النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
(٢) - بَابُ مَوَاقِيتِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ - حديث رقم (٢٨٠٣)
ذهب الجمهور إلى أن أهل مكة يجب عليهم الخروج إلى أدنى الحلّ؛
كالتنعيم، عملاً بقصّة عائشة ﴿ّا، حيث أمرها النبيّ وَلهم بالخروج إلى التنعيم
للعمرة.
قال الإمام أبو محمد بن حزم تَّتُهُ: ومن أراد العمرة - وهو بمكة - إما
من أهلها، أو من غير أهلها، ففَرْضٌ عليه أن يخرج للإحرام بها إلى الحلّ،
ولا بدّ، فيخرج إلى أي الحلّ شاء، ويهلّ بها؛ فلأن رسول الله وَظله أمر
عبد الرحمن بن أبي بكر بالخروج من مكة إلى التنعيم ليعتمر بها منه،
واعتمر علَّله من الجعرانة، فوجب ذلك في العمرة خاصّة. انتهى(١).
وقال العلامة ابن قدامة عند قول الخرقيّ - رحمهما الله تعالى -: ((وأهل
مكة إذا أرادوا العمرة، فمن الحلّ، وإذا أرادوا الحجّ فمن مكة)) ما حاصله:
أهل مكة من كان بها، سواء كان مقيماً بها، أو غير مقيم؛ لأن كلّ من أتى
على ميقات كان ميقاتاً له، فكذلك كلّ من كان بمكة، فهي ميقاته للحجّ؛ وإن
أراد العمرة، فمن الحلّ، لا نعلم في هذا خلافاً، ولذلك أمر النبيّ وَيه
عبد الرحمن بن أبي بكر أن يُعمر عائشة ﴿نا من التنعيم. متّفق عليه، وكانت
بمكة يومئذ، والأصل في هذا قول النبيّ وَله: ((حتى أهل مكة يهلّون منها))،
يعني للحج، وقال أيضاً: ((ومن كان أهله دون الميقات، فمن حيث يُنشئ،
حتى يأتي ذلك على أهل مكة))، وهذا في الحج، فأما في العمرة فميقاتهم في
حقّهم الحلّ، من أي الجوانب شاء؛ لأن النبيّ وَلّ أمر بإعمار عائشة من
التنعيم، وهو أدنى الحلّ إلى مكة.
وقال ابن سيرين: بلغني أن النبيّ بٍَّ وقّت لأهل مكة التنعيم.
وقال ابن عبّاس طيّ: يا أهل مكة من أتى منكم العمرة، فليجعل بينه
وبينها بطن محسّر، يعني إذا أحرم بها من ناحية المزدلفة.
وإنما لزم الإحرام من الحلّ ليجمع في النسك بين الحلّ والحرم، فإنه لو
أحرم من الحرم لَمَا جمع بينهما فيه؛ لأن أفعال العمرة كلها في الحرم،
(١) راجع: ((المحلّى)) ٩٨/٧ - ٩٩.

١٢٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
بخلاف الحجّ، فإنه يفتقر إلى الخروج إلى عرفة، فيجتمع له الحلّ والحرم،
والعمرة بخلاف ذلك.
ومن أيّ الحلّ أحرم جاز، وإنما أعمر النبيّ وَلّ عائشة من التنعيم لأنه
أقرب الحلّ إلى مكة. انتهى كلام ابن قدامة كَذَتُهُ(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن ميقات أهل مكة
للعمرة هو الحلّ، سواء كان التنعيم، أو غيره، فيكون معنى قوله وَليقول: ((حتى
أهل مكة من مكة للحجّ والعمرة)) محمول على الحج المفرد، والقران، لا على
العمرة، بدليل عمرة عائشة رضيها من التنعيم؛ ولم يخالف في هذا أحد من أهل
العلم.
وأما ما قاله الصنعاني - بعد أن نقل كلام المحبّ الطبريّ أنه لا يعلم
أحداً جعل مكة ميقاتاً للعمرة في حقّ المكيّ -: ما حاصله جوابه أنه وَلّ جعلها
ميقاتاً لها بهذا الحديث، ثم ذكر أثر ابن عباس المتقدم، وقوله أيضاً: ((من أراد
من أهل مكة أن يعتمر خرج إلى التنعيم، ويجاوز الحرم))، قال: فأجاب عنه
بأنها آثار موقوفة لا تقاوم المرفوع.
قال: وأما ما ثبت من أمره وَلّ لعائشة بالخروج إلى التنعيم لتحرم بعمرة،
فلم يُرد إلا تطييب قلبها بدخولها إلى مكة معتمرة كصواحباتها إلى آخر كلامه،
فجوابه كما يلي:
أما قوله: جوابه أنه وَلّ جعلها ميقاتاً إلخ، فجوابه نعم، إنه رَّقو جعلها
ميقاتاً للمفرد بالحج، وللقارن، وأما العمرة فجعل الحلّ ميقاتاً لها، بدليل
حديث عائشة ينا، يؤيد ذلك أثر ابن عباس ظه، وما أخرجه الفاكهيّ وغيره
عن محمد بن سيرين، قال: بلغنا: ((أن رسول الله وَل وقّت لأهل مكة
التنعيم))، وعن عطاء قال: من أراد العمرة ممن هو من أهل مكة أو غيرها،
فليخرج إلى التنعيم، أو إلى الجعرانة، فليُحرم منها .
وأثر ابن سيرين وإن كان مرسلاً إلا أنه اعتضد بقول ابن عباس، وبقول
أهل العلم كافّة، كما تقدم عن المحبّ الطبريّ أنه لا يعلم في ذلك خلافاً،
(١) راجع: ((المغني)) ٥٩/٥ - ٦٠.

