاء، وإنما أتبعوا حركة الهاء
في الموضعين لخفة الهاء، فلم يعتدوا بها فاصلاً، فكأن الضمةً باشرت واو
الصلة، والفتحةَ باشرت ألف الصلة.
(ثالثها): إن لقي آخرَ الفعل ساكنٌ من كلمة أخرى، لامُ تعريف، أو
غيرُها، فيرجع المتبعون هنا للكسر، نحو غُضّ الطرفَ، وعليه يقال: ((ما لم
تصفرٌ الشمس)) بكسر الراء، لا غير.
[والفرقة الثانية]: الكاسرون؛ يَكسِرُون آخرَ الفعل مطلقاً على أصل التقاء
الساكنين، فيقولون: ردِّ زيداً، ولم يردّ، بكسر الدال فيهما، فعلى هذه اللغة،
إنما يقال: ((ما لم تصفرّ)) بالكسر أيضاً، وهذه اللغة لغة كعب، ونُمَير.
[والفرقة الثالثة]: الفاتحون، وهم على قسمين: فُصَحاء، وغير فصحاء،
فالفصحاء ينتقلون إلى الكسر إذا عارضهم ساكن من كلمة أخرى، فيقولون: مُدّ
الحبل، وشُدّ الرَّحْلَ، بكسر المدغم فيه منها، فيقال حينئذ: ((ما لم تصفرٌ»
بالكسر أيضاً، وغير الفصحاء لا يزالون على أصلهم من الفتح، ولو لقي آخرَ
الفعل ساكنٌ؛ وعليه فيقال: ((ما لم تصفرَّ) بفتح الراء، وعليه فجميع العرب
يكسرون آخر الفعل إذا لقيه ساكن، إلا غير الفصحاء، ممن لغتهم الفتح، فإنهم
یفتحونه.
فلما فرغ الشلوبين، أنشد الشيخ [من الخفيف]:
ذُو المَعَالِي فَلْيَعْلُوَنْ مَنْ تَعَالَى هَكَذَا هَكَذَا وَإِلَّا فَلَا لَا
وقد نظم هذا التفصيل العلامة القاضي الولي الصالح أبو العباس سيدي
أحمد بن الحاجّ، فقال [من الرجز]:
آخِرُهُ كَلا تَضُرَّ أَحَدَا
إِنْ جُزِمَ الْفِعْلُ الَّذِي قَدْ شُدِّدَا
الآخَرِينَ ثُمَّ إنَّ الفُصَحَا
فَاكْسِرُهُ مُظْلَقاً لِقَوْمٍ وافْتَحَا
يَأْتُونَ بِالْكَسْرِ كَسُرُ الْحَزَنَا
مِنْ هَؤلاءِ حَيْثُ يَلْقَىِّ ساكِنَا

٢٤٥
(٨) - بَابُ تَحْرِيمِ الصَّيْدِ عَلَى الْمُحْرِمِ - حديث رقم (٢٨٤٥)
يَلِي فَإِثْرَ ضَمَّةٍ لَهُ اضْمُمَا
ثَالِثَةُ اللُّغَاتِ أنْ يُتْبَعَ مَا
وبَعْدَ كِسْرَةٍ لَهُ الْكَسْرُ يَفِي
وَاقْتَحْهُ بَعْدَ فَتْحَةٍ أوْ أَلِفِ
فَالضَّمُّ عِنْدَهُمْ كَلا تُمِرَّهُ
إلا بِنَحْوِ مُسَّهُ وَفِرُّهُ
لِصِلَةٍ وَخِفَّةٍ قَدْ أُوضِحَا
وَنَحْوُ رُدَّهَا وَحُبَّهَا اقْتَحَا
فَاكْسِرْهُ لِلسَّاكِنِ فَابِغِ الْعِلْمَا
وَنَحْوُ غُضِ الظَّرْفَ عَضِ اللَّحْمَا
(١)
انتھی
(إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ))) همزة ((أنا)) مفتوحة، على تقدير لام التعليل؛ أي: لأنّا،
و (حُرُم)) بضمتين: جمع حَرَام؛ أي: محرمون.
وفي رواية صالح بن كيسان الآتي بعد هذا: ((إنا حرم، لا نأكل الصيد)).
وفي رواية شعيب، وابن جريج عند البخاريّ: ((ليس بنا ردّ عليك)). وفي رواية
عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهريّ، عند الطبرانيّ: ((إنا لم نردّه عليك
كراهية له، ولكنا حُرُم)). وفي رواية سعيد، عن ابن عباس: ((لولا أنا محرمون
لقبلناه منك)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث الصعب بن جَّامة ◌َُّهُ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٨٤٥/٨ و٢٨٤٦ و٢٨٤٧] (١١٩٣)،
و(البخاريّ) في ((الحج)) (١٨٢٥)، و((الهبة)) (٢٥٧٣ و٢٥٩٦)، و(الترمذيّ) في
((الحج)) (٨٤٩)، و(النسائيّ) في ((المناسك)) (١٨٣/٥)، و((الكبرى)) (٣٧٠/٢)،
و(ابن ماجه) في ((المناسك)) (٣٠٩)، و(مالك) في ((الموطإ)) (٣٥٣/١)،
و(الشافعيّ) في («مسنده)) (٣٢٣/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٧/٤ و٣٨)،
و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٨٢٨)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٢/
١٧٠)، و(الطبراني) في ((الكبير)) (٧٤٤١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه))
(١) ((الفتح الودودي على المكودي)) ٢٠٦/٢ - ٢٠٧.

