النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
(٣٤) - بَابُ جَوَازِ صَوْمِ النَّفِلَةِ بِنِيَّةٍ مِنَ النَّهَارِ قَبْلَ الزَّوَالِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٧١٥)
الوقت؛ لأن ((إذن)) حرف جواب، وهو حاليّ، أي: فإذا لم يكن عنكم شيء
مما يؤكل، فإني أنوي الصوم من الآن، ففيه دلالة صريحة لجواز صوم النفل
بنيّة من النهار.
[فائدتان]:
(الأولى): أن ((إذن)) هذه معناها عند سيبويه: الجواب والجزاء غالباً لا
دائماً، كما قيل؛ لأنها قد تتمحّض للجواب، نحو: ((إذن أظنّك صادقاً)) جواباً
لمن قال: إني أُحبّك؛ لأن ظنّ الصدق لا يصلح جزاء للمحبّة، وأيضاً هو
حاليّ، والجزاء لا يكون إلا مستقبلاً، أفاده الخضريّ في ((حاشيته))(١).
(الثانية): اختلف في ((إذن)) هل هي بالألف، أم بالنون؟، قال
الخضريّ كَُّهُ في ((حاشية الخلاصة)): والصحيح إبدال نونها ألفاً في
الوقف، كتنوين المنصوب؛ لأن الجمهور على كتابتها بالألف، وكذا رُسمت
في المصاحف، وعن المبرّد، والزجّاج يوقف بالنون، كـ((أَنْ))، و((لن))،
وتُكتب بها، وعن الفرّاء إن أُهملت كتبت بالنون؛ لتُفرّق من ((إذا)) الظرفيّة،
وإن أُعملت فبالألف؛ لتميّزها بالعمل، والخلاف في غير القرآن، أما فيه
فالوقف والرسم بالألف إجماعاً، كما في ((الإتقان))؛ اتّباعاً للمصاحف.
(٢)
انتھی
وقوله: (ثُمَّ أَتَانَا يَوْماً آخَرَ) هذا يبيّن المراد من قولها في الرواية السابقة:
((فلما رجع رسول الله وَ ﴿ قلت ... إلخ)) أن رجوعه كان في يوم آخر، لا في
نفس اليوم، قال النوويّ كَّلُهُ: وهاتان الروايتان هما حديث واحد، والثانية
مفسرة للأولى، ومُبَيِّنةٌ أن القصة في الرواية الأولى كانت في يومين، لا في يوم
واحد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْثُّ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَكَتُ وَإِلَيْهِ أَنِبُ﴾ .
(١) راجع: ((حاشية الخضريّ على الخلاصة)) ١٧٣/٢.
(٢) المصدر المذكور.

٤٠٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
(٣٥) - (بَابٌ أَكْلُ النَّاسِي، وَشُرْبُهُ، وَجِمَاعُهُ لَا يُفْطِرُ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَظُّ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢٧١٦] (١١٥٥) - (وَحَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ النَّقِدُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ
إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هِشَامِ الْقُرْدُوسِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَبُهُ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهُ: ((مَنْ نَسِيَ، وَهُوَ صَائِمٌ، فَأَكَّلَ، أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا
أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ النَّاقِدُ) تقدّم قريباً.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن عُليّة، تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (هِشَامٌ الْقُرْدُوسِيُّ) هو: هشام بن حسّان الْقُرْدوسيّ البصريّ، تقدّم
أيضاً قريباً.
[تنبيه]: كون هشام هو الْقُردوسيّ كما صرّح به المصنّف هنا هو
الصواب، ومن الغريب وقع في ((الفتح)) (١) أنه هشام الدستوائيّ، وتبعه العينيّ
في ((العمدة))(٢)، والظاهر أن هذا غلطٌ، وقد أورد الحديث الحافظ أبو الحجّاج
المزيّ تَكْثُ في ترجمة هشام بن حسّان، ولم يذكر في ((التهذيبين)) في ترجمة
هشام الدستوائيّ محمدَ بنَ سيرين ممن روى عنه هشام، والظاهر أنه لم يرو عنه
أصلاً، فليُتأمّل، والله تعالى وليّ التوفيق.
