النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
(٥) - بَابُ الْإِهْلَالِ مِنْ حَيْثُ تَنْبَعِثُ الرَّاحِلَةُ - حديث رقم (٢٨١٨)
بحجة عليها، ألا ترى أن ابن عمر ﴿ها لما قال له عُبيد بن جريج: رأيتك
تصنع أشياء لا يصنعها أحد من أصحابك، لم يستوحش من مفارقة أصحابه؛ إذ
كان عنده في ذلك علم من رسول الله ولو، ولم يقل له ابن جريج: الجماعة
أعلم برسول الله وَ﴿ منك، ولعلك وَهِمْتَ كما يقول اليوم مَن لا علم له، بل
انقاد للحقّ إذ سمعه، وهكذا يلزم الجميع، وبالله التوفيق(١).
٦ - (ومنها): ما قاله تَخُّْ أيضاً: وأما قوله في الحديث: ((فقال ابن
عمر: لم أر رسول الله وَّ﴿ يُهِلّ حتى تنبعث به راحلته))، فإن ابن عمر رضيًّا قد
جاء بحجة قاطعة، نَزَعَ بها، وأخذ بالعموم في إهلال رسول الله وَّل، ولم
يخص مكة من غيرها، وقال: لا يُهِلّ الحاج إلا في وقت يتصل له عمله،
وقصده إلى البيت، ومواضع المناسك والشعائر؛ لأن رسول الله وَل* أهلّ،
واتصل له عمله، وقد تابع ابن عمر على إهلاله هذا في إهلال المكي من غير
أهلها جماعة من أهل العلم، كما سيأتي تحقيقه في المسألة التالية - إن شاء الله
تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في وقت الإهلال بالحجّ:
قال الإمام ابن قُدامة تَخْلَقُ: المستحب أن يحرم عقب الصلاة، فإن
حضرت صلاة مكتوبة أحرم عقيبها، وإلا صلى ركعتين تطوعاً، وأحرم عقيبهما،
استَحَبّ ذلك عطاء، وطاوس، ومالك، والشافعيّ، والثوريّ، وأبو حنيفة،
وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر، وروي ذلك عن ابن عمر، وابن عباس
وقد رُوي عن أحمد أن الإحرام عقب الصلاة، وإذا استوت به راحلته،
وإذا بدأ بالسير سواء؛ لأن الجميع قد رُوي عن النبيّ وَّ من طرق صحيحة،
قال الأثرم: سألت أبا عبد الله: أيما أحب إليك: الإحرام في دبر الصلاة، أو
إذا استوت به راحلته؟ فقال: كل ذلك قد جاء، في دبر الصلاة، وإذا علا
البيداء، وإذا استوت به ناقته، فوَسَّع في ذلك كله.
قال ابن عباس : ركب النبيّ وَ﴿ راحلته حتى استوت على البيداء
أهلّ هو وأصحابه، وقال أنس ظُه: لَمّا ركب راحلته، واستوت به أهلّ،
(١) ((التمهيد)) لابن عبد البر ٧٥/٢١ - ٧٦.

١٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
وقال ابن عمر ﴿ها: أهلّ النبيّ وَّ حين استوت به راحلته قائمةً، رواهنّ
البخاريّ.
ثم قال بعد ذكر الاختلاف: وهذا على سبيل الاستحباب، وكيفما أحرم
جاز، لا نعلم أحداً خالف في ذلك. انتهى كلام ابن قُدامة ◌َُّهُ(١).
وقال ابن عبد البرّ تَخُّ بعد ذكر حديث ابن عمر ﴿ه المذكور في الباب
ما نصّه :
وأخذ بالعموم في إهلال رسول الله وَطير، ولم يخص مكة من غيرها،
وقال: لا يُهِلّ الحاج إلا في وقت يتصل له عمله، وقصده إلى البيت، ومواضع
المناسك والشعائر؛ لأن رسول الله وَ ﴿ أهلّ، واتصل له عمله، وقد تابع ابن
عمر على إهلاله هذا في إهلال المكي من غير أهلها جماعة من أهل العلم،
ذَكَر عبد الرزاق قال: حدّثنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن
عباس ﴿يا قال: لا يُهِلّ أحد من مكة بالحج حتى يريد الرواح إلى منى، قال
ابن طاوس: وكان أبي إذا أراد أن يُحرم من المسجد استلم الركن، ثم خرج،
قال ابن جريج: وقال عطاء: إهلال أهل مكة أن يُهِلّ أحدهم حين تتوجه به
دابته نحو منى، فإن كان ماشياً فحين يتوجه نحو منى، قال ابن جريج: قال لي
عطاءٌ: أهلّ أصحاب رسول الله وَ﴿ إذ دخلوا في حجتهم مع النبيّ وَّ عشية
التروية حين توجهوا إلى منى، قال ابن جريج: وأخبرني أبو الزبير، أنه سمع
جابر بن عبد الله، وهو يخبر عن حجة النبيّ ◌َّله قال: فأمرنا بعدما طفنا أن
نُحِل، قال: وإذا أردتم أن تنطلقوا إلى منى فأهلَّوا، قال: فأحللنا من البطحاء.
قال: وفي هذه المسألة مذهب آخر لعمر بن الخطاب ظُه، تابعه عليه
أيضاً جماعة من العلماء.
ذكر مالك في ((الموط)) عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، أن عمر بن
الخطاب قال: يا أهل مكة ما شأن الناس يأتون شُعْئاً، وأنتم مُدَهِّنون؟ أهلُوا
إذا رأيتم الهلال.
وذكر مالك، عن هشام بن عروة، أن عبد الله بن الزبير أقام بمكة تسع
(١) ((المغني)) ٢٢٩/٣ - ٢٣١.