٢٤٦
البحر المحيط الثجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
(٣٩٦٩)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٢٨٠/٣)، و(ابن الجارود) في
((المنتقى)) (١١٥/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٩١/٥)، و((الصغرى)) (٤/
١١٢)، و((المعرفة)) (١٩٦/٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان ما لا يجوز للمحرم أكله من الصيد، وهو الذي صاده
الحلال لأجل المحرم، وبهذا تجمع الأحاديث في هذا الباب، فيُحْمَل حديث
أبي قتادة الآتي الدالّ على الإباحة على ما إذا لم يصده الحلال للمحرم،
وحديث الصعب هذا على أنه قصد المحرم بصيده، وتحمل الآية الكريمة:
﴿وَُِمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ أَلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُمًا﴾ الآية [المائدة: ٩٦] على الاصطياد، وعلى
لحم ما صِيد للمحرم، للأحاديث المذكورة المبيّنة للمراد من الآية. وهذا
مذهب الشافعي، وجماعة، كما تقدّم، وهو الراجح، وسيأتي تفاصيل المذاهب
في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -.
وقد حَمَل البخاريّ تَّقُ حديث الصعب ◌َظُه على أنه كان حيّاً، حيث
ترجم في ((الصحيح)) بقوله: ((باب إذا أهدى للمحرم حماراً وحشيّاً حيّاً لم
يَقْبَل)). لكن روايات حديث الصعب لا تؤيّد هذا التأويل.
قال النوويّ كَّتُهُ: وحكي هذا التأويل أيضاً عن مالك، وغيره، وهو
تأويل باطل، وهذه الطرق التي ذكرها مسلم صريحة في أنه مذبوح، وإنما
أهدى بعض لحم صيد، لا كله. انتهى(١).
٢ - (ومنها): أن النبيّ ◌َ﴿ كان يقبل الهدية، وإنما الممنوع عليه قبول
الصدقة لنفسه .
٣ - (ومنها): استحباب قبول الهديّة، إذا لم يكن هناك مانع من قبولها.
٤ - (ومنها): جواز ردّها بعد القبول لسبب اقتضى ذلك.
٥ - (ومنها): جواز الحكم بعلامة، لقوله: ((فلما رأى ما في وجهي ...
إلخ)).
٦ - (ومنها): الاعتذار عن ردّ الهدية؛ تطييباً لقلب المهدي.
(١) ((شرح النوويّ) ٣٤٤/٨.

٢٤٧
(٨) - بَابُ تَحْرِيمِ الصَّيْدِ عَلَى الْمُحْرِمِ - حديث رقم (٢٨٤٥)
٧ - (ومنها): أن الهدية لا تدخل في الملك إلا بالقبول.
٨ - (ومنها): تحريم الاصطياد على المحرم.
٩ - (ومنها): تحريم تملكه، بشراء، أو هدية، أو نحوهما، وفي ملكه
إياه بالإرث خلاف.
١٠ - (ومنها): أن المحرم إذا ملك صيداً وجب عليه إرساله، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في بيان حكم الصيد للمحرم:
قال العلامة ابن قدامة تَخْتُهُ: يحل للمحرم صيد البحر، اصطياده، وأكله،
وبيعه، وشراؤه، وصيد البحر: الحيوان الذي يعيش في الماء، ويبيض فيه،
ويَفْرُخ فيه، كالسمك، والسلحفاة، والسرطان، ونحو ذلك، فإن كان جنس من
الحيوان نوع منه في البحر، ونوع في البرّ، كالسلحفاة، فلكلّ نوع حكم نفسه،
كالبقر منها الوحشيّ محرم، والأهليّ مباح. انتهى.
وأما صيد البر فقد أجمع العلماء على منعه للمحرم بحجّ، أو عمرة،
وهذا الإجماع في مأكول اللحم الوحشيّ، كالظبي، والغزال، ونحو ذلك،
وتحرم عليه الإشارة إلى الصيد، والدلالة عليه؛ لحديث أبي قتادة مظلته الآتي.
قال ابن قدامة: لا خلاف بين أهل العلم في تحريم قتل الصيد،
واصطياده على المحرم، وقد نصّ الله تعالى عليه في كتابه، فقال سبحانه:
﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَ نَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]، وقال تعالى: ﴿وَحُرِّمَ
عَلَيْكُمْ صَيْدُ أَلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]، وتحرم عليه الإشارة إلى الصيد،
والدلالة عليه، قال: ولا تحلّ له الإعانة عليه بشيء. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أنه لا اختلاف بين أهل العلم
في حلّ صيد البحر بجميع أنواعه؛ لقول الله رَ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ
وَطَعَامُهُ﴾ الآية [المائدة: ٩٦]، وكذلك لا خلاف بينهم في تحريم صيد البرّ
بجميع أصنافه؛ لقوله تعالى: ﴿وَيُرِمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ أَلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُمًا﴾ [المائدة:
٩٦]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم أكل لحم الصيد
للمحرم :

