النص المفهرس

صفحات 441-460

٤٤١
(٣٧) - بَابُ الَّهْيِ عَنْ صَوْمِ الدَّهْرِ، وَبَيَانِ أَفْضَلِ الصِّيَامِ - حديث رقم (٢٧٢٩)
الألفاظ، وهي كلها متقاربة في مدلولها، وهو بلا شك نقل بالمعنى، ومضمون
هذه الألفاظ: أن هذا الصوم أعدل في نفسه وأكثر في ثوابه. انتهى(١).
(قَالَ) عبد الله (قُلْتُ: فَإِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((لَا
أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ))) أي من صوم داود؛، وفي رواية البخاريّ: («فصم صيام نبيّ الله
داود، ولا تزد عليه)) أي على صوم داود، زاد أحمد وغيره من رواية مجاهد:
((قلت: قد قبلتُ)).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((لا أفضل من ذلك)) ليس فيه نفي المساواة
صريحاً، لكن قوله في الرواية الأخرى عند البخاريّ: ((أحب الصيام إلى الله
صيام داود)» يقتضي ثبوت الأفضلية مطلقاً، ورواه مسلم والترمذيّ بلفظ: ((أفضل
الصيام صيام داود))، ومقتضاه أن تكون الزيادة على ذلك من الصوم مفضولة.
انتھی بتصرّف(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: لا شكّ في ثبوت الأفضليّة مطلقاً؛ لأن
قوله وقال: ((أفضل الصيام صيام داود)) صريح في ذلك، فمن زاد على صوم
داود، فقد ترك الأفضل، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو ◌َهُ: لَأَنْ أَكُونَ قَبِلْتُ الثَّلَاثَةَ الْأَيَامَ الَّتِي قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَ لّهِ﴾ أي: في قوله: ((وصُم من الشهر ثلاثة أيام، فإن الحسنة بعشر
أمثالها)» (أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَهْلِي وَمَالِي) وفي الرواية التالية: ((قال: وقال لي
النبيّ وَّ: إنك لا تدري لعلك يطول بك عمر، قال: فصِرتُ إلى الذي قال لي
النبيّ وَّ، فلما كَبِرت وددت أني كنت قبلت رخصة نبي الله وَّ).
معنى كلامه ظُه هذا أنه كَبِرَ وعجز عن المحافظة على ما التزمه، ووَّفَه
على نفسه عند رسول الله وَير، فشقّ عليه فعله؛ لعجزه، ولم يُعجبه أن يتركه؛
لالتزامه له، ولأن النبيّ ◌َ * قال له: ((يا عبد الله لا تكن مثل فلان، كان يقوم
الليل، فترك قيام الليل))، فتمنى أن لو قبل الرخصة، فأخذ بالأخفّ.
ثم إنه رؤيته مع عجزه وتمنيه الأخذ بالرخصة، لم يترك العمل بما التزمه،
بل صار يتعاطى فيه نوع تخفيف، كما بُيّن ذلك في رواية الإمام أحمد: ((وكان
(١) ((المفهم)) ٢٢٧/٣.
(٢) ((الفتح)) ٣٩٨/٥.

٤٤٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
عبد الله حين ضَعُف وكَبِر يصوم تلك الأيام كذلك، يصل بعضها إلى بعض، ثم
يفطر بعدد تلك الأيام، فيقوى بذلك، وكان يقول: لأن أكون قبلت الرخصة
أحب إلي مما عدل به، لكنني فارقته على أمر أكره أن أخالفه إلى غيره))(١).
انتھی .
وقال القرطبيّ تَّلهُ: هذا إنما قاله عبد الله لمّا انتهى من العمر إلى الكبر
(١) أخرجه الإمام أحمد بن حنبل كثّفُ في («مسنده)) (١٥٨/٢) مطوّلاً، فقال:
- حدّثنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن محمد، حدثني أبي، ثنا هُشيم، عن
حصين بن عبد الرحمن، ومغيرة الضبي، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو، قال:
زوّجني أبي امرأةً من قريش، فلما دخلت عليّ، جعلت لا أنحاش لها، مما بي من
القوّة على العبادة من الصوم والصلاة، فجاء عمرو بن العاص إلى گنَّته حتى دخل
عليها، فقال لها: كيف وجدت بعلك؟ قالت: خير الرجال، أو كخير البعولة، من
رجل لم يفتش لنا كَنْفاً، ولم يعرف لنا فراشاً، فأقبل عليّ، فعذمني، وعضّني
بلسانه، فقال: أنكحتك امرأة من قريش ذات حسب، فعضلتها، وفعلت وفعلت،
ثم انطلق إلى النبيّ وَ﴿، فشكاني، فأرسل إلى النبيّ وَليه، فأتيته، فقال لي: ((أتصوم
النهار؟)) قلت: نعم، قال: ((وتقوم الليل؟)) قلت: نعم، قال: ((لكني أصوم وأفطر،
وأصلي وأنام، وأمسّ النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني))، قال: ((اقرأ القرآن
في كل شهر))، قلت: إني أجدني أقوى من ذلك، قال: ((فاقرأه في كل عشرة
أيام))، قلت: إني أجدني أقوى من ذلك، قال أحدهما، إما حُصين، واما مغيرة:
قال ((فاقرأه في كل ثلاث)) قال: ثم قال: ((صم في كل شهر ثلاثة أيام))، قلت: اني
أقوى من ذلك، قال: فلم يزل يرفعني، حتى قال: ((صم يوماً، وأفطر يوماً، فإنه
أفضل الصيام، وهو صيام أخي داود))، قال حصين في حديثه: ثم قال رَّ: ((فإن
لكل عابد شرّةً، ولكل شرة فترةً، فإما إلى سنة، واما إلى بدعة، فمن كانت فترته
إلى سنة، فقد اهتدى، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك))، قال مجاهد:
فكان عبد الله بن عمرو حيث ضعف وكبر يصوم الأيام كذلك، يصل بعضها إلى
بعض؛ ليتقوى بذلك، ثم يفطر بعد تلك الأيام، قال: وكان يقرأ في كل حزبه
كذلك يزيد أحياناً وينقص أحياناً غير أنه يوفي العدد، إما في سبع، وإما في
ثلاث، قال: ثم كان يقول بعد ذلك: لأن أكون قبلت رخصة رسول الله وَل و أحب
الي مما عُدل به، أو عُدل، لكني فارقته على أمر أكره أن أخالفه إلى غيره. انتهى.
وقوله ((گنّته)) بفتح الكاف، وتشديد النون: هي زوج الولد.