[تنبيه آخر]: قوله: ((الْقُرْدُوسيّ)) بضمّ القاف، وسكون الراء، وضمّ
الدال، بعدها واو، ثمّ سين مهملة، هذا هو الضبط الصحيح، فما وقع في
((شرح السنوسيّ)) (٢٧٠/٣) لهذا الكتاب، من قوله: ((بضمّ الفاء بدل القاف))
· سبق قلم، أو غلطٌ، فليُتنبّه.
قال في ((اللباب)): ((الْقُرْدُوسيّ)) - بضم القاف، وسكون الراء، وضم
(١) راجع: ((الفتح)) ٢٩٦/٥.
(٢) راجع: ((عمدة القاري)) ١١/ ١٧.

٤٠٣
(٣٥) - بَابٌ أَكْلُ النَّاسِي، وَشُرْبُهُ، وَجِمَاعُهُ لَا يُفْطِرُ - حديث رقم (٢٧١٦)
الدال المهملة، وبعد الواو سين مهملة -: هذه النسبة إلى القَرَاديس بطن من
الأزد، نزلوا البصرة، فنسبت المحلَّة إليهم. انتهى(١).
٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ) تقدّم أيضاً قريباً .
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ ﴿ئه) تقدّم قبل بابين.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف رَُّهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له
الترمذيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى شيخه، فبغداديّ،
والصحابيّ، فمدنيّ.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه أحفظ من روى الحديث في دهره.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَبُهُ) أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مَنْ) بفتح الميم
شرطيّة، ولفظ البخاريّ: ((إذا نَسِي)) (نَسِيَ) مفعوله محذوف، أي صومه، كما
يدلّ عليه قوله: (وَهُوَ صَائِمٌ) جملة في محلّ نصب على الحال، وللبخاريّ في
((النذور)) من طريق عوف، عن ابن سيرين: ((من أكل ناسياً، وهو صائم))،
ولأبي داود من طريق حبيب بن الشهيد، وأيوب، عن ابن سيرين، عن أبي
هريرة: ((جاء رجل، فقال: يا رسول الله، إني أكلت وشربت ناسياً، وأنا
صائم))، وهذا الرجل هو أبو هريرة تظ له، راوي الحديث، أخرجه الدارقطنيّ
بإسناد ضعيف، قاله في ((الفتح))(٢).
(فَأَكَلَ، أَوْ شَرِبَ) أي سواء قليلاً كان أو كثيراً، كما رجحه النوويّ تَُّهُ؛
لظاهر إطلاق الحديث، وخص الأكل والشرب من بين المفطرات؛ لغلبتهما،
ونُدْرة غيرهما، كالجماع.
(١) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٢٤/٣.
(٢) ((الفتح)) ٢٩٦/٥.

٤٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
(فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ) أضافه إليه إشارةً إلى أنه لم يُفْطِر، وإنما أُمِر بالإتمام؛
لفوت ركنه ظاهراً.
وفي رواية الترمذيّ: ((فلا يُفْطر))، قال العراقيّ تَخُّْ: يجوز أن تكون ((لا)) في
جواب الشرط للنهي، و((يُفْطِرْ)) مجزومٌ بها، ويجوز أن تكون نافيةً، و((يُفطرُ))
مرفوع، وهو أولى، فإنه لم يُرَدْ به النهيُ عن الإفطار، وإنما المراد أنه لم يحصل
إفطار الناسي بالأكل، ويكون تقديره: ((من أكل، أو شَرِب ناسياً لم يُفْطر)). انتهى.
ثم لَمّا لم يكن أكله وشربه باختياره المقتضي لفساد صومه، بل لأجل
إنساء الله تعالى له؛ لُظْفاً به، وتيسيراً عليه بدفع الحرج عنه عَلَّله بقوله: (فَإِنَّمَا
أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ))) وفي رواية الترمذيّ: ((فإنما هو رزق رزقه الله))،
والدار قطنيّ، من طريق ابن علية، عن هشام: ((فإنما هو رزق ساقه الله تعالى
إليه))، يعني أنه ليس له فيه مدخل، فكأنه لم يوجد منه فِعْلٌ، وقال
السنديّ تَخْتُ: كأن المراد قطع نسبة ذلك الفعل للعبد بواسطة النسيان، فلا يُعدّ
فعله جنايةً منه على صومه، مفسداً له، وإلا فهذا القدر موجود في كلّ طعام
وشراب يأكله الإنسان، أكله عمداً أو سهواً.