٢٤٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
(اعلم): أنهم اختلفوا في هذه المسألة على ثلاثة مذاهب:
(الأول): أنه لا يجوز له الأكل مطلقاً، وهو قول عليّ، وابن عباس،
وابن عمر، والليث ابن سعد، والثوريّ، وإسحاق ابن راهويه، وطاوس،
وجابر بن زید.
واحتجّ لهم بعموم قوله تعالى: ﴿وَحُرْمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ أَلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حَُ﴾ بناء
على أن المراد بالصيد الحيوان المصيد.
وبحديث الصعب بن جثّامة ظه هذا، وبحديث زيد بن أرقم
الآتي: أن النبيّ وَل﴿ أُهدي له عضو من لحم صيد، فرده، فقال: ((إنا لا نأكله،
إنا حرم)).
وبما أخرجه أبو داود، وغيره من حديث عليّ ◌َظُه أنه قال لناس من
أشجع: أتعلمون أن رسول الله ﴿ ﴿ أُهدي له رجل حمار وحشٍ، وهو محرم،
فأبى أن يأكله؟ قالوا: نعم.
(الثاني): أنه يجوز له الأكل مطلقاً؛ أي: وإن صِيد لأجله، إذا لم يكن
بإذنه وإعانته، أو دلالته، وإشارته، وإليه ذهب أبو حنيفة، وحكي ذلك عن
عمر بن الخطاب، وأبي هريرة، والزبير بن العوّام، وعائشة، وطلحة بن
عبيد الله، وكعب الأحبار، ومجاهد، وسعيد بن جبير.
واحتُجّ لهم بحديث أبي قتادة المذكور هنا، وحديث طلحة بن عبيد الله
الآتي، وحديث البهزيّ حيث أهدى للنبيّ وَلقر حمار وحش صاده، وهو حديث
صحيح، أخرجه النسائيّ، وغيره.
(الثالث): التفصيل بين ما صاده الحلال لأجل المحرم، وما صاده لا
لأجله، فيمنع الأول، دون الثاني، وهو مذهب الجمهور، منهم الأئمة الثلاثة:
مالك، والشافعيّ، وأحمد، وحكي ذلك عن عثمان بن عفان، وعطاء، وأبي
ثور، وإسحاق في رواية. وهذا المذهب هو الراجح، كما يأتي قريباً.
(الرابع): ما نُقِل عن مالك، وهو التفصيل بين ما صِيد للمحرم قبل
إحرامه يجوز له الأكل منه، أو بعد إحرامه فلا .
(الخامس): ما نُقل عن عثمان، وهو التفصيل بين ما يصاد لأجله من
المحرمين، فيمتنع عليه، ولا يمتنع على محرم آخر.

٢٤٩
(٨) - بَابُ تَحْرِيمِ الصَّيْدِ عَلَى الْمُحْرِمِ - حديث رقم (٢٨٤٦)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أرجح المذاهب عندي هو التفصيل الذي
تقدم عن الجمهور، وهو أنه إن صاده الحلال لأجل المحرم، مُنِعَ، وما صاده
لا لأجله، لم يُمْنَع؛ لأن فيه الجمع بين الأحاديث المختلفة في الباب.
قال في ((الفتح)): جمع الجمهور بين ما اختلف من هذه الأحاديث، بأن
أحاديث القبول محمولة على ما يصيده الحلال لنفسه، ثم يهدي منه للمحرم،
وأحاديث الردّ محمولة على ما صاده الحلال لأجل المحرم.
قالوا: والسبب في الاقتصار على الإحرام عند الاعتذار للصعب أن الصيد
لا يحرم على المرء إذا صِيد له إلا إذا كان محرماً، فبيّن الشرط الأصليّ،
وسكت عما عداه، فلم يدلّ على نفيه، وقد بيّنه في الأحاديث الأُخر.
قال الحافظ: ويؤيّد هذا الجمع حديث جابر ◌َُّه، مرفوعاً: ((صَيْدُ البِرّ
لكم حلال ما لم تصيدوه، أو يُصَدْ(١) لكم))، أخرجه الترمذيّ، وابن خزيمة(٢).
وفي رواية النسائيّ في حديث الصعب رَظُله: ((إنا حرم، لا نأكل الصيد))،
فبيّن العلتين جميعاً، قاله في ((الفتح)).
والحاصل أن الأرجح تحريم لحم الصيد للمحرم إذا صاده الحلال له،
وجوازه إذا لم يصده له، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تكملة]: لا يجوز للمحرم قتل الصيد إلا إن صال عليه، فقتله دفعاً،
فيجوز، ولا ضمان عليه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٨٤٦] ( ... ) - (حَدَّثَنَا بَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْح، وَقُتَيْبَةُ،
جَمِيعاً عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ (ح) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبَّدُ الرَّزَّاقِ،
أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ (ح) وَحَدَّثَنَا حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ،
(١) كذا وقع في ((الكبرى)) للنسائيّ، والمشهور في الرواية: ((أو يصاد)» بألف بعد
الصاد، راجع: ((شرحي على النسائيّ)) ٣٨٧/٢٤.
(٢) لكن الحديث ضعيف، وقد بيّنت ذلك في ((شرح النسائيّ)) ٣٨٥/٢٤ برقم ٢٨٢٨،
فراجعه.