٤٤٣
(٣٧) - بَابُ النَّهْيٍ عَنْ صَوْمِ الدَّهْرِ، وَبَيَانِ أَفْضَلِ الصِّيَامِ - حديث رقم (٢٧٢٩)
الذي كان النبيّ وَليل قد أخبره به بقوله: ((إنك لا تدري لعله يطول بك عمر))،
قال: فصرت للذي قال النبيّ وَ﴿، قال: فلما كبرتُ وددتُ أني كنت قبلت
رخصة رسول الله صل*، وهذا من عبد الله يدلّ على أنه كان قد التزم الأفضل
مما نقله إليه النبيّ وَلتر، والأكثر، إما بحكم التزامه الأول؛ إذ قال: لأصومنّ
الدهر، ولأقومنّ الليل ما عشتُ، وإما بحكم أنه هو الحال الذي فارق النبيّ وَلّى
عليه، وكره أن ينقص من عمل فارق النبيّ وَ ير عليه، فلم ير أن يرجع عنه، وإن
كان قد ضعف عنه، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ كَُّهُ(١)، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﴿ها هذا متّفقٌ
عليه .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٧٢٩/٣٧ و٢٧٣٠ و٢٧٣١ و٢٧٣٢ و٢٧٣٣
و ٢٧٣٤ و٢٧٣٥ و٢٧٣٦ و٢٧٣٧ و٢٧٣٨ و٢٧٣٩ و٢٧٤٠ و٢٧٤١ و٣٧٤٢
و٢٧٤٣] (١١٥٩)، و(البخاريّ) في ((التهجّد)) (١١٥٣) و((الصوم)) (١٩٧٦
و١٩٧٧ و١٩٧٨ و١٩٧٩) و((أحاديث الأنبياء)) (٣٤١٨ و٣٤١٩) و((فضائل
القرآن)) (٥٠٥٢)، و(أبو داود) في ((الصوم)) (٢٤٢٧)، و(النسائيّ) في ((الصيام))
(٢٠٩/٤ - ٢١٢) و((الكبرى)) (١٢٨/٢)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٢٢٥٥)،
و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٧٨٦٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٨٧/٢ -
١٨٨)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣٥٢ و٢٥٩٠ و ٣٥٧٣ و ٣٦٤٣ و٣٦٦١)،
و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٨٥/٢ - ٨٦)، و(الطبرانيّ) في
((الأوسط)) (١٥٧/٤)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (٢٢٤/٢)، و(أبو نعيم) في
((مستخرجه)) (٢٣٥/٣)، والبيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٦/٣ و٢٩٩/٤)، و(البغويّ)
في ((شرح السنّة)) (١٨٠٧ و١٨٠٨)، والله تعالى أعلم.
(١) المفهم ٢٢٧/٣ - ٢٢٨.

٤٤٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
هذا على
(المسألة الثالثة): في فوائد حديث عبد الله بن عمرو .
اختلاف ألفاظه(١)، فقد قال القرطبيّ تَظّتُهُ: حديث عبد الله بن عمرو ه
اشتَهَرَ، وكَثُر رواته، فكثر اختلافه حتى ظَنَّ من لا بصيرة عنده: أنه مضطرب،
وليس كذلك؛ فإنه إذا تُتُبِّع اختلافه، وضم بعضه إلى بعض انتَظَّمَت صورته،
وتناسب مساقه؛ إذ ليس فيه اختلاف تناقض، ولا تهاتر، بل يرجع اختلافه إلى
أَنْ ذَكَرَ بعضُهم ما سكت عنه غيره، وفَصَّل بعض ما أجمله غيره، وسنشير إلى
بعضه - إن شاء الله تعالى. انتهى (٢).
١ - (منها): بيان أفضلية صوم يوم، وإفطار يوم.
٢ - (ومنها): تفقّد الإمام لأمور رعيته كلياتها، وجزئياتها، وتعليمهم ما
يُصلحهم.
٣ - (ومنها): بيان رفق النبيّ وَله بأمته، وشفقته عليهم، وإرشاده إياهم
إلى ما يُصلحهم، وحثّه لهم على ما يطيقون الدوام عليه، ونهيهم عن التعمّق
والإكثار من العبادات التي يُخاف عليهم الملل بسببها، أو تركها، أو ترك
بعضها، وقد بَيَّن ◌َ﴿ ذلك في الحديث الماضي في الباب السابق بقوله:
((عليكم من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لن يمل حتى تملوا))، وكان يقول:
((أحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه، وإن قلّ))، وبقوله وَّ في
الحديث الآتي في الباب: ((لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل فترك قيام
الليل))، وقد ذم الله تعالى قوماً أكثروا العبادة، ثم فَرَّطوا فيها، فقال تعالى:
﴿وَرَهْبَانِيَّةً أَبْتَدَعُوهَا مَا كَثَبْنَهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا أَبْتِغَاءَ رِضْوَنِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ
رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧] الآية.
٤ - (ومنها): الندب إلى الدوام على ما وظّفه الإنسان على نفسه من
العبادة .
(١) ليس المراد فوائد هذا المتن الذي شرحته الآن، بل فوائد الحديث بجميع طرقه
المختلفة التي ذكرها المصنّف، أو زيدت في الشرح.
(٢) ((المفهم)) ٢٢٤/٣.

٤٤٥
(٣٧) - بَابُ النَّهْيِ عَنْ صَوْمِ الدَّهْرِ، وَبَيَانِ أَفْضَلِ الصِّيَامِ - حديث رقم (٢٧٢٩)
٥ - (ومنها): جواز الإخبار عن الأعمال الصالحة، والأوراد، ومحاسن
الأعمال، ولا يخفى أن محلّ ذلك عند أمن الرياء.
٦ - (ومنها): الحضّ على ملازمة العبادة؛ لأنه ◌َّلول مع كراهته لعبد الله بن
عمرو تشدّده على نفسه حضّه على الاقتصاد، كأنه قال له: ولا يمنعك اشتغالك
بحقوق من ذكر من النفس، والأهل، والأضياف أن تضيّع حقّ العبادة، وتترك
المندوب جملة، ولکن اجمع بينهما .
٧ - (ومنها): أنه لا يجوز للإنسان أن يُجهد نفسه بالعبادة حتى يَضعُف
عن القيام بحقوق زوجته، من الجماع، والاكتساب.
وقد اختلف العلماء فيمن كفّ عن جماع زوجته، فقال مالك: إن كان
بغير ضرورة أُلزم به، أو يفرّق بينهما، ونحوه عن أحمد، والمشهور عند
الشافعيّة أنه لا يجب عليه، وقيل: يجب مرّة، وعن بعض السلف في كلّ أربع
ليلة، وعن بعضهم في كلّ طهر مرّةً(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الأرجح عندي هو القول بوجوب جماعها
إذا طلبت منه ذلك؛ لأن هذا من المعاشرة بالمعروف التي أوجبها الله تعالى
بقوله: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ الآية [النساء: ١٩]، وقال تعالى أيضاً: ﴿نَفْسِكُوُنَّ
يِمَعْرُوفٍ﴾ الآية [البقرة: ٢٣١]، وسيأتي تمام البحث في ذلك في موضعه من
(كتاب النكاح))، إن شاء الله تعالى.
٨ - (ومنها): فضيلة نبيّ الله داود ظلَّل، حيث إنه كان أعبد الناس.
٩ - (ومنها): بيان منقبة الصحابيّ الجليل عبد الله بن عمرو رضيها، حيث
كان بهذه المنزلة من الالتزام بالعبادة، وعدم الالتفات إلى الدنيا، وشهواتها .
١٠ - (ومنها): جواز القَسَمَ على التزام العبادة، وفائدته الاستعانة باليمين
على النشاط لها، وأن ذلك لا يخلّ بصحة النية، والإخلاص فيها .
١١ - (ومنها): أن اليمين على التزام العبادة لا يُلحقها بالنذر الذي يجب
الوفاء به.
١٢ - (ومنها): جواز الحلف من غير استحلاف.
(١) ((الفتح)) ٣٧٤/١٠.