١٢٣
(٢) - بَابُ مَوَاقِيتِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ - حديث رقم (٢٨٠٣)
والمرسل إذا اعتضد يكون حجة، كما هو معلوم في مصطلح أهل الحديث.
وأما قوله: إنه ◌َ﴿ أعمر عائشة من التنعيم تطبيباً لقلبها، فمما لا ينبغي
لمثله أن يقوله، فهل النبيّ وَهُ يطيّب قلبها بخلاف ما شرعه الله تعالى؟ كلّا،
ثم كلّا، فلو لم يكن الاعتمار من التنعيم هو المشروعَ لَمَا أمرها به.
وحاصل أمر عائشة ها، أنها ممن شمله التوقيت المتقدّم؛ لأننا إن قلنا :
إنها آفاقية، فميقاتها ذو الحليفة، وإن قلنا: إنها مكية - وهو الحقّ؛ لأن قوله واليقول:
((حتى أهل مكة من مكة)) يشمل المقيم بها، والوارد إليها، بدليل أن الصحابة
الذين فسخوا الحج بعمل العمرة من أهل المدينة أهلّوا من مكة بأمره وَليه -
فميقاتها مكة، فلما أمرها بالإحرام من التنعيم علمنا أن ميقات أهل مكة للعمرة
هو الحلّ، وإنما لم نقل بتعيّن التنعيم ميقاتاً، لقول عائشة ﴿ّا، كما رواه
الطحاويّ، من طريق ابن أبي مليكة عنها، أنها قالت: ((وكان أدنانا من الحرم
التنعيم، فاعتمرت منه))، فدلّ على أن المقصود هو الخروج إلى الحلّ مطلقاً.
والحاصل أن ميقات أهل مكة للعمرة المفردة من التنعيم، أو غيره من
الحلّ، لا يجوز غير ذلك، وأما المفرد بالحجّ، أو القارن، فميقاتهم مكة؛
عملاً بما صحّ لدينا من الأحاديث في كلّ ذلك، دون أن يكون هناك اختلاف
بينها، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: اختلفوا هل يتعيّن التنعيم لمن اعتمر من مكة؟ قال
الطحاويّ تَّلُهُ: ذهب قوم إلى أنه لا ميقات للعمرة لمن بمكة إلا التنعيم، ولا
ينبغي مجاوزته، كما لا ينبغي مجاوزة المواقيت التي للحجّ.
وخالفهم آخرون، فقالوا: ميقات العمرة الحلّ، وإنما أمر النبيّ ◌َيل
عائشة بالإحرام من التنعيم؛ لأنه كان أقرب الحلّ من مكة، ثم روى من طريق
ابن أبي مليكة عن عائشة في حديثها، قال: ((وكان أدنانا من الحرم التنعيم،
فاعتمرت منه))، فثبت بذلك أن ميقات مكة للعمرة الحلّ، وأن التنعيم وغيره في
ذلك سواء. ذكره في ((الفتح))(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(١) ((الفتح)) ٤/ ٤٤٣.

١٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَذَتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٨٠٤] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ،
حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ طَاؤُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿ًّا؛ أَنَّ
رَسُولَ اللهِ وَّهِ وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْخُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَّةَ، وَلِأَهْلِ
نَجْدٍ قَرْنَ الْمَنَازِلِ، وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ، وَقَالَ: ((هُنَّ لَهُمْ، وَلِكُلِّ آتٍ أَتَى عَلَيْهِنَّ،
مِنْ غَيْرِهِنَّ، مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ، فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَاً،
حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (يَحْيَى بْنُ آدَمَ) بن سليمان الأمويّ مولاهم، أبو زكريّا الكوفيّ، ثقةٌ
حافظٌ فاضلٌ، من كبار [٩] (ت٢٠٣) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٤/٤.
٣ - (وُهَيْبُ) بن خالد بن عجلان الباهليّ مولاهم، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ
ثبتٌ، تغيّر قليلاً بآخره [٧] (ت١٦٥) أو بعدها (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة))
جـ٢ ص ٤١٣.
٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ طَاوُسٍ) بن كيسان، أبو محمد اليمانيّ، ثقةٌ فاضلٌ عابدٌ
[٦] (ت١٣٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
والباقيان ذكرا قبله.
وقوله: (وَقَالَ: هُنَّ لَهُمْ) أي: المواقيت المذكورة لأهل البلاد المذكورة،
ووقع في رواية أخرى بلفظ: ((هنّ لهنّ)) أي: المواقيت للجماعات المذكورة،
أو لأهلهن على حذف المضاف، والأول هو الأصل، ووقع أيضاً بلفظ: ((هنّ
لأهلهنّ))، وقوله: ((هنّ)) ضمير جماعة المؤنث، وأصله لمن يعقل، وقد استُعْمِل
فيما لا يعقل، لكن فيما دون العشرة، قاله في (الفتح)) (١).
وقوله: (وَلِكُلِّ آتٍ أَتَى عَلَيْهِنَّ، مِنْ غَيْرِهِنَّ) ولكلّ من أتى عليهنّ أي:
على المواقيت من غير أهل البلاد المذكورة.
(١) ((الفتح) ٣٩٦/٥.

١٢٥
(٢) - بَابُ مَوَاقِيتِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ - حديث رقم (٢٨٠٤)
وقوله: (مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ) فيه دلالة على جواز دخول مكة بغير
إحرام.
وقوله: (وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ) أي: بين الميقات ومكة.
وقوله: (فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ) أي: فميقاته من حيث أنشأ الإحرام؛ إذ السفر
من مكانه إلى مكة، وهذا متفق عليه، إلا ما رُوي عن مجاهد أنه قال: ميقات
هؤلاء نفس مكة.
وقال القرطبيّ تَخَُّ: قوله: ((فمن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ))؛ أي:
من كان منزله دون المواقيت إلى مكة فيحرم من منزله، فخفف عنه الخروج إلى
الميقات، وحينئذ يصير منزله ميقاتاً خاصّاً به؛ إذا ابتدأ الإحرام منه، فلو مرَّ من
منزله بعد المواقيت بميقات من المواقيت المعينة العامة، وهو يريد الإحرام،
وجب عليه أن يحرم منه، ولا يؤخر الإحرام إلى بيته لقوله وَيقول: ((هن لهن،
ولكل آت أتى عليهن من غيرهن))، ويخالف هذا من كان ميقاته الجحفة ومرَّ
بذي الحليفة؛ فإن له أن يؤخر الإحرام إلى الجحفة؛ لأن الجحفة ميقات
منصوب نصباً عاماً، لا يتبدل، بخلاف المنزل، فإنه إضافي، يتبدل بتبدل
الساكن، فانفصلا، والله تعالى أعلم. انتھی(١).
وقوله: (حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ) يجوز في ((أهلِ)) الرفع والجرّ، كما
سبق .
وقال القرطبيّ تَخُّْ: قوله: ((حتى أهل مكة من مكة))؛ يعني: أنهم يهلون
منها، ولا يخرجون إلى ميقات من المواقيت المذكورة، فأما الإحرام بالحج
فيصح من البلد نفسه ومن أي موضع كان من الحل أو الحرم، وأما العمرة
فلا بدَّ فيها من الجمع بين الحل والحرم. انتهى (٢).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(١) ((المفهم)) ٢٦٤/٣ - ٢٦٥.
(٢) ((المفهم» ٢٦٥/٣.