٢٥٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ: أَهْدَيْتُ لَهُ حِمَارَ وَحْشٍ، كَمَا قَالَ مَالِكٌ، وَفِي
حَدِيثِ اللَّيْثِ، وَصَالِحٍ: أَنَّ الصَّعْبَ بْنَ جَثَّمَةَ أَخْبَرَهُ).
رجال هذا الإسناد: اثنا عشر:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح) بن المهاجر التُّجيبيّ المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠]
(ت٢٤٢) (م ق) تقدم في «الإيمان)) ١٦٨/١٦.
٢ - (قُتَيْبَةُ) بن سعيد، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ) بن عبد الرحمن الفهميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ
ثبتٌ فقيهٌ إمام مشهور [٧] (ت١٧٥) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص ٤١٢.
٤ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكِسّيّ، تقدّم في الباب الماضي.
٥ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الْحِمْيريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقة حافظ
مصنّف، تغيّر في الآخر، وكان يتشيّع [٩] (ت٢١١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
٦ - (مَعْمَرُ) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصري، نزيل اليمن،
ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، من كبار [٧] (ت١٥٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
٧ - (حَسَنُّ الْحُلْوَانِيُّ) ابن عليّ بن محمد الْهُذليّ، أبو عليّ الخلّال نزيل مكة،
ثقةٌ حافظٌ له تصانيف [١١] (ت٢٤٢) (خ م د ت ق) تقدم في ((المقدمة)) ٢٤/٤.
٨ - (يَعْقُوبُ) ابن إبراهيم بن سعد الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل
بغداد، ثقةٌ فاضلٌ، من صغار [٩] (ت٢٠٨) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤١/٩.
٩ - (أَبُوهُ) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف
الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حجة [٨] (ت١٨٥) (ع) تقدم
في ((الإيمان)) ١٤١/٩.
١٠ - (صَالِحُ) بن كيسان، تقدّم قبل بابين.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ) أي: كلُّ هؤلاء الثلاثة: الليث بن سعد،
ومعمر بن راشد، وصالح بن كيسان رووه عن الزهريّ بسنده السابق بلفظ:
((أهديتُ له حمار وحش ... )).

٢٥١
(٨) - بَابُ تَحْرِيمِ الصَّيْدِ عَلَى الْمُحْرِمِ - حديث رقم (٢٨٤٦)
بِهَذَا الْإِسْنَادِ: (أَهْدَيْتُ لَهُ حِمَارَ وَحْشٍ، كَمَا قَالَ مَالِكَ، وَفِي حَدِيثٍ
اللَّيْثِ، وَصَالِحٍ: أَنَّ الصَّعْبَ بْنَ جَثَّامَةَ أَخْبَرَهُ).
[تنبيه]: رواية الليث بن سعد، عن الزهريّ هذه ساقها أبو نعيم في
((مستخرجه)) (٢٨٠/٣) فقال:
(٢٧٣١) - حدّثنا أحمد بن يوسف، ثنا أحمد بن إبراهيم بن ملحان، ثنا
يحيى بن بكير، حدّثني الليث بن سعد (ح) وثنا أبو علي بن الصواف،
وحبيب بن الحسن، قالا: ثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، ثنا أحمد بن
يونس (ح) وثنا إبراهيم بن عبد الله، ثنا محمد بن إسحاق، ثنا قتيبة، قالا: ثنا
الليث، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، أنه
أخبره: أن الصعب بن جَثّامة أخبره، أن رسول الله وَّهِ مَرّ بالأبواء، أو بوَدّان،
فأهديتُ له حماراً وحشيّاً، فردّه عليّ رسول الله وَلٍّ، فلما رأى في وجهي
الكراهية، قال: ((إنه ليس بنا رَدُّ عليك، ولكنا حُرُمٌ))، لفظ يحيى بن بكير.
انتھی.
وأما رواية معمر، عن الزهريّ، فساقها الطبرانيّ في ((المعجم الكبير))
(٨٣/٨) فقال:
(٧٤٢٩) - حدّثنا إسحاق بن إبراهيم الدَّبَرَيّ، أنا عبد الرزاق، أنا معمر،
عن الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، عن الصعب بن
جَّامة، قال: مَرَّ بي رسول الله وَ ل، وأنا بالأبواء، فأهدیتُ له حمار وحش،
فرَدّه عليّ، فلما رأى الكراهية في وجهي، قال: ((إنه ليس بنا رَدُّ عليك، ولكنا
ووق
حُرُمٌ)). انتهى.
وأما رواية صالح بن كيسان، عن الزهريّ، فساقها أيضاً الطبرانيّ في
((المعجم الكبير)) (٨٥/٨) فقال:
(٧٤٤٠) - حدّثنا أحمد بن زهير التستريّ، ثنا عبيد الله بن سعد، ثنا
عَمَّي، ثنا أبي، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن
عبد الله بن عتبة، أن عبد الله بن عباس أخبره، أن الصعب بن جَثّامة بن قيس
أخبره، أنه أهدى لرسول الله وَّجُ حمار وحش، وهو بِوَدّان، فَرَدَّه. انتهى، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