٤٤٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
١٣ - (ومنها): أن النفل المطلق لا ينبغي تحديده، بل يختلف الحال
باختلاف الأشخاص، والأوقات، والأحوال.
١٤ - (ومنها): الإشارة إلى الاقتداء بالأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -
في أنواع العبادات، كما أمر وولفر عبد الله هنا، وكما أمر الله نبيّه وَيقول، حيث
قال: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اَللَّهُ فَيِهُدَهُمُ أَقْتَدِةُ﴾ [الأنعام: ٩٠] الآية.
١٥ - (ومنها): زيارة الفاضل للمفضول في بيته.
١٦ - (ومنها): إكرام الضيف بإلقاء الفُرُش، ونحوها تحته، كما يأتي في
قوله: ((فألقيت له وسادة من أدم ... إلخ))، وتواضع الزائر بجلوسه دون ما
يفرش له، وأنه لا حرج عليه في ذلك، إذا كان على سبيل التواضع والإكرام
للمزور.
١٧ - (ومنها): بيان النهي عن صوم الدهر؛ لقوله بَي: ((لا صام من صام
الأبد))، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى - والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم صوم الدهر:
ذهب إسحاق ابن راهويه، وأهل الظاهر إلى كراهته مطلقاً، سواء أفطر
الأيام الخمسة المنهيّ عنها أم لا، وهي رواية عن أحمد، قال الأثرم: قيل
لأبي عبد الله: فَسَّرَ مسدّدٌ قول أبي موسى: ((من صام الدهر ضُيّقت عليه
جهنم)): أي فلا يدخلها. فضحك، وقال: من قال هذا؟، فأين حديث
عبد الله بن عمرو أن النبيّ وَّ كره ذلك، وما فيه من الأحاديث(١).
وقال ابن حزم: لا يحلّ صوم الدهر أصلاً - يعني أنه يحرم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه ابن حزم هو الحقّ عندي،
كما يأتي تحقيقه، إن شاء الله تعالى.
وإلى الكراهة مطلقاً ذهب ابن العربيّ من المالكية، فقال: قوله وَالو: ((لا
صام من صام الأبد)) في حديث عبد الله بن عمرو، إن كان معناه الدعاء، فيا
وَيحَ من أصابه دعاء النبيّ وََّ، وإن كان معناه الخبر، فيا وَيحَ من أخبر عنه
(١) انظر: ((المغني)) ٦٧/٣.

٤٤٧
(٣٧) - بَابُ التَّهْىٍ عَنْ صَوْمِ الدَّهْرِ، وَبَيَانِ أَفْضَلِ الصِّيَامِ - حديث رقم (٢٧٢٩)
النبيّ ◌َ﴿ أنه لم يصم، وإذا لم يصم شرعاً، لم يكتب له الثواب؛ لوجوب
صدق قوله ◌َ﴿؛ لأنه نفى عنه الصوم، وقد نفى عنه الفضل، كما تقدّم، فكيف
يطلب الفضل فيما نفاه النبيّ وَّ؟. انتهى.
واستُدلّ للكراهة والمنع بقوله ويلي: ((لا صام من صام الأبد))، وسيأتي في
الباب، واستدلّ أيضاً لذلك بقصّة عبد الله بن عمرو التي وردت في حديث
الباب.
قال ابن التين: استُدلّ على كراهة صوم الدهر من هذه القصّة من أوجه:
نهيُهُ مَّي عن الزيادة على صوم نصف الدهر، وأمره بأن يصوم ويفطر، وقوله:
((لا أفضل من ذلك))، ودعاؤه على من صام الأبد. انتهى.
وبحديث أنس معظ له أنه وَ ل﴿ قال للثلاثة الذين قال أحدهم: إنه يصوم،
ولا يفطر، وقال الثاني: إنه يقوم الليل، ولا ينام، وقال الثالث: إنه لا يأتي
النساء، فقال ◌َله: «أمّا أنا فأصوم، وأفطر، وأقوم، وأنام، وآتي النساء، فمن
رغب عن سنتي، فليس منّي))، متّفقٌ عليه.
فهذا الحديث الصحيح يدلّ على أن صيام الدهر من الرَّغْبَة عن سنة
رسول الله وَله، فيستحقّ فاعله ما رتّبه عليه من الوعيد بقوله: ((فمن رغب عن
سنتي، فليس منّي)).
وبحديث رجل من أصحاب النبيّ وَله قال: قيل للنبيّ وَلّ: رجل يصوم
الدهر؟ قال: ((وددت أنه لم يطعم الدهر شيئاً ... )) الحديث. أخرجه
النسائيّ(١).
قال السنديّ: أي وددت أنه ما أكل ليلاً، ولا نهاراً حتى مات جوعاً،
والمقصود بيان كراهة عمله، وأنه مذموم العمل، حتى يتمنى له الموت
بالجوع.
وبحديث أبي موسى الأشعريّ رَظُبه، رفعه: ((من صام الدهر ضُيّقت عليه
جهنم هكذا، وقبض كفّه))، حديث صحيح، أخرجه أحمد، والنسائيّ،
(١) حديث صحيح، أخرجه النسائيّ (٢٣٨٥).

٤٤٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
وابن خزيمة، وابن حبان، والبيهقيّ(١)، وابن أبي شيبة، والبزّار، ولفظ ابن
حبّان، والبزار، والبيهقيّ: ((ضيّقت عليه جهنم هكذا، وعقد تسعين))، وأخرجه
أيضاً الطبرانيّ، قال الهيثميّ(٢): رجاله رجال الصحيح.
قال الحافظ: ظاهره أنها تضيّق عليه حصراً له فيها لتشديده على نفسه،
وحمله عليها، ورغبته عن سنة نبيّه وَله، واعتقاده أن غير سنته أفضل منها،
وهذا يقتضي الوعيد الشديد، فيكون حراماً. انتهى.
وقال ابن التركماني: ظاهر هذا الحديث يقتضي المنع من صوم الدهر،
وقد أورده ابن أبي شيبة في ((باب من كره صوم الدهر))، واستدلّ به ابن حزم
على المنع، وقال: إنما أورده رواته كلهم على التشديد، والنهي عن صومه،
وقال ابن حبّان في ((صحيحه)): ذكر الأخبار عن نفي جواز سرد المسلم صوم
الدهر»، وذكر هذا الحديث.
واستدلّ للمنع أيضاً بما روى ابن أبي شيبة بسند صحيح عن أبي عمرو
الشيبانيّ، قال: بلغ عمر أن رجلاً يصوم الدهر، فأتاه، فعلاه بالدّرّة، وجعل
يقول: كُلْ يا دهريّ، قال ابن حزم: قد صحّ عن عمر تحريم صيام الدهر، كما
رويناه، فذكر هذا الأثر، ثم قال: هذا في غاية الصحّة عنه، فصحّ أن تحريم
صوم الدهر كان من مذهبه، ولو كان عنده مباحاً لما ضرب فيه، ولا أمر
بالفطر. انتهى.
وبما روى ابن أبي شيبة أيضاً من طريق أبي إسحاق أن عبد الرحمن بن
أبي نُعْم كان يصوم الدهر، فقال عمرو بن ميمون: لو رأى هذا أصحابُ
محمد ﴿ لرجموه.
وبما روى الطبرانيّ عن عمرو بن سلمة، قال: سئل ابن مسعود عن صوم
الدهر؟ فكرهه، قال الهيثميّ: إسناده حسن.
وذهب آخرون إلى استحباب صيام الدهر لمن قوي عليه، ولم يفوّت فيه
(١) ((السنن الكبرى)) ٣٠٠/٤.
(٢) ((مجمع الزوائد)) ١٩٣/٣.