١٨٣
(٥) - بَابُ الْإِهْلَالِ مِنْ حَيْثُ تَنْبَعِثُ الرَّاحِلَةُ - حديث رقم (٢٨١٨)
سنين يُهِلّ بالحج لهلال ذي الحجة، وعروة بن الزبير معه يفعل ذلك.
قال مالك: من أهلّ بمكة من أهلها، ومن كان مقيماً بها من أهل المدينة
وغيرهم، فليؤخر الطواف الواجب بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، حتى
يرجع من منى، ويكون إهلاله من جوف مكة، لا يخرج إلى الحرم، وكذلك
فعل ابن عمر، وأصحاب رسول الله و ﴿ الذين أهلّوا من مكة أخّروا الطواف،
والسعي حتى رجعوا من منى.
وذكر عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن هشام بن عروة قال: أقام عبد الله بن
الزبير تسع سنين يُهِلّ بالحج إذا رأى هلال ذي الحجة، ويطوف بين الصفا
والمروة قبل أن يخرج إلى منى.
قال: وأخبرنا هشام بن حسان، قال: كان عطاء بن أبي رباح يُعجبه إذا
توجه إلى منى أن يُهِلّ، ثم يمضي على وجهه.
وقال عطاء: إذا أحرم عشية التروية، فلا يطف بالبيت حتى يروح إلى
منی.
قال هشام: وقال الحسن: أي ذلك فعل فلا بأس، إن شاء أهلّ حين
يتوجه إلى منى، وإن شاء قبل ذلك، وإن أهلّ قبل يوم التروية، فإنه يطوف
باليت، ويسعى بن الصفا والمروة.
قال أبو عمر: ليس يريد الطواف الواجب؛ لأن الطواف الواجب لا
يكون إلا بعد رمي جمرة العقبة، ولكنه يطوف ما بدا له بالبيت، ويركع إن
شاء، وهو قول مالك أيضاً .
قال أبو عمر: قد روي عن ابن عمر في هذا الباب أنه فعل فيه أيضاً
بقول أبيه، وهو كله واسع جائز لمن فعله، لا يختلف الفقهاء في جواز ذلك.
ذكر عبد الرزاق، عن عبد العزيز بن أبي رَوّاد، عن نافع، قال: أهلّ ابن
عمر مرةً بالحج حين رأى الهلال، ومرةً أخرى بعد الهلال من جوف الكعبة،
ومرة أخرى حين راح منطلقاً إلى منى، قال: وأخبرنا عبيد الله بن عمر، عن
نافع، عن ابن عمر أنه أهلّ بالحج من مكة ثلاث مرات، فذكر مثله، قال:
وأخبرنا معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر مثله، وعن معمر، وابن
جريج، عن خُصَيف، عن مجاهد، عن ابن عمر نحوه، قال مجاهد: فقلت

١٨٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
لابن عمر: قد أهللت فينا إهلالاً مختلفاً، قال: أما أول عام الأول فأخذت
بأخذ أهل بلدي، ثم نظرت فإذا أنا أَدْخُل على أهلي حراماً، وأخرج حراماً،
وليس كذلك كنا نصنع، إنما كنا نُهِل ثم نُقبل على شأننا، قلت: فبأيّ ذلك
نأخذ؟ قال: نُحرِم يوم التروية.
قال: وأخبرنا ابن عيينة، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: إن شاء المكيّ
ألا يحرم بالحج إلا يوم منى فعل، قال: وكذلك إن كان أهله دون الميقات إن
شاء أهلّ من أهله، وإن شاء من الحرم. انتهى كلام ابن عبد البرّ كَّ هُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق من استعراض أقوال أهل العلم
وأدلّتهم في هذه المسألة أن الأرجح هو مذهب ابن عمر رضيها وجماعة، أنه لا
يُحرم إلا حين تنبعث به راحلته، سواء كان مكيّاً أو آفاقيّاً؛ اقتداء
برسول الله وَر، فخير الهدي هدي محمدّ ◌َّ﴾، فتبصّر، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في استلام الأركان:
قال أبو عمر تَخّْلُهُ: السنة التي عليها جمهور الفقهاء أن الركنين اليمانيين
يُستلمان دون غيرهما، وأما السلف فقد اختلفوا في ذلك، فُرُوي عن جابر،
وأنس، وابن الزبير، والحسن، والحسين، أنهم كانوا يستلمون الأركان كلها،
وعن عروة مثل ذلك، واختُلِف عن معاوية، وابن عباس في ذلك، فقال
أحدهما: ليس من البيت شيء مهجور، والصحيح عن ابن عباس أنه كان لا
يستلم إلا الركنين الأسود واليمانيّ، وهما المعروفان باليمانيين، وهي السنة،
وعلى ذلك جماعة الفقهاء، منهم مالك، والشافعيّ، وأبو حنيفة، والثوريّ،
والأوزاعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وداود، والطبريّ.
وحجتهم حديث ابن عمر ﴿ المذكور في الباب، وما كان مثله عن
النبيّ ◌َّ﴿ في ذلك. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن أرجح الأقوال قول من
قال: لا يُستلم من الأركان إلا اليمانيان؛ لعدم ثبوته عن النبيّ وَّر، فتبصّر،
(١) ((التمهيد)) ٨٦/٢١ - ٩٠.
(٢) ((التمهيد)) ٧٦/٢١ - ٧٧.

١٨٥
(٥) - بَابُ الْإِهْلَالِ مِنْ حَيْثُ تَنْبَعِثُ الرَّاحِلَةُ - حديث رقم (٢٨١٩)
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٨١٩] ( .. ) - (حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ،
حَدَّثَنِي أَبُو صَخْرٍ، عَن ابْنِ قُسَيْطٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: حَجَجْتُ مَعَ
عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﴿هَا بَيْنَ حَجِّ وَعُمْرَةٍ ثِنْتَيْ عَشَّرَةَ مَرَّةً، فَقُلْتُ: يَا أَبَا
عَبْدِ الرَّحْمَنِ، لَقَدْ رَأَيْتُ مِنْكَ أَرْبَعَ خِصَالٍ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، بِهَذَا الْمَعْنَى، إِلَّا فِي
قِصَّةِ الْإِهْلَالِ، فَإِنَّهُ خَالَفَ رِوَايَةَ الْمَقْبُرِيِّ، فَذَكَرَهُ بِمَعْنَّى سِوَى ذِكْرِهِ إِيَّاهُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ) نزيل مصر، أبو جعفر السعديّ مولاهم، ثقةٌ
فاضلٌ [١٠] (ت٢٥٣) وله (٨٣) سنةً (م دس ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٥/٢٩.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (أَبُو صَخَّرٍ) ابن أبي المخارق، حُميد بن زياد الْخَرّاط، صاحب
الْعَباء المدنيّ، ثم المصريّ، صدوقٌ يَهِمُ [٦] (ت١٨٩) (بخ م د ت عس ق)
تقدم في (الطهارة)) ٥٥٨/٥.
٤ - (ابْنُ قُسَيْطٍ) - مصغّراً - هو: يزيد بن عبد الله بن قُسيط بن أسامة
الليثيّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ [٤] (ت١٢٢) وله (٩٠) سنةً (ع) تقدم في
((المساجد ومواضع الصلاة)) ٢٠/ ١٣٠١.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ) الفاعل ضمير ابن قُسيط؛ أي: ساق ابن قُسيط
الحديث بمعنى حديث سعيد المقبريّ.
وقوله: (فَإِنَّهُ خَالَفَ رِوَايَةَ الْمَقْبُرِيِّ ... إلخ) سيأتي نصّ ما ذكره ابن قسيط
مخالفاً لرواية المقبري في التنبيه التالي.
وقوله: (فَذَكَرَهُ بِمَعْنَّى سِوَى ذِكْرِهِ إِيَّاهُ) ((ذَكَرَه)) الأول بصيغة الماضي،
وفاعله ضمير ابن قُسيط، والمنصوب ضمير الحديث، وأما ((ذِكْرِه)) الثاني فهو
بصيغة المصدر، وأضيف إليه ((سوى))، وهو نعت لـ ((معنّى))، والضمير المضاف
إليه للمقبريّ، و((إيّاه)) يعود إلى الحديث.

١٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
[تنبيه]: رواية ابن قُسيط، عن عبيد بن جُريج هذه ساقها أبو عَوَانة ◌َظُّ
في ((مسنده)) (٢٧٨/٢) فقال:
وحدّثنا ابن أخي ابن وهب، قال: حدثني عَمِّي، قال: أخبرني أبو
صَخْر، عن يزيد بن قُسيط، عن عُبيد بن جُريج، قال: حججت مع عبد الله بن
عمر بين حجّ وعمرة ثنتا (١) عشرة مرةً، فقلت: يا أبا عبد الرحمن، لقد رأيت
منك أربع خصال، ما رأيتهنّ من أحد من أصحاب رسول الله وس خط ه غيرك قال:
وماذا يا ابن جريج؟ قال: رأيتك إذا أهللتَ، فدخلت العُرُش(٢) قَطَعْت التلبية،
ورأيتك إذا طُفْت بالبيت، كان أكثر ما تَمَسّ من الأركان الركن اليماني،
ورأيتك تَحْتَذِي السِّبْت، وهو محلوق الشعر، ورأيتك تُغَيِّر بالصفرة، فقال:
صدقت يا ابن جريج، خرجت مع رسول الله وَ﴿، فلما دَخَل الْعُرُش قطع
التلبية، فلا تزال تلبيتي حتى أموت، وطُفْتُ معه البيت، فكان أكثر ما يَمَسّ من
الأركان الركن اليماني، فلا أزل أمسّه أبداً، وهذا حذاؤه يا ابن جريج، ولا
أزال أحتذيه، وهذا تغييره يا ابن جريج فلا أزال أغيره أبداً .
قال أبو عوانة: قصة الإهلال مخالفة لقصة سعيد المقبريّ. انتهى.
[تنبيه آخر]: أخرج هذه الرواية أيضاً ابن خزيمة في ((صحيحه)) مع بيان
ما دلّت عليه من الفوائد، ودونك نصّه (٢٠٥/٤):
(٢٦٩٦) - حدّثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، حدّثنا عمي، حدّثني
أبو صخر، عن ابن قُسيط، عن عُبيد بن حُنين(٣) قال: حججت مع عبد الله بن
(١) هكذا النسخة ((ثنتا)) بالألف، وهو على لغة من يُلزِم المثنّى الألف في الأحوال
كلها، فتنبّه .
(٢) أي: بيوت مكة، قال في ((المصباح)) ٢/ ٤٠٢: العَرْشُ: السرير، وعَرْشُ البيت:
سقفه، والْعَرْشُ أيضاً: شِبْهُ بيت من جَرِيد يُجعل فوقه الثُّمام، والجمع عُرُشٌ، مثلُ
فَلْس وفُلُوس، والْعَرِيشُ مثله، وجمعُه عُرُشٌ بضمّتين، مثلُ بَرِيد وبُرُد، وعلى
الثاني: تمتّعنا مع رسول الله وَّهَ، وفلان كافرٌ بالْعُرُش؛ لأن بيوت مكة كانت
عِيداناً تُنْصَب، ويُظلّل عليها، وعلى الأول: وكان ابن عمر يقطع التلبية إذا رأى
عُرُش مكة، يعني البيوت. انتهى.
(٣) هكذا نسخة ((صحيح ابن خزيمة)): ((ابن حُنين)) مكرّراً عدّة مرّات، والظاهر أنه=

١٨٧
(٥) - بَابُ الْإِهْلَالِ مِنْ حَيْثُ تَنْبَعِثُ الرَّاحِلَةُ - حديث رقم (٢٨١٩)
عمر بن الخطاب بين حجة وعمرة اثنتي عشرة مرةً، قال: قلت له: يا أبا
عبد الرحمن، لقد رأيت منك أربع خصال، فذكر الحديث، وقال: رأيتك إذا
أهللت، فدخلت العُرُش، قَطَعت التلبية، قال: صدقت يا ابن حنين، خرجت
مع رسول الله وَّة، فلما دخل العُرُش قطع التلبية، فلا تزال تلبيتي حتى أموت.
قال أبو بكر - هو ابن خزيمة -: قد كنت أرى للمعتمر التلبية حتى يستلم
الحجر، أولَ ما يبتدئ الطواف لعمرته؛ لخبر ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن
ابن عباس ﴿ًا أن رسول الله ولو كان يمسك عن التلبية في العمرة إذا استلم
الحجر.
(٢٦٩٧) - حدّثنا يعقوب بن إبراهيم الدَّوْرَقِيّ، ومحمد بن هشام قالا:
حدّثنا هُشيم، أخبرني ابن أبي ليلى، قال محمد بن هشام: عن ابن أبي ليلى،
قال أبو بكر: فلما تدبرت خبر عبيد بن حنين، كان فيه ما دلّ على أن النبيّ وَله
قد كان يقطع التلبية عند دخول عُرُوش مكة، وخبر عُبيد بن حُنين أثبت إسناداً
من خبر عطاء؛ لأن ابن أبي ليلى ليس بالحافظ، وإن كان فقيهاً عالماً، فأرى
للمحرم كان بحج أو عمرة، أو بهما جميعاً قطع التلبية عند دخول عروش مكة،
فإن كان معتمراً لم يَعُدْ إلى التلبية، وإن كان مفرداً، أو قارناً عاد إلى التلبية
عند فراغه من السعي بين الصفا والمروة؛ لأن فعل ابن عمر كالدالّ على أنه
رأى النبيّ وَّيه قطع التلبية في حجته إلى الفراغ من السعي بين الصفا والمروة.
حدّثناه الربيع بن سليمان، حدّثنا بشر بن بكر، عن الأوزاعيّ، قال: قال
عطاء بن أبي رباح: كان ابن عمر يَدَعُ التلبية إذا دخل الحرم، ويراجعها بعدما
يقضي طوافه بين الصفا والمروة.
(٢٦٩٨) - حدّثنا محمد بن مهديّ العطار، حدّثنا عمرو - يعني ابن أبي
سلمة - حدّثني ابن زَبْر - وهو عبد الله بن العلاء بن زَبْر - حدّثني القاسم بن
محمد، قال: رأيت عبد الله بن عمر يقطع التلبية إذا دخل الحرم، ويعاود إذا
طاف بالبيت، وإذا فرغ من الطواف بين الصفا والمروة.
= تصحيف من «ابن جُريج))، وهو عُبيد بن جُريج المذكور قبلُ، فليُحرّر، وأما عُبيد بن
حُنين فراو آخر مدنيّ من طبقته، فليُتْأمل، والله تعالى أعلم.

