النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ (٣) - بَابُ التَّلْبِيَةِ، وَصِفَتِهَا، وَوَقْتِهَا وقوله: (وَمُهَلُّ أَهْلِ الْعِرَاقِ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ) قال النوويّ تَخْشُهُ: هذا صريح في كونه ميقات أهل العراق، لكن ليس رفع الحديث ثابتاً كما سبق، وقد سبق الإجماع على أن ذات عرق ميقات أهل العراق، ومن في معناهم، قال الشافعيّ تَخْذُ: ولو أَهَلُّوا من العقيق كان أفضل، والعقيق أبعد من ذات عرق بقليل، فاستحبه الشافعيّ؛ لأثر فيه، ولأنه قيل: إن ذات عرق كانت أوّلاً في موضعه، ثم حُوِّلت، وقُرِّبت إلى مكة، والله أعلم. [تنبيه]: (اعلم): أن للحج ميقاتَ مكان، وهو ما سبق في هذه الأحاديث، وميقات زمان، وهو شوال، وذو القعدة، وعشر ليال من ذي الحجة، ولا يجوز الإحرام بالحجّ في غير هذا الزمان، هذا مذهب الشافعيّ، ولو أحرم بالحج في غير هذا الزمان لم ينعقد حجَّاً، وانعقد عمرةً، وأما العمرة فيجوز الإحرام بها وفعلها في جميع السنة، ولا يكره في شيء منها، لكن شرطها أن لا يكون في الحج، ولا مقيماً على شيء من أفعاله، ولا يكره تكرار العمرة في السنة، بل يستحبّ عند الشافعيّة، والجمهور، وكَرِهَ تكرارَها في السنة ابنُ سيرين، ومالك، ويجوز الإحرام بالحجّ مما فوق الميقات أبعد من مكة، سواء دويرة أهله وغيرها، وأيهما أفضل؟ فيه قولان للشافعيّ: أصحهما: من الميقات أفضلُ؛ للاقتداء برسول الله وَّهِ، كذا ذكره النوويّ كَُّهُ، وهو تحقيقٌ حسنٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَّوْفِيقِيّ إِلَّا بِلّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . (٣) - (بَابُ التَّلْبِيَةِ، وَصِفَتِهَا، وَوَقْتِهَا) قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((التلبية)): مصدر لَبّى: إذا قال: لبيك. قال الفيّوميّ تَخْلُهُ: وألبّ بالمكان إلباباً: أقام، ولبّ لبّاً، من باب قتل لغة فيه، وثُنّي هذا المصدر، مضافاً إلى كاف المخاطب، وقيل: لبيك، وسعديك؛ أي: أنا ملازم طاعتك لزوماً بعد لُزوم، وعن الخليل أنهم ثنّوه على جهة التأكيد، وقال: اللبّ: الإقامة، وأصل لبيك: لبّين لك، فحُذفت النون للإضافة، وعن يونس أنه غير مثنى، بل اسم مفرد، يتّصل به الضمير بمنزلة ((على))، و((لدی))، ١٤٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج إذا اتّصل به الضمير، وأنكره سيبويه، وقال: لو كان مثل ((على))، و((لدى)) ثبتت الياء مع المضمر، وبقيت الألف مع الظاهر، وحكي من كلامهم: ((لبّيْ زيد)» بالياء مع الإضافة إلى الظاهر، فثبوت الياء مع الإضافة إلى الظاهر يدلّ على أنه ليس مثل ((على))، و((لدى)). ولبّى الرجل تلبية: إذا قال: لبيك، ولبّى بالحجّ كذلك. قال ابن السكّيت: وقالت العرب: لبّأُتُ بالحجّ بالهمز، وليس أصله الهمز، بل الياء، وقال الفرّاء: وربّما خرجت بهم فصاحتهم حتى هَمَزُوا ما ليس بمهموز، فقالوا: لبّأُتُ بالحجّ، ورثاتُ الميت، ونحو ذلك، كما يتركون الهمز إلى غيره فصاحة، وبلاغة. انتهى كلام الفيّوميّ كَظُّهُ(١). وقال في ((الفتح)): ((التلبية)): مصدر لبّى؛ أي: قال: لبيك، ولا يكون عامله إلا مضمراً. وهو لفظ مثنى عند سيبويه، ومن تبعه. وقال يونس بن حبيب: هو اسم مفرد، وألفه إنما انقلبت ياء لاتصالها بالضمير، كـ((لديّ))، و((عليّ)). وردّ بأنها تقلب ياء مع المظهر. وعن الفرّاء: هو منصوب على المصدر، وأصله لبّاً لك، فتُنّي على التأكيد؛ أي: إلباباً بعد إلباب، وهذه التثنية ليست حقيقية، بل هي للتكثير، أو المبالغة، ومعناه: إجابةً بعد إجابة، أو إجابةً لازمةً. قال ابن الأنباريّ: ثنّوا (لبيك)) كما ثنّوا ((حَنَانيك))؛ أي: تحنناً بعد تحنّن. وقيل: معنى ((لبيك)): اتجاهي، وقصدي إليك، مأخوذ من قولهم: داري تلب دارك؛ أي: تواجهها. وقيل: معناها: مَحَبَّتِي لك، مأخوذ من قولهم: امرأة لبّة: إذا كانت محبّةً ولدها، عاطفة عليه. وقيل: معناها: إخلاصي لك، مأخوذ من قولهم: حسبٌ لباب، إذا كان خالصاً محضاً، ومن ذلك لبّ الطعام، ولُبابه. وقيل: معناها: أنا مقيم على طاعتك، وإجابتك، مأخوذ من قولهم: لبّ الرجلُ بالمكان، وألبّ: إذا أقام فيه، ولزمه. قال ابن الأنباريّ: وبهذا قال الخليل، والأحمر، وقال إبراهيم الحربيّ: معنى ((لبيك)): قرباً منك، وطاعة، والإلباب: القرب. وقال أبو نصر: معناه: أنا مُلبّ بين يديك؛ أي: خاضع. حكى هذه الأقوال القاضي عياض، وغيره. قال الزمخشريّ في ((الفائق)): وهو منصوب على المصدر، للتكثير، (١) ((المصباح المنير)) ٢/ ٥٤٧. ١٤٣ (٣) - بَابُ التَّْبِيَةِ، وَصِفَتِهَا، وَوَقْتِهَا ولا يكون عامله إلا مضمراً، كأنه قال: أُلِبُّ إلباباً بعد إلباب. قال ابن عبد البرّ: ومعنى ((التلبية)): إجابة لله فيما فرض عليهم من حجّ بيته، والإقامة على طاعته، فالمحرم بتلبيته مستجيب لدعاء اللَّه إياه في إيجاب الحجّ عليه، ومن أجل الاستجابة - والله أعلم - لبّى؛ لأن من دُعي، فقال: لبيك، فقد استجاب. ثم قال: وقال جماعة، من أهل العلم: إن معنى التلبية إجابة إبراهيم؛ حين أذّن في الناس بالحجّ. وقال القاضي عياض: قيل: وهذه الإجابة لقوله تعالى لإبراهيم عليّ: ﴿وَأَذِّن فِ النَّاسِ بِالحَجّ﴾ [الحج: ٢٧]. انتھی. قال الحافظ: وهذا أخرجه عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم بأسانيدهم في ((تفاسيرهم)) عن ابن عبّاس، ومجاهد، وعطاء، وعكرمة، وقتادة، وغير واحد، والأسانيد إليهم قويّة، وأقوى ما فيه عن ابن عباس ما أخرجه أحمد بن منيع في ((مسنده))، وابن أبي حاتم من طريق قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عنه، قال: ((لما فرغ إبراهيم؛ من بناء البيت، قيل له: أذّن في الناس بالحجّ، قال: ربّ، وما يبلغ صوتي؟ قال: أذِّن، وعليّ البلاغ، قال: فنادى إبراهيم: يا أيها الناس كتب عليكم الحجّ إلى البيت العتيق، فسمعه من بين السماء والأرض، أفلا ترون أن الناس يجيئون من أقصى الأرض، يُلبّون؟)). ومن طريق ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عبّاس، وفيه: ((فأجابوه بالتلبية في أصلاب الرجال، وأرحام النساء، وأول من أجاب أهل اليمن، فليس حاجٌ يحجّ من يومئذ إلى أن تقوم الساعة إلا من كان أجاب إبراهيم یومئذ». قال ابن المنيّر في ((الحاشية)): وفي مشروعية التلبية تنبيه على إكرام الله تعالى لعباده بأن وفودهم على بيته إنما كان باستدعاء منه ◌َالَ. انتهى ما في ((الفتح)) بزيادة من ((طرح التثريب))(١)، والله تعالى أعلم بالصواب. (١) ((الفتح)) ١٩١/٤ - ١٩٢، و((طرح التثريب)) ٨٩/٥ - ٩٠. ١٤٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَظُّ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨١١] (١١٨٤) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﴿ه؛ أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللهِوَلِهِ: ((لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ، وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ))، قَالَ: وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ ﴿ يَا يَزِيدُ فِيهَا: ((لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ، وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ بِيَدَيْكَ، لَبَّيْكَ، وَالرَّغْبَاءُ(١) إِلَيْكَ وَالْعَمَلُ))). رجال هذا الإسناد: أربعة: وقد تقدّموا قريباً مع بيان لطائفه، وهو (١٧٧) من رباعيّات الكتاب. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ◌َُبِهِ: أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللهِ وَلّى: ((لَبَّيْكَ) تقدم الكلام في اشتقاقها، ومعناها قريباً. (اللَّهُمَّ لَبَّيْك)؛ أي: يا ألله أنا مقيم ببابك إقامة بعد إقامة، ومجيبٌ نداءك إجابةً بعد إجابة، فتثنية ((لبيك)) تفيد التكرار والتأكيد، كما قوله تعالى: ﴿أَرْجِعِ اٌلْصَرَ كَرٍَّ﴾ الآية [الملك: ٤]؛ أي: كرات كثيرة، وتكرار ((لبيك)) لزيادة التأكيد، كما أن دخول جملة ((اللَّهم)) بين المؤكِّد والمؤَّد لذلك أيضاً. (لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ) قيل: إنه استئناف، فيُسْتَحسن الوقف على ((لبيك)) الثانية، كما يُستحسن على الرابعة، قال القاري: التلبية الأولى المؤكدة بالثانية لإثبات الألوهيّة، وهذه بطرفيها لنفي الشركة النّيّة، والمثليّة في الذات والصفات. انتهى(٢) . (إِنَّ الْحَمْدَ) رُوي بكسر الهمزة على الاستئناف، وفتحها على التعليل، وجهان مشهوران لأهل الحديث واللغة، قال الجمهور: والكسر أجود، وحكاه الزمخشريّ عن أبي حنيفة، وابن قُدامة عن أحمد بن حنبل، وحكاه ابن عبد البرّ عن اختيار أهل العربيّة. (١) وفي نسخة: ((والرُّغْبَى)). (٢) راجع: ((المرعاة)) ٤٤٣/٨. ١٤٥ (٣) - بَابُ التَّلْبِيَةِ، وَصِفَتِهَا، وَوَقْتِهَا - حديث رقم (٢٨١١) وقال الخطابيّ: الفتح رواية العامّة، وحكاه الزمخشريّ عن الشافعيّ، وقال ثعلب: الاختيار الكسر، وهو أجود في المعنى من الفتح؛ لأن من كسر جعل معناه: إن الحمد، والنعمة لك على كلّ حال، ومن فتح قال: معناه: لبيك لهذا السبب، وكذا رجّح الكسر ابن دقيق العيد، والنوويّ، قال ابن دقيق العيد: لأنه يقتضي أن تكون الإجابة مطلقة غير معلّلة، وأن الحمد، والنعمة لله على كلّ حال، والفتح يدلّ على التعليل، فكأنه يقول: أجبتك لهذا السبب، والأول أعمّ، وأكثر فائدة. وقال ابن الهمام: الكسر أوجه، ويجوز الفتح، أما الكسر فهو على استئناف الثناء، وتكون التلبية للذات، والفتح على أنه تعليل للتلبية؛ أي: لبيك؛ لأن الحمد والنعمة لك. ومال الباجيّ إلى أنه لا مزيّة لأحد الوجهين على الآخر. وقال ابن عبد البرّ: المعنى عندي واحد؛ لأنه يحتمل أن يكون من فتح الهمزة أراد: لبيك لأن الحمد على كلّ حال، والملك لك، والنعمة وحدك، دون غيرك، حقيقة، لا شريك لك. وتعقّب بأن التقييد ليس في الحمد، وإنما هو في التلبية، فمعنى الفتح تلبيته بسبب أن له الحمد، ومعنى الكسر تلبيته مطلقاً، غير معلّل، ولا مقيّد، فهو أبلغ في الاستجابة للَّه. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أن هذا التعقّب فيه نظر؛ لأن التقييد والإطلاق هنا سواء في المعنى؛ لأن ما قُيّد بما لا حصر له، ولا نهاية، مثل الإطلاق، ولا فرق، فثبوت الحمد للَّه تعالى لا نهاية، ولا حصر له، فالتلبية المقيدة به، كالتلبية المطلقة في المعنى، فما قاله ابن عبد البرّ لا غبار عليه . والحاصل أنه لا فرق في الحقيقة هنا بين الكسر، والفتح، والله تعالى أعلم بالصواب. (وَالنِّعْمَةَ لَكَ) المشهور فيه النصب، قال عياض: ويجوز الرفع على الابتداء، ويكون الخبر محذوفاً والتقدير: إن الحمد لك، والنعمةَ مستقرّة لك، ٠ ١٤٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج قال ابن الأنباريّ: إن شئت جعلت خبر ((إنّ)) محذوفاً، والموجود خبر المبتدإ تقديره: إن الحمد لك، والنعمة مستقرّة لك. (وَالْمُلْك) بالنصب أيضاً على المشهور، ويجوز الرفع، وتقديره: والملك كذلك، قاله الحافظ . وقال الحافظ وليّ الدين: فيه وجهان أيضاً، أشهرهما النصب عطفاً على اسم ((إنّ))، والثاني الرفع على الابتداء، والخبر محذوف؛ لدلالة الخبر المتقدم عليه، ويَحْتَمِل أن تقديره: والملك كذلك. وقال القاري: بالنصب عطف على ((الحمد))، ولذا يستحبّ الوقف عند قوله: ((والملك)). قال ابن المنيّر: قرن الحمد والنعمة، وأفرد ((الملك))؛ لأن الحمد متعلَّق النعمة، ولهذا يقال: الحمد لله على نعمه، فيجمع بينهما، كأنه قال: لا حمد إلا لك؛ لأنه لا نعمة إلا لك، وأما الملك فهو معنى مستقلّ بنفسه، ذُكر لتحقيق أن النعمة كلها للَّه؛ لأنه صاحب الملك، قال القاري: ولا مانع من أن يكون («الملك» مرفوعاً، وخبره قوله: (لَا شَرِيكَ لَكَ))) أي: فيه. (قَالَ) نافع (وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ ﴿مَا يَزِيدُ فِيهَا) أي: على التلبية المذكورة، وقوله: (لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ إلخ) فاعل ((يزيد)) مرفوع محكيّ؛ لقصد لفظه، وقوله: (وَسَعْدَيْك) لا يستعمل إلا بعد ((لبيك))؛ لأنه توكيد له(١)، وقال القاضي عياض تَخْتُ: إعرابها، وتثنيتها كما سبق في (لبّيك))، ومعناه: مساعدةً لطاعتك بعد مساعدة. انتهى. (وَالْخَيْرُ بِيَدَيْكَ) أي: الخير كلّه بيد الله تعالى، ومن فضله (لَبَّيْكَ) أعاده للتأكيد (وَالرَّغْبَاءُ) وفي نسخة: ((والرُّغْبَى)) (إِلَيْكَ) قال وليّ الدين رَّتُهُ: فيه ثلاثة أوجه: فتح الراء، والمدّ، وهو أشهرها، وضمّ الراء مع القصر، وهو مشهور أيضاً، وفتح الراء، مع القصر، وهو غريب، حكاه أبو عليّ الجبائيّ، وغيره، ونظير الوجهين الأولين العَلْياء، والعُلْيا، والنَّعْماء، والنُّعْمَى، ومعنى اللفظة: الطلب، والمسألة؛ أي: إنه تعالى هو المطلوب المسؤول منه، فبيده جميع الأمور، وهو المقصود بالعمل المستحقّ العبادة، (١) راجع: ((حاشية الخضري على الخلاصة)) ١٢/٢. ١٤٧ (٣) - بَابُ التَّلْبِيَةِ، وَصِفَتِهَا، وَوَقْتِهَا - حديث رقم (٢٨١١) قال شَمِر: رَغَبُ النفسِ: سَعَةُ الأمل، وطلب الكثير. انتهى(١). وقوله: (وَالْعَمَلُ)؛ أي: الطاعة، يعني أن العمل كله للَّه تعالى وحده؛ لأنه المستحقّ للعبادة وحده، وفيه حذف يَحْتَمِل أن يقدر کالذي قبله؛ أي: والعمل إليك؛ أي: إليك القصد به، والانتهاء به إليك؛ لتجازي عليه، ويَحْتَمِل أن يقدّر: والعمل لك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر ظه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٨١١/٣ و٢٨١٢ و٢٨١٣ و٢٨١٤] (١١٨٤)، و(البخاريّ) في ((الحجّ)) (١٥٤٩) و(اللباس)) (٥٩١٥)، و(أبو داود) في ((المناسك)) (١٨١٢)، و(الترمذيّ) في ((الحج)) (٨٢٥)، و(النسائيّ) في ((المناسك)) (١٦٠/٥) و((الكبرى)) (٣٥٢/٢ و٣٥٣)، و(ابن ماجه) في ((المناسك)) (٢٩١٨)، و(مالك) في ((الموطًا)) (٧٣٨)، و(الشافعيّ) في ((مسنده)) (٣٠٣/١)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٢٠٣/٣ و٢٠٤ و٢٠٥)، و(الحميديّ) في («مسنده)) (٢٩١/٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣/٢ و٢٨ و٣٤ و٤١ و٤٣ و٤٧ و٤٨ و٧٧ و٧٩ و١٢٠)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٣٤/٢)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (١٧٣/٤ و٢١٤)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣٧٩٩)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤٣١/٢ - ٤٣٢)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٢٧٠/٣ و٢٧١ و٣١٧)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (١١٤/١ و١٢١ و١٢٤)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٢٨٨/٢ و٣٧٩) و((الصغير)) (١/ ١١٠) و((الكبير)) (٤٦/١٧)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٢٤/٤ و٩٣ و١٥٥)، و(عبد بن حميد) في ((مسنده)) (٢٣٨/١ و٣٤١)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (١٢٤/٢ - ١٢٥)، و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (٢٢٥/٢)، و(البيهقيّ) في (١) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ٩٢/٥. ١٤٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج ((الكبرى)) (٤٤/٥) و((الصغرى)) (١٦/٤) و((المعرفة)) (٣/٤ و٤ و٥)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (١٨٦٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان كيفية التلبية. ٢ - (ومنها): أن فيه دلالة على أن مشروعيّة الحجّ لإظهار الفاقة، والتضرع إلى الله تعالى، والابتهال، والثناء، والتوحيد، والتمجيد. ٣ - (ومنها): استحباب الإحرام بعد أداء ركعتين؛ لأنه وَلّ أحرم بعدهما، كما في الرواية التالية. ٤ - (ومنها): أن وقت الإهلال حينما يركب دابته، أو سيارته، أو نحو ذلك، كما يأتي أيضاً في الرواية التالية. ٥ - (ومنها): أن الإحرام يكون عند الميقات المحدّد، لا