٢٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْذَثُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢٨٤٧] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ،
وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، قَالُوا: حَدَّثْنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ:
أَهْدَيْتُ لَهُ مِنْ لَحْمِ حِمَارِ وَحْشٍ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: ابن محمد بن بُكير، تقدّم قريباً.
٣ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: رواية سفيان بن عيينة، عن الزهريّ هذه ساقها البيهقيّ ◌َُّ في
((الكبرى)) (١٩٢/٥) فقال بعد ذكر رواية مالك، وشعيب بن أبي حمزة،
والليث بن سعد، وغيرهم عن الزهري، كما رواه المصنّف هنا، ما نصّه:
وخالفهم ابن عيينة، فرواه كما أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن القاضي،
أنا حاجب بن أحمد، ثنا عبد الرحيم بن منيب، ثنا سفيان، عن الزهريّ، عن
عبيد الله، عن ابن عباس، أخبره الصعب بن جثامة، أنه أهدى إلى النبيّ وَطّ
لحم حمار وحش، فردّه، فرأى الكراهية في وجهه، فقال: ((ليس بنا رَدّ عليك،
ولكنا حُرُمٌ)).
قال البيهقيّ: رواه مسلم في ((الصحيح)) عن يحيى بن يحيى، وأبي بكر بن
أبي شيبة، وعمرو الناقد، عن سفيان، وقال في الحديث: ((أهديت له من لحم
حمار وحش)).
ورواه الحميديّ، عن سفيان، على الصحة كما رواه سائر الناس، عن
الزهريّ.
(٩٧١٠) - أخبرناه أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو بكر بن إسحاق، أنا
بشر بن موسى، ثنا الحميديّ، ثنا سفيان، قال: سمعناه من الزهريّ عَوْداً وبَدْءاً
عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، قال: أخبرني الصعب بن جَّامة،

٢٥٣
(٨) - بَابُ تَحْرِيمِ الصَّيْدِ عَلَى الْمُحْرِمِ - حديث رقم (٢٨٤٨)
قال: مَرّ بي رسول الله وَ طير، وأنا بالأبواء، أو بوَدّان، فأهديت له حمار
وحش، فردّه عليّ، فلما رأى في وجهي الكراهية، قال: ((إنه ليس بنا رَدّ
عليك، ولكنا حُرُمٌ)).
قال: كذا وجدته في كتابي، وهو سماع الحميديّ من سفيان فيما خلا،
ثم اضطرب فيه بعدُ.
أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان، أنا عبد الله بن جعفر، ثنا
يعقوب بن سفيان، قال: قال أبو بكر الحميديّ: وكان سفيان يقول في
الحديث: أهديت لرسول الله والقر لحم حمار وحش، وربما قال سفيان: يَقْطُر
دماً، وربما لم يقل، وكان سفيان فيما خلا ربما قال: حمار وحش، ثم صار
إلی لحم حتى مات. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بهذا أن سفيان بن عيينة كَُّ كان
يضطرب في هذا الحديث، فكان تارة يوافق الجماعة في قوله: ((أهديت له
حمار وحش))، وتارةً يخالفهم، فيقول: ((لحم حمار وحش)).
والحاصل أن أكثر الرواة عن الزهريّ على أنه حمار وحش، ويَحْتَمل أن
تتعدّد الواقعة، ففي بعضها أهدى له حمار وحش، وفي بعضها أهدى لحم
حمار، وقد تقدّم تحقيق ذلك في شرح الحديث الأول، وهي رواية مالك،
فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢٨٤٨] (١١٩٤) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا:
حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ حَبِيبٍ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ،
عَنْ ابْنِ عَبَّاسِ ﴿هَا قَالَ: أَهْدَى الصَّعْبُ بْنُ جَثَّامَةَ إِلَى النَّبِيِّ وَِّ حِمَارَ وَحْشٍ،
وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: (لَوْلَا أَنَّا مُحْرِمُونَ، لَقَبِلْنَهُ مِنْكَ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة :
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (أَبُو مُعَاوِيَّةَ) محمد بن خازم الضرير، تقدّم أيضاً في الباب الماضي.

٢٥٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
٣ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران، تقدّم أيضاً في الباب الماضي.
٤ - (حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ) قيس، ويقال: هند بن دينار الأسديّ مولاهم،
أبو يحيى الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ جليلٌ، لكنه كثير الإرسال والتدليس [٣] (ت١١٩)
(ع) تقدّم في ((المقدّمة)) ١/١.
٥ - (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ) بن هشام الأسديّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو عبد الله
الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ عابدٌ [٣] (ت٩٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٢٩/٥٧.
والباقيان ذُكرا قبله.
والحديث أخرجه (المصنف) هنا [٢٨٤٨/٨] (١١٩٤)، و(أحمد) في
((مسنده)) (٢٨٠/١ و٢٩٠ و٣٣٨ و٣٦٢)، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: ظاهر رواية سعيد بن جبير هذه والتي بعدها أن الحديث من مسند
ابن عبّاس ﴿ه، وقد تقدّم أن الصحيح أنه من مسند الصعب بن جثّامة رَضُه،
كما في روايات عبيد الله بن عبد الله السابقة، وفي بعضها التصريح بأن الصعب
أخبره، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٨٤٩] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاهِ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ،
قَالَ: سَمِعْتُ مَنْصُوراً، يُحَدِّثُ عَن الْحَكَم (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ
بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَن الْحَكَم (ح) وَحَدَّثَنَا
عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، جَمِيعاً عَنْ حَبِيبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ،
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿هَا، فِي رِوَايَةٍ مَنْصُورٍ عَن الْحَكَمِ: أَهْدَى الصَّعْبُ بْنُ جَثَّامَةَ إِلَى
النَّبِيِّ ◌َِّ رِجْلَ حِمَارِ وَحْشٍ، وَفِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ عَن الْحَكَمِ: عَجُزَ حِمَارِ وَحْشٍ،
يَقْطُرُ دَماً، وَفِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ، عَنْ حَبِيبٍ: أُهْدِيَ لِلنَّبِّ ◌َِّ شِقُّ حِمَارٍ وَحْشٍ، فَرَدَّهُ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة عشر:
١ - (الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ) بن طَرْخان التيميّ، أبو محمد البصريّ، يُلقّب
بالظُّفَيل، ثقةٌ، من كبار [٩] (ت١٨٧) وقد جاوز الثمانين (ع) تقدم في
((الإيمان)) ١٠٥/١.