وقال الخطّابيّ نَّثُ: النسيان من باب الضرورة، والأفعال الضروريّة غير
مضافة في الحكم إلى فاعلها، ولا يؤاخذ بها. انتهى.
وقال العينيّ تَُّهُ: قوله: ((فإنما)) تعليلٌ لكون الناسي لا يُفطر، ووجهِ
ذلك أن الرزق لَمّا كان من الله تعالى ليس فيه للعبد تحيّل، فلا يُنسب إليه شبه
الأكل ناسياً به؛ لأنه لا صنع للعبد فيه، وإلا فالأكل متعمّداً حيث جاز له
الفطر رزقٌ من الله تعالى بإجماع العلماء، وكذلك هو رزقٌ وإن لم يجز له
الفطر على مذهب أهل السنّة. انتهى(١).
قال الطيبيّ ◌َخَّلُ: ((إنما)) للحصر، أي ما أطعمه، وما سقاه أحد إلا الله
تعالى، فدَلَّ على أن النسيان من الله، ومن لطفه في حقّ عباده؛ تيسيراً عليهم،
ودفعاً للحرج. انتهى(٢).
(١) راجع: ((المرعاة)) ٤٩٣/٦.
(٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٥٩٢/٥.

٤٠٥
(٣٥) - بَابٌ أَكْلُ النَّاسِي، وَشُرْبُهُ، وَجِمَاعُهُ لَا يُفْطِرُ - حديث رقم (٢٧١٦)
[فائدة]: من المستظرفات ما رواه عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن
عمرو بن دينار، أن إنساناً جاء إلى أبي هريرة ظُبه، فقال: أصبحت صائماً،
فنسيت، فطَعِمتُ، قال: لا بأس، قال: ثم دخلت على إنسان، فنَسِيت،
وطَعِمت وشربت، قال: لا بأس، الله أطعمك وسقاك، ثم قال: دخلت على
آخر، فنسيت، فطعمت، فقال أبو هريرة: أنت إنسان لم تتعود الصيام، ذكره
في ((الفتح))(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة
(المسألة الثانية): في تخريجه:
، هذا متّفقٌ عليه.
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٧١٦/٣٥] (١١٥٥)، و(البخاريّ) في ((الصوم))
(١٩٣٣) و((الأيمان والنذور)) (٦٦٦٩)، و(أبو داود) في ((الصوم)) (٢٣٩٨)،
و(الترمذيّ) في ((الصوم)) (٧٢١ و٧٢٢)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٢٤٤/٢)،
و(ابن ماجه) في ((الصيام)) (١٦٧٣)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٧٣٧٢)،
و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٢٥/٢ و٤٩١ و٤٩٣ و٥١٥)، و(ابن راهويه) في
((مسنده)) (١٠٧/١ و١٧٠)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٣/٢)، و(ابن خزيمة) في
((صحيحه)) (١٩٨٩)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣٥١٩ و٣٥٢٠)، و(ابن
الجارود) في ((المنتقى)) (٣٨٩ و٣٩٠)، و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (١٧٨/٢
و١٧٩ و١٨٠)، و(الحاكم) في ((مستدركه)) (٤٢٦/١ - ٤٢٧)، و(أبو عوانة) في
((مسنده)) (١٩٨/٢)، و(أبو نعيم) في (مستخرجه)) (٢٣١/٣)، و(الطبرانيّ) في
(«الأوسط)) (٢٠٤/٦)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٤٥٩/١٠)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (٢٢٩/٤) و((المعرفة)) (٣٧٦/٣)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة))
(١٧٥٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(١) ((الفتح)) ٢٩٨/٥.