١٢٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَغُّْ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٨٠٥] (١١٨٢) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ،
عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﴿َ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَالَ: ((يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي
الْحُلَيْفَةِ، وَأَهْلُ الشَّامِ مِنَ الْجُحْفَةِ، وَأَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرٍْ)). قَالَ عَبْدُ اللهِ: وَبَلَغَنِي
أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: ((وَيُهِلُّ أَهْلُ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ))).
رجال هذا الإسناد: أربعة، وقد تقدّم نفس السند في الباب الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف لَّفُهُ، وهو
(١٧٥) من رباعيّات الكتاب.
شرح الحديث:
(عَنْ ابْنِ عُمَرَ طَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﴿ ﴿ قَالَ) أي: بعد أن سأله سائل عن
محلّ الإهلال، ففي رواية النسائيّ، من طريق الليث، عن نافع: ((أن رجلاً قام
في المسجد، فقال: يا رسول اللّه، من أين تأمرنا أن نُهلّ؟ قال رسول الله يَّه:
(يُهلّ أهل المدينة من ذي الحليفة ... )).
(يُهِلُّ) بضمّ الياء، من الإهلال، يقال: أهلّ المحرم: إذا رفع صوته
بالتلبية، وكلّ من رفع صوته، فقد أهلّ إهلالاً، واستَهَلّ استهلالاً، بالبناء
للفاعل فيهما. قاله في ((المصباح)).
وهو خبر بمعنى الأمر؛ لأن خبر الشارع آكد في الطلب من الأمر، والمراد
به أنه لا يقدّم الإهلال، ولا يؤخّر عن هذه المواقيت، وبهذا قال بعض أهل
العلم، وهو الراجح عندي كما تقدّم تحقيقه، وقال الجمهور: المراد أنه لا يؤخّر
عنها، إذ التقديم عندهم جائز. (أَهْلُ الْمَدِينَةِ) النبويّة، وكذا من مرّ عليها من غير
أهلها (مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَأَهْلُ الشَّامِ مِنْ الْجُحْفَةِ، وَأَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ))، قَالَ
عَبْدُ اللّهِ) بن عمر عِ ◌َّه (وَبَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ قَالَ: ((وَيُهِلُّ أَهْلُ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ)))
وفي رواية سالم التالية: ((قال ابن عمر ها: وذُكِر لي، ولم أسمع أن رسول الله وَّ
قال: ((ويهلّ إلخ))، وفي الراوية التي بعدها: ((زعموا أن رسول الله وَّة، ولم أسمع
ذلك منه قال: ومُهلّ أهل اليمن يلملم))، ورواية عبد الله بن دينار: ((وقال عبد الله بن
عمر ◌ًِّا: وأخبرتُ أنه قال: ويُهلّ ... إلخ)).

١٢٧
(٢) - بَابُ مَوَاقِيتِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ - حديث رقم (٢٨٠٦)
وهذا كلّه يشعر بأن الذي بَلَّغَ ابن عمر ذلك جماعةٌ، وقد ثبت ذلك من
حديث ابن عبّاس ﴿ الماضي، ومن حديث جابر ◌ّ الآتي، ومن حديث
عائشة يتا عند النسائيّ، ومن حديث الحارث بن عمرو السهميّ عند أحمد،
وأبي داود، والنسائيّ، أفاده في (الفتح))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر ظنّها هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٨٠٥/٢ و٢٨٠٦ و٢٨٠٧ و٢٨٠٨] (١١٨٢)،
و(البخاريّ) في ((العلم)) (١٣٣) و((الحج)) (١٥٢٢ و١٥٢٥ و١٥٢٨) و((الاعتصام
بالكتاب والسنة)) (٧٣٤٤)، و(أبو داود) في ((المناسك)) (١٧٣٧)، و(الترمذيّ)
في ((الحجّ)) (٨٣١)، و(النسائيّ) في ((المناسك)) (١٢٢/٥ و١٢٥) و((الكبرى))
(٣٢٨/٢ و٣٢٩ و٤٥٤/٤)، و(ابن ماجه) في ((المناسك)) (٢٩١٤)، و(مالك)
في ((الموظّإ)) (٧٣٢)، و(الشافعيّ) في ((مسنده)) (٢٧٩/١ و٢٨٨)، و(الحميديّ)
في ((مسنده)) (٢/ ٢٨٠)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٩/٢ و٤٧ و ٤٨ و ٥٥ و٦٥
و٨٢ و١٣٠ و١٥١)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٧٩٠)، و(ابن خزيمة) في
(صحيحه) (٢٥٨٩)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣٧٥٩ و٣٧٦٠ و٣٧٦١)،
و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (١١٧/٢ و١١٩)، و(أبو يعلى) في
((مسنده)) (٣٦٤/٩ و١٨٠/١٠)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (٤٢٩/٢)، و(أبو
نعيم) في ((مستخرجه)) (٢٦٨/٣ - ٢٦٩)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٦/٥)
و((المعرفة)) (٥٢٨/٣ و٥٢٩)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَذَتُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢٨٠٦] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَ ابْنُ أَبِي
عُمَرَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِم، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ:

١٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
(يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَيُهِلُّ أَهْلُ الشَّامِ مِنَ الْجُحْفَةِ، وَيُهِلُّ أَهْلُ
نَجْدٍ مِنْ قَرٍْ)». قَالَ ابْنُ عُمَرَ ﴿هَ: وَذُكِرَ لِي، وَلَمْ أَسْمَعْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ:
(وَيُهِلُّ أَهْلُ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ)).
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
وكلّهم تقدّموا في الباب الماضي، و((ابْنُ أَبِي عُمَرَ)) هو: محمد بن
يحيى بن أبي عمر العدنيّ، و((سُفْيَانُ)) هو: ابن عيينة، و((سالم)) هو: ابن عمر.
وقوله: (وَذُكِرَ لِي، وَلَمْ أَسْمَعْ ... إلخ) هو بمعنى قوله الماضي:
((وبلغني ... إلخ)).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٨٠٧] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي
يُونُسُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، عَنْ أَبِيهِ،
قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ نَّهِ يَقُولُ: ((مُهَلُّ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ذُو الْحُلَيْفَةِ، وَمُهَلُّ أَهْلِ
الشَّامِ مَهْيَعَةُ، وَهِيَ الْجُحْفَةُ، وَمُهَلُّ أَهْلِ نَجْدٍ قَرْنٌ)). قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ ◌َ﴿ه:
وَزَعَمُوا أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ، وَلَمْ أَسْمَعْ ذَلِكَ مِنْهُ، قَالَ: ((وَمُهَلَّ أَهْلِ الْيَمَنِ
يَلَمْلَمُ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْتَى) تقدّم قريباً.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله، تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم أيضاً قريباً.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: ((مُهَلُّ أَهْلِ الْمَدِينَةِ))) بضمّ الميم، وفتح الهاء، وتشديد اللام؛
أي: موضع إهلالهم.

١٢٩
(٢) - بَابُ مَوَاقِيتِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ - حديث رقم (٢٨٠٨)
وقوله: (مَهْيَعَةُ) بوزن عَلْقَمة، وقيل: بوزن لَطِيفة، قاله في ((الفتح))، وقال
النوويّ تَخْشُهُ: هي بفتح الميم، وإسكان الهاء، وفتح المثناة تحتُ، وحَكَى
القاضي عياض عن بعضهم كسر الهاء، والصحيح المشهور إسكانها، وهي على
نحو ثلاث مراحل من مكة على طريق المدينة. انتهى (١).
وقوله: (وَهِيَ الْجُحْفَةُ) تفسير للمراد بالمهيعة، قال في ((الفتح)): وسُمّيت
الجحفة؛ لأن السيل أجحف بها، قال ابن الكلبيّ: كان العماليق يسكنون
يَثْرِب، فوقع بينهم وبين بني عَبِيل - بفتح المهملة، وكسرة الموحدة - وهم إخوة
عاد حَرْبٌ، فأخرجوهم من يثرب، فنزلوا مَهْيَعة، فجاء سيل فاجتحفهم؛ أي:
استأصلهم، فسميت الجحفة. انتهى(٢).
وقوله: (وَزَعَمُوا أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ، وَلَمْ أَسْمَعْ ذَلِكَ مِنْهُ قَالَ ... إلخ) معنى
((زعموا))؛ أي: قالوا، والزعم يُستعمَل بمعنى القول المحقَّق، وقوله: ((ولم
أسمعه)) جملة معترضة بين اسم ((أنّ)) وخبرها، وهو ((قال)).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٨٠٨] ( ... ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ
سَعِيدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ
جَعْفَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ ﴿يَا قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللهِ وَهـ
أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَنْ يُهِلُّوا مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَأَهْلَ الشَّامِ مِنَ الْجُحْفَةِ، وَأَهْلَ نَجْدٍ مِنْ
قَرْنٍ، وَقَالَ عَبْدُ الهِ بْنُ عُمَرَ ﴿يا: وَأُخْبِرْتُ أَنَّهُ قَالَ: ((وَيُهِلُّ أَهْلُ الْيَمَنِ مِنْ
يَلَمْلَمَ»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) المقابريّ، تقدّم قريباً.
(١) ((شرح النوويّ)) ٨/ ٨١.
(٢) ((الفتح)) ٣٨٥/٣.

١٣٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
٢ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) بن أبي كثير، تقدّم قريباً.
٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ) تقدّم في الباب الماضي.
والباقون ذُكروا في الباب.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبل حديثين، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَظُّهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٨٠٩] (١١٨٣) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ،
حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْج، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ رِ﴿يَا يُسْأَلُ عَنْ
الْمُهَلِّ، فَقَالَ: سَّمِعْتُ، ثُمَّ انْتَهَى، فَقَالَ: أُرَاهُ، يَعْنِي النَّبِيَّ ◌ََّ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن راهويه، تقدّم قبل باب.
٢ - (رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ) تقدّم قريباً.
٣ - (ابْنُ جُرَيْج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم في الباب
الماضي.
٤ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس، تقدّم في الباب الماضي.
٥ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) ﴿هَا، تقدّم أيضاً في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ◌َّلهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له ابن
ماجه .
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين من ابن جريج، وجابر رَظُه سكن
مکة، وأما شيخه فمروزيّ، وروح فبصريّ.
٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالتحديث والإخبار، والسماع من أوله إلى
آخره.

١٣١
(٢) - بَابُ مَوَاقِيتِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ - حديث رقم (٢٨٠٩)
٥ - (ومنها): أن جابراً وظ فه أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثاً.
شرح الحديث :
عن أبي الزُّبَيْرِ (أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﴿ مَا يُسْأَلُ) بالبناء للمفعول؛
أي: يسأله الناس (عَنْ الْمُهَلّ) بضمّ الميم، وفتح الهاء، وتشديد اللام: اسم
لموضع الإهلال، وهو رفع الصوت بالتلبية، والمراد به محلّ إنشاء الإحرام
(فَقَالَ: سَمِعْتُ، ثُمَّ انْتَهَى، فَقَالَ: أُرَاهُ، يَعْنِي النَّبِيَّ وَ﴾ قال النوويّ نَُّ: معنى
هذا الكلام أن أبا الزبير قال: سمعت جابراً، ثم انتهى؛ أي: وقف عن رفع
الحديث إلى النبيّ وَ له، وقال: ((أراه)) بضم الهمزة؛ أي: أظنه رفع الحديث،
فقال: ((أراه يعني النبيّ وَّ))، كما قال في الرواية الأخرى: ((أحسبه رفع إلى
النبيّ ◌َِ﴾))، وقوله: ((أحسبه رفع)) لا يحتج بهذا الحديث مرفوعاً؛ لكونه لم
يجزم برفعه. انتهى(١).
وقوله في الرواية التالية: (وَمُهَلُّ أَهْلِ الْعِرَاقِ) أي: موضع إنشاء إحرامهم
بالحجّ، أو العمرة، و((العراق)) : - بكسر العين المهملة، وتخفيف الراء -: إقليم
معروف، ويذكّر، ويؤنّث، قيل: هو معرّب، وقيل: سمي عِرَاقاً؛ لأنه سَفَلَ من
نجد، ودنا من البحر، أخذاً من عِرَاق الْقِرْبَة، والْمَزَادَة، وغير ذلك، وهو ما
تَنَوْهُ، ثم خَرَزُوه مَثْنِيّاً، وينسب إلى العراق على لفظه، فيقال: عراقيّ، والاثنان
عراقيّان، وللشافعيّ كَّلُهُ تصنيف لطيفٌ، نَصَب الخلاف فيه مع أبي حنيفة،
ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، واختار ما رَجَحَ عنده دليله، ويسمّى
اختلاف العِرَاقِيَّين؛ لأن كلّ واحد منهما منسوب إلى العراق، فهما عراقيّان،
قاله الفيّومِيّ ◌َُّ(٢) .
فقوله: ((مُهَلُّ)) مبتدأ خبره قوله: (مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ) - بكسر العين المهملة،
وسكون الراء، بعدها قاف -: موضع على نحو مرحلتين من مكة، ويقال: هو
من نجد الحجاز، أفاده الفيّوميّ كَُّهُ .
(١) (شرح النوويّ)) ٨٦/٨.
(٢) راجع: ((المصباح المنير)) في مادة: ((عرق)).

١٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
وقال غيره: سُمّي الموضع بذلك؛ لأن فيه عِرْقاً، وهو الجبل الصغير،
وهي أرض سبخة، تُنبت الظَّرْفاء، وقيل: العِرْق من الأرض السبخة، تُنبت
الطرفاء. ويُسمى الضَّريبة - بفتح الضاد، وكسر الراء، بعدها ياء، ثم باء - وهي
الحدّ الفاصل بين تهامة، ونجد، وتبعد عن مكة بالمراحل (٢) وبالفراسيخ
(١٦) وبالأميال (٤٨) وبالكيلوات (٨٠) ويحرم منه الآن أهل العراق، وإيران،
وحجاج الشرق كله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله رضيً هذا من أفراد
المصنّف نَظّلهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٨٠٩/٢ و٢٨١٠] (١١٨٣)، و(ابن ماجه) في
((المناسك)) (٢٩١٥)، و(الشافعيّ) في ((مسنده)) (١١٤/١)، و(أحمد) في
((مسنده)) (١٨١/٢ و٣٣٣/٣ و٣٣٦)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٢٥٩٢)،
و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤٢٩/٢)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٢٧٠/٣)،
و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (١١٨/٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٥)
٢٧)؛ و((المعرفة)) (٥٣٠/٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في مُهَلّ أهل العراق:
(اعلم): أنه اتفق أهل العلم على أن رسول الله وَّ نَصّ على المواقيت
الأربعة المذكورة في حديث ابن عبّاس، وابن عمر ﴿ه، وهي ذو الحليفة،
والجحفة، وقرن، ویلملم.
واختلفوا في ذات عرق، هل صارت ميقاتاً لأهل العراق بتوقيت
النبيّ بَّر، ونصّه، أم باجتهاد عمر بن الخطاب
قال الإمام البخاريّ تَخُّْ في ((صحيحه)): ((باب ذات عرق لأهل العراق)).
١٥٣١ - حدّثني علي بن مسلم، حدّثنا عبد الله بن نمير، حدّثنا عبيد الله،
عن نافع، عن ابن عمر ◌ًا، قال: لَمّا فُتِح هذان المصران، أتوا عمر،

١٣٣
(٢) - بَابُ مَوَاقِيتِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ - حديث رقم (٢٨٠٩)
فقالوا: يا أمير المؤمنين، إن رسول الله وَ ﴿ حَدَّ لأهل نجد قرناً، وهو جَوْرٌ عن
طريقنا، وإنا إن أردنا قرناً، شَقّ علينا، قال: ((فانظروا حَذْوَها من طريقكم،
فَحَدَّ لهم ذات عرق)).
قال الحافظ تَخْذَلُهُ: وظاهره أن عمر ظُبه حدّ لهم ذات عِرْق باجتهاد منه.
وقد روى الشافعيّ من طريق أبي الشعثاء، قال: ((لم يوقّت رسول الله وَله
لأهل المشرق شيئاً، فاتخذ الناس بحیال قرن ذات عرق)).
ورَوَى أحمد عن هُشيم، عن يحيى بن سعيد وغيره، عن نافع، عن ابن
عمر، فذكر حديث المواقيت، وزاد فيه: ((قال ابن عمر: فآثر الناس ذات عرق
على قرن))، وله عن سفيان، عن صدقة، عن ابن عمر، فذكر حديث المواقيت،
((قال: فقال له قائل: فأين العراق؟ فقال ابن عمر: لم يكن يومئذ عراق)).
وفي ((كتاب الاعتصام)) من ((صحيح البخاريّ)) من طريق عبد الله بن
دينار، عن ابن عمر، قال: ((لم يكن عراق يومئذ)).
ووقع في ((غرائب مالك)) للدارقطنيّ، من طريق عبد الرزّاق، عن مالك،
عن نافع، عن ابن عمر قال: ((وقّت رسول الله ﴿ لأهل العراق قرناً))، قال
عبد الرزاق: قال لي بعضهم: إن مالكاً محاه من كتابه، قال الدارقطنيّ: تفرّد
به عبد الرزّاق، قال الحافظ: والإسناد إليه ثقات أثبات.
وأخرجه إسحاق ابن راهويه في («مسنده)) عنه، وهو غريبٌ جدّاً، وحديث
الباب يردّه.
وروى الشافعيّ من طريق طاوساً، قال: ((لم يوقّت رسول الله بَ لل ذات
عرق، ولم يكن حينئذ أهل المشرق))، وقال في ((الأمّ)): ((لم يثبت عن النبيّ وَلـ
أنه حدّ ذات عرق، وإنما أجمع عليه الناس)).
وهذا كلّه يدلّ على أن ميقات ذات عرق ليس منصوصاً، وبه قطع
الغزاليّ، والرافعيّ في ((شرح المسند)»، والنوويّ في ((شرح مسلم))، وكذا وقع
في ((المدوّنة)) لمالك.
وصحح الحنفيّة، والحنابلة، وجمهور الشافعيّة، والرافعيّ في ((الشرح
الصغير»، والنوويّ في ((شرح المهذّب)» أنه منصوص، وقد وقع ذلك في حدیث
جابر ظته عند مسلم، إلا أنه مشكوك في رفعه، أخرجه من طريق ابن جريج،

١٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابراً يُسألُ عن الْمُهَلّ، فقال: سمعت أحسبه رفع
إلى النبيّ وَلّ، فذكر، وأخرجه أبو عوانة في ((مستخرجه)) بلفظ: ((فقال: سمعت
أحسبه يريد النبيّ وَّ))، وقد أخرجه أحمد من رواية ابن لَهِيعة، وابنُ ماجه من
رواية إبراهيم بن يزيد كلاهما، عن أبي الزبير، فلم يشكّا في رفعه.
ووقع في حديث عائشة، وفي حديث الحارث بن عمرو السهميّ كلاهما
عند أحمد، وأبي داود، والنسائيّ.
وهذا يدلّ على أن للحديث أصلاً، فلعلّ من قال: إنه غير منصوص لم
يبلغه، أو رأى ضعف الحديث باعتبار أن كلّ طريق لا يخلو عن مقال، ولهذا
قال ابن خزيمة: رُويت في ذات عرق أخبارٌ لا يثبت شيء منها عند أهل
الحديث، وقال ابن المنذر: لم نجد في ذات عرق حديثاً ثابتاً. انتهى.
قال الحافظ: لكن الحديث بمجموع الطرق يَقْوَى كما ذكرنا .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الحافظ إنما هو بالنسبة
لحديث جابر، وإلا فحديث عائشة رضيّا الذي عند النسائيّ صحيح، لا كلام
فيه، قال ابن حزم في ((المحلّى)) - بعد أن أخرج الحديث من طريق النسائيّ -
ما نصّه: قال أبو محمد: هشام بن بهرام، ثقة، والمعافى ثقة، كان سفيان
يسميه الياقة الحمراء، وباقيهم أشهر من ذلك. انتهى(١).
والحاصل أن حديث عائشة ﴿يا صحيح لا كلام عليه، والله تعالى أعلم.
قال الحافظ: وأما إعلال من أعلّه بأن العراق لم تكن فُتحت يومئذ،
فقال ابن عبد البرّ: هي غفلة؛ لأن النبيّ ◌َّ وقّت المواقيت لأهل النواحي قبل
الفتوح، لكنه علم أنها ستفتح، فلا فرق في ذلك بين الشام والعراق. انتهى،
وبهذا أجاب الماورديّ، وآخرون.
قال الحافظ: لكن يظهر لي أن مراد من قال: لم يكن العراق يومئذ؛
أي: لم يكن في تلك الجهة ناسٌ مسلمون، والسبب في قول ابن عمر ذلك،
أنه روى الحديث بلفظ: ((أن رجلاً قال: يا رسول الله، من أين تأمرنا أن
(١) راجع: ((المحلّى)) ٧١/٧.

١٣٥
(٢) - بَابُ مَوَاقِتِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ - حديث رقم (٢٨٠٩)
نُهلّ؟))، فأجابه، وكلّ جهة عيّنها في حديث ابن عمر كان من قبلها ناس
مسلمون، بخلاف المشرق، والله أعلم. انتهى.
وقال الحافظ وليّ الدين تَظَّثُ: روى مسلم في ((صحيحه)) عن أبي الزبير،
أنه سمع جابر بن عبد الله ﴿يَا يُسأل عن الْمُهلّ؟ فقال: سمعت أحسبه رفع
الحديث إلى رسول الله ﴿ ﴿، فذكر الحديث، وفيه: ((ومهلّ أهل العراق من
ذات عرق))، وقال النووي في ((شرح مسلم)): هو غير ثابت؛ لعدم جزمه برفعه.
وأما قول الدارقطنيّ: إنه حديث ضعيف؛ لأن العراق لم تكن فُتحت في
زمن النبيّ وَلّ، فكلامه في تضعيفه صحيح، ودليله ما ذكرته، وأما استدلاله
لضعفه بعدم فتح العراق، ففاسد؛ لأنه لا يمتنع أن يُخبر به النبيّ وَّ لعلمه بأنه
سيفتح، ويكون ذلك من معجزات النبوّة، والإخبارِ بالمغيّبات المستقبلات، كما
أنه وله وقّت لأهل الشام الجحفة في جميع الأحاديث الصحيحة، ومعلوم أن
الشام لم يكن فتح يومئذ، وقد ثبتت الأحاديث الصحيحة عنه وَ و أنه أخبر بفتح
الشام، واليمن، والعراق، وأنهم يأتون إليهنّ يبِسّون، والمدينة خيرٌ لهم، لو
كانوا يعلمون، وأنه ◌ُلِّ أخبر بأنه زُويت له مشارق الأرض، ومغاربها، وقال:
سيبلغ ملك أمتي ما زُوي لي منها، وأنهم سيفتحون مصر، وهي أرض يُذكر
فيها القيراط، وأن عيسى علَّه ينزل على المنارة البيضاء، شرقيَّ دمشق، وكلّ
هذه الأحاديث في ((الصحيح. انتهى.
وقال في ((شرح المهذّب)): إسناده صحيح، لكنه لم يجزم برفعه إلى
النبيّ وَ﴿، فلا يثبت رفعه لمجرّد هذا، ورواه ابن ماجه من رواية إبراهيم بن
يزيد الْخُوزيّ بإسناده عن جابر، مرفوعاً بغير شكّ، بلفظ: ((أهل المشرق))، لكن
الْخُوزيّ ضعيف، لا يُحتجّ بروايته، ورواه الإمام أحمد في ((مسنده)) عن جابر،
عن النبيّ وَل﴿ بلا شكّ أيضاً، لكنه من رواية الحجّاج بن أرطاة، وهو ضعيف.
قال وليّ الدين: في قول النوويّ: ((إن حديث جابر غير ثابت؛ لأنه لم
يجزم برفعه)) نظر، فإن قوله: ((أحسبه)) معناه أظنّه، والظنّ في باب الرواية يتنزّل
منزلة اليقين، فليس ذلك قادحاً في رفعه. وأيضاً فلو لم يصرّح برفعه، لا يقيناً،
ولا ظنّاً، فهو منزّل منزلة المرفوع؛ لأن هذا لا يقال من قبل الرأي، وإنما

١٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
يؤخذ توقيفاً من الشارع، لا سيّما وقد ضمّه جابر ظُه إلى المواقيت
المنصوص عليها يقيناً باتفاق.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قول وليّ الدين: والظن في باب الرواية
إلخ فيه نظر لا يخفى؛ إذ كثيراً ما يردّ المحدّثون أحاديث كثيرة لعدم جزم
راويها، كما لا يخفى على من تتبّع كتب السنّة، وكذا قوله: لا يقال من قبل
الرأي إلخ فيه نظر أيضاً؛ إذ يشكل عليه تحديد عمر نظرائه ذات عرق بالاجتهاد،
فليُتأمّل.
قال: وروى أبو داود، والنسائيّ بإسناد صحيح، كما قال النوويّ، عن
عائشة ◌ّا قالت: ((وَقَّت رسول الله وَله لأهل المدينة ذا الْحُليفة، ولأهل الشام
ومصر الْجُحفة، ولأهل العراق ذات عرق، ولأهل نجد قرناً، ولأهل اليمن
یلملم».
قال: وذكر ابن عديّ، عن يحيى بن محمد بن صاعد أن الإمام أحمد
كان يُنكر على أفلح بن حُميد هذا الحديث، قال ابن عديّ: قد حدّث عنه
ثقات الناس، وهو عندي صالح، وأحاديثه أرجو أن تكون مستقيمة كلّها، وهذا
الحديث ينفرد به مُعافَى بن عمران عنه، وإنكار أحمد قوله: «ولأهل العراق
ذات عرق)»، ولم ينكر الباقي من إسناده ومتنه. انتهى.
وصححه أبو العباس القرطبيّ، وقال الذهبيّ: هو صحيح غريب، وقال
العراقيّ: إن إسناده جيّدٌ.
وروى أبو داود أيضاً عن الحارث بن عمرو السهميّ حديثاً، وفيه:
((ووقّت - يعني رسول الله ﴿ ﴿ - ذات عرق لأهل العراق))، قال البيهقيّ: في
إسناده من هو غير معروف.
قال وليّ الدين: زُرارة بن كَرِيم - بفتح الكاف - رَوَى عنه جماعة، وذكره
ابن حبّان في ((الثقات))، والراوي عنه في سنن أبي داود عتبة بن عبد الملك
كذلك، وباقي رجاله لا يحتاج إلى الفحص عنهم، فليس في إسناده من هو غير
معروف، فإن كان فيهم من ليس معروفاً عند البيهقيّ، فهو معروف عند غيره.
وروى أحمد، والدارقطنيّ من رواية الحجّاج بن أرطاة، عن عمرو بن

١٣٧
(٢) - بَابُ مَوَاقِيتِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ - حديث رقم (٢٨٠٩)
شُعيب، عن أبيه، عن جدّه، قال: ((وقّت رسول الله وَّا))، فذكر الحديث،
وفيه: ((وقال: لأهل العراق ذات عرق)).
وروى الشافعيّ، والبيهقيّ بإسناد حسن، عن عطاء، عن النبيّ
مرسلاً: ((أنه وقّت لأهل المشرق ذات عرق)).
قال الحافظ وليّ الدين: فهذه الأحاديث التي ذكرتها، وإن كان في كلّ
منها ضعف، فمجموعها لا يقصر عن بلوغ درجة الاحتجاج به، وكذا ذكره
النوويّ في ((شرح المهذّب))، فالأرجح عندي أنه منصوص أيضاً.
قال ابن قدامة: ويجوز أن يكون عمر، ومن سأله لم يعلموا توقيت
النبيّ وَ ﴿ ذات عرق، فقال ذلك برأيه، فأصاب، ووافق قول النبيّ وَّ، فقد
كان كثير الإصابة ظُه. اهـ. انتهى كلام وليّ الدين تَخُّ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن توقيت النبيّ وَّ ذات عرق
لأهل العراق صحيح؛ لصحّة حديث عائشة ؤها عند أبي داود والنسائيّ، كما
سلف آنفاً، وأما حديث جابر ظبه المذكور عند مسلم في هذا الباب، فليس
بصحيح؛ لوقوع الشك في رفعه، فتبصّر، وبالله تعالى التوفيق.
[تنبيه]: قال في ((الفتح)): وأما ما أخرجه أبو داود، والترمذيّ، من وجه
آخر عن ابن عبّاس: ((أن النبيّ وَّه وقّت لأهل المشرق العقيق(٢)). فقد تفرّد به
يزيد بن أبي زياد، وهو ضعيف، وإن کان حفظه فقد جُمِع بینه وبین حدیث
جابر وغيره بأجوبة:
(منها): أن ذات عرق ميقات الوجوب، والعقيق ميقات الاستحباب؛ لأنه
أبعد من ذات عرق.
(١) راجع: ((طرح التثريب)) ١٢/٥ - ١٤.
(٢) العقيق المذكور هنا واد يتدفّق ماؤه في غور تهامة، وهو غير العقيق المذكور في
حديث عمر الذي أخرجه البخاريّ في ((صحيحه))، عن عكرمة، أنه سمع ابن
عباس ما يقول: إنه سمع عمر ظُه يقول: سمعت النبي وَلّ بوادي العقيق يقول:
((أتاني الليلة آت من ربي، فقال: صلِّ في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في
حجة)). أفاده في ((الفتح)) ١٦٩/٤.

١٣٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
(ومنها): أن العقيق ميقات لبعض العراقيين، وهم أهل المدائن، والآخر
ميقات لأهل البصرة، وقع ذلك في حديث لأنس عند الطبرانيّ، وإسناده
ضعيف.
(ومنها): أن ذات عرق كانت أوّلاً في موضع العقيق الآن، ثم حُوّلت،
وقربت إلى مكة، فعلى هذا، فذات عرق، والعقيق شيء واحد. ويتعيّن الإحرام
من العقيق، ولم يقل به أحد، وإنما قالوا: يستحبّ احتياطاً.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه التأويلات كلها لا حاجة إليها؛ لأن
الحديث ضعيفٌ كما سبق، فلماذا هذه التأويلات المتكلّفة؟ والله المستعان.
قال: وحَكَى ابن المنذر عن الحسن بن صالح أنه كان يُحرم من الرَّبَذَة،
وهو قول القاسم بن عبد الرحمن، وخُصيف الجزريّ، قال ابن المنذر: وهو
أشبه في النظر، إن كانت ذات عرق غير منصوصة، وذلك أنها تُحاذي ذا
الحليفة، وذات عرق بعدها، والحكم فيمن ليس له ميقات أن يحرم من أول
ميقات يحاذيه، لكن لما سنّ عمر ذات عرق، وتبعه عليه الصحابة، واستمرّ
عليه العمل، كان أولى بالاتباع. انتهى ما في ((الفتح)) (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد عرف أن الصحيح توقيت النبيّ وَل
ذات عرق لأهل العراق، وأما عمر فلما لم يبلغه ذلك، اجتهد، فأصاب
المنصوص، وقد كان ظُه موفّقاً في كثير من اجتهاداته، كما هو مشهور في
((الصحيحين))، وغيرهما، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
[تنبيه آخر]: قال في ((الفتح)) أيضاً ما حاصله: استدلّ بتحدید عمر
ذات عرق على أن من ليس له ميقات أن عليه أن يحرم إذا حاذى ميقاتاً من
هذه المواقيت الخمسة، ولا شكّ أنها محيطة بالحرم، فذو الحليفة شاميّة،
ويلملم يمانية، فهي مقابلها، وإن كانت إحداهما أقرب إلى مكة من الأخرى،
وقرن شرقيّة، والجحفة غربيّة، فهي مقابلها، وإن كانت إحداهما كذلك، وذات
عرق تحاذي قرناً، فعلى هذا فلا تخلو بقعة من بقاع الأرض من أن تحاذي
(١) ((الفتح)) ١٦٨/٤.

١٣٩
(٢) - بَابُ مَوَاقِيتِ الْحَجّ وَالْعُمْرَةِ - حديث رقم (٢٨٠٩)
ميقاتاً من هذه المواقيت، فبطل قول من قال: من ليس له ميقات، ولا يحاذي
ميقاتاً، هل يحرم من مقدار أبعد من المواقيت، أو أقربها؟ ثم حكى فيه
خلافاً، والفرض أن هذه الصورة لا تتحقّق؛ لما قلته، إلا أن يكون قائله فرضه
فيمن لم يطلع على المحاذاة، کمن يجهلها .
وقد نقل النوويّ في ((شرح المهذّب)) أنه يلزمه أن يُحرم على مرحلتين،
اعتباراً بقول عمر هذا في توقيته ذات عرق.
وتُعُقّب بأن عمر إنما حدّها لأنها تحاذي قرناً، وهذه الصورة إنما هي
حيث يجهل المحاذاة، فلعلّ القائل بالمرحلتين أخذ بالأقلّ؛ لأن ما زاد عليه
مشكوك فيه، لكن مقتضى الأخذ بالاحتياط أن يعتبر الأكثر الأبعد.
ويحتمل أن يفرّق بين من عن يمين الكعبة، وبين من عن شمالها؛ لأن
المواقيت التي عن يمينها أقرب من التي عن شمالها، فيقدر لليمين الأقرب،
وللشمال الأبعد، والله أعلم.
ثم إن مشروعية المحاذاة مختصّة بمن ليس له أمامه ميقات معيّنٌّ، فأما من له
ميقات معيّن، كالمصريّ مثلاً يمرّ ببدر، وهي تحاذي ذا الحليفة، فليس عليه أن يحرم
منها، بل له التأخير حتى يأتي الجحفة، والله تعالى أعلم. انتهى ما في ((الفتح)) (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه الجمهور من أن من ليس له
ميقات معيّن إذا لم يأت على ميقات من المواقيت المذكورة عليه أن يحرم من
حذاء أقرب المواقيت إلى طريقه هو الحقّ؛ لما تقدّم من أثر عمر مظلته، فقد
وافقه عليه الصحابة ﴿ه، فيما وقّت به ذات عرق، حيث أمر أهل العراق بأن
ينظروا حذو قرن من طريقهم، فيحرموا منه.
وأما قول ابن حزم: إنه يحرم من حيث شاء؛ واذَّعَى أنه يدخل في
قوله ويثير: ((ومن كان دون ذلك إلخ)) فبعيد؛ لأنه ليس دون المواقيت المذكورة،
فكيف يتناوله الحديث؟ بل ما دلّ عليه ما نُقل عن عمر مظ لته، ووافقه الصحابة
عليه هو الصواب.
(١) راجع: ((الفتح)) ١٦٦/٤ - ١٦٩.

١٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
لأننا وإن قلنا بصحة توقيت ذات عرق مرفوعاً، إلا أن عمر نظرائه لما لم
يسمع النصّ قال: (انظروا حذوها من طريقكم))، ووافقه الصحابة الذين لم
يسمعوا التوقيت من النبيّ ◌َ﴿ على ذلك، فهو أولى بالاتباع، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّهُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
(١) [٢٨١٠] (.) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ◌ِلَاهُمَا
عَنْ مُحَمَّدٍ بْنٍ بَكْرٍ، قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرِّنَا ابْنُ جُرَيْج، أَخْبَرَنِي أَبُو
الزُّبَيْرِ: أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ رِ﴿ّه يُسْأَلُ عَنِ الْمُهَلِّ، فَقَالَ: سَمِعْتُ، أَحْسَبُهُ
رَفَعَ إِلَى النَّبِيِّ نَّهِ، فَقَالَ: (مُهَلُّ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَالطَّرِيقُ الْآخَرُ
الْجُحْفَةُ (٢)، وَمُهَلُّ أَهْلِ الْعِرَاقِ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ، وَمُهَلُّ أَهْلِ نَجْدٍ مِنْ قَرٍْ، وَمُهَلُّ
أَهْلِ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون، تقدّم قريباً.
٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ)ً الْكِسّيّ، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ) الْبُرْسانيّ، تقدّم أيضاً في الباب الماضي.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (فَقَالَ: سَمِعْتُ) فاعل ((قال)) ضمير جابر نظُه؛ أي: قال جابر:
(سمعت))، ثم شكّ أبو الزبير في رفع جابر ربه الحديث، فعدل إلى قوله:
((أحسبه رفع إلخ))؛ أي: أظنّ جابراً رفع الحديث إلى النبيّ ◌َّ، وقوله:
((فقال: مُهَلّ إلخ))؛ أي: قال ◌َّهِ: ((مُهلّ أهل المدينة إلخ)).
وقوله: (وَالطَّرِيقُ الْآخَرُ الْجُحْفَةُ) وفي نسخة: ((من الجحفة))، أراد
بالطريق الآخر طريق أهل الشام، يعني أنهم يُهلّون من الجحفة.
(١) كتب في بعض النسخ هنا (ح) ولا يوجد في بعضها، وهو الأولى.
(٢) وفي نسخة: ((من الجحفة)).