٢٥٥
(٨) - بَابُ تَحْرِيمِ الصَّيْدِ عَلَى الْمُحْرِمِ - حديث رقم (٢٨٤٩)
٢ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) العنبريّ البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٣٧) (خ
م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٧/٣.
٣ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر العنبريّ، أبو المثنّى البصريّ، ثقةٌ
متقنٌّ، من كبار [٩] (ت١٩٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٧/٣.
والباقون إلى حبيب تقدّموا في الباب الماضي، وحبيب ومن بعده ذُكروا
في هذا الباب، و((مَنْصُورٌ)) هو: ابن المعتمر، و((محمد بن جعفر)) هو المعروف
بِغُنْدَر، و((الْحَكَمُ)) هو: ابن ◌ُتيبة.
وقوله: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، جَمِيعاً عَنْ حَبِيبٍ) هكذا النسخ بتقديم ((جميعاً)) على
((عن حبيب))، والظاهر أنه غلط من النسّاخ؛ لأن عادة المصنّف تَخْلَثُ أن يذكر
لفظة ((جميعاً)) بعد راويين قرن بينهما، ولا قرين لشعبة في روايته عن حبيب بن
أبي ثابت، فالصواب ذكرها بعد ((عن حبيب))، فيكون كل من الحكم وحبيب
رويا هذا الحديث عن سعيد بن جبير، فتأمل، والله تعالى أعلم.
والحديث أخرجه (المصنف) هنا [٢٨٤٩/٨] (١١٩٤)، و(النسائي) (٥]
١٨٤)، و(أحمد) في («مسنده)) (٢٨٠/١ و٢٩٠ و٣٤١ و٣٤٥)، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية منصور، عن الحكم، عن سعيد بن جبير هذه ساقها
النسائيّ تَكْتُ في ((الكبرى)) (٣٧١/٢) فقال:
(٣٨٠٥) - أنا محمد بن قُدامة الْمِصّيصيّ، قال: حدّثنا جرير، عن
منصور، عن الحكم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: أَهْدَى
الصعب بن جَّامة إلى رسول الله وَجُ رِجْلَ حمار وحشيّ تقطر دماً، وهو
محرم، وهو بقُدَيد، فرَدّها عليه. انتهى.
وأما رواية شعبة، عن الحكم، عن سعيد، فساقها أبو نعيم في
((مستخرجه)) (٢٨١/٣) فقال:
(٢٧٣٦) - ثنا أبو بكر بن خلاد، ثنا الحارث بن أبي أسامة، ثنا أبو
النضر (ح) وثنا أبو عليّ بن الصّاف، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدّثني
أبي، ثنا غندر، قالا: ثنا شعبة، عن الحكم، عن سعيد بن جبير، عن ابن
عباس؛ أن الصعب أهدى إلى رسول الله وَّه، وهو بقُديد، وهو محرم، عَجُز
حمار، فردّه رسول الله وَله يقطر دماً. انتهى.

٢٥٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
وأما رواية شعبة، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد، فساقها البيهقيّ
في ((الكبرى)) (١٩٣/٥) فقال:
(٩٧١٢) - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو عمرو بن مطر، ثنا
يحيى بن محمد الحنائيّ، ثنا عبيد الله بن معاذ، ثنا أبي، ثنا شعبة، عن حبيب،
سمع سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: أُهْدِيَ للنبيّ ◌َل ◌َهَ شِقُّ حمارٍ وَحْشٍ،
وهو محرم، فردّه. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٨٥٠] (١١٩٥) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ،
عَنِ ابْنِ جُرَيْجِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
قَالَ: قَدِمَ زَيْدُّ بْنُ أَرْقَمَ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُبَّاسٍ يَسْتَذْكِرُهُ: كَيْفَ أَخْبَرْتَنِي عَنْ
لَحْمَ صَيْدٍ، أُهْدِيَ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ، وَهُوَ حَرَامٌ؟ قَالَ: قَالَ: أُهْدِيَ لَهُ عُضْوٌ مِنْ
لَحْمِ صَيْدٍ، فَرَدَّهُ، فَقَالَ: ((إِنَّا لَا نَأْكُلُهُ، إِنَّا حُرُمٌ»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، تقدّم قريباً.
٣ - (ابْنُ جُرَيْج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم في الباب
ء
الماضي.
٤ - (الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِم) بن يَنّاق المكيّ، ثقةٌ [٥] مات بعد المائة بقليل
(ع) تقدم في ((صلاة العيدين) ٢٠٤٤/١.
٥ - (طَاؤُسُ) بن كيسان، تقدّم أيضاً قريباً.
٦ - (زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ) بن زيد بن قيس الأنصاريّ الخزرجيّ الصحابيّ الشهير
مات رَُّبه (٦ أو ٦٨) (ع) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٢٠٨/٧.
و((ابن عبّاس ﴿)) ذُكر قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف ◌َظُّهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له
الترمذيّ.