٤٤٩
(٣٧) - بَابُ الَّهْىٍ عَنْ صَوْمِ الدَّهْرِ، وَبَيَانِ أَفْضَلِ الصِّيَامِ - حديث رقم (٢٧٢٩)
حقّاً، وأفطر الأيام المنهيّ عنها، وإلى هذا ذهب الجمهور، منهم: مالك،
والشافعيّ، وأحمد في رواية.
قال مالك في ((الموطأ)): إنه سمع أهل العلم يقولون: لا بأس بصيام
الدهر إذا أفطر الأيام التي نهى رسول الله وَلول عن صيامها، وذلك أحبّ ما
سمعت إلي في ذلك. انتهى.
وصرّح الزرقاني، وغيره من المالكية باستحبابه بالشروط المذكورة.
وقال النوويّ: مذهب الشافعي، وأصحابه أن سرد الصيام إذا أفطر
العيدين، والتشريق، لا كراهة فيه، بل هو مستحبّ بشرط أن لا يلحقه به
ضرر، ولا يفوّت حقّاً، فإن تضرَّر، أو فوّت حقّاً فمكروه. انتهى.
وقال ابن قُدامة: قال أبو الخطاب: إنما يكره إذا أدخل فيه يومي
العيدين، وأيام التشريق؛ لأن أحمد قال: إذا أفطر يومي العيدين، وأيام
التشريق رجوت أن لا يكون بذلك بأس، وروي نحو هذا عن مالك، وهو قول
الشافعيّ؛ لأن جماعة من الصحابة كانوا يسردون الصوم، منهم أبو طلحة. قال
ابن قدامة: والذي يَقوَى عندي أن صوم الدهر مكروه، وإن لم يصم هذه
الأيام، فإن صامها فقد فعل محرّماً، وإنما كره صوم الدهر؛ لما فيه من المشقّة
والضعف، وشبه التبتّل المنهيّ عنه؛ بدليل أن النبيّ وَ ﴿ قال لعبد الله بن عمرو:
((إنك تصوم الدهر، وتقوم الليل؟))، فقلت: نعم، قال: ((إنك إذا فعلت ذلك
هَجَمَت له عينك، ونَفِهَت له نفسك، لا صام من صام الدهر ... )) الحديث.
واحتجّ الجمهور على الاستحباب بما صحّ من حديث حمزة بن عَمْرو
الأسلميّ رَؤُبه، أنه قال: يا رسول الله، إني أسرد الصوم، أفأصوم في السفر؟
فقال: ((إن شئت فصم))، فأقرّه ◌َ ي على سرد الصيام، ولو كان مكروهاً لم
يقرّه.
وأجيب عن هذا: أوّلاً بأن سؤال حمزة إنما كان عن صوم الفرض في
السفر، لا عن صوم الدهر، كما سبق. وثانياً بأن سرد الصوم لا يستلزم صوم
الدهر؛ لأن التتابع يصدق بدون صوم الدهر، بل المراد: إني أكثر الصوم،
وكان هو كثير الصوم، كما ورد في بعض الروايات، ويؤيّد عدم الاستلزام ما
أخرجه أحمد، والنسائيّ من حديث أسامة بن زيد أن النبيّ وَ ط # كان يسرد

٤٥٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
الصوم، مع ما ثبت أنه لم يصم الدهر، بل لم يصم شهراً كاملاً إلا رمضان،
وبهذا يجاب عما رُوي عن عمر، وعائشة أنهما كانا يسردان الصوم.
واحتجّوا أيضاً بحديث عبد الله بن عمرو ظًا: ((صم من الشهر ثلاثة
أيام، فإن الحسنة بعشر أمثالها، وذلك مثل صيام الدهر))، وفي حديث أبي
أيوب ظله مرفوعاً: ((من صام رمضان، ثم أتبعه ستاً من شوّال كان كصيام
الدهر))، رواه مسلم. قالوا: والمشبّه به يكون أفضل من المشبه، فدلّ ذلك
على أن صوم الدهر أفضل من هذه المشبهات، فيكون مستحبّاً، وهو
المطلوب.
وتُعُقّب بأن التشبيه في الأمر المقدّر لا يقتضي جوازه، فضلاً عن
استحبابه، وإنما المراد حصول الثواب على تقدير مشروعية صيام ثلاثمائة
وستين يوماً، ومن المعلوم أن المكلّف لا يجوز له صيام جميع السنة، فلا يدلّ
التشبيه على أفضلية المشبه به من كل وجه، كذا ذكره في ((الفتح)).
وقد بسط هذا الجواب ابن القيّم تَخْثُ في ((زاد المعاد))، فأجاد، وأفاد،
حيث قال:
ولم يكن من هديه و لو سرد الصوم، وصيام الدهر، بل قد قال: ((من
صام الدهر لا صام، ولا أفطر))، وليس مراده بهذا من صام الأيام المحرَّمة،
فإنه ذَكَر ذلك جواباً لمن قال: أرأيت من صام الدهر؟، ولا يقال في جواب
من فعل المحرم: لا صام ولا أفطر، فإن هذا يؤذن بأنه سواء فطره وصومه، لا
يثاب عليه، ولا يعاقب، وليس كذلك من فعل ما حرم الله عليه من الصيام،
فليس هذا جواباً مطابقاً للسؤال عن المحرّم من الصوم.
وأيضاً فإن هذا عند من استَحَبّ صوم الدهر قد فَعَل مستحبّاً وحراماً،
وهو عندهم قد صام بالنسبة إلى أيام الاستحباب، وارتكب محرماً بالنسبة إلى
أيام التحريم، وفي كل منهما لا يقال: لا صام ولا أفطر، فتنزيل قوله على
ذلك غلطٌ ظاهرٌ.
وأيضاً فإن أيام التحريم مستثناة بالشرع، غير قابلة للصوم شرعاً، فهي
بمنزلة الليل شرعاً، وبمنزلة أيام الحيض فلم يكن الصحابة ليسألوه عن صومها،

٤٥١
(٣٧) - بَابُ النَّهْيِ عَنْ صَوْمِ الدَّهْرِ، وَبَيَانِ أَفْضَلِ الصِّيَامِ - حديث رقم (٢٧٢٩)
وقد عَلِموا عدم قبولها للصوم، ولم يكن ليجيبهم لو لم يعلموا التحريم بقوله:
((لا صام ولا أفطر))، فإن هذا ليس فيه بيان للتحريم.
فهديه الذي لا شك فيه أن صيام يوم، وفطر يوم أفضل من صوم الدهر،
وأحبّ إلى الله، وسرد صيام الدهر مكروه، فإنه لو لم يكن مكروهاً لزم أحد
ثلاثة أمور ممتنعة: أن يكون أحب إلى الله من صوم يوم وفطر يوم، وأفضل
منه؛ لأنه زيادة عمل، وهذا مردود بالحديث الصحيح: أن أحب الصيام إلى الله
صيام داود، وأنه لا أفضل منه، وإما أن يكون مساوياً له في الفضل، وهو
ممتنع أيضاً، وإما أن يكون مباحاً متساوي الطرفين، لا استحباب فيه ولا
كراهة، وهذا ممتنعٌ؛ إذ ليس هذا شأن العبادات، بل إما أن تكون راجحة، أو
مرجوحة، والله أعلم. قال:
[فإن قيل]: فقد قال النبيّ وَله: ((من صام رمضان وأتبعة ستة أيام من
شوال، فكأنما صام الدهر))، وقال فيمن صام ثلاثة أيام من كل شهر: ((إن ذلك
يعدل صوم الدهر))، وذلك يدلّ على أن صوم الدهر أفضل مما عُدِل به، وأنه
أمر مطلوب، وثوابه أكثر من ثواب الصائمين، حتى شُبِّه به من صام هذا
الصيام.
[قيل]: نفس هذا التشبيه في الأمر المقدَّر لا يقتضي جوازه فضلاً عن
استحبابه، وإنما يقتضي التشبيه به في ثوابه لو كان مستحبّاً، والدليل عليه من
نفس الحديث، فإنه جعل صيام ثلاثة أيام من كل شهر بمنزلة صيام الدهر؛ إذ
الحسنة بعشر أمثالها، وهذا يقتضي أن يحصل له ثواب من صام ثلاثمائة وستين
يوماً، ومعلوم أن هذا حرام قطعاً، فعلم أن المراد به حصول هذا الثواب على
تقدير مشروعية صيام ثلاثمائة وستين يوماً، وكذلك قوله في صيام ستة أيام من
شوال: إنه يعدل مع صيام رمضان السنة، ثم قرأ: ﴿مَنْ جََّ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ
أَمَّثَالِهًا﴾ [الأنعام: ١٦٠] الآية فهذا صيام ستة وثلاثين يوماً تعدل صيام ثلاثمائة
وستين يوماً، وهو غير جائز بالاتفاق.
بل قد يجيء مثل هذا فيما يَمتنع فعل المشبّه به عادةً، بل يستحيل، وإنما
شُبِّه به من فعل ذلك على تقدير إمكانه، كقوله لمن سأله عن عمل يعدل
الجهاد: ((هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تقوم، ولا تفتر، وأن تصوم ولا

٤٥٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
تفطر ... ))، ومعلوم أن هذا ممتنع عادةً، كامتناع صوم ثلاثمائة وستين يوماً
شرعاً.
وقد شبه العمل الفاضل بكل منهما، ويزيده وضوحاً أن أحب القيام
إلى الله قيام داود، وهو أفضل من قيام الليل كله بصريح السنة الصحيحة، وقد
مثّل من صلى العشاء الآخرة والصبح في جماعة بمن قام الليل كله.
[فإن قيل]: فما تقولون في حديث أبي موسى الأشعريّ ظلُبه مرفوعاً:
((من صام الدهر ضُيِّقت عليه جهنم، حتى تكون هكذا، وقبض كفه))، وهو في
((مسند أحمد))، وغيره.
[قيل]: قد اختَلَف في معنى هذا الحديث، فقيل: ضُيِّقت عليه حصراً له
فيها؛ لتشديده على نفسه، وحمله عليها، ورغبته عن هدي رسول الله ◌َێ،
واعتقاده أن غيره أفضل منه.
وقال آخرون: بل ضُيِّقت عليه، فلا يبقى له فيها موضع، ورَجَّحَت هذه
الطائفة هذا التأويل بأن الصائم لما ضَيَّق على نفسه مسالك الشهوات وطرقها
بالصوم، ضَيَّق الله عليه النار، فلا يبقى له فيها مكان؛ لأنه ضيّق طرقها عنه.
ورَجَّحت الطائفة الأولى تأويلها بأن قالت: لو أراد هذا المعنى لقال:
ضُيِّقت عنه، وأما التضييق عليه فلا يكون إلا وهو فيها .
قالوا: وهذا التأويل موافق لأحاديث كراهة صوم الدهر، وأن فاعله
بمنزلة من لم يصم. انتهى كلام ابن القيّم ◌َخَّهُ(١)، وهو تحقيق نفيسٌ مفيدٌ
جدّاً، والله تعالى أعلم.
وقال الشوكانيّ تَخْتُهُ في ((السيل الجرّار)) - بعد ذكر حديث أبي موسى
الأشعريّ ظله المذكور - ما نصّه: هذا وعيد ظاهر، وتأويله بما يخالف هذا
المعنى تعسّف وتكلّف، والعجب ذهاب الجمهور إلى استحباب صوم الدهر،
وهو مخالف للهدي النبويّ، وهو أمر لم يكن عليه أمر رسول الله وَّل، وقد
قال ◌َ﴿ فيما صحّ عنه: ((كلّ أمر ليس عليه أمرنا، فهو ردّ))، وهو أيضاً من
الرغبة عن سنة رسول الله ◌َ*، ومن رغب عن سنته، فليس منه، كما تقدّم،
(١) ((زاد المعاد في هدي خير العباد)) ٨٠/٢ - ٨٣.

٤٥٣
(٣٧) - بَابُ النَّهْىِ عَنْ صَوْمِ الدَّهْرِ، وَبَيَانِ أَفْضَلِ الصِّيَامِ - حديث رقم (٢٧٣٠)
وهو أيضاً من التعسير والتشديد المخالف لما استقرّت عليه هذه الشريعة
المطهّرة، قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَ يُرِيدُ بِكُمُ الْمُسْرَ﴾
[البقرة: ١٨٥]. وقال وَل﴾: ((يسّروا، ولا تُعسّروا، ولن يُشادَّ الدين أحد إلا
غلبه))، وقال: ((أُمِرتُ بالشريعة السمحة السهلة)(١).
فالحاصل أن صوم الدهر إذا لم يكن محرّماً بحتاً، فأقلّ أحواله أن يكون
مكروهاً كراهة شديدة. هذا لمن لا يضعف بالصوم من شيء من الواجبات، أما
من كان يضعف بالصوم عن بعض الواجبات الشرعيّة، فلا شكّ في تحريمه من
هذه الحيثية بمجرّدها من غير نظر إلى ما قدّمنا من الأدلّة. انتهى كلام
(٢)
الشوكاني(٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أرجح الأقوال قول من قال بتحريم
صيام الدهر؛ لظواهر الأدلة، كحديث: ((لا صام من صام الأبد))، وحديث:
((من رغب عن سنتي فليس مني))، قاله و ﴿ لمن قال: أصوم، ولا أفطر،
وحديث: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا، فهو ردّ»، وحديث: ((من أحدث في
أمرنا هذا ما ليس منه، فهو ردّ))، وحديث: ((ضُيّقت عليه جهنم))، وحديث:
((كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار))، وغير ذلك.
فإن هذه الأدلة إذا لم تفد التحريم، فما الذي يفيده؟، إن هذا لشيء
عجبٌ عُجاب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْلَثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٧٣٠] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرُّومِيُّ(٣)، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ
مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ، وَهُوَ ابْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: انْطَلَقْتُ أَنَا
(١) أخرجه أحمد بلفظ: ((إني لم أبعث باليهودية، ولا بالنصرانية، ولكني بعثت بالحنيفية
السمحة ... )) الحديث. وفي سنده ليّن الحديث، وعلي بن يزيد الألهاني ضعيف.
(٢) ((السيل الجرّار على حدائق الأزهار)) ١٤٢/٢ - ١٤٣.
(٣) وفي نسخة ((عبد الله الرومي)).

٤٥٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
وَعَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ، حَتَّى نَأْتِيَ أَبَا سَلَمَةَ، فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِ رَسُولاً، فَخَرَجَ عَلَيْنَا، وَإِذَا
عِنْدَ بَابٍ دَارِهِ مَسْجِدٌ، قَالَ: فَكُنَّا فِي الْمَسْجِدِ، حَتَّى خَرَجَ إِلَيْنَا، فَقَالَ: إِنْ تَشَاءُوا
أَنْ تَدْخُلُوا، وَإِنْ تَشَاءُوا أَنْ تَقْعُدُوا هَا هُنَا، قَالَ: فَقُلْنَا: لَا بَلْ نَقْعُدُ هَا هُنَا،
قَالَ: كُنْتُ أَصُومُ الدَّهْرَ،
فَحَدِّثْنَا، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ
وَأَقْرَأُ الْقُرْآنَ كُلَّ لَيْلَةٍ، قَالَ: فَإِمَّا ذُكِرْتُ لِلنَِّّ وَّهِ، وَإِمَّا أَرْسَلَ إِلَيَّ، فَأَتَيْتُهُ، فَقَالَ
لِي: ((أَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ الدَّهْرَ، وَتَقْرَأُ الْقُرْآنَ كُلَّ لَيْلَةٍ؟)) فَقُلْتُ: بَلَى يَا
نَّبِيَّ اللّهِ، وَلَمْ أُرِدْ بِذَلِكَ إِلَّ الْخَيْرَ، قَالَ: ((فَإِنَّ بِحَسْبِكَ أَنْ تَصُومَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ
ثَلَاثَةَ أَيَّام))، قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللّهِ إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: ((فَإِنَّ لِزَوْجِكَ
عَلَيْكَ حَقًّاً، وَلِزَوْرَِكَ عَلَيْكَ حَقّاً، وَلِجَسَدَِكَ عَلَيْكَ حَقَاً - قَالَ -: فَصُمْ صَوْمَ دَاوُدَ
نَبِيِّ اللهِ نَّهِ، فَإِنَّهُ كَانَ أَعْبَدَ النَّاسِ))، قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ، وَمَا صَوْمُ دَاوُدَ؟
قَالَ: ((كَانَ يَصُومُ يَوْماً، وَيُفْطِرُ يَوْماً)، قَالَ: ((وَاقْرَأْ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ شَهْرِ))، قَالَ:
قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: ((فَاقْرَأْهُ فِي كُلِّ عِشْرِينَ))، قَالَ:
قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللّهِ إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: ((فَاقْرَأْهُ فِي كُلِّ عَشْرِ))، قَالَ:
قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللّهِ إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: ((فَاقْرَأْهُ فِي كُلِّ سَبْعٍ، وَلَا تَزِدْ
عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقّاً، وَلِزَوْرَِ عَلَيْكَ حَقّاً، وَلِجَسَدِكَ عَلَيَّكَ حَقّاً))،
قَالَ: فَشَدَّدْتُ، فَشُدِّدَ عَلَيَّ، قَالَ: وَقَالَ لِي النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((إِنَّكَ لَا تَدْرِي لَعَلَّكَ يَطُولُ
بِكَ عُمْرٌ))، قَالَ: فَصِرْتُ إِلَى الَّذِي قَالَ لِي النَّبِيُّ وَّهِ، فَلَمَّا كَبِرْتُ وَدِدْتُ أَنِّي
كُنْتُ قَبِلْتُ رُخْصَةَ نَبِيِّ اللهِ وَ﴿).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرُّومِيُّ) ويقال: اسم أبيه: عُمر اليماميّ، نزيل
بغداد، صدوقٌ [١٠] (ت٢٣٦) (م) تقدم في ((الإيمان)) ٣٥٦/٦٣.
٢ - (النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن موسى الْجُرَشيّ، أبو محمد اليماميّ الأمويّ
مولاهم، ثقةٌ له أفرادٌ [٩] (خ م « ت ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤١/٣٤.
٣ - (عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ) الْعِجليّ، أبو عمّار اليماميّ، بصريّ الأصل،

٤٥٥
(٣٧) - بَابُ النَّهْىِ عَنْ صَوْمِ الدَّهْرِ، وَبَيَانِ أَفْضَلِ الصِّيَامِ - حديث رقم (٢٧٣٠)
ثقةٌ (١)، وفي روايته عن يحيى بن أبي كثير اضطراب، ولم يكن له كتاب [٥]
مات قُبيل (١٦٠) (خت مس ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٥/١٢.
٤ - (يَحْيَى) بن أبي كثير، تقدّم في الباب الماضي.
والباقيان ذُكرا قبله.
شرح الحديث:
عن عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ اليماميّ أنه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن أبي كثير (قَالَ:
انْطَلَقْتُ أَنَا وَعَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ) الظاهر أنه مولى الأسود بن سفيان المدنيّ؛ لأنه
الذي يروي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن - كما في ((التهذيبين)) - وهو شيخ مالك بن
أنس، ثقةٌ [٦] (ت١٤٨) (ع) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ٢٠/ ١٣٠٢.
(حَتَّى نَأْتِيَ أَبَا سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف (فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِ رَسُولاً) أي
إعلاماً بحضورهما، وطلباً للقائه لهما (فَخَرَجَ عَلَيْنَا، وَإِذَا) هي الفجائيّة، أي
ففاجأنا (عِنْدَ بَابٍ دَارِهِ مَسْجِدٌ، قَالَ) يحيى (فَكُنَّا فِي الْمَسْجِدِ، حَتَّى خَرَجَ إِلَيْنَا،
فَقَالَ: إِنْ تَشَاءُوا أَنْ تَدْخُلُوا) أي في البيت، وجواب ((إن)) محذوف، أي:
فافعلوا (وَإِنْ تَشَاءُوا أَنْ تَقْعُدُوا هَا هُنَا) أي فافعلوا (قَالَ) يحيى (فَقُلْنَا: لَا بَلْ
نَقْمُدُ هَا هُنَا، فَحَدِّثْنَا) أي: أبو سلمة (قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ
قَالَ: كُنْتُ أَصُومُ الدَّهْرَ، وَأَقْرَأُ الْقُرْآنَ) أي كله (كُلَّ لَيْلَةٍ، قَالَ: فَإِمَّا
الْعَاصِ
ذُكِرْتُ لِلنَّبِيِّ نَّهِ، وَإِمَّا أَرْسَلَ إِلَيَّ، فَتَيْتُهُ) وفي رواية البخاريّ: ((فإما أرسل إليّ،
وإما لقيته))، قال في ((الفتح)): شكّ من بعض رواته، وغَلِط من قال: إنه شكّ
من عبد الله بن عمرو؛ لما ثبت في بعض الرواية من أنه وَ ﴿ قصده إلى بيته،
فدلّ على أن لقاءه إياه كان عن قصد منه إليه. انتهى(٢).
(فَقَالَ لِي: ((أَلَمْ أُخْبَرْ) بضم الهمزة، وسكون المعجمة، وفتح الموحّدة،
مبنيّاً للمفعول، وهمزة ((ألم)) للاستفهام، ولكنه خرج عن الاستفهام الحقيقيّ،
فمعناه هنا حمل المخاطب على الإقرار بأمر، قد استقرّ عنده ثبوته.
(١) في ((التقريب)) قال: صدوق، والحقّ أنه ثقة، إلا أنه يضعّف في يحيى بن أبي
کثیر .
(٢) ((الفتح)) ٤٠٥/٥.

٤٥٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
وفيه أن الحكم لا ينبغي إلا بعد التثبّت؛ لأنه وَ* لم يكتف بما نُقل له
عن عبد الله حتى لقيه، واستثبته فيه؛ لاحتمال أن يكون قال ذلك بغير عزم، أو
علّقه بشرط لم يطلع عليه الناقل، ونحو ذلك. قاله في ((الفتح)) (١).
ثم إن الذي أخبر النبيّ ◌َّر بذلك هو عمرو بن العاص والد عبد الله
كما بيّنته الرواية الأخرى.
(أَنَّكَ تَصُومُ الدَّهْرَ، وَتَقْرَأُ الْقُرْآنَ كُلَّ لَيْلَةٍ؟)) فَقُلْتُ: بَلَى يَا نَبِيَّ اللهِ، وَلَمْ
أُرِدْ بِذَلِكَ إِلَّا الْخَيْرَ) أي لم أرد به الرياء والسمعة، وإنما أردت به وجه الله
تعالى (قَالَ) ◌ِّرِ ((فَإِنَّ بِحَسْبِكَ) بإسكان السين المهملة، أي كافيك، والباء
زائدة، ووقع عند البخاريّ في ((كتاب الأدب)) بلفظ: ((وإن من حسبك)) (أَنْ
تَصُومَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ) وفي رواية عند البخاريّ: ((في كلّ شهر)) (ثَلَاثَةَ أَيَّام))،
قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: ((فَإِنَّ لِزَوْجِكَ) أي امرأتكَّ،
وكونه بلا تاء أفصح من الزوجة، وقد تقدّم تحقيق هذا غير مرّة (عَلَيْكَ حَقّاً) أي
في وطئها، فإذا سرد الزوج الصوم، ووالى القيام في الليل ضَعُف عن أداء
حقّها في ذلك (وَلِزَوْرَِ عَلَيْكَ حَقّاً) - بفتح الزاي، وسكون الواو - أي
لضيفك، والزَّوْر في الأصل مصدر وُضِع موضع الاسم، كصَوْم في موضع
صائم، ونَوْم في موضع نائم، ويقال للواحد والجمع والذكر والأنثى: زَوْرٌ،
قال ابن التين: ويَحْتَمِل أن يكون زَوْرٌ جمعَ زائر، کرکب جمع راکب، وتَجْر
جمع تاجر. انتھی.
زاد في الرواية الآتية من طريق حسين المعلم، عن يحيى: ((وإن لولدك
عليك حقّاً))، قال النوويّ تَخْلُهُ: فيه أن على الأب تأديبَ ولده، وتعليمه ما
يحتاج إليه، من وظائف الدين، وهذا التعليم واجب على الأب، وسائر
الأولياء قبل بلوغ الصبيّ والصبية، نَصّ عليه الشافعيّ وأصحابه، قال الشافعيّ،
وأصحابه: وعلى الأمهات أيضاً هذا التعليم، إذا لم يكن أبٌ؛ لأنه من باب
التربية، ولهنّ مَدْخل في ذلك، وأُجرة هذا التعليم في مال الصبيّ، فإن لم يكن
له مال فعلى من تلزمه نفقته؛ لأنه مما يحتاج إليه، والله أعلم. انتهى(٢).
(١) ((الفتح)) ٣٥٠/٣.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٤٣/٨ - ٤٤.

٤٥٧
(٣٧) - بَابُ النَّهْىِ عَنْ صَوْمِ الدَّهْرِ، وَبَيَانِ أَفْضَلِ الصِّيَامِ - حديث رقم (٢٧٣٠)
(وَلِجَسَدَِّ عَلَيْكَ حَقّاً) أي بأن تخدمه، ولا تتعبه بطول السهر، وطول
الجوع، ونحو ذلك، مما يُنهكه، ويُضعفه عن القيام بمصالح الدين والدنيا .
وقال القرطبيّ تَّتُهُ عند قوله: ((فإن لعينك حظّاً، ولنفسك حظّاً))؛ أي:
من الرفق بهما، ومراعاة حقهما، وقد سَمَّى في الرواية الأخرى: الحظ:
((حقاً))؛ إذ هو بمعناه، وزاد: ((فإن لزوجك عليك حقّاً، ولزورك عليك حقّاً))،
وفي لفظ آخر: ((ولأهلك)) مكان ((ولزوجك)).
وأما حق الزوجة فهو في الوطء، وذلك إذا سرد الصوم، ووالى القيام
بالليل منعها بذلك حقها منه.
وأما حق الزَّوْر - وهو الزائر والضيف - فهو: القيام بإكرامه، وخدمته،
وتأنيسه بالأكل معه.
وأما الأهل فيعني به هنا: الأولاد، والقرابة، وحقهم: هو في الرفق
بهم، والإنفاق عليهم، ومؤاكلتهم، وتأنيسهم، وملازمة ما التزم من سرد
الصوم، وقيام الليل يؤدي إلى امتناع تلك الحقوق كلها .
ويفيد: أن الحقوق إذا تعارضت قام الأولى. انتهى (١).
(قَالَ) بَّهِ (فَصُمْ صَوْمَ دَاوُدَ نَبِيِّ اللهِ وََّ) قال القرطبيّ ◌َّهُ: هكذا جاء
في هذه الرواية سكت فيها عن المراتب التي ثبتت في الرواية الآتية بعد هذا،
وذلك أن فيها نقلة من صيام ثلاثة أيام في الشهر إلى أربعة فيها، ومنها إلى
صوم يومين وإفطار يومين، ثم منها إلى صوم يوم وإفطار يوم، وهذا محمول
على أن النبيّ وَّ دَرَّجَه في هذه المراتب هكذا، لكن بعض الرواة سكت عن
ذكر بعض المراتب إما نسياناً، أو اقتصاراً على قدر ما يحتاج إليه في ذلك
الوقت، ثم في وقت آخر ذكر الحديث بكماله. انتهى (٢).
(فَإِنَّهُ كَانَ أَعْبَدَ النَّاسِ))) قال القرطبيّ ◌َخْتُهُ: إنما أحاله على صوم داود،
ووصفه: بأنه كان أعبد الناس؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرُ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَبْدِّ إِنَّهُ:
أَوَّبُ﴾ [ص: ١٧]، قال ابن عباس ظها: ((الأيد)) هنا: القوة على العبادة،
(١) ((المفهم)) ٢٢٥/٣.
(٢) («المفهم)) ٢٢٥/٣ - ٢٢٦.

٤٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
و((الأوَّاب)): الرجَّاع إلى الله تعالى وإلى عبادته، وتسبيحه. انتهى(١).
(قَالَ) عبد الله عمرو ◌َِّا (قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ، وَمَا صَوْمُ دَاوُدَ؟)؛ (قَالَ) ◌ِّد
((كَانَ) أي داود فِلَّهِ (يَصُومُ يَوْماً، وَيُفْطِرُ يَوْماً) أي وذلك نصف الدهر.
(قَالَ) بَرِ ((وَاقْرَأُ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ شَهْرٍ))) أي مرّة واحدة (قَالَ) عبد الله
(قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَّ، قَالَ: ((فَاقْرَأْهُ فِي كُلِّ عِشْرِينَ))،
قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: ((فَاقْرَأُهُ فِي كُلّ عَشْرِ))،
قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللّهِ إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: ((فَاقْرَأُهُ فِي كُلِّ سَبَّع)
هكذا معظم النسخ عندنا، بذكر («فاقرأه في كلّ عشر)) قبل «فاقرأه في كُلّ
سبع))، إلا نسخة شرح النوويّ، ففيها بإسقاطه، وقد جعل القرطبيّ هذه النسخة
أكثر نسخ مسلم، فقال في ((المفهم))(٢): وقوله: ((اقرأ القرآن في كل شهر))، ثم
قال بعد ذلك: ((فاقرأه في كل عشرين))، ثم قال: ((فاقرأه في كل سبع))؛ هكذا
في أكثر روايات مسلم، ووقع في كتاب ابن أبي جعفر، وابن عيسى زيادة:
((قال: فاقرأه في عشر))، وبعد ذلك قال له: ((اقرأه في سبع)).
قال: ومقصود هذه الرواية بيان تجزئة القرآن على ليالي الشهر بالنسبة إلى
التخفيف والتثقيل، فالمخفّف يقرؤه في كل شهر؛ لا أقل من ذلك، والمثقل لا
يزيد على سبع؛ كما قد نهاه عنه، ولم يتعرض الراوي في هذه الرواية لبيان
مقدار زمان القيام من الليل، وقد بيّنه راو آخر في الرواية التي قال فيها:
((أحب الصلاة إلى الله صلاة داود، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام
سدسه)). انتھی.
(وَلَا تَزِدْ عَلَى ذَلِكَ) فيه النهي عن قراءة القرآن في أقلّ من سبع، كذا في
هذه الرواية، لكن ورد ما يدلّ على الزيادة إلى ثلاث، ففي رواية النسائيّ من
طريق أبي العباس الشاعر: (اقرأ القرآن في شهر، قلت: إني أطيق أكثر من
ذلك، فلم أزل أطلب إليه، حتى قال: في خمسة أيام ... )) الحديث.
وفي رواية الدارميّ في ((مسنده)) من طريق أبي فروة (٣)، عن عبد الله بن
(١) ((المفهم)» ٢٢٦/٣.
(٢) ٢٢٨/٣ - ٢٢٩.
(٣) أبو فروة اسمه عروة بن الحارث، الهمدانيّ الكوفيّ ثقة من الخامسة.

٤٥٩
(٣٧) - بَابُ النَّهْيِ عَنْ صَوْمِ الدَّهْرِ، وَبَيَانِ أَفْضَلِ الصِّيَامِ - حديث رقم (٢٧٣٠)
عمرو: قال: ((قلت: يا رسول الله في كم أختم القرآن؟ قال: اختمه في شهر،
قلت: إني أطيق، قال: اختمه في خمسة وعشرين، قلت: إني أطيق، قال:
اختمه في عشرين، قلت: إني أطيق، قال: اختمه في خمس عشرة، قلت: إني
أطيق، قال: اختمه في خمس، قلت: إني أطيق، قال: لا)).
وفي رواية: ((قال: فاقرأه في كلّ شهر، قلت: إني أجدني أقوى من
ذلك، قال: فاقرأه في كلّ عشرة أيام، قلت: إني أجدني أقوى من ذلك، قال:
فاقرأه في كلّ ثلاث)).
وعند أبي داود والترمذيّ مصححاً من طريق يزيد بن عبد الله بن الشّخّير،
عن عبد الله بن عمرو، مرفوعاً: ((لا يفقه من قرأ القرآن في أقلّ من ثلاث))،
وشاهده عند سعيد بن منصور بإسناد صحيح من وجه آخر عن ابن مسعود:
((اقرؤوا القرآن في سبع، ولا تقرؤوه في أقلّ من ثلاث))، ولأبي عبيد من طريق
الطيب بن سلمان، عن عمرة، عن عائشة ﴿ ها: ((أن النبيّ وَّ كان لا يختم
القرآن في أقلّ من ثلاث)).
ولأبي داود، والترمذيّ، والنسائيّ من طريق وهب بن منّه، عن عبد الله بن
عمرو أنه سأل رسول الله وَيقول في كم يقرأ القرآن؟ قال: ((في أربعين يوماً))، ثم
قال: ((في شهر))، ثم قال: ((في عشرين))، ثم قال: ((في خمس عشرة))، ثم
قال: ((في عشر))، ثم قال: ((في سبع))، ثم لم ينزل عن سبع.
قال الحافظ ◌َُّ: وهذا إن كان محفوظاً احتَمَل في الجمع بينه، وبين
رواية أبي فَرْوة تعدد القصّة، فلا مانع أن يتعدد قول النبيّ وَّ ر لعبد الله بن
عمرو ذلك تأكيداً، ويؤيّده الاختلافُ الواقع في السياق. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن من مجموع هذه الروايات أنه يجوز
الزيادة إلى الثلاث، ولا يجوز أن يزيد عليها، فليُتنبّه.
وقال النوويّ تَخُّْ: قوله: ((ولا تزد على ذلك)) هذا من نحو ما سبق من
الإرشاد إلى الاقتصاد في العبادة، والإرشاد إلى تدبر القرآن، وقد كانت للسلف
عادات مختلفة فيما يقرؤون كلَّ يوم بحسب أحوالهم، وأفهامهم، ووظائفهم،
(١) ((الفتح)) ٣٠٣/١١.

٤٦٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
فكان بعضهم يختم القرآن في كل شهر، وبعضهم في عشرين يوماً، وبعضهم في
عشرة أيام، وبعضهم أو أكثرهم في سبعة، وكثير منهم في ثلاثة، وكثير في كل
يوم وليلة، وبعضهم في كل ليلة، وبعضهم في اليوم والليلة ثلاث ختمات،
وبعضهم ثمان ختمات، وهو أكثر ما بلغنا. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ أن الأولى لا تُتجاوز الثلاث؛ لأن ما زاد
عليها ليس من هدي النبيّ وَلهير، ولا من تعليماته، ولا يكون النقل من فلان أو
فلان حجة، سوى ما نُقل عنه وَلَّ، فتبصّر، والله تعالى الهادي إلى سواء
السبيل.
[تنبيه]: قال في ((الفتح)): المراد بالقرآن في حديث الباب جميعُهُ، ولا
يَرِدُ على هذا أن القصة وقعت قبل موت النبيّ وَّه بمدة، وذلك قبل أن ينزل
بعض القرآن الذي تأخر نزوله؛ لأنا نقول سلّمنا ذلك، لكن العبرة بما دلّ عليه
الإطلاق، وهو الذي فهم الصحابيّ، فكان يقول: ليتني لو قبلت الرخصة، ولا
شك أنه بعد النبيّ وَّ و كان قد أضاف الذي نزل آخراً إلى ما نَزَل أوّلاً، فالمراد
بالقرآن جميع ما كان نزل إذ ذاك، وهو معظمه، ووقعت الإشارة إلى أن ما نزل
بعد ذلك يوزع بقسطه، والله أعلم. انتهى(١).
(فَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقّاً، وَلِزَوْرَِكَ عَلَيْكَ حَقّاً، وَلِجَسَدَِ عَلَيْكَ حَقّاً)، قَالَ)
عبد الله (فَشَدَّدْتُ، فَشُدِّدَ عَلَيَّ) الأول بالبناء للفاعل، والثاني بالبناء للمفعول،
يعني أنه شَدَّد في مطالبة النبيّ وَّ بالزيادة، وشَدَّد النبيّ ◌َِّ عليه في مطالبة
التنقيص.
(قَالَ) عبد الله (وَقَالَ لِي النَّبِيُّ ◌َِّ: ((إِنَّكَ لَا تَدْرِي لَعَلَّكَ بَطُولُ بِكَ
عُمْرٌ))) فيه إشارة إلى ما وقع لعبد الله بن عمرو ظها بعد ذلك من الْكِبَر
والضعف، ففيه علَمُ من أعلام النبوّة.
(قَالَ) عبد الله ◌َظُه (صِرْتُ إِلَى الَّذِي قَالَ لِي النَّبِيُّ وََّ) أي: طال
عمري، ووصلت إلى أن شقّ عليّ المواظبة على الصوم والقراءة (فَلَمَّا كَبِرْتُ)
بكسر الموحّدة، يقال: كَبِرَ الصبيّ وغيره يَكْبَرُ، من باب تَعِبَ مَكْبِراً، مثل
(١) ((الفتح)) ٣٠٤/١١ كتاب ((فضائل القرآن)) رقم (٥٠٥٢).