١٨٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
قال أبو بكر(١): وأخبار النبيّ وَلي أنه لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة
دالّة على أنه لم يقطع التلبية عند دخوله الحرم قطعاً لم يعاود، سأذكر تلبيته إلى
أن رمى جمرة العقبة في موضعها من هذا الكتاب، إن وفق الله لذلك وشاء.
انتهى كلام ابن خزيمة كَّلُ، وهو بحثٌ نفيسٌ، وسنعود إلى إتمام البحث فيه
في موضعه المناسب له - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢٨٢٠] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ،
عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ ﴿هَا قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ إِذَا وَضَعَ
رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ، وَانْبَعَثَتَّ بِهِ رَاحِلَتُ قَائِمَةً، أَهَلَّ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل بابين.
٢ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) تقدّم قريباً.
٣ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عُمر الْعُمريّ، تقدّم في الباب الماضي.
٤ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر تقدّم قبل باب.
٥ - و(ابن عمر پ) ذُكر قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف تَخْذَلُهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له
الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه ابن عمر ظه أحد
العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة.
(١) هو ابن خزيمة.

(٥) - بَابُ الْإِهْلَالِ مِنْ حَيْثُ تَنْبَعِثُ الرَّاحِلَةُ - حديث رقم (٢٨٢٠)
١٨٩
شرح الحديث:
(عَن ابْنِ عُمَرَ ﴿يَا) أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ إِذَا وَضَعَ رِجْلَهُ) ولفظ
البخاريّ كَّلُ: ((إذا أدخل رجله في الْغَرز، واستوت به ناقته)) (فِي الْغَرْزِ) - بفتح
الغين المعجمة، وسكون الراء، بعدها زاي - هو: ركاب كُور البعير إذا كان من
جِلْد، أو خَشَب، أو حديد، وقيل: هو الكُور مطلقاً؛ كالرِّكاب للسرج(١)، قال
في ((المصباح)): الْغَرْزُ مثالُ فَلْس: ركاب الإبل. انتهى (٢).
(وَانْبَعَثَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ)؛ أي: استوت به قائمةً، وفي الرواية التالية: ((أهلّ
حين استوت به ناقته قائمةً))؛ أي: رفعته مستوياً على ظهرها، فالباء للتعدية،
وقيل: (به)) حال، وكذا قوله: (قَائِمَةً) قاله القاري كَظُّهُ(٣).
(أَهَلَّ مِنْ ذِي الْخُلَيْفَةِ)؛ أي: رفع صوته بالتلبية، ونوى أحد النسكين، أو
كليهما معاً (مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ) أي: من عند مسجد ذي الحليفة، والمراد أنه بدأ
بالإهلال منه، وكان ابن عمر ﴿ يُنكر بذلك على من روى أنه وَّهِ إنما أهلٌ
حين استوى على البيداء.
في مبدإ إهلاله ◌َله . .
وقد اختلفت الروايات عن الصحابة
(فمنها): ما يدلّ على أنه أهلّ في دبر الصلاة في مسجد ذي الحليفة،
كما في رواية ابن عبّاس عند أحمد، والترمذيّ، والنسائيّ، والبيهقيّ، وفي
رواية أبي داود المازني عن ابن حزم(٤).
(١) ((شرح النوويّ)) ٨/ ٩٧.
(٢) ((المصباح المنير)) ٤٤٥/٢.
(٣) ((مرقاة المفاتيح)) ٤٥٠/٥.
(٤) قال أبو محمد بن حزم كَُّ في ((المحلَّى)) ٩٣/٧: نا أحمد بن محمد بن الجسور،
نا أحمد بن الفضل الدينوريّ، نا محمد بن جرير الطبريّ، حدّثني محمد بن
عبد الله بن سعيد الواسطيّ، نا يعقوب بن محمد، نا محمد بن موسى، نا
إسحاق بن سعيد بن جبير، عن جعفر بن حمزة بن أبي داود المازنيّ، عن أبيه،
عن جدّه أبي داود، وهو بدريّ، قال: خرجنا مع رسول الله صلير في الحج، فلما
كان بذي الحليفة صلى في المسجد أربع ركعات، ثم لبى دبر الصلاة، ثم خرج
إلى باب المسجد، فإذا راحلته قائمة، فلما انبعثت به أهلّ، ثم مضى فلما علا
البيداء أهلّ.
=

١٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
(ومنها): ما يدلّ على أنه أهلّ حين استوت به ناقته خارج مسجد ذي
الحليفة عند الشجرة، كما وقع في روايات ابن عمر ﴿ها عند أحمد،
والشيخين، وغيرهم، وفي حديث أنس عند البخاريّ، وأبي داود، والبيهقيّ،
والطحاويّ، وقال الزيلعيّ بعد ذكر حديث أنس: وأخرج - أي البخاريّ - أيضاً
عن عطاء، عن جابر أن إهلال رسول الله ◌َ﴿ من ذي الحليفة حين استوت به
راحلته. انتهى.
(ومنها): ما يدلّ على أنه وَّهِ أهلّ حين استوت به على البيداء؛ أي:
بعدما علا على شَرَف البيداء، كما وقع في روايات ابن عبّاس ظّ أيضاً عند
أحمد، والبخاريّ، ومسلم، والترمذيّ، والطحاويّ، وفي حديث أنس عند
أحمد، والنسائيّ، وأبي داود، وفي حديث سعد بن أبي وقّاص عند أبي داود،
والنسائيّ، والبيهقيّ، والحاكم.
وقد جُمع بين هذه الروايات المختلفة بأن الناس كانوا يأتون أرسالاً،
جماعة بعد أخرى، فرأى قوم شروعه ﴿ في الإهلال بعد الفراغ من صلاته
بمسجد ذي الحليفة، فنقلوا عنه أنه أهلّ بذلك المكان، ثمّ أهلّ لَمّا استقلّت به
راحلته، فسمعه آخرون، فظنّوا أنه شرع في الإهلال في ذلك الوقت؛ لأنهم لم
يسمعوا إهلاله بالمسجد، فقالوا: إنما أهلّ عندما استقلّت به راحلته، ثم روى
كذلك من سمعه يُهلّ على شرف البيداء، وإلى هذا الجمع مال ابن القيّم، حيث
قال: صلى رسول الله ◌َّ﴿ الظهر ركعتين، ثم أهلّ بالحجّ والعمرة في مصلاه،
ثم ركب على ناقته، وأهلّ أيضاً، ثم أهلّ لَمّا استقلّت به على البيداء. انتهى
مختصراً ملخّصاً.
ويؤيّد هذا الجمع ما رواه أحمد، وأبو داود، والحاكم، والبيهقيّ،
والطحاويّ عن سعيد بن جبير قال: قلت لعبد الله بن عباس: يا أبا العباس
عجبت لاختلاف أصحاب رسول الله 18 في إهلال رسول الله الر حين
أوجب، فقال: إني لأعلم الناس بذلك، إنها إنما كانت من رسول الله وليه
حجة واحدة، فمن هناك اختلفوا، خرج رسول الله وثيقة حاجّاً، فلما صلى في
= قال عليّ - هو ابن حزم -: ومن حيث أهلّ أجزأه؛ لأنه فعل، لا أمرٌ. انتهى.

١٩١
(٥) - بَابُ الْإِهْلَالِ مِنْ حَيْثُ تَنْبُعِثُ الرَّاحِلَةُ - حديث رقم (٢٨٢٠)
مسجده بذي الحليفة ركعتيه أوجب في مجلسه، فأهلّ بالحجّ حين فرغ من
ركعتيه، فسمع ذلك منه أقوام، فحفظته عنه، ثم ركب، فلما استقَلّت به ناقته
أهلّ، وأدرك ذلك منه أقوام، وذلك أن الناس إنما كانوا يأتون أرسالاً،
فسمعوه حين استقلت به ناقته يُهِلّ، فقالوا: إنما أهلّ رسول الله وَ ظُ ل حين
استقلت به ناقته، ثم مضى رسول الله وَلّ، فلما علا على شرف البيداء أهلّ،
وأدرك ذلك منه أقوام، فقالوا: إنما أهلّ حين علا على شرف البيداء، وايمُ الله
لقد أوجب في مصلاه، وأهلّ حين استقلت به ناقته، وأهلّ حين علا على
شرف البيداء. انتهى.
قال في ((الفتح)): وقد أزال الإشكال؛ أي: إشكال اختلاف الروايات في
مكان إهلاله 19 ما رواه أبو داود، والحاكم من طريق سعيد بن جبير: قلت
لابن عباس: عجبت ... إلخ، فذكره، ثم قال: فعلى هذا فكان إنكار ابن عمر
على من يخصّ الإهلال بالقيام على شرف البيداء. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قد سلك كثير من العلماء كابن القيّم،
والحافظ، والشوكانيّ، وغيرهم طريقة الجمع بين هذه الأحاديث، ودليلهم
حديث ابن عبّاس المذكور، وفيه نظر لا يخفى؛ لأنه من رواية خُصيف بن
عبد الرحمن، وهو ضعيف، فلا يمكن الجمع بروايته، والحقّ أن الترجيح هو
الأحقّ، فيُقدّم حديث ابن عمر المذكور في الباب على غيره من الأحاديث؛
لكونه أرجح، وقد أجاد أبو محمد بن حزم تَُّ في ذلك، فقال: حديث ابن
عبّاس في طريقه خصيف، وهو ضعيف، وحديث أبي داود الأنصاريّ المازنيّ
من طريق قوم غير مشهورين، والأحاديث الدالّة على إحرامه وَلته بعدما استقلّت
به راحلته، وإحرامه بعد الاستواء على البيداء كلها صحيحة، متّفقٌ على
صحّتها، إلا أن في أحاديث ابن عمر زيادة على حديث جابر، وأنس،
وعائشة ﴿، وهو أنه وَ ﴿ أهلّ من عند مسجد ذي الحليفة حين أدخل رجله
في الْغَرْز، واستقلّت به الراحلة، وهذا صريح في الدلالة على أنه لم يكن عقب
الركوب، ولا في مصلّاه، ولو صحّ حديث ابن عبّاس، وأبي داود لوجب
تقديم العمل به على حديث ابن عمر؛ لما فيه من الزيادة، لكن لَمّا كان حديث
ابن عمر متّفقاً على صحّته، ولم يصحّ حديثهما وجب المصير إليه دونهما، ولَمّا

١٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
كان في حديث ابن عمر زيادة على حديث من سواه ممن اتُّفق على صحّة
روايته، وهي كون الإهلال من عند المسجد، فيكون ذلك قبل الاستواء على
البيداء، وجب العمل به، ويكون من رواه عند الاستواء على البيداء إنما سمعه
حالتئذ يلبّي، فظنّ أن ذلك أول إهلاله.
قال: ويُمكن أن يُقضى بحديث ابن عمر على حديث ابن عبّاس، ويكون
قوله: ((في مصلاه)) زيادة من الراوي ليس من قول ابن عبّاس، ويصدُق على من
أحرم من عند المسجد عند استقلال ناقته به أنه لَمّا فرغ من ركعتيه أهلّ، ولا
يلزم من ذلك التعقيب، وهذا الجمع أولى من إسقاط حديث من أصله، والله
أعلم. انتهى كلام ابن حزم تَُّهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: تحقيق ابن حزم تَّتُ المذكور حسنٌ إلا قوله:
((ويمكن أن يُقضى بحديث ابن عمر ... إلخ))، ففيه نظر لا يخفى، إذ هذا
الجمع فرع الصحّة، وقد سبق أن الحديث ضعيف، فلا حاجة إلى تكلّف
الجمع، بل يُعمل بما اتّفق علی صحّته، وهو حديث ابن عمر ځپًا.
والحاصل أن الأفضل هو الإحرام حين تنبعث به راحلته، ويضع رجله
على الغرز، كما صحّ ذلك عن رسول الله وَله، وقد تقدّم تحقيق هذا، فتبصّر،
والله تعالى وليّ التوفيق.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى بيان مسائله، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تََّتُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢٨٢١] (.) - (وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ،
قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ◌َّا :
أَنَّهُ كَانَ يُخْبِرُ أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ أَهَلَّ حِينَ اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ قَائِمَةً).
(١) راجع: ((المرعاة على المشكاة) ٤٤٨/٩ - ٤٤٩.

١٩٣
(٦) - بَابُ الْمَبِيتِ بِذِي الحُلَيْفَةِ، وَالصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِهَا - حديث رقم (٢٨٢٣)
رجال هذا الإسناد: ستة:
- (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) الحمّال، أبو موسى البغداديّ، ثقةٌ [١٠]
(ت٢٤٣) (م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦١/٦٤.
٢ - (حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ) الأعور المصّيصيّ، ترمذيّ الأصل، نزيل بغداد، ثم
المصّيصة، ثقةٌ ثبتٌ، اختلط بآخره [٩] (ت٢٠٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٩٤.
٣ - (ابْنُ جُرَيْج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم قبل بابين.
٤ - (صَالِحُ بْنٌّ كَيْسَانَ) الغفاريّ مولاهم، أبو محمد المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ
[٤] مات بعد (١٣٠) أو بعد (١٤٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤١/٩.
والباقيان ذُكرا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢٨٢٢] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي
يُونُسُ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﴿يَا
قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، ثُمَّ يُهِلَّ حِينَ تَسْتَوِي بِهِ
قَائِمَةً).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وقد تقدّم نفسه قبل باب، والحديث متّفقٌ عليه، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيِّدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾.
(٦) - (بَابُ الْمَبِيتِ بِذِي الخُلَيْفَةِ، وَالصَّلاَةِ فِي مَسْجِدِهَا)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٨٢٣] (١١٨٨) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ بَحْيَى، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، قَالَ
أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ حَرْمَلَةُ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَن ابْنِ شِهَابٍ؛

١٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَخْبَرَهُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بِ﴿يَا؛ أَنَّهُ قَالَ:
بَاتَ رَسُولُ اللّهِ بَّهِ بِذِي الْحُلَيْفَةِ مُبْدَأَهُ، وَصَلَّى فِي مَسْجِدِهَا).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى) بن حسّان المصريّ المعروف بابن التستريّ،
صدوقٌ تُكلّم في بعض سماعاته، قال الخطيب: بلا حجة [١٠] (ت٢٤٣) (خ
م س ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٤/٨.
٢ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن عمر بن الخطّاب العدويّ، أبو بكر المدنيّ،
شقيق سالم، ثقةٌ [٣] (ت١٠٦) (ع) تقدم في ((صلاة المسافرين)) ١٧٦٠/٢٢.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بِ﴿يَا أَنَّهُ قَالَ: بَاتَ رَسُولُ اللّهِ وَه بِذِي الْحُلَيْفَةِ
مُبْدَأَهُ) قال القاضي عياض رَّثُهُ: هو بفتح الميم، وضمها، والباء ساكنة فيهما؛
أي: ابتداء حجه، و((مبدأه)) منصوب على الظرف؛ أي: في ابتدائه، قال
النوويّ كَّلُهُ: وهذا المبيت ليس من أعمال الحجّ، ولا من سننه، قال
القاضي: لكن من فعله تأسياً بالنبيّ نَّ فحسنٌّ. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: لقد أحسن القاضي تَّتُهُ في قوله هذا، فإن
الاقتداء بالنبيّ ◌َ﴿ فيما فعله، ولا سيّما في المناسك، حيث قال وَلّ :
(لتأخذوا عني مناسككم))، رواه مسلم، فقد أكّد على أصحابه، بل على أمته
كلّهم بأخذ مناسكه وَلَّ، فكلُّ ما فعله، من مبيت، أو غيره فنحن مأمورون
بذلك.
والحاصل أن المستحبّ لمن جاء من ذي الحليفة أن يبيت هناك، ويصلي
في مسجدها، كما بات النبيّ ◌ََّ فيها، وصلّى في مسجدها، ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ
رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَّةُ حَسَنَّةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ اللَّهَ وَأَلْيَوْمَ الْأَخِرَ﴾ الآية [الأحزاب: ٢١]،
وسيأتي تمام البحث في هذا في ((باب التعريس بذي الحليفة)) - إن شاء الله
تعالى -.

١٩٥
(٧) - بَابُ الطِّيبِ لِلْمُحْرِمِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ - حديث رقم (٢٨٢٤)
(وَصَلَّى فِي مَسْجِدِهَا) قيل: يَحْتَمِل أن تكون الصلاة للإحرام، ويَحْتَمل أن
تكون للفرض، والظاهر أنها للفرض؛ لأنه ◌َليق إنما أحرم بعد الفريضة، وفي
حديث أنس ظه: ((أنه * صلى الظهر بالمدينة أربعاً وصلى العصر بذي
الحليفة ركعتين))، متّفقٌ عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر
(المسألة الثانية): في تخريجه:
هذا متّفقٌ عليه.
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٨٢٣/٦] (١١٨٨)، و(البخاريّ) في ((الحجّ))
(١٥٣٢)، و(النسائيّ) في ((المناسك)) (١٢٦/٥)، و(أبو عوانة) في ((مسنده))
(٤٢٦/٢)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٢٧٤/٣)، و(أبو يعلى) في ((مسنده))
(٤١٦/٩)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أُسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(٧) - (بَابُ الطِّيبِ لِلْمُحْرِمِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٨٢٤] (١١٨٩) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، أَخْبَرَنَا(١) سُفْيَانُ، عَنْ
الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﴿َّا قَالَتْ: طَيَّيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ لِحُرْمِهِ حِينَ
أَحْرَمَ، وَلِحِلُّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ) بن الزِّبْرِقان، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم قريباً.
(١) وفي نسخة: ((حدّثنا)).