٢٥٧
(٨) - بَابُ تَحْرِيمِ الصَّيْدِ عَلَى الْمُحْرِمِ - حديث رقم (٢٨٥٠)
٣ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ، وتابعيّ، عن تابعيّ.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه من مشاهير الصحابة ﴿ه، وقد أنزل الله تعالى
بتصديقه ((سورة المنافقون))، وأول مشاهده الخندق، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿١) أنه (قَالَ: قَدِمَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ) بفتح القاف، وكسر
الدال المهملة، ولم يظهر لي من أين، وإلى أين قَدِم؟ فالله تعالى أعلم.
(فَقَالَ لَهُ) أي: لزيد بن أرقم ◌َتُهُ (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ) ﴿ّ؛ وهو
التفات؛ إذ الظاهر أن يقول: فقلت له (يَسْتَذْكِرُهُ) جملة حاليّة من الفاعل؛ أي:
يطلب منه أن يذكر له ما سبق له من الإخبار (كَيْفَ أَخْبَرْتَنِي عَنْ لَحْم صَيْدٍ،
أُهْدِيَ) بالبناء للمفعول (إِلَى رَسُولِ اللهِنَّهِ، وَهُوَ حَرَامٌ؟) جملة حاليّةَ؛ أي:
والحال أنه وَس﴿ محرم (قَالَ) ابن عبّاس ﴿ّه (قَالَ) زيد بن أرقم ◌َظُهُ (أَهْدِيَ)
بالبناء للمفعول، ولم يُعلم المُهدي (لَهُ) وَِّ (عُضْوٌ مِنْ لَحْم صَيْدٍ، فَرَدَّهُ) أي:
ردّ ذلك العضو على صاحبه (فَقَالَ) بَير للمهدي، معتذراً إليه في ردّ هديّته،
وفيه أنه ينبغي الاعتذار لمن امتنع من قبول الهديّة؛ لمانع؛ تطبيباً لقلب المهدي
((إِنَّا) بكسر الهمزة؛ لحكايتها بالقول (لَا نَأْكُلُهُ) أي: لحم الصيد، وقوله: (إِنَّا
حُرُمٌ))) بكسر الهمزة أيضاً جملة تعليليّة لعدم أكلهم له؛ أي: لا نأكل لحم
الصيد؛ لكوننا حُرُماً، بضمّتين: جمع حَرَام؛ أي: محرمین.
[فإن قلت]: هذا الحديث بإطلاقه يشمل المنع من أكل لحم الصيد
للمحرم مطلقاً، سواء صِید له، أم لا .
[قلت]: يُجاب بما سبق من أنه مقيّد بما إذا صاده لأجل المحرم،
فيُحمل هذا الحديث على أن ذلك الرجل الذي أهداه، إنما صاده لأجل
النبيّ ◌َّ، وأصحابه، وهم محرمون؛ جمعاً بين الأحاديث، فتنبّه، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان، تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث زيد بن أرقم ربه هذا من أفراد المصنّف وظّتُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:

٢٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٨٥٠/٨] (١١٩٥)، و(أبو داود) في ((المناسك))
(١٨٥٠)، و(النسائيّ) في ((المناسك)) (١٨٤/٥)، وفي ((الكبرى)) (٣٨٠٣
و٣٨٠٤)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٤٢٦/٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤/
٣٦٧ و٣٦٩ و٣٧١ و٣٧٤)، و(ابن خزيمة) في (صحيحه)) (٢٦٣٩)،
و(الطبرانيّ) في ((المعجم الكبير)) (١٦٤/٥) و(٢٦٤٠)، و(أبو نعيم) في
(مستخرجه)) (٢٨٢/٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٩٤/٥)، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٨٥١] (١١٩٦) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْيَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ صَالِحِ بْنِ
كَيْسَانَ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ
كَيْسَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُحَمَّدٍ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا قَتَادَةَ يَقُولُ:
خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَهِ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْقَاحَةِ، فَمِنَّا الْمُحْرِمُ، وَمِنَّا غَيْرُ الْمُحْرِمِ،
إِذْ بَصُرْتُ بِأَصْحَابِي يَتَرَاءَوْنَ شَيْئاً، فَنَظَرْتُ، فَإِذَا حِمَارُ وَحْشٍ، فَأَسْرَجْتُ فَرَسِي،
وَأَخَذْتُ رُمْحِي، ثُمَّ رَكِبْتُ، فَسَقَطَ مِنِّي سَوْطِي، فَقُلْتُ لِأَصْحَابِي، وَكَانُوا
مُحْرِمِينَ: نَاوِلُونِي السَّوْطَ، فَقَالُوا: وَاللهِ لَا نُعِينُكَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، فَنَزَلْتُ، فَتَنَاوَلْتُهُ،
ثُمَّ رَكِبْتُ، فَأَدْرَكْتُ الْحِمَارَ مِنْ خَلْفِهِ، وَهُوَ وَرَاءَ أَكَمَةٍ، فَطَعَنْتُهُ بِرُمْحِي، فَعَقَرْتُهُ،
فَأَتَيْتُ بِهِ أَصْحَابِي، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كُلُوهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَأْكُلُوهُ، وَكَانَ
النَّبِيُّ وَّهِ أَمَامَنَا، فَحَرَّكْتُ فَرَسِي، فَأَدْرَكْتُهُ، فَقَالَ: ((هُوَ حَلَالٌ، فَكُلُوهُ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء الْبَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠]
(ت٢٤٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥٠/٦.
٢ - (سُفْيَانٌ) بن عيينة، أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ، ثقةٌ ثبتُ حجة
إمام، من كبار [٨] (ت١٩٨) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٨٣.
٣ - (صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ) الغفاريّ مولاهم، أبو محمد المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ
فقيهٌ [٤] مات بعد (١٣٠) أو بعد (١٤٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤١/٩.