قبله، ولا بعده؛ إذ لم ينقل عنه ◌َّله التقديم عليه، ولا التأخير عنه، فما قاله بعض أهل العلم من استحباب الإهلال من دُويرة أهله مخالف للسنة قولاً، وفعلاً، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف العلماء في حكم الزيادة على التلبية المذكورة: قال الإمام أبو جعفر الطحاويّ كَُّ بعد إخراجه أحاديث التلبية من حديث ابن عمر، وابن مسعود، وعائشة، وجابر، وعمرو بن معديكرب ﴾: أجمع المسلمون على هذه التلبية، غير أن قوماً قالوا: لا بأس أن يزيد فيها من الذكر للَّه ما أحبّ، وهو قول محمد، والثوريّ، والأوزاعيّ، واحتجّوا بحديث أبي هريرة ربه - يعني الذي أخرجه النسائيّ، وابن ماجه، وصححه ابن حبّان، والحاكم - قال: ((كان من تلبية رسول اللَّه وَله: لبيك إله الحقّ لبيك)). وبزيادة ابن عمر المذكورة هنا . وخالفهم آخرون، فقالوا: لا ينبغي أن يزاد على ما علّمه رسول اللّه وَال الناس، كما في حديث عمرو بن معديكرب، ثم فعله هو، ولم يقل: لبّوا بما شئتم مما هو من جنس هذا، بل علّمهم كما علّمهم التكبير في الصلاة، فكذا لا ينبغي أن يتعدّى في ذلك شيئاً مما علّمه. ثم أخرج حديث عامر بن سعد بن ١٤٩ (٣) - بَابُ التَّلْبِيَةِ، وَصِفَتِهَا، وَوَقْتِهَا - حديث رقم (٢٨١١) أبي وقّاص، عن أبيه، أنه سمع رجلاً يقول: ((لبيك ذا المعارج))، فقال: إنه لذو المعارج، وما هكذا كنا نلبّي على عهد رسول اللَّه وَّر، قال: فهذا سعد قد كره الزيادة في التلبية، وبه نأخذ. انتهى. قال الحافظ: ويدلّ على الجواز ما وقع عند النسائيّ من طريق عبد الرحمن بن يزيد، عن ابن مسعود ظُه قال: ((كان من تلبية النبيّ وَلهير ... ))، فذكره. ففيه دلالة على أنه قد كان يلبّي بغير ذلك، وما رواه مسلم عن ابن أجّ، قال: ((كان عُمر يُهلّ بهذا - يعني تلبية النبيّ وَّر المذكورة في الباب - عمر رضـ ويزيد: لبيك اللَّهم لبيك، وسعديك، والخير كله في يديك، والرغباء إليك، والعمل)). وروى سعيد بن منصور، من طريق الأسود بن يزيد، أنه كان يقول: ((لبيك غفار الذنوب)). وفي حديث جابر الطويل في صفة حجة النبيّ وَل ور: ((حتى إذا استوت به ناقته على البيداء أهلّ بالتوحيد، لبيك اللَّهم لبيك ... إلخ))، قال: ((وأهلّ الناس بهذا الذي يُهّون به، فلم يردّ عليهم شيئاً منه، ولزم تلبيته)). وأخرجه أبو داود من الوجه الذي أخرجه مسلم، قال: ((والناس يزيدون: (ذا المعارج))، ونحوه من الكلام، والنبيّ ◌َّر يسمع، فلا يقول لهم شيئاً))، وفي رواية البيهقيّ: ((ذا المعارج، وذا الفواضل)). وهذا يدلّ على أن الاقتصار على التلبية المرفوعة أفضل لمداومته هو وَله عليها، وأنه لا بأس بالزيادة؛ لكونه لم يردّها عليهم، وأقرّهم عليها . وهو قول الجمهور، وبه صرّح أشهب، وحكى ابن عبد البرّ عن مالك الكراهة، قال: وهو أحد قولي الشافعيّ، وقال الشيخ أبو حامد: حكى أهل العراق عن الشافعيّ - يعني في القديم - أنه كره الزيادة على المرفوع، وغَلِطوا، بل لا يكره، ولا يستحبّ، وحَكَى الترمذيّ عن الشافعيّ، قال: فإن زاد في التلبية شيئاً من تعظيم الله فلا بأس، وأحبُّ إليّ أن يقتصر على تلبية رسول اللَّه وَّر، وذلك أن ابن عمر حفظ التلبية عنه، ثم زاد من قبله زيادة، ونصب البيهقيّ الخلاف بين أبي حنيفة، والشافعيّ، فقال: الاقتصار على المرفوع أحبّ، ولا ضيق على أحد أن يزيد عليها، قال: وقال أبو حنيفة: إن زاد ١٥٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج فحسن، وحَكَى في ((المعرفة)) عن الشافعيّ قال: ولا ضيق على أحد في قول ما جاء عن ابن عمر، وغيره، من تعظيم الله، ودعائه، غير أن الاختيار عندي أن يفرد ما روي عن النبيّ وَّر في ذلك. انتهى. وهذا أعدل الوجوه، فيفرد ما جاء مرفوعاً، وإذا اختار قول ما جاء موقوفاً، أو أنشأه هو من قبل نفسه، مما يليق قاله على انفراده حتى لا يختلط بالمرفوع، وهو شبيه بحال الدعاء في التشهد، فإنه قال فيه: ((ثم ليتخير من المسألة، والثناء ما شاء))؛ أي: بعد أن يفرغ من المرفوع، كما تقدّم ذلك في موضعه. انتهى كلام الحافظ بَله . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي قاله الحافظ تبعاً للإمام الشافعيّ - رحمهما الله تعالى - تحقيق نفيسٌ جدّاً. وحاصله أن الأولى الالتزام بتلبية رسول الله ( 38، فإن زاد مما سبق من زيادة ابن عمر ◌ًا، أو غيره، أو ثناء على الله تعالى بما يليق بجلاله من عند نفسه بعد أن يفرغ من تلبيته و #، فلا بأس، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حقيقة الإحرام في الحجّ والعمرة، وحکمه: (اعلم): أن الإحرام لغة هو الدخول في التحريم، يقال: أحرم الشخص: نوى الدخول في شيء حرُم عليه به ما كان حلالاً له، وهذا كما يقال: أَنْجَد: إذا أتى نجداً، وأَتْهَم: إذا أتى تهامة، قاله الفيوميّ. وشرعاً: نية الدخول في النسك مع التلبية، أو سَوْق الهدي، لا نية أن يحجّ، أو يعتمر، فإن ذلك لا يسمى إحراماً، وكذا التجرّد، وترك سائر المحظورات لكونه محرماً بدونها، قال شيخ الإسلام ابن تيميّة دَّثُهُ: لا يكون الرجل محرماً بمجرّد ما في قلبه من قصد الحجّ ونيته، فإن القصد ما زال في القلب منذ خرج من بلده، بل لا بدّ من قول، أو عمل يصير به محرماً، هذا هو الصحيح من القولين. انتهى. وقال العلامة ابن دقيق العيد تَّهُ: الإحرام: الدخول في أحد النسكين، والتشاغل بأعمالهما، وقد كان شيخنا العلامة أبو محمد بن عبد السلام ١٥١ (٣) - بَابُ التَّلْبِيَةِ، وَصِفَتِهَا، وَوَقْتِهَا - حديث رقم (٢٨١١) يستشكل معرفة حقيقة الإحرام جدّاً، ويبحث فيه كثيراً، وإذا قيل: إنه النيّة اعترض عليه بأن النية شرط في الحجّ الذي الإحرام ركنه، وشرط الشيء غيره، ويعترض على أنه التلبية بأنها ليست بركن، والإحرام ركن، هذا أو قريب منه، وكان يحرم على تعيين فعل تتعلق به النية في الابتداء. انتهى(١). وقال العلامة الشوكاني تَّتُهُ عند قول صاحب ((حدائق الأزهار)): وإنما ينعقد - أي الإحرام - بالنية مقارنة لتلبية، أو تقليد، ما نصّه: أقول: الإحرام هو مصير الشخص من الحالة التي كان يحلّ له فيها ما يحرم عليه بعدها إلى الحالة التي يحرم عليه فيها ما كان يحلّ له فيها، ولو لم يكن إلا مجرّد الكفّ عن محظورات الإحرام لكان ذلك معنى معقولاً لكلّ عاقل، كالصوم فإنه ليس إلا الكفّ عن تناول المفطرات، فمن قال: إنه لا يعقل معنى الإحرام، وإنه ليس هناك إلا مجرّد النية، وإن النية لا تُنوى، وإلا لزم التسلسل، فقد أخطأ خطأ بيّناً، ومعلوم أن الشريعة المطهرة بعضها أوامر، وبعضها نواهٍ، والتعبّد في النواهي ليس إلا بالكفّ، فيلزمه أن يطرد هذا التشكيك الركيك في شطر الشريعة. وأما إيجاب النيّة فقد عرّفناك غير مرّة أن كلّ عمل يحتاج إلى النيّة، والعمل يشمل الفعل، والترك، والقول، والفعل، وعرّفناك أن ظاهر الأدلة يقتضي أن النية شرط في جميع ما تقدّم من العبادات؛ لدلالة أدلّتها على أن عدمها يؤثّر في العدم، وهذا هو معنى الشرط عند أهل الأصول. وأما كون النية تقارن التلبية، فقد ثبت عن رسول اللَّه وَل﴿ في دواوين الإسلام من غير وجه أنه أهلّ ملبياً، وقد قدّمنا لك أن أفعاله، وأقواله في الحجّ محمولة على الوجوب؛ لأنها بيان لمجمل القرآن، وامتثال لأمره وَله لأمته أن يأخذوا عنه مناسكهم، فمن ادَّعى في شيء منها أنه غير واجب، فلا يقبل منه ذلك إلا بدلیل. وأما كونها تقارن التقليد، فلما ثبت عنه وهو في عام الحديبية ((أنه لما (١) راجع: ((مجموع الفتاوى)) ١٠٨/٢٦. ١٥٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج كان بذي الحليفة قلّد الهدي، وأشعره، وأحرم بالعمرة)). انتهى (١). وقال العلامة ابن رشد كَثّثهُ: اتفقوا على أن الإحرام لا يكون إلا بنيّة، واختلفوا هل تجزئ النية فيه من غير تلبية؟ فقال مالك، والشافعيُّ: تجزئ النية من غير تلبية، وقال أبو حنيفة: التلبية في الحج كالتكبيرة في الإحرام بالصلاة، إلا أنه يجزئ عنده كلّ لفظ يقوم مقام التلبية، كما في افتتاح الصلاة عنده. انتھی. وقال العلامة ابن قدامة تَّتُهُ: يستحبّ للإنسان النطق بما أحرم به؛ ليزول الالتباس، فإن لم ينطق بشيء، واقتصر على مجرّد النية كفاه في قول إمامنا، ومالك، والشافعيّ، وقال أبو حنيفة: لا ينعقد بمجرد النية حتى ينضاف إليها التلبية، أو سوق الهدي؛ لحديث خلّاد بن السائب الأنصاري، عن أبيه، عن رسول اللّه وَله، قال: ((أتاني جبريل، فقال: يا محمد مُرْ أصحابك أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية))، رواه الترمذيّ، والنسائيّ وقال الترمذيّ: حديث حسن صحيح. انتهى (٢). وقال صاحب ((المرعاة)): قد تواترت الروايات المصرّحة بأنه وَّ أحرم من ذي الحليفة، وسمى، وعيّن ما أحرم به، من إفراد، أو قران، أو تمتّع، واتفقت على تعيين النسك في التلبية الأولى التي تكون عند عقد الإحرام، وإن اختلفت في نوعه، وصرّحت أيضاً بأنه وَل* لبّى عند ذلك، كما ورد في الروايات، وقال: ((خذوا عني مناسككم))، فعلينا أن نأخذ عنه من مناسكنا الإحرام، والتلبية، والتسمية، وهذا القدر هو الذي قام عليه الدليل، أما كون الإحرام شرطاً، أو ركناً، وكون التلبية مسنونة، أو مستحبّة، أو واجبة يصحّ الحج بدونها، وتجبر بدم، وكذا كون الذكر الدالّ على تعظيم الله سوى التلبية مجزئاً، والتلفّظ بالنيّة، بأن يقول: نويت العمرة، أو نويت الحجّ، أو نويت العمرة، والحجّ، أو اللَّهم إني أريد العمرة، أو الحجّ، أو اللَّهم إني أهلّ، أو أحرم بكذا، فكلّ ذلك لم يرد فيه دليلٌ خاصّ، والخير كله في اتباعه وَّى، (١) راجع: ((السيل الجرّار على حدائق الأزهار)) ١٧١/٢. (٢) راجع: ((المغني)) ٩١/٥ - ٩٢. ١٥٣ (٣) - بَابُ التَّلِْيَةِ، وَصِفَتِهَا، وَوَقْتِهَا - حديث رقم (٢٨١١) فعلى كل من وصل إلى ميقاته، ممن يريد الحج، أو العمرة أن يُحرم، وينوي بقلبه الدخول في النسك الذي يريده، ويعزم عليه بقلبه؛ لقول النبيّ وَله: ((إنما الأعمال بالنّات، وإنما لكلّ امرئ ما نوى))، ويُشرع التلفظ بما نوى كما نقل، فإن كانت نية العمرة، قال: لبيك عمرة، أو اللَّهم لبيك عمرة، وإن كانت نية الحج قال: لبيك حجاً، أو اللَّهم لبيك حجاً؛ لأن النبيّ وَّ فعل ذلك، ولا يشرع التلفظ بما نوى إلا في الإحرام خاصّة؛ لوروده عن النبيّ وَّر، وأما الصلاة، والطواف، والصيام، وغير ذلك من العبادات، فلا ينبغي له أن يتلفّظ بشيء منها بالنية؛ لأن ذلك لم يثبت، ولو كان التلفظ بالنية مشروعاً لبيّنه الرسول وَل﴾، وأوضحه للأمة بفعله، أو قوله، ولَسَبَق إليه السلف الصالح. انتھی . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله صاحب ((المرعاة)) وَخْشُهُ تحقيق نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في حكم التلبية: قال في ((الفتح)): وفيها مذاهب أربعة، يمكن توصيلها إلى عشرة: (الأول): أنها سنة من السنن، لا يجب بتركها شيء، وهو قول الشافعيّ، وأحمد. (ثانيها): واجبة، ويجب بتركها دم، حكاه الماورديّ، عن ابن أبي هريرة، من الشافعيّة، وقال: إنه وجد للشافعيّ نصّاً يدلّ عليه، وحكاه ابن قدامة عن بعض المالكيّة، والخطابيّ عن مالك، وأبي حنيفة، وأغرب النوويّ، فحكى عن مالك أنها سنة، ويجب بتركها دم، ولا يُعرف ذلك عندهم، إلا أن ابن الجلّاب قال: التلبية في الحجّ مسنونة، غير مفروضة. وقال ابن التين: يريد أنها ليست من أركان الحجّ، وإلا فهي واجبة، ولذلك يجب بتركها الدم، ولو لم تكن واجبة لم يجب، وحكى ابن العربيّ أنه يجب عندهم بترك تكرارها دم، وهذا قدر زائد على أصل الوجوب. (ثالثها): واجبة، لكن يقوم مقامها فعل يتعلّق بالحجّ، كالتوجّه على الطريق، وبهذا صدّر ابن شاس، من المالكية كلامه في ((الجواهر)) له، وحكى ١٥٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج صاحب ((الهداية)) من الحنفية مثله، لكن زاد القول الذي يقوم مقام التلبية من الذكر، كما في مذهبهم من أنه لا يجب لفظ معيّن. وقال ابن المنذر: قال أصحاب الرأي: إن كبّر، أو هلّل، أو سبّح، ينوي بذلك الإحرام فهو محرم. (رابعها): أنها ركن في الإحرام، لا ينعقد بدونها، حكاه ابن عبد البرّ عن الثوريّ، وأبي حنيفة، وابن حبيب من المالكيّة، والزبيريّ من الشافعيّة، وأهل الظاهر، قالوا: هي نظير تكبيرة الإحرام للصلاة، ويقوّيه ما تقدّم من بحث ابن عبد السلام عن حقيقة الإحرام، وهو قول عطاء، أخرجه سعيد بن منصور، بإسناد صحيح عنه، قال: التلبية فرض الحجّ. وحكاه ابن المنذر عن ابن عمر، وطاوس، وعكرمة، وحكى النوويّ عن داود أنه لا بدّ من رفع الصوت بها، وهذا قدر زائد على أصل كونها ركناً. انتهى ما في ((الفتح))(١). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: أرجح الأقوال عندي قول من قال بوجوب التلبية في الحجّ، أو العمرة مع رفع الصوت؛ لما أخرجه النسائيّ عن خلاد بن السائب، عن أبيه، عن رسول اللَّه وَ له، قال: ((جاءني جبريل، فقال: يا محمد مُر أصحابك أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية)»، وهو حديث صحيح، والأمر للوجوب. ثم إن هذا الوجوب يحصل بمرة واحدة عند الإحرام، فما زاد على ذلك يكون سنة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨١٢] ( .. ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ؛ يَعْنِي ابْنَ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمٍ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، وَنَافِعٍ مَوْلَى (١) ((الفتح)) ٤ /١٩٤. ١٥٥ (٣) - بَابُ النَّلْبِيَةِ، وَصِفَتِهَا، وَوَقْتِهَا - حديث رقم (٢٨١٢) عَبْدِ اللهِ(١)، وَحَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ(٢)، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﴿يَا؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهـ كَانَ إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتْهُ قَائِمَةً، عِنْدَ مَسْجِدٍ ذِي الْحُلَيْفَةِ أَهَلَّ، فَقَالَ: ((لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ))، قَالُوا: وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَِّا يَقُولُ: هَذِهِ تَلْبِيَةُ رَسُولِ اللهِ وَ، قَالَ نَافِعٌ: كَانَ عَبْدُ اللهِ ◌َهِ يَزِيدُ مَعَ هَذَا: ((لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ بِيَدَيْك ◌َبَّيْكَ، وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ وَالْعَمَلُ))). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ) بن الزِّبْرقان المكيّ، نزيل بغداد، صدوقٌ يَهِمُ [١٠] (ت٢٣٤) (خ م ت س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١٩/٤. ٢ - (حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) الحارثيّ مولاهم، أبو إسماعيل المدنيّ كوفيّ الأصل، صدوقٌ يَهِمُ [٨] (ت٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في ((الصلاة)) ١٠٨٦/٤٢. ٣ - (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بن أبي عيّاش الأسديّ مولاهم المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ إمام في المغازي [٥] (ت١٤١) أو بعد ذلك (ع) تقدم في (الإيمان)) ٤٣٣/٨١. ٤ - (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطّاب، تقدّم في الباب الماضي. ٥ - (حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمر بن الخطّاب المدنيّ، شقيق سالم، ثقة [٣] (ع) تقدم في ((الصلاة)) ٩٤٥/٢٢. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (كَانَ إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ قَائِمَةً) وفي رواية النسائيّ: ((إذا استوت به الناقة قائمةً))؛ أي: اعتدلت قائمة من بروكها . وقوله: (أَهَلَّ) أي: رفع صوته بالتلبية. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. (١) وفي نسخة: ((مولى عبد الله بن عمر)). (٢) وفي نسخة: ((وحمزة بن عبد الله بن عمر)). ١٥٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢٨١٣] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، يَعْنِي ابْنَ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، أَخْبَرَنِي نَافِعُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﴿هَا قَالَ: تَلَقَّفْتُ التَّلْبِيَةَ مِنْ فِي رَسُولِ اللهِ وَ﴾(١)، فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) الْعَنَزيّ، أبو موسى البصريّ المعروف بالزَّمِن، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٥٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢. ٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) بن فَرُّوخ القطّان، أبو سعيد البصريّ الإمام الحجة الناقد الشهير [٩] (ت١٩٨)، تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٨٥. ٣ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر بن حفص العمريّ، تقدّم قريباً. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (تَلَقَّفْتُ التَّلْبِيَةَ) بقاف، ثم فاء؛ أي: أخذتها بسرعة، قال القاضي عياض تَغُّْ: ورُوي ((تلقّنتُ)) بالنون، قال: والأول رواية الجمهور، قال: ورُوي ((تلقّيتُ)) بالياء، ومعانيها متقاربة. انتهى(٢). وقوله: (من في رَسُولِ اللهِ وَ﴿) وفي نسخة: ((من رسول الله وَطاقات). وقوله: (فَذَكَرَ) فاعل ((ذَكَرَ)) ضمير ((عُبيد الله)). وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ) هكذا النسخ بضمير الجمع، والظاهر أنه بضمير التثنية، ويرجع إلى مالك وموسى بن عقبة؛ أي: ذكر عبيد الله عن نافع مثل ما ذكر مالك، وموسى بن عُقبة عنه، فتأمل. ويَحْتَمِل أن يكون جارياً على مذهب من يقول: إن أقل الجمع اثنان، وهو الذي رجّحته في ((التحفة المرضيّة)) في الأصول، فتنبّه، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية عبيد الله بن عمر، عن نافع هذه ساقها ابن ماجه تخلّتُهُ في ((سننه))، فقال: (١) وفي نسخة: ((من رسول الله وَلاغير). (٢) ((إكمال المعلم)) ١٧٨/٤ - ١٧٩. ١٥٧ (٣) - بَابُ التَّلْبِيَةِ، وَصِفَتِهَا، وَوَقْتِهَا - حديث رقم (٢٨١٤) (٢٩٠٩) - حدّثنا عليّ بن محمد، حدّثنا أبو معاوية، وأبو أسامة، وعبد الله بن نُمير، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: تَلَقَّفْت التلبية من رسول الله وَ﴾، وهو يقول: ((لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، قال: وكان ابن عمر يزيد فيها: لبيك لبيك لبيك وسعديك، والخير في يديك لبيك، والرغباء إليك والعمل. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨١٤] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: فَإِنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَخْبَرَنِي، عَنْ أَبِيهِ رَُّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يُهِلُّ مُلَبِّداً، يَقُولُ: ((لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، ◌َبَّيْكَ لَا شَرِبِكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ))، لَا يَزِيدُ عَلَى هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ، وَإِنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﴿مَا كَانَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ لَّهِ يَرْكَعُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنٍ، ثُمَّ إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ النَّاقَةُ قَائِمَةً، عِنْدَ مَسْجِدٍ ذِي الْحُلَيْفَةِ، أَهَلَّ بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ، وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ ﴿ يَقُولُ: يُهِلُّ بِإِهْلَالِ رَسُولِ اللهِ وَلِّهِ مِنْ هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ، كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَيَقُولُ: ((لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ لَبَّيْكَ، وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ وَالْعَمَلُ))). رجال هذا الإسناد: ستة: وقد تقدّم بهذا السياق في الباب الماضي. وقوله: (يُهِلَّ) بضمّ الياء من الإهلال، وهو رفع الصوت بالتلبية. قال النوويّ كَّتُهُ: قال العلماء: الإهلال رفع الصوت بالتلبية عند الدخول في الإحرام، وأصل الإهلال في اللغة رفع الصوت، ومنه استَهَلّ المولود؛ أي: صاح، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ، لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]؛ أي: رُفع ١٥٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج الصوت عند ذبحه بغير ذكر الله تعالى، وسُمِّي الهلال هلالاً؛ لرفعهم الصوت (١) . عند رؤيته. انتهى ووقوله: (مُلَبِّداً) ((التلبيد)) أن يَجْعَل في رأسه صمغاً، أو غيره ليتلبّد شعره؛ أي: يلتصق بعضه ببعض، فلا يتخلَّله غبار، ولا يصيبه الشعث، ولا القمل، وإنما يفعله من يطول مكثه في الإحرام. وقال النوويّ ◌َُّهُ: قال العلماء: التلبيد ضَفْرُ الرأس بالصَّمْغِ، أو الْخِظْميّ وشبههما، مما يضم الشعر، ويُلزِق بعضه ببعض، ويمنعه التَّمَغُّط، والقَمْل، فيستحب؛ لكونه أرفق به. قال: وفيه استحباب تلبيد الرأس قبل الإحرام، وقد نَصّ عليه الشافعيّ وأصحابنا، وهو موافق للحديث الآخر في الذي خَرّ عن بعيره: ((فإنه يُبْعَث يوم القيامة مُلَبَّداً)). انتهى(٢). فجملة قوله: ((يُهلّ)) حال من المفعول، و((ملبّداً)) حال من فاعل ((يهلّ)). ولأبي داود، والحاكم من طريق نافع، عن ابن عمر: ((أنه وَّ لبّد رأسه بالعسل))، قال ابن عبد السلام: يَحْتَمِل أنه بفتح المهملتين، ويَحْتَمِل أنه بكسر المعجمة، وسكون المهملة، وهو ما يُغسل به الرأس، من خطميّ، أو غيره. قال الحافظ: ضبطناه في روايتنا في ((سنن أبي داود)) بالمهملتين. انتهى(٣). (كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهِ يَرْكَعُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنٍ)؛ أي: يصلي ركعتين، والظاهر أنهما صلاة الظهر، قال العلامة ابن القيّم تَّتُهُ: لم يُنقل عنه وَّر أنه صلى للإحرام ركعتين غير فرض الظهر، وقال: المحفوظ أنه إنما أهلّ بعد صلاة الظهر، وقال أيضاً: قد قال ابن عمر ﴿هًا: ما أهلّ رسول اللَّه ◌َلتر إلا من عند الشجرة حين قام به بعيره، وقد قال أنس رضيُبه: إنه صلى الظهر، ثم ركب، والحديثان في ((الصحيح))، فإذا جمعت أحدهما إلى الآخر تبيّن أنه إنما أهلّ بعد صلاة الظهر. انتهى مخلصاً. وقال شيخ الإسلام ابن تيميّة تَخْتُ في ((مناسكه)): يستحبّ أن يُحرم عقب (١) ((شرح النوويّ)) ٨٩/٨. (٣) ((الفتح)) ٤ / ١٨٠. (٢) ((شرح النوويّ)) ٨٩/٨ - ٩٠. ١٥٩ (٣) - بَابُ التَّلْبِيَةِ، وَصِفَتِهَا، وَوَقْتِهَا - حديث رقم (٢٨١٤) صلاة، إما فرض، وإما تطوّع، إن كان وقت تطوّع، في أحد القولين، وفي الآخر: إن كان يصلّي فرضاً أحرم عقبه، وإلا فليس للإحرام صلاة تخصّه، وهذا أرجح. انتهى. وقال النوويّ كَّلُهُ: فيه استحباب صلاة الركعتين عند إرادة الإحرام، ويصليهما قبل الإحرام، ويكونان نافلة، هذا مذهبنا، ومذهب العلماء كافّة، إلا ما حكاه القاضي وغيره عن الحسن البصريّ أنه استحب كونهما بعد صلاة فرض، قال: لأنه روي أن هاتين الركعتين كانتا صلاة الصبح، والصواب ما قاله الجمهور، وهو ظاهر الحديث، قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: وهذه الصلاة سنة لو تركها فاتته الفضيلة، ولا إثم عليه، ولا دم، قال أصحابنا: فإن كان إحرامه في وقت من الأوقات المنهيّ فيها عن الصلاة لم يصلّهما، هذا هو المشهور، وفيه وجه لبعض أصحابنا أنه يصليهما فيه؛ لأن سببهما إرادة الإحرام، وقد وُجد ذلك. انتهى(١). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي الأرجح أن يفعل كما فعل رسول الله وَّر، وهو ما ذكره ابن عمر ﴿ه في حديثه هذا، حيث قال: ((كان النبيّ وَّ﴿ يركع بذي الحليفة ركعتين))، لكن إن كان ذلك الوقت وقت صلاة الفرض يكفيه ذلك عن الركعتين؛ لأنه حصلت السنّة، كما أوضحه أنس عنه في حديثه المذكور. والحاصل أنه يُستحبّ لمن يريد الإحرام أن يصلي ركعتين فرضاً كانتا، أم نفلاً، فتأمّل، والله تعالى أعلم. وقوله: (أَهَلَّ بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ)؛ أي: بكلمات التلبية التي مرّ بيانها في حديث ابن عمر خيتا في الباب. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. (١) ((شرح النوويّ)) ٩٢/٨ - ٩٣. ١٦٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْذَثُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨١٥] (١١٨٥) - (وَحَدَّثَنِي عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْيَمَامِيُّ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ، يَعْنِي ابْنَ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو زُمَيْلِ، عَن قَالَ: كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَقُولُونَ: لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، قَالَ: فَيَقُولُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((وَيْلَكُمْ قَدْ قَدْ»، فَيَقُولُونَ: إِلَّا شَرِيكاً هُوَ لَكَ، تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ، يَقُولُونَ هَذَا، وَهُمْ يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبَرِيُّ) أبو الفضل البصريّ، ثقةٌ حافظٌ، من كبار [١١] (ت٢٤٠) (خت م٤) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤١/٣٤. ٢ - (النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْيَمَامِيُّ) الْجُرَشيّ، أبو محمد مولى بني أمية، ثقةٌ له أفراد [٩] (خ م د ت ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤١/٣٤. ٣ - (عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ) الْعِجليّ، أبو عمّار اليماميّ، بصريّ الأصل، ثقةٌ، في روايته عن يحيى بن أبي كثير اضطراب [٥] مات قبيل (١٦٠) (خت م س ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٥/١٢. ٤ - (أَبُو زُمَيْلِ) - بضمّ الزاي مصغّراً - سماك بن الوليد الْحَنفيّ اليماميّ، ء ثم الكوفيّ، ثقة [٣] (بخ م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤١/٣٤. ٥ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) البحر الحبر ﴿ّ، تقدّم في الباب الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف وَّلُهُ . ٢ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالتحديث. ٤ - (ومنها): أن فيه ابن عبّاس ظها أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة .