النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١ = (٤) - بَابُ صَوْمٍ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ - حديث رقم (٢٧٨٩) وقيل: يَحْتَمِل أن يكون ذلك؛ لكونه يترك العمل في بعض الأحيان، وهو يُحبّ أن يعمله؛ خشيةَ أن يُظنّ وجوبه. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: عندي أقرب الأجوبة، وأظهرها حمل نفيها على علمها، فلا يلزم من نفي علمها نفي صومه وَّر، كما مرّ التوجيه بذلك لقولها: ((ما سبّح رسول الله وَّ﴿ سبحة الضحى))، متّفقٌ عليه. والحاصل أن قول عائشة ثقا هذا لا ينافي استحباب صوم تسع ذي الحجة، ولا سيّما اليوم التاسع لغير الحاجّ؛ للأدلة الكثيرة على ذلك: (فمنها): ما تقدّم في فضل صوم يوم عرفة، وأنه يكفّر ذنوب سنتين. (ومنها): حديث هُنيدة بن خالد المذكور، وهو حديث صحيح، راجع الكلام فيه في ((شرحي على النسائيّ))(٢). (ومنها): ما أخرجه البخاريّ من حديث ابن عبّاس ﴿ّ مرفوعاً: ((ما الْعَمَلُ في أَيَّامِ العشر أَفْضَلَ من العمل في هذه»، قالوا: ولا الْجِهَادُ؟ قال: ((ولا الْجِهَادُ، إلا رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فلم يَرْجِعْ بِشَيْءٍ»، وأخرجه أبو داود، ولفظه: ((ما من أَيَّامِ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فيها أَحَبُّ إلى اللهِ، من هذه الْأَيَّامِ - يَعْنِي أَيَّامَ الْعَشْرِ - قالوا: يا رَسُولَ اللهِ، ولا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ؟ قال: ولا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ ... )) الحديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة رضيّها هذا من أفراد المصنّف تَّتُهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٧٨٩/٤ و٢٧٩٠] (١١٧٦)، و(أبو داود) في ((الصوم)) (٢٤٣٩)، و(الترمذيّ) في ((الصوم)) (٧٥٦)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (١٦٥/٢)، و(ابن ماجه) في ((الصيام)) (١٧٢٩)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (١) ((مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ٧/ ٥٢. (٢) راجع: ((ذخيرة العقبى)) ٢٨٢/٢١. ٤٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الاعتكاف (٢٩٩/٢ و١٥٥/٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٢/٦ و١٢٤ و١٩٠)، و(ابن خزيمة) في (صحيحه)) (٢١٠٣)، و(ابن الجعد) في ((مسنده)) (٢٦٥/١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢٧٩٠] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعِ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنَّ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ ﴿ُهَا: أَنَّ النَّبِيَّ وَ﴿ لَمْ يَصُمِ الْعَشْرَ)(١). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعِ الْعَبْدِيُّ) محمد بن أحمد بن نافع، تقدّم قريباً. ٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بَنَّ مهديّ، تقدّم أيضاً قريباً . ٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، تقدّم قبل باب. [تنبيه]: قال النوويّ تَُّ: سفيان هو الثوريّ، وفي بعض النسخ شعبة بدل سفيان، وكذا نقله القاضي عياض عن رواية الفارسيّ، ونقل الأول عن جمهور الرواة ((صحيح مسلم)). انتهى (٢). والباقون ذُكروا قبله. والحديث من أفراد المصنّف، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبله. [تنبيه]: قد انتقد الدار قطنيّ كََّثُ هذا الإسناد، فقال - بعد إيراده سند المصنّف -: قال أبو الحسن: وخالفه منصورٌ، عن إبراهيم مرسلاً، قال: والصحيح عن الثوريّ، عن إبراهيم قال: حُدِّثت أن رسول الله وَل ◌َه. وكذلك رواه أصحاب منصور، عن منصور مرسلاً، منهم فضيل بن عياض، وجرير. انتھی. وقال الإمام الترمذيّ ◌َخْتُ - بعدما أخرجه - ما نصّه: هكذا رَوَى غير (١) قال الدارقطنيّ في ((التتبّع)): وخالفه منصور، رواه عن إبراهيم مرسلاً. انتهى. (٢) ((شرح النوويّ)) ٧٢/٨. ٤٣ (٤) - بَابُ صَوْمِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ - حديث رقم (٢٧٩٠) واحد عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة غيرنا، ورَوَى الثوريّ وغيره هذا الحديث عن منصور، عن إبراهيم: ((أن النبيّ وَّ﴿ لم يُرَ صائماً في العشر))، ورَوَى أبو الأحوص، عن منصور، عن إبراهيم، عن عائشة، ولم يذكر فيه ((عن الأسود))، وقد اختلفوا على منصور في هذا الحديث، ورواية الأعمش أصحّ، وأوصل إسناداً، قال: وسمعت محمد بن أبان يقول: سمعت وكيعاً يقول: الأعمش أحفظ لإسناد إبراهيم من منصور. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر أن تصحيح المصنّف لَُّهُ لهذا السند أرجح من انتقاد الدارقطنيّ؛ لأن الأعمش مقدّم في إبراهيم على منصور، كما قال وكيعٌ، فروايته أولى بالحفظ، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيِدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أُثِبُ﴾ . - (١) ((سنن الترمذيّ)) ١٢٩/٣. ٤٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج براسه الرحمن الرحيم ١٥ - (كِتَابُ الْحَجّ)(١) قال الجامع عفا الله عنه: قدّم المصنّف تَُّهُ ((الصلاة))، ثم أتبعها بـ((الزكاة))؛ لأنها قرينتها في كتاب الله تعالى، حيث يقول: ﴿وَأَقَامُواْ الضََّلَوَةَ وَءَاتَّوْا الزَّكَوَةَ﴾، ثم أتبعها بـ(الصيام))، ثم بـ((الحجّ))؛ لأن ترتيبها وقع كذلك في بعض روايات حديث: ((بُني الإسلام على خمسة ... )) وغيره من الأحاديث. مسائل تتعلّق بهذه الترجمة: (المسألة الأولى): في ضبط ((الحجّ))، ومعناه لغةً، وشرعاً: أما ضبطه، فإنه يقال: بفتح الحاء، وكسرها، لغتان، قُرئ بهما في السبع، وأكثر السبعة على الفتح، وكذا ((الحجّة)) فيها لغتان، وأكثر المسموع الكسر، وهو القياس. قاله النوويّ دَخَّتُهُ. انتهى(٢). وقال في ((الفتح)): ((الحجّ)) - بفتح الحاء المهملة، وكسرها - لغتان، نقل الطبريّ أن الكسر لغة أهل نجد، والفتح لغيرهم. ونقل عن حسين الْجُعْفيّ أن الفتح الاسمُ، والكسر المصدر، وعن غيره عكسه. انتهى (٣). وقال في ((العمدة): قال الزّجّاج: يُقرأ بفتح الحاء، وكسرها - أي: في القرآن - والأصل الفتح. وقُرئ بهما في السبعة، وأكثرهم على الفتح. وفي أمالي الهجريّ: أكثر العرب يكسرون الحاء فقط، وقال ابن السّكّيت: بفتح الحاء القصد، وبالكسر القوم الْحُجّاج. والحجّة بالفتح الفَعْلة من الحجّ، وبكسر الحاء: التلبية والإجابة. (١) وفي نسخة: ((كتاب المناسك)). (٣) ((الفتح)) ٤/ ١٥٢. (٢) ((المجموع)) ٧/ ٧. ٤٥ ١٥ - كتاب الحج وقال في ((اللسان)): والحجّ بالكسر الاسم، والحجّة المرّة الواحدة، وهو من الشواذٌ؛ لأن القياس بالفتح. والحاجّ: الذي يحجّ، وربما يُظهرون التضعيف في ضرورة الشعر، قال الراجز: بِكُلِّ شَيْخِ عَامِرٍ أَوْ حَاجِجٍ ويُجمع على حُجُج، بضمّتين، نحو بازل وبُزُل، وعائَذَ وعُوذُ(١). وأما معناه لغةً: فهو القصد، وعن الخليل، قال: الحجّ كثرة القصد إلى من تُعظّمه(٢) . وقال في ((المصباح)): حَجّ حجّاً، من باب قتل: قصد، فهو حاجّ، هذا أصله، ثمّ قُصِرَ استعمالُهُ في الشرع على قصد الكعبة للحجّ، أو العمرة، ومنه يقال: ما حجَّ، ولكن دَجَّ، فالحجّ: القصد للنسك، والدَّجُ: القصد للتجارة، والاسم الحجّ بالكسر، والحجّة: المرّة بالكسر على غير قياس، والجمع حِجَج، مثلُ سِدْرَة وسِدَر، قال ثعلب: قياسه الفتح، ولم يُسمع من العرب، وبها سمّي الشهر ذو الحجّة بالكسر، وبعضهم يفتح في الشهر، وجمعه ذوات الحجة، وجمع الحاجّ حُجّاجٌ، وحَجِیج. انتهى(٣). وقال الأزهريّ: وأصل الحجّ من قولك حَجَجت فلاناً أحُجّه حجّاً: إذا عُدت إليه مرّة بعد أخرى، فقيل: حجّ البيت؛ لأن الناس يأتونه كلّ سنة. وفي ((العباب)): رجلٌ محجوجٌ: أي مقصود، وقد حجّ بنو فلان فلاناً: إذا أطالوا الاختلاف إليه. ومنه قول المُخُبَّل السَّعديّ [من الطويل]: وَأَشْهَدُ مِنْ عَوْفٍ حُلُولاً كَثِيرَةً يَحُجُّونَ سِبَّ الزَّبْرِقَانِ الْمُزَعْفَرَآَ يقول: يأتونه مرّة بعد أخرى؛ لسؤدده، والْحُلُول بضمّ الحاء المهملة، يقال: قوم حُلُول: أي نُزُولٌ، وكذلك حلالٌ بالكسر، والسِّبُّ بكسر السين المهملة، وتشديد الباء الموحّدة: العمامة، والزِّبْرِقَان - بكسر الزاي، وسكون الباء الموحّدة، وكسر الراء، وبالقاف المخفّفة، وفي آخره نون - هو في الأصل (١) (عمدة القاري)) ٣٨٦/٧. بزيادة من ((اللسان)). (٢) ((المغني)) لابن قدامة ٥/٥. (٣) ((المصباح)) في مادة: ((حج)). ٤٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج اسم القمر، وهو لقبٌ، واسمه الحصين، قال ابن السّكّيت: لُقّب الزبرقان؛ الصفرة عمامته(١). وأما معناه شرعاً: فالحجّ قصدٌ إلى زيارة البيت الحرام على وجه التعظيم بأفعال مخصوصة، وسببه البيت؛ لأنه يضاف إليه، ولهذا لا يجب في العمرة إلا مرّة واحدة؛ لعدم تكرار السبب. انتهى. وقال ابن قُدامة تَخْذُهُ: الحج أحد الأركان الخمسة التي بُنِي عليها الإسلام، والأصل في وجوبه الكتاب، والسنة، والإجماع؛ أما الكتاب، فقول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ مَنِ اُسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾، رُوي عن ابن عباس ◌َّ: ومن كفر باعتقاده أنه غير واجب. وقال الله تعالى: ﴿وَتِقُواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾. وأما السنة، فقول النبيّ وَلقّ: ((بُنِي الإسلام على خمس ... )) الحديث، وذَكَر فيها الحج، وروى مسلم بإسناده عن أبي هريرة ظُه، قال: خطبنا رسول الله ◌َ﴾، فقال: ((يا أيها الناس، قد فرض الله عليكم الحج، فحجوا))، فقال رجل: أكلّ عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثاً، فقال رسول الله ◌َ: (لو قلت: نعم لوجبت، ولما استطعتم))، ثم قال: ((ذَرُوني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه))، في أخبار كثيرة سوى هذين، وأجمعت الأمة على وجوب الحجّ على المستطيع في العمر مرة واحدة. انتهى(٢). [تنبيه]: يوجد في بعض النسخ ما لفظه: ((كتاب المناسك))، بدل ((كتاب الحج)). و((المناسك)) جمع مَنسك - بفتح السين، وكسرها -: وهي العبادة، أو مكانها، أو زمانها، فهو صالح للزمان، والمكان، والحدث، وجميعها مرادٌ (١) ((عمدة القاري)) ٢١٤/١ و٣٨٦/٧. (٢) ((المغني)) لابن قدامة تثم ١٥٩/٣ - ١٦١. ٤٧ ١٥ - كتاب الحج هنا، إذ الكتاب مسوق لبيان أعمال الحجّ، وأزمنته، وأمكنته، ثمّ سمّيت أمور الحجّ كلّها مناسك. قال الفيّوميّ تَخْلُ: نَسَكَ لله يَنسُك نَسْكاً، من باب قتل: تطوّع بقربة، والنسك - بضمّتين -: اسم منه، وفي التنزيل: ﴿إِنَّ صَلَاتِ وَنُسُكِ﴾، والمنسك - بفتح السين، وكسرها: يكون زماناً، ومصدراً، ويكون اسم المكان الذي تُذبح فيه النَسِيكة، وهي الذبيحة، وزناً ومعنَى، وفي التنزل: ﴿وَلِكُلّ أُمٍَّ جَعَلْنَا مَسَكًا﴾ - بالفتح، والكسر في السبعة. ومناسك الحجّ: عباداته. وقيل: مواضع العبادات، ومن فَعَل كذا عليه نُسُكٌ: أي دمٌ يُريقه، ونَسَكَ: تزهّد، وتعبّد، فهو ناسك، والجمع نُسّاك، مثلُ عابد وعُبّاد. انتهى(١). وقال في ((العمدة)): المنسك المذبح، وقد نَسَك ينسُك نسكاً: إذا ذبح، والنسيكة: الذبيحة، وجمعها نُسُك، والنُّسُكُ أيضاً: الطاعة، والعبادة، وكلّ ما يُتقرّب به إلى الله رَك. والنسك: ما أَمَرت به الشريعة، والورع، وما نهت عنه، والناسك: العابد، وسئل ثعلبٌ عن الناسك ما هو؟ فقال: هو مأخوذ من النَّسِيكة، وهي سبيكة الفضّة، المصفّاة، كأنّ الناسك صفّى نفسه لله تعالى. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية): في اختلاف أهل العلم في وقت ابتداء فرض الحجّ: قال العلّامة القرطبيّ تَّثُ في ((المفهم)): واختلف في زمان فرض الحجّ، فقيل: سنة خمس من الهجرة، وقيل: سنة تسع، وهو الصحيح؛ لأن فتح مكّة كان في التاسع عشر من رمضان سنة ثمان من الهجرة، وحجّ بالناس في تلك السنة عَتّاب بن أَسيد ، ووقف بالمسلمين، ووقف المشركون على ما كانوا عليه في الجاهليّة، فلما كانت سنة تسع فُرض الحجّ، ثم إن النبيّ وَ ﴿ أَمَرَ أبا بكر، فحجّ بالناس تلك السنة، ثم أتبعه عليّ بن أبي طالب ظُه بسورة براءة، فقرأها على الناس في الموسم، ونبذ للناس عهدهم، ونادى في الناس أن لا يحجّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عُريان. ووافقت حجة أبي بكر في تلك السنة أن كانت في شهر ذي القعدة، على ما كانوا يديرون الحجّ في كلّ شهر من (١) ((المصباح المنير)) في مادة: ((نسك)). (٢) ((عمدة القاري)) ٣٨٦/٧. ٤٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج شهور السنة، فلما كانت سنة عشر حجّ رسول الله ◌َ﴿ حجته المسمّاة بحجة الوداع، على ما يأتي بيانها في حديث جابر وغيره، ووافق النبيّ وَّ تلك السنة أن وقع الحجّ في ذي الحجة في زمانه، ووقته الأصليّ، الذي فرضه الله فيه، ولذلك قال ◌َ: ((إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض ... )) الحديث(١). انتهى كلام القرطبيّ تَظُّهُ(٢). وقال في ((الفتح)): واختلف في وقت ابتداء فرضه، فقيل: قبل الهجرة، وهو شاذٌ، وقيل: بعدها، ثم اختلف في سَنَته، فالجمهور على أنها سنة ستّ؛ لأنها نزل فيها قوله تعالى: ﴿وَنِقُواْ الْخَّ وَالْعُبْرَةَ لِلّهِ﴾، وهذا ينبني على أن المراد بالإتمام ابتداء الفرض، ويؤيّده قراءة علقمة، ومسروق، وإبراهيم النخعيّ بلفظ : ((وأقيموا))، أخرجه الطبريّ بأسانيد صحيحة عنهم. وقيل: المراد بالإتمام الإكمال بعد الشروع، وهذا يقتضي تقدّم فرضه قبل ذلك. وقد وقع في قصّة ضمام بن ثعلبة ذكر الأمر بالحجّ، وكان قدومه على ما ذكر الواقديّ سنة خمس، وهذا يدلّ - إن ثبت - على تقدّمه على سنة خمس، أو وقوعه فيها . (٣) انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: أرجح الأقوال عندي هو القول بأن فرض الحج كان سنة ستّ، أو قبلها؛ لوضوح قصّة كعب بن عجرة ظُه التي نزل بسببها قوله رَبَكْ: ﴿وَأَنِقُواْ الْحَجَّ وَالْعُبْرَةَ لِلَّهِ﴾ الآية، فتأمل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في كون الحجّ على الفور، أم على التراخي؟ : قال الإمام النوويّ كَّتُهُ في ((شرح المهذّب)) ما حاصله: ذهب إلى أن الحجّ على التراخي: الشافعيُّ، والأوزاعيّ، والثوريّ، ومحمد بن الحسن، ونقله الماروديّ عن ابن عبّاس، وأنس، وجابر، وعطاء، وطاوس، وذهب إلى أنه على الفور مالك، وأبو يوسف، والمزنيّ، وهو قول (١) الحديث متفق عليه. (٣) ((الفتح)) ٤/ ١٥٢ - ١٥٣. (٢) ((المفهم)) ٢٥٥/٣ - ٢٥٦. ٤٩ ١٥ - كتاب الحج جمهور أصحاب أبي حنيفة، ولا نصّ لأبي حنيفة في ذلك. واحتجّ لهم بقوله تعالى: ﴿وَأَبِقُواْ الْحَجَّ وَالْعُهْرَةَ لِلَّهِ ﴾ وهذا أمر، والأمر يقتضي الفور، وبحديث ابن عباس رضيها: ((من أراد الحجّ فليعجل))، وبالحديث الآخر: ((من لم يمنعه من الحجّ حاجة، أو مرضٌ حابسٌ، أو سلطان جائرٌ، فليمت إن شاء يهوديّاً، أو نصرانيّاً))، ولأنها عبادة تجب الكفّارة بإفسادها، فوجبت على الفور كالصوم، ولأنها عبادة تتعلّق بقطع مسافة بعيدة كالجهاد، ولأنه إذا لزمه الحجّ، وأخّره، إما أن تقولوا: يموت عاصياً، وإما غير عاص، فإن قلتم: ليس بعاص خرج الحجّ عن كونه واجباً، وإن قلتم: عاصٍ، فإما أن تقولوا: عصى بالموت، أو بالتأخير، ولا يجوز أن يعصي بالموت؛ إذ لا صُنْعَ له فيه، فثبت أنه بالتأخير، فدلّ على وجوبه على الفور. واحتجّ الأولون القائلون بالتراخي بأن فريضة الحجّ نزلت بعد الهجرة، وفتح رسول الله وَير مكّة في رمضان سنة ثمان، وانصرف عنها في شوّال من سنته، واستخلف عّاب بن أَسِيد، فأقام للناس الحجّ سنة ثمان، بأمر رسول الله ﴿ ﴿، وكان رسول الله وهل﴾ مقيماً بالمدينة هو، وأزواجه، وعامّة أصحابه، ثم غزا غزوة تبوك في سنة تسع، وانصرف عنها قبل الحجّ، فبعث أبا بكر به، فأقام للناس الحجّ سنة تسع، ورسول الله رَّ، وأزواجه، وعامّة أصحابه قادرون على الحجّ، غير مشتغلين بقتال، ولا غيره، ثمّ حجّ النبيّ وَّل بأزواجه، وأصحابه كلّهم سنة عشر، فدلّ على جواز تأخيره. هذا دليل الشافعيّ، وجمهور أصحابه. قال البيهقيّ: وهذا الذي ذكره الشافعيّ مأخوذ من الأخبار، قال: فأما نزول فرض الحجّ بعد الهجرة، فكما قال. واستدلّ أصحابنا له بحديث كعب بن عجرة رَظُه، قال: وقف عليّ رسول الله صل﴿ بالحُدَيبية، ورأسي يَتَهافَت قملاً، فقال: ((يؤذيك هوامّك؟))، قلت: نعم يا رسول الله، قال أبو داود: فقال: ((قد آذاك هوامّ رأسك؟))، قال: نعم، قال: ((فاحلق رأسك))، قال: ففيّ نزلت هذه الآية: ﴿فَنَ كَانَ مِنْكُمْ فَرِيضًّا أَوْ بِة أَذَّى مِّن رَّأْسِهِ، فَفِذْيَةٌ﴾ الآية، رواه الشيخان. فثبت بهذا الحديث أن قوله تعالى: ﴿وَأَنِقُوْ اَْجَّ وَالْعُبْرَةَ لِلَّهَّ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ نَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْمَدْيِّ﴾ الآية نزلت سنة ٥٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج ستّ من الهجرة، وهذه الآية دالّة على وجوب الحجّ، وقد أجمع المسلمون على أن الحديبية كانت سنة ستّ من الهجرة في ذي القعدة، وثبت بالأحاديث الصحيحة، واتفاق العلماء أن النبيّ ◌َ* غزا حُنيناً بعد فتح مكّة، وقسم غنائمها، واعتمر من سنته في ذي القعدة، وكان إحرامه بالعمرة من الجعرانة، ولم يبق بينه وبين الحجّ إلا أيامٌ يسيرة، فلو كان على الفور لم يرجع من مكّة حتى يحجّ مع أنه هو، وأصحابه كانوا حينئذ موسرين، فقد غنموا الغنائم الكثيرة، ولا عذر لهم، ولا قتال، ولا شغل آخر، وإنما أخّره وَّ ر عن سنة ثمان بياناً لجواز التأخير، وليتكامل الإسلام، والمسلمون، فيحجّ بهم حجّةَ الوداع، ويحضرها الخلق، فيبلّغوا عنه المناسك، ولهذا قال في حجة الوداع: ((يبلّغ الشاهد منكم الغائب، ولتأخذوا عني مناسككم))، ونزل فيها قوله تعالى: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآية. قال أبو زرعة الرازيّ، فيما رويناه عنه: حضر مع رسول الله وَليم حجة الوداع مائة ألف، وأربعة عشر ألفاً، كلّهم قد رآه، وسمع منه. فهذا قول الإمام أبي زرعة الذي لم يحفظ أحدٌ من حديث رسول الله مط﴿ كحفظه، ولا ما يقاربه . [فإن قيل]: إنما أخّره إلى سنة عشر؛ لتعذّر الاستطاعة؛ لعدم الزاد والراحلة، أو الخوف على المدينة، والاشتغال بالجهاد. [فجوابه]: ما سبق قريباً. واحتجّ أصحابنا أيضاً بحديث أنس ظه، قال: نُهينا أن نسأل رسول الله وَل عن شيء، فكان يُعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل، فيسأله، ونحن نسمع، فجاء رجل من أهل البادية، فقال: يا محمد أتانا رسولك، فزعم لنا أنك تزعم، أن الله أرسلك، قال: ((صدق))، قال: فمن خلق السماء؟ قال: ((الله))، قال: فمن خلق الأرض؟ قال: ((الله))، قال: فمن نصب هذه الجبال، وجعل فيها ما جعل؟ قال: ((الله))، قال: فبالذي خلق السماء، وخلق الأرض، ونصب هذه الجبال، آلله أرسلك؟ قال: ((نعم))، قال: وزعم رسولك، أن علينا خمس صلوات، في يومنا وليلتنا، قال: ((صدق))، قال: فبالذي أرسلك، آلله أمرك بهذا؟ قال: ((نعم))، قال: وزعم رسولك، أن علينا ٥١ ١٥ - كتاب الحج زكاة في أموالنا، قال: ((صدق))، قال: فبالذي أرسلك، آلله أمرك بهذا؟ قال: (نعم))، قال: وزعم رسولك، أن علينا صوم شهر رمضان، في سنتنا، قال: ((صدق))، قال: فبالذي أرسلك، آلله أمرك بهذا؟ قال: ((نعم))، قال: وزعم رسولك، أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلاً، قال: ((صدق))، قال: ثم ولَّى، قال: والذي بعثك بالحق، لا أزيد عليهن، ولا أنقص منهن، فقال النبي وَالر: (لئن صدق ليدخلن الجنة)). رواه مسلم بهذا اللفظ، وروى البخاريّ أصله. وفي راوية للبخاريّ أن هذا الرجل ضمام بن ثعلبة، وقدوم ضمام على النبيّ وَّ كان سنة خمس من الهجرة، قاله محمد بن حبيب، وآخرون، وقال غيرهم: سنة سبع، وقال أبو عبيد: سنة تسع، وقد صرّح في الحديث بوجوب الحجّ. وأما الجواب عن احتجاج الحنفيّة بالآية الكريمة، وأن الأمر يقتضي الوجوب، فجوابه نعم يقتضي الفور، لكن إذا لم تقم قرينة تصرفه إلى التراخي، وقد قامت هنا، وهي ما قدّمناه من فعل رسول الله وَ ثير، وأكثر أصحابه. وأما الحديث: ((من أراد الحجّ فليعجل))، فإنه ضعيف، وأيضاً إنه حجة لنا؛ لأنه فوّض فعله إلى إرادته، واختياره، ولو كان على الفور لم يفوّضه إلى اختياره. وأما حديث: ((فليمت إن شاء يهودياً)) فجوابه أنه ضعيف، وأيضاً الذمّ لمن أخّره إلى الموت، ونحن نوافق على تحريم تأخيره إلى الموت، والذي نقول بجوازه هو التأخير بحيث يُفعل قبل الموت، أو أنه محمول على من تركه معتقداً عدم وجوبه مع الاستطاعة، فهذا كافرٌ، ويؤيّد هذا قوله: ((فليمت، إن شاء يهودياً، أو نصرانيّاً))، وظاهره أنه يموت كافراً، ولا يكون ذلك إلا إذا اعتقد عدم وجوبه مع الاستطاعة، وإلا فقد أجمعت الأمة على أن من تمكّن من الحجّ، فلم يحجّ، ومات، لا يحكم بكفره، بل عاصٍ، فوجب تأويل الحدیث لو صحّ. والجواب عن قياسهم على الصوم أنه مُضيَّق، فكان فعله مُضَيَّقاً بخلاف الحجّ. ٥٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج والجواب عن قياسهم على الجهاد أنه لا نسلّم وجوب الجهاد على الفور، بل هو موكول إلى رأي الإمام بحسب المصلحة في الفور والتراخي، وأيضاً في تأخير الجهاد ضررٌ على المسلمين، بخلاف الحجّ. والجواب عن قولهم: إذا أخّره، ومات هل يموت عاصياً؟ الصحيح عندنا موته عاصياً، وإنما عصى لتفريطه بالتأخير إلى الموت، وإنما جاز له التأخير بشرط سلامة العاقبة، كما إذا ضرب ولده، أو زوجته، أو ضرب المعلّم الصبيّ، أو عزّر السلطان إنساناً، فمات، فإنه يجب الضمان؛ لأنه مشروط بسلامة العاقبة. انتهى كلام النوويّ كَّلُهُ باختصار، وتصرّف(١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدّاً. وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ تَخْتُهُ: ومن الدليل على أن الحجّ على التراخي إجماع العلماء على ترك تفسيق القادر على الحجّ إذا أخّره العامَ والعامين، ونحوهما، وأنه إذا حجّ من بعد أعوام من حين استطاعته، فقد أدّى الحجّ الواجب عليه في وقته، وليس هو عند الجميع كمن فاتته الصلاة حتى خرج وقتها، فقضاها بعد خروج وقتها، ولا كمن فاته صيام رمضان لمرض، أو سفر، فقضاه، ولا كمن أفسد حجّه، فقضاه، فلما أجمعوا على أنه لا يقال لمن حجّ بعد أعوام من وقت استطاعته: أنت قاضٍ لما وجب عليك، علمنا أن وقت الحجّ موسّع فيه، وأنه على التراخي، لا على الفور. انتهى كلام ابن عبد البرّ(٢)، وهو تحقيق نفيسٌ أيضاً. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذكر من الأقوال وأدلّتها أن الأرجح قول من قال: إن وجوب الحجّ على التراخي؛ لوضوح أدلّته، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في بيان فوائد الحجّ: لقد اعتنى العلماء بذكر فوائد الحجّ، ومنهم الشاه وليّ الله الدهلويّ تَخْتُهُ، (١) راجع: ((المجموع شرح المهذّب)) ٨٦/٧ - ٩٢. (٢) راجع: ((تفسير القرطبي)) ١٤٤/٤. ٥٣ ١٥ - كتاب الحج فقد أفاد، وأجاد في كتابه ((حجة البالغة)) (٤٢/٢) فلنقتصر على ما ذكره، قال تَخْتُهُ: المصالح المرعيّة في الحجّ أمور: (منها): تعظيم بيت الله تعالى، فإنه من شعائر الله، وتعظيمه تعظيم الله تعالى. (ومنها): تحقيق معنى العرضة، فإن لكلّ دولة، أو ملّة اجتماعاً، يتوارده الأقاصي والأداني، ليعرف بعضهم بعضاً، ويستفيدوا أحكام الملّة، ويعظّموا شعائرها، والحجّ عرضة المسلمين، وظهور شوكتهم، واجتماع جنودهم، وتنويه ملّتهم، وهو قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنَا﴾ الآية [البقرة: ١٢٥]. (ومنها): موافقة ما توارث الناس عن سيدنا إبراهيم، وإسماعيل ◌َالسَّاه فإنهما إماما الملّة الحنيفية، ومُشَرّعاها للعرب، والنبيّ وَّهِ بُعث لتظهر به الملّة الحنيفيّة، وتعلو به كلمتها، وهو قوله تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيَكُمْ إِنَزَهِيرٌ﴾ الآية [الحج: ٧٨]. فمن الواجب المحافظة على ما استفاض عن إماميها، كخصال الفطرة، ومناسك الحجّ، وهو قوله وَّ: ((قِفُوا على مشاعركم، فإنكم على إرث، من إرث أبيكم إبراهيم))(١). (ومنها): الاصطلاح على حال يتحقّق بها الرفق لعامّتهم، وخاصّتهم، كنزول منى، والمبيت بمزدلفة، فإنه لو لم يُصطَلَح على مثل هذا لشقّ عليهم، ولو لم يسجّل عليه، لم تجتمع كلمتهم عليه مع كثرتهم، وانتشارهم. (ومنها): الأعمال التي تُعلِنُ بأن صاحبها موحّد، تابعٌ للحقّ، متديّنٌ بالملّة الحنيفيّة، شاكرٌ لله تعالى على ما أنعم على أوائل هذه الملّة، كالسعي بين الصفا والمروة. (ومنها): أن أهل الجاهليّة كانوا يحجّون، وكان الحجّ أصل دينهم، ولكنّهم خلطوا فيه أعمالاً ما هي مأثورة عن إبراهيم عليّها، وإنما هي اختلاقٌ منهم، وفيها إشراك لغير الله بالله تعالى، كتعظيم إساف، ونائلة، وكالإهلال المناة الطاغية، وكقولهم في التلبية: لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، (١) حديث صحيحٌ، أخرجه النسائيّ تَغْفُ برقم (٣٠١٤). ٥٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج تملكه، وما ملك، ومن حقّ هذه الأعمال أن يُنهى عنها، ويؤكّد ذلك، وأعمالاً انتحلوها، فخراً، وعجباً، كقول الحُمْس: نحن قُطّان بيت الله، فلا نخرج من حرم الله، فنزل: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ الآية [البقرة: ١٩٩]. (ومنها): أنهم ابتدعوا قياسات فاسدة، هي من باب التعمّق في الدين، وفيها حرجٌ للناس، ومن حقّها أن تُنسخ، وتُهجَر، كقولهم: يجتنب المحرم دخول البيوت من أبوابها، وكانوا يتسوّرون من ظهورها، ظنّاً منهم أن الدخول من الباب ارتفاق ينافي هيئة الإحرام، فنزل قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ أَلْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِن ◌ُهُورِهَا﴾ الآية [البقرة: ١٨٩]، وككراهيتهم التجارة في موسم الحجّ، ظنّاً منهم أنها تُخِلّ بإخلاص العمل لله تعالى، فنزل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحُ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٩٨]، وكاستحبابهم أن يحجّوا بلا زاد، ويقولون: نحن المتوكّلون، وكانوا يضيّقون على الناس، ويعتدون، فنزل قوله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ النَّقْوَىَّ﴾ الآية [البقرة: ١٩٧]. انتهى كلام وليّ الله ببعض تصرّف (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) - (بَابُ مَا يُبَاحُ لِلْمُحْرِمِ بِحَجِّ أَوْ عُمْرَةٍ وَمَا لَا يُبَاحُ وَبَيَانِ تَحْرِيمِ الطَّيبِ عَلَيْهِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢٧٩١] (١١٧٧) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﴿يَا: أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ اللهِ نَّهِ مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثَّبِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لَا تَلْبَسُوا الْقُمُصَ، وَلَا الْعَمَائِمَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا الْبَرَانِسَ، وَلَا الْخِفَافَ، إِلَّا أَحَدُ(٢) لَا يَجِدُ الثَّعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسْ الْخُفَّيْنِ(٣)، (١) راجع: ((المرعاة)) ٢٩٣/٨ - ٢٩٤. (٣) وفي نسخة: ((فليلبس خفّين)). (٢) وفي نسخة: ((إلا أحداً)). ٥٥ (١) - بَابُ مَا يُبَاحُ لِلْمُحْرِمِ بِحَجِّ أَوْ عُمْرَةٍ وَمَا لَا يُبَاحُ ... إلخ - حديث رقم (٢٧٩١) وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ، وَلَا تَلْبَسُوا مِنَ الفِّيَابِ شَيْئاً مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ، وَلَا الْوَرْسُ))). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، أبو زكريّاء النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٢٦) (خ م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣. ٢ - (مَالِك) بن أنس إمام دار الهجرة، أبو عبد الله المدنيّ، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين الحجة المجتهد [٧] (ت١٧٩) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٧٨. ٣ - (نَافِعٌ) أبو عبد الله المدنيّ، مولى ابن عمر، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهور [٣] (ت١١٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٢/٢٨. ٤ - (ابْنُ عُمَرَ) هو: عبد الله بن عمر بن الخطاب رضيها، مات سنة (٣ أو ٧٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١/ ١٠٢. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف نَُّ، وهو (١٧٣) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه أصحّ الأسانيد على الإطلاق، كما نُقل عن الإمام البخاريّ ◌َخْشُهُ . ٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، كما أسلفته آنفاً. ٥ - (ومنها): أن ابن عمر ظها أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠). شرح الحديث: (عَن ابْنِ عُمَرَ ﴿يَا: أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ اللهِ وَّهِ) قال الحافظ تَخْتُ: لم أقف على اسمه في شيء من الطرق، وفي رواية الليث، عن نافع بلفظ: ((قام رجل، فقال: يا رسول الله ماذا تأمرنا أن نلبس من الثياب في الإحرام؟)) وفي ٥٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج رواية عمر بن نافع، عن أبيه: ((أن رجلاً سأل رسول الله وَله: ما نلبس من الثياب إذا أحرمنا))، وفي رواية أيوب، عن نافع: ((نادى النبيّ وَّو رجل، فقال: ما نلبس إذا أحرمنا)). وهذا مشعر بأن السؤال عن ذلك كان قبل الإحرام. وقد حَكَى الدارقطنيّ، عن أبي بكر النيسابوريّ أن في رواية ابن جريج، والليث، عن نافع أن ذلك كان في المسجد، قال الحافظ: ولم أر ذلك في شيء من الطرق عنهما، نعم أخرج البيهقيّ ٤٩/٥ من طريق عبد الله بن عون، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قام رجل من هذا الباب - يعني بعض أبواب مسجد المدينة -، فقال: يا رسول الله ما يلبس المحرم؟ و٤٩/٥ من طريق حمّاد بن زيد، عن أيوب، ومن طريق عبد الوهّاب بن عطاء، عن عبد الله بن عون، كلاهما عن نافع، عن ابن عمر: نادى رجل رسول الله ﴾، وهو يخطب بذلك المكان - وأشار نافع إلى مقدّم المسجد - فذكر الحديث. فظهر أن ذلك كان بالمدينة. ووقع في حديث ابن عباس ها عند الشيخين: خطبنا رسول الله وَيه بعرفات، فقال: ((من لم يجد الإزار ... )) الحديث، فيحمل على التعدّد، ويؤيّده أن حديث ابن عمر أجاب به السائل، وحديث ابن عبّاس ابتدأ به في الخطبة. انتهى(١). (مَا يَلْبَسُ) ((ما)) استفهاميّة، أو موصولة، أو موصوفة في محلّ نصب مفعول ثان لـ(سأل))، و((يلبس)) بفتح المثنّة، والموحّدة، من اللبس بضم اللام، يقال: لَبِس الثوب يلبسه، من باب علم يعلم لُبْساً بالضمّ، وأما اللبس بفتح اللام، فهو مصدر لَبَستُ عليه الأمرَ ألبسه، من باب ضرب: إذا خلطت عليه، ومنه اشتباهه، ولا يناسب هنا . وقوله: (الْمُحْرِمُ) أجمعوا على أن المراد به الرجل، لا المرأة؛ لأنها لا تُمنع من لبس هذه الأنواع. قال ابن المنذر تَّتُهُ: أجمعوا على أن للمرأة لبس (١) ((الفتح)) ١٨٢/٤. ٥٧ (١) - بَابُ مَا يُبَاحُ لِلْمُحْرِمِ بِحَجّ أَوْ عُمْرَةٍ وَمَا لَا يُبَاحُ ... إلخ - حديث رقم (٢٧٩١) جميع ما ذُكر، وإنما تشترك مع الرجل في منع الثوب الذي مسّه الزعفران، أو الورس، وسيأتي الكلام على ذلك، إن شاء الله تعالى. وقوله: (مِنَ الثِّيَابِ؟) أي: من أنواع الثياب، وهو بيان لـ((ما))، أو للمسؤول عنه. [تنبيه]: قوله: ((ما يلبس المحرم من الثياب إلخ)) هذا هو المشهور في الرواية عن نافع، عن ابن عمر، وقد رواه أبو عوانة من طريق ابن جريج، عن نافع، بلفظ: ((ما يترك المحرم)). قال الحافظ: وهي شاذّة، والاختلاف فيها على ابن جريج، لا على نافع. وأخرجه أحمد ٨/٢ عن سفيان بن عيينة، عن الزهريّ، عن سالم، عن ابن عمر، فقال مرّةً: ((ما يترك؟)) ومرّةً: ((ما يلبس)). وأخرجه أبو داود، عن ابن عيينة بلفظ: ((ما يترك؟)) من غير شكّ. ورواه سالم، عن ابن عمر بلفظ: ((أن رجلاً قال: ما يجتنب المحرم؟)). وأخرجه أحمد ٣٤/٢، وابن خزيمة، وأبو عوانة في ((صحيحيهما)) من طريق عبد الرزّاق، عن معمر، عن الزهريّ، عنه. وأخرجه البخاريّ في أواخر الحجّ من طريق إبراهيم بن سعد، عن الزهريّ بلفظ نافع، فالاختلاف فيه على الزهريّ يُشعر بأن بعضهم رواه بالمعنى، فاستقامت رواية نافع؛ لعدم الاختلاف فيها . (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: (لَا تَلْبَسُوا) ((لا)) ناهية، ولذا جُزم الفعل بها، كذا هو في رواية نافع بالخطاب، وواو الجماعة، وفي رواية سالم التالية: ((لا يلْبَس المحرم القميص))، وهو بالرفع على الخبر على الأشهر، وهو في معنى النهي، وروي بالجزم على أنه نهي. وهذا الجواب مطابق للسؤال على إحدى الروايتين، وهي قول السائل: ((ما يترك المحرم؟)) أو ((ما يجتنب المحرم؟)) وأما على الرواية المشهورة، أي: قول السائل: ((ما يلبس المحرم))، فإن المسؤول عنه ما يلبسه المحرم، فأجيب بذكر ما لا يلبسه، والحكمة فيه أن ما يجتنبه المحرم، ويمتنع عليه لبسه محصور، فذِكْرُه أولى، ويبقى ما عداه على الإباحة، بخلاف ما يُباح لبسه، فإنه كثير، غير محصور، فذكره تطويل، وفيه تنبيه على أن السائل لم يُحسن ٥٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج السؤال، وأنه كان الأليق السؤال عما يتركه، فعدل عن مطابقته إلى ما هو أولى، وبعض علماء المعاني يسمّي هذا بـ((أسلوب حكيم))، وقريب منه قوله تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَآ أَنْفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾ الآية [البقرة: ٢١٥]، فالسؤال عن جنس المنفَق، فعدل عنه في الجواب إلى جنس المنفق عليه؛ لأنه أهمّ، وكان اعتناء السائل بالسؤال عنه أولى. ومثله قوله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِىَ مَوَقِيْثُ لِلنَّاسِ وَاَلْحَجّ﴾ الآية. قال النوويّ تَخْتُ: قال العلماء: هذا من بديع الكلام، وجَزْله، فإنه وَّلـ سُئل عما يلبسه المحرم، فقال: لا تلبسوا كذا وكذا، فحصل في الجواب أنه لا يلبس المذكورات، ويلبس ما عداها، فكان التصريح بما لا يُلبَس أولى؛ لأنه منحصر، فأما الملبوس الجائز للمحرم، فغير منحصر، فضبط الجميع بقوله: ((لا يلبس كذا وكذا)) يعني، ويلبس ما سواه. انتهى (١). وقال البيضاويّ: سئل عما يلبس، فأجاب بما لا يُلبس ليدلّ بالالتزام من طريق المفهوم على ما يجوز، وإنما عدل عن الجواب؛ لأنه أخصر، وأحصر. وفيه إشارة إلى أن حقّ السؤال عما لا يلبس. وقال الشيخ ابن دقيق العيد في ((شرح العمدة)): فيه دليل على أن المعتبر في الجواب ما يحصل به المقصود، كيف كان، ولو بتغيير، أو زيادة، ولا يشترط المطابقة. انتهى. (الْقُمُصَ) بضمّتين، وهو جمع قَمِيص، وهو نوع من الثياب معروف، وهو الدرع، وذكر ابن الهمام في أبواب النفقة من ((فتح القدير)) أنهما سواء، إلا أن القميص يكون مجيَّاً من قبل الكتف، والدرع من قبل الصدر. انتهى. ونبّه به وبالسراويل على جميع ما في معناهما، وهو ما كان مُحيطاً، أو مخيطاً معمولاً على قدر البدن، أو قدر عضو منه، وذلك مثل الجبّة، والقميص، والقباء، والتُّان، والقفّاز. (وَلَا الْعَمَائِمَ) جمع عمامة - بكسر العين -: هي ما يُلفّ على الرأس، (١) ((شرح النوويّ)) ٧٣/٨. ٥٩ (١) - بَابُ مَا يُبَاحُ لِلْمُحْرِمِ بِحَجِّ أَوْ عُمْرَةٍ وَمَا لَا يُبَاحُ ... إلخ - حديث رقم (٢٧٩١) سميت بذلك لأنها تعمّ جميع الرأس، ونبّه به على كلّ ساتر للرأس مخيطاً، أو غير مخيط، حتى العصابة، فإنها حرام. (وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ) جمع سِرْوال، وهو واحد جاء بلفظ الجمع. وقيل: جمع سِرْوالة، وهو ثوب خاصّ بالنصف الأسفل من البدن، قال في ((القاموس)): السراويل فارسيّة معرّبة، جمعها سراويلات، أو هي جمع سِرْوال، وسِرْوالة. انتهى، وقال صاحب ((المحكم)): السراويل فارسيّ معرّب، يذكّر، ويؤنّث، ولم يَعْرِف الأصمعيّ فيها إلا التأنيث، والجمع سراويلات، والسراوين - بالنون -: السراويل، زعم يعقوب أن النون فيها بدلٌ من اللام. وقال أبو حاتم السجستانيّ: وسمعت من الأعراب من يقول: الشراويل - بالشين المعجمة - انتهى. (وَلَا الْبَرَانِسَ) - بفتح الموحّدة، وكسر النون -: جمع بُرْنُس - بضمّتين - قال الأزهريّ، وصاحب ((المحكم))، وغيرهما: البرنس كلّ ثوب رأسه ملتزق به، درّاعة كانت، أو جبّة، أو مِمْطَراً (١)، من البِرْس بكسر الباء، وهو القطن، والنون زائدة. قال النوويّ تَخْذَلُ: نبّه بالعمائم، والبرانس على كلّ ساتر للرأس، مخيطاً كان، أو غيره حتى العصابة، فإنها حرام، فإن احتاج إليها لشجّة، أو صُداع، أو غيرهما شدّها، ولزمته الفدية. انتهى. وقال الخطّابيّ ◌َُّهُ: ذكر العمامة، والبرنس معاً ليدلّ على أنه لا يجوز تغطية الرأس لا بالمعتاد، ولا بالنادر، قال: ومن النادر الْمِكْتَل يحمله على رأسه، قال الحافظ: إن أراد أنه يجعله على رأسه كلابس القبع صحّ ما قال، وإلا فمجرّد وضعه على رأسه على هيئات الحامل لحاجته لا يضرّ، ومما لا يضرّ أيضاً الانغماس في الماء، فإنه لا يسمى لابساً، وكذا ستر الرأس باليد. انتھی . وقال الحافظ وليّ الدين: والمشهور من مذهب الشافعيّ أنه لا تحريم في (١) ((الممطر)) بكسر الميم الأولى، وفتح الطاء: ما يُلبس في المطر، يُتوقّى به. ذكره في ((المرعاة)) ٣٣٣/٩. ٦٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج حمل المكتل، ولا فدية فيه، وبه قال أبو حنيفة، وأحمد، وقال المالكيّة: لا بأس أن يحمل على رأسه ما لا بدّ له منه، كخَرْجِه، وجرابه، ولا يَحْمِل ذلك لغيره تطوّعاً، ولا بإجارة، فإن فعل افتدى، ولا يحمل لنفسه تجارة، قال أشهب: إلا أن یکون عيشه بذلك. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تفرقة المالكية بين ما يحمله لنفسه، ولغيره يحتاج إلى دليل، فتأمّل، والله تعالى أعلم. (وَلَّا الْخِفَافَ) - بالكسِر -: جمع خُفّ، وفي رواية سالم: ((ولا الخفّين)): تثنية خُفّ بضم، فتشديد (إِلَّا أَحَدٌ) بالرفع، وهو الوجه المختار؛ لأن الاستثناء متّصل منفيّ، فيكون مرفوعاً على البدليّة من ضمير (تلبسوا))، وفي نسخة: ((إلا أحداً)) بالنصب، وهو أيضاً جائز، فيكون منصوباً على الاستثناء، كما قال في «الخلاصة)» : وَبَعْدَ نَفْيٍ أَوْ كَنَفْي انْتُخِبْ مَا اسْتَثْنَتِ ((الَّا)) مَعْ تَمَامِ يَنْتَصِبْ وَعَنْ تَمِيمٍ فِيهِ إِبْدَالٌ وَقَعْ إِنْبَاعُ مَا اتَّصَلَ وَانْصِبْ مَا انْقَطَعْ وقال الزين ابن المنيّر تَّلُهُ: يستفاد منه جواز استعمال ((أحد)) في الإثبات، خلافاً لمن خصّه بضرورة الشعر، كقوله: وَقَدْ ظَهَرْتَ فَلَا تَخْفَى عَلَى أَحَدٍ إِلَّا عَلَى أَحَدٍ لَا يَعْرِفُ الْقَمَرَا قال: والذي يظهر لي بالاستقراء أنه لا يُستعمل في الإثبات إلا إن كان يعقبه نفيٌّ، وكان الإثبات حينئذ في سياق النفي. (لَا يَجِدُ النَّعْلَيْنِ) المراد بعدم الوجدان أن لا يقدر على تحصيله إما لفقده، أو ترك بذل المالك له، أو عجزه عن الثمن، إن وجد من يبيعه، أو الأجرة، ولو بيع بغبن لم يلزمه شراؤه، أو وُهب له لم يجب قبوله إلا إن أُعير له . واستُدلّ به على أن من وجد النعلين لا يلبس الخفّين المقطوعين، وهو قول الجمهور، وأجازه الحنفيّة، وبعض الشافعيّة. وقال ابن العربيّ: إن صارا كالنعلين جاز، وإلا متى سترا من ظاهر الرجل شيئاً لم يجز إلا للفاقد. وقال الزرقانيّ: فإن لبسهما مع وجود النعلين افتدى عند مالك، والليث، وعن