١٩٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
٣ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم، تقدّم في السند الماضي.
٤ - (عُرْوَةُ) بن الزبير، تقدّم قريباً.
٥ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ◌َّا، تقدّمت أيضاً قريباً.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف نَظُّهُ .
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو
داود.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من الزهريّ، والباقيان مکیّان.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، عن خالته.
٥ - (ومنها): أن عروة أحد الفقهاء السبعة، وعائشة ثقا من المكثرين
السبعة .
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ رَ﴿ّا) أنها (قَالَتْ: طَيِّبْتُ رَسُولَ اللّهِ وَ﴾) وفي رواية القاسم
عنها التالية: (كنت أطيّب رسول اللَّه وَلِ)).
قال وليّ الدين تَخُّْ: حقيقة قولها: ((كنت أطيّب إلخ)) تطييب بدنه، ولا
يتناول ثيابه، وقد دلّ على اختصاص ذلك ببدنه الرواية التي فيها: ((حتى أجد
وبيص الطيب في رأسه، ولحيته))، وقد اتفق الشافعيّة على أنه لا يستحبّ
تطييب الثياب عند إرادة الإحرام، وشذّ المتولي، فحكى قولاً باستحبابه،
وصححه في ((المحرّر))، و((المنهاج))، وفي جوازه خلاف عندهم، والأصحّ
الجواز، فإذا قلنا بجوازه، فنزعه، ثم لبسه، ففي وجوب الفدية وجهان، صحح
البغويّ وغيره الوجوب. انتهى كلام وليّ الدين.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: لا دليل على منع تطييب الثياب عند
الإحرام، والأعجب تصحيح البغويّ وجوب الفدية؛ فأين الدليل على ذلك من
الكتاب، أو السنة، أو الإجماع؟ والله تعالى أعلم.
(لِحُزْمِهِ حِينَ أَحْرَمَ) قال النوويّ تَظَتُهُ: ضبطوا (لِحُرْمِهِ) بضم الحاء
وكسرها، وقد سبق بيانه في ((شرح المقدمة))، والضم أكثر، ولم يذكر الهرويّ

١٩٧
(٧) - بَابُ الطِّيبِ لِلْمُحْرِمِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ - حديث رقم (٢٨٢٤)
وآخرون غيره، وأنكر ثابت الضم على المحدثين، وقال: الصواب الكسر،
والمراد بـ((حِرمه)) الإحرام بالحجّ.
وفيه دلالة على استحباب الطيب عند إرادة الإحرام، وأنه لا بأس
باستدامته بعد الإحرام، وإنما يحرم ابتداؤه في الإحرام، وبهذا قال جماهير
الصحابة، والتابعين، وجماهير المحدثين، والفقهاء، وقال آخرون بمنعه،
وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك، وترجيح الراجح بدليله، في المسألة الرابعة
- إن شاء الله تعالى -.
(وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ)؛ أي: لأجل إحلاله من إحرامه قبل أن
يطوف طواف الإفاضة، وفي رواية عمرة: ((ولحلّه قبل أن يُفِيض))، وللنسائيّ:
((وحين يريد أن يزور البيت))، وله أيضاً: ((ولحلّه بعدما يرمي جمرة العقبة قبل
أن يطوف بالبيت)).
فتبيّن أن المراد طواف الإفاضة، ففيه دلالة لاستباحة الطيب بعد رمي
جمرة العقبة، والحلق، وقبل الطواف، وبهذا قال جماهير العلماء إلا مالكاً،
فإنه كرهه قبل طواف الإفاضة، وهو محجوج بهذا الحديث، وسيأتي تمام
البحث في هذا في ((المسألة الخامسة)) - إن شاء الله تعالى -.
وقال في ((الفتح)): واستُدِلّ به على حل الطيب وغيره من محرمات
الإحرام بعد رمي جمرة العقبة، ويستمر امتناع الجماع ومتعلقاته على الطواف
بالبيت، وهو دال على أن للحج تحللين، فمن قال إن الحلق نسك كما هو قول
الجمهور، وهو الصحيح عند الشافعية يوقف استعمال الطيب وغيره من
المحرمات المذكورة عليه، ويؤخذ ذلك من كونه وَل﴿ في حجته، رَمَى، ثم
حَلَق، ثم طاف، فلولا أن الطيب بعد الرمي والحلق لما اقتصرت على الطواف
في قولها: ((قبل أن يطوف بالبيت)).
قال النووي في ((شرح المهذب)): ظاهر كلام ابن المنذر وغيره أنه لم يقل
بأن الحلق ليس بنسك إلا الشافعيّ، وهو في رواية عن أحمد، وحُكِي عن أبي
يوسف(١).
(١) ((الفتح)) ٤١٩/٤.

١٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
وفي قولها: (وَلِحِلّه) دليل على أنه حصل له تحللٌ، وفي الحجّ تحللان
يحصلان بثلاثة أشياء: رمي جمرة العقبة، والحلق، وطواف الإفاضة مع سعيه،
إن لم يكن سعى عقب طواف القدوم، فإذا فعل الثلاثة حصل التحللان، وإذا
فعل اثنين منهما حصل التحلل الأول؛ أيَّ اثنين كانا، ويحل بالتحلل الأول
جميع المحرمات، إلا الاستمتاع بالنساء، فإنه لا يحل إلا بالثاني، وقيل: يباح
منهنّ غير الجماع بالتحلل الأول، وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة
السابعة - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة هنا هذا متّفق عليه.
[تنبيه]: قال الحافظ أبو عمر تَّتُ ما حاصله: هذا الحديث لم يُختلف
فيه عن عائشة ◌ّا والأسانيد متواترة به، وهي صحاح، وقال الإمام ابن
حزم كْثُ بعد ذكر جُمَل من طرقه عن عائشة ما نصّه: فهذه آثار متواترة،
متظاهرة، رواه عنها عروة، والقاسم، وسالم بن عبد الله، وعبد الله بن
عبد الله بن عمر، وعمرة، ومسروق، وعلقمة، والأسود، ورواه عن هؤلاء
الناسُ الأعلام. انتهى (١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٨٢٤/٦ و٢٨٢٥ و٢٨٢٦ و٢٨٢٧ و ٢٨٢٨
و٢٨٢٩ و٢٨٣٠ و٢٨٣١ و٢٨٣٢ و٢٨٣٣ و٢٨٣٤ و٢٨٣٥ و٢٨٣٦ و٢٨٣٧
و٢٨٣٨ و٢٨٣٩ و٢٨٤٠] (١١٨٩ و١١٩٠)، و(البخاريّ) في ((الغسل)) (٢٦٧
و٢٧٠ و٢٧١) وفي ((الحجّ)) (١٥٣٨ و١٥٣٩) وفي ((اللباس)) (٥٩١٨ و٥٩٢٣)،
و(أبو داود) في ((المناسك)) (١٧٤٥ و١٧٤٦)، و(الترمذيّ) في ((الحج)) (٩١٧)،
و(النسائيّ) في ((المناسك)) (١٣٧/٥) و((الكبرى)) (٣٣٨/٢ و٤٥٨ و٤٥٩)،
و(ابن ماجه) في ((المناسك)) (٢٩٢٦ و٢٩٢٧ و٢٩٢٨ و٣٠٤٢)، و(مالك) في
(١) راجع: ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ٧٤/٥ - ٧٥.