٢٥٩
(٨) - بَابُ تَحْرِيمِ الصَّيْدِ عَلَى الْمُحْرِمِ - حديث رقم (٢٨٥١)
٤ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، نزيل مكة، ثقةٌ
[١٠] (ت٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٣١/٥.
٥ - (أَبُو مُحَمَّدٍ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ) نافع بن عبّاس - بموحّدة، ومهملة، أو
تحتانيّة، ومعجمة - الأقرع المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٩٩/٧٧.
٦ - (أَبُو قَتَادَةَ) الحارث، ويقال: عمرو، أو النعمان بن رِبْعيّ بن بُلْدُمة
الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ الشهير، مات رَبُّه سنة (٥٤) على الأصحّ (ع)
تقدم في ((الطهارة)) ٦١٩/١٨.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف نَّثُ، وله فيه إسنادان فصل
بينهما بكتابة (ح).
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه ابن أبي عمر، كما
أسلفته آنفاً .
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من صالح، وهو أيضاً مسلسلٌ
بالتحديث والسماع.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ.
٥ - (ومنها): أن أبا محمد قيل له: مولى أبي قتادة؛ للزومه إياه، وإلا
فهو مولى عقيلة بنت طلق الغفاريّة، وليس له في الكتب السّة إلا هذا الحديث.
٦ - (ومنها): أن صحابيّه من مشاهير الصحابة ﴿٨، وهو فارس
رسول الله وَل﴾، شهد أحداً، وما بعدها، ولم يصحّ شهوده بدراً.
شرح الحديث:
(عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ) أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبًا مُحَمَّدٍ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ) وفي
رواية لأحمد من طريق سعد بن إبراهيم: ((سمعت رجلاً، كان يقال له: مولى
أبي قتادة، ولم يكن مولى))؛ أي: لأبي قتادة، وفي رواية ابن أبي إسحاق، عن
عبد الله بن أبي سلمة، أن نافعاً مولى بني غفار.
قال الحافظ: فتحصّل من ذلك أنه لم يكن مولى لأبي قتادة حقيقةً، وقد

٢٦٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
صرّح بذلك ابن حبان، فقال: هو مولى عقيلة بنت طلق الغفارية، وكان يقال
له: مولى أبي قتادة، نُسب إليه، ولم يكن مولاه.
فَيَحْتَمِل أنه نُسب إليه لكونه كان زوج مولاته، أو للزومه إياه، أو نحو
ذلك، كما وقع لمقسم مولى ابن عباس، والله أعلم. انتهى (١).
(يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا قَتَادَةَ) رَبُه (يَقُولُ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّ) وفي
رواية عبد الله بن أبي قتادة الآتية أن ذلك كان عام الحديبية، وروى الواقديّ أن
ذلك كان في عمرة القضية، والأول أصحّ.
وفي الرواية الآتية من طريق عثمان بن موهَب، عن عبد الله بن أبي
قتادة، عن أبيه، قال: ((خرج رسول الله وَ ل﴿ل حاجّاً، وخرجنا معه ... )). فقال
الإسماعيليّ: هذا غلط، فإن القصّة كانت في عمرة، وأما الخروج إلى الحج
فكان في خلق كثير، وكان كلهم على الجادّة، لا على ساحل البحر، ولعل
الراوي أراد: خرج محرماً، فعبّر عن الإحرام بالحج غلطاً .
قال الحافظ: لا غلط في ذلك، بل هو من المجاز السائغ، وأيضاً فالحجّ
في الأصل قصد البيت، فكأنه قال: خرج، قاصداً للبيت، ولهذا يقال للعمرة:
الحجّ الأصغر، قال: ثم وجدت الحديث من رواية محمد بن أبي بكر المقدّميّ
عن أبي عوانة، بلفظ: ((خرج حاجاً أو معتمراً))، أخرجه البيهقيّ، فتبيّن بهذا أن
الشك فيه من أبي عوانة، وقد جزم يحيى بن أبي كثير بأن ذلك كان في عمرة
الحديبية، وهذا هو المعتمد. انتهى (٢).
[تنبيه]: حاصل قصّة أبي قتادة ◌ُبه هذه أن النبيّ وَّر لما خرج في عمرة
الحديبية، فبلغ الرَّوْحاء - وهي من ذي الحليفة على أربعة وثلاثين ميلاً - أخبروه
بأن عدوّاً من المشركين بوادي غَيقة(٣)، يُخشى منهم أن يقصدوا غرّته، فجهّز
طائفة من أصحابه، فيهم أبو قتادة إلى جهتهم ليأمن شرّهم، فلما أمنوا ذلك
(١) ((الفتح)) ٨٨/٥.
(٢) ((الفتح)) ٩٠/٥.
(٣) بفتح الغين المعجمة، بعدها ياء ساكنة، ثم قاف مفتوحة، ثم هاء، قال السكونيّ:
((هو ماء لبني غفار بين مكة والمدينة، وقال يعقوب: هو قَلِيب لبني ثعلبة يَصُبّ فيه
ماء رضوى، ويصبّ هو في البحر))، قاله في ((المرعاة)) ٣٩٣/٩.