١٩٩
(٧) - بَابُ الطِّيبِ لِلْمُحْرِمِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ - حديث رقم (٢٨٢٤)
((الموطإ)) (٧٢٧)، و(الشافعيّ) في («مسنده)) (١٢٠/١)، و(الحميديّ) في
((مسنده)) (٢١١)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٢٠٧/٣)، و(أحمد) في
(مسنده)) (٣٩/٦ و١٨١ و١٨٦ و٢١٤ و٢٣٨)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٨٠١
و١٨٠٢ و١٨٠٣)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٢٥٨١ و٢٥٨٢ و٢٥٨٣
و٢٩٣٣)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣٢١/٢ و٤١٧)، و(أبو نعيم) في
(مستخرجه)) (٢٧٤/٣ و٢٧٥ و٢٧٦)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٥٢/٨)،
و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (١٦٤/٨)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٤/٥ و١٣٦)
و((الصغرى)) (٥٤٠/٣) و((المعرفة)) (٥٤٣/٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان إباحة الطيب للمحرم عند إرادة إحرامه.
٢ - (ومنها): أنه لا بأس باستدامة الطيب بعد الإحرام، ولا يضرّ بقاء
لونه، ورائحته، وإنما يحرم في الإحرام ابتداؤه، وهو قول الجمهور، وهو
الحقّ، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك في المسألة التالية - إن شاء الله
تعالی ۔.
٣ - (ومنها): استحباب الطيب بعد التحلّل الأول قبل الطواف، وقد نصّ
عليه الشافعيّ، وتابعه أصحابه.
٤ - (ومنها): استحباب الطيب للرجال والنساء مطلقاً؛ لأنه إذا فُعل في
هذه الحالة التي من شأنها الشعث، فغيرها أولى.
٥ - (ومنها): بيان مشروعيّة خدمة المرأة زوجها.
٦ - (ومنها): أنه استُدلّ بقولها: ((كنت أطيّب)) على أن ((كان)) لا تقتضي
التكرار؛ لأنها لم يقع منها ذلك إلا مرّة واحدة، وقد صرّحت في رواية عروة
عنها بأن ذلك كان في حجة الوداع، كذا استدلّ به النوويّ في ((شرح مسلم)).
وتُعُقّب بأن المدّعَى تكراره إنما هو التطيّب، لا الإحرام، ولا مانع من
أن يتكرّر التطيّب لأجل الإحرام مع كون الإحرام مرّة واحدة، ولا يخفى ما
فيه .
وقال النوويّ في موضع آخر: المختار أنها لا تقتضي تكراراً، ولا
استمراراً. وكذا قال الفخر في ((المحصول)). وجزم ابن الحاجب بأنها تقتضيه،

٢٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
قال: ولهذا استفدنا من قولهم: ((كان حاتم يَقري الضيف)) أن ذلك كان يتكرّر
منه .
وقال جماعة من المحقّقين: إنها تقتضي التكرار ظهوراً، وقد تقع قرينة
تدلّ على عدمه، لكن يستفاد من سياقه لذلك المبالغة في إثبات ذلك، والمعنى
أنها كانت تكرر فعل التطيّب لو تكرّر منه فعل الإحرام لما اطّلعت عليه من
استحبابه لذلك، على أن هذه اللفظة لم تتّفق الروايات عنها عليها، فقد حُذفت
في أكثر الطرق، والله تعالى أعلم (١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله هؤلاء الجماعة، من أن ((كان))
تقتضي التكرار إلا لدليل، هو الحقّ، وقد بيّنت ذلك في ((التحفة المرضيّة))،
و((شروحها)) في الأصول، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
٧ - (ومنها): أنه استُدلّ به على حلّ الطيب وغيره، من محرمات الإحرام
بعد رمي جمرة العقبة، ويستمرّ امتناع الجماع، ومتعلقاته على الطواف بالبيت،
وهو دالّ على أن للحجّ تحلّلين، فمن قال: إن الحلق نسك، كما هو قول
الجمهور، وهو الصحيح عند الشافعيّة يوقّف استعمال الطيب وغيره من
المحرّمات المذكورة عليه، ويؤخذ ذلك من كونه ربَّلل في حجته رمى، ثم حلق،
ثم طاف، فلولا أن الطيب بعد الرمي، والحلق لما اقتصرت على الطواف في
قولها: ((قبل أن يطوف بالبيت)). قال النوويّ في ((شرح المهذّب)): ظاهر كلام
ابن المنذر وغيره أنه لم يقل بأن الحلق ليس بنسك إلا الشافعيّ، وهي رواية
عن أحمد، وحكي عن أبي يوسف، والله تعالى أعلم.
٨ - (ومنها): طهارة المسك؛ لقوله في الرواية الآتية: ((كنت أطيّب
النبيّ وَ﴿ ... بطيب فيه مسك))، وهذا مجمع عليه، إلا في قول شاذٌ، لا يُعتدّ
به(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الطيب عند الإحرام:
(١) راجع: ((الفتح)) ١٧٨/٤.
(٢) راجع: ((طرح التثريب في ((شرح التقريب)) ٨٣/٥.