٤٠٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
١ - (منها): بيان أن من أكل، أو شَرِب ناسياً لا يُفطر، بل يُتمّ صومه،
ولا قضاء عليه، وسيأتي في المسألة التالية بيان اختلاف العلماء في ذلك - إن
شاء الله تعالى -.
٢ - (ومنها): أنه لا فرق بين قليل الأكل وكثيره، وقد روى الإمام
أحمد تَخََّفُ لهذا الحديث سبباً، فأخرج من طريق أم حكيم بنت دينار، عن
مولاتها أم إسحاق، أنها كانت عند النبيّ وَّرَ، فَأَتي بقَصْعَة من ثريد، فأكلت
معه، ثم تذكرت أنها كانت صائمةً، فقال لها ذو اليدين: الآن بعدما شبعتِ؟
فقال لها النبيّ وَله: ((أتمي صومك، فإنما هو رزق ساقه الله إليك))، لكن
الحديث في سنده بشّار بن عبد الملك، وثّقه ابن حبّان، وضعّفه أبو زرعة
الدمشقيّ.
٣ - (ومنها): بيان لطف الله بعباده، والتيسير عليهم، ورفع المشقة
والحرج عنهم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في بيان اختلاف أهل العلم في حكم من أكل، أو
شرب ناسياً لصومه:
ذهب الجمهور: أبو حنيفة، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، والأوزاعيّ،
والثوريّ، وعطاء، وطاوسٌ إلى أن من أكل، أو شرب ناسياً لصومه، فإنه لا
يُفطر، ولا يجب عليه القضاء.
وذهب مالك إلى أنه يبطل صومه، ويجب عليه القضاء، وهو قول شيخه
ربيعة الرأي، وجميع أصحاب مالك، لكنهم فرّقوا بين الفرض والنفل.
واحتجّ الجمهور بحديث الباب؛ لأنه وَّ أَمره بالإتمام، وسَمّى الذي
يُتَمّه صوماً، والظاهر حمله على الحقيقة الشرعيّة، فيُتمسّك به حتى يدلّ دليلٌ
على أن المراد بالصوم هنا حقيقته اللغويّة، وإذا كان صوماً وقع مجزئاً، ويلزم
من ذلك عدم وجوب القضاء، كذا قرّره ابن دقيق العيد كَُّ، قال: وقوله:
((فإنما أطعمه الله وسقاه)) يُستدلّ به على صحّة الصوم، فإن فيه إشعاراً بأن الفعل
الصادر منه مسلوب الإضافة إليه، والحكم بالفطر يلزمه الإضافة إليه. انتهى (١).
(١) راجع: ((إحكام الأحكام)) ٢١٢/٢.

٤٠٧
(٣٥) - بَابٌ أَكْلُ النَّاسِي، وَشُرْبُهُ، وَجِمَاعُهُ لَا يُفْطِرُ - حديث رقم (٢٧١٦)
واستَدَلّ من ذهب إلى الفطر، وإيجاب القضاء بأن ركن الصوم، وهو
الإمساك عن المفطرات فات، فإذا فات ركنه فسد صومه كيف ما كان، قال ابن
دقيق العيد: ذهب مالك إلى إيجاب القضاء، وهو القياس، فإن الصوم قد فات
ركنه، وهو من باب المأمورات، والقاعدة تقتضي أن النسيان لا يؤثّر في باب
المأمورات.
قال في ((الفتح)): قال ابن العربيّ: تمسّك جميع فقهاء الأمصار بظاهر
هذا الحديث، وتطلّع مالك إلى المسألة من طريقها، فأشرف عليه؛ لأن الفطر
ضدّ الصوم، والإمساك ركن الصوم، فأشبه ما لو نسي ركعة من الصلاة(١)،
قال: وقد رَوَى الدارقطنيّ فيه: ((لا قضاء عليك))، فتأوله علماؤنا على أن
معناه: لا قضاء عليك الآن، وهذا تعسّف، وإنما أقول: ليته صحّ فنتبعه،
ونقول به، إلا على أصل مالك في أن خبر الواحد إذا جاء بخلاف القواعد،
لم يُعْمَل به، فلما جاء الحديث الأول الموافق للقاعدة في رفع الإثم عملنا به،
وأما الثاني فلا يوافقها، فلم نعمل به.
وقال القرطبيّ: احتَجَّ به من أسقط القضاء.
وأجيب بأنه لم يتَعَرَّض فيه للقضاء، فَيُحْمَل على سقوط المؤاخذة؛ لأن
المطلوب صيام يوم لا خَرْمَ فيه، لكن رَوَى الدارقطنيّ فيه سقوط القضاء، وهو
نَصُّ لا يَقْبَل الاحتمال، لكن الشأن في صحته، فإن صحّ وجب الأخذ به،
وسقط القضاء. انتهى.
وأجاب بعض المالكية بحمل الحديث على صوم التطوع، كما حكاه ابن
التين، عن ابن شعبان، وكذا قال ابن القصار، واعتَلَّ بأنه لم يقع في الحديث
تعيين رمضان، فَيُحْمَل على التطوع.
وقال المهلب وغيره: لم يذكر في الحديث إثبات القضاء، فَيُحْمَل على
سقوط الكفارة عنه، وإثبات عذره، ورفع الإثم عنه، وبقاء نيته التي بيّتها.
انتھی.
والجواب عن ذلك كله بما أخرجه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم،
(١) سيأتي الجواب عن هذا الاستدلال قريباً.

٤٠٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
والدارقطنيّ، من طريق محمد بن عبد الله الأنصاريّ، عن محمد بن عمرو، عن
أبي سلمة، عن أبي هريرة ◌َظته، بلفظ: ((من أفطر في شهر رمضان ناسياً، فلا
قضاء عليه، ولا كفارة))، فعَيَّن رمضان، وصرَّح بإسقاط القضاء.
قال الدار قطنيّ: تفرّد به محمد بن مرزوق، عن الأنصاريّ.
وتُعُقّب بأن ابن خزيمة أخرجه أيضا عن إبراهيم بن محمد الباهليّ، وبأن
الحاكم أخرجه من طريق أبي حاتم الرازيّ، كلاهما عن الأنصاريّ، فهو
المنفرد به، كما قال البيهقيّ، وهو ثقةٌ، والمراد أنه انفرد بذكر إسقاط القضاء
فقط، لا بتعيين رمضان، فإن النسائيّ أخرج الحديث من طريق عليّ بن بكار،
عن محمد بن عمرو، ولفظه في الرجل يأكل في شهر رمضان ناسياً: ((فقال: الله
أطعمه وسقاه)).
وقد ورد إسقاط القضاء من وجه آخر، عن أبي هريرة ظه، أخرجه
الدارقطنيّ من رواية محمد بن عيسى بن الطباع، عن ابن عُلَيَّة، عن هشام، عن
ابن سيرين، ولفظه: ((فإنما هو رزق ساقه الله إليه، ولا قضاء عليه))، وقال بعد
تخريجه: هذا إسناد صحيحٌ، وكلهم ثقات.
قال الحافظ: لكن الحديث عند مسلم وغيره من طريق ابن علية، وليس
فيه هذه الزيادة.
ورَوَى الدارقطنيّ أيضاً إسقاط القضاء، من رواية أبي رافع، وأبي سعيد
المقبريّ، والوليد بن عبد الرحمن، وعطاء بن يسار، كلهم عن أبي هريرة
وأخرج أيضاً من حديث أبي سعيد به رفعه: ((من أكل في شهر رمضان
ناسياً، فلا قضاء عليه))، وإسناده وإن كان ضعيفاً لكنه صالح للمتابعة، فأقل
درجات الحديث بهذه الزيادة أن يكون حسناً، فيصلح للاحتجاج به.
وقد وقع الاحتجاج في كثير من المسائل بما هو دونه في القوّة، ويَعْتَضِد
أيضاً بأنه قد أفتَى به جماعة من الصحابة ﴿ّ من غير مخالفة لهم، منهم - كما
قاله ابن المنذر، وابن حزم، وغيرهما -: عليّ بن أبي طالب، وزيد بن ثابت،
وأبو هريرة، وابن عمر، ثم هو موافق لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَّا كَسَبَتْ
قُلُوبُكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٥]، فالنسيان ليس من كسب القلب، وموافق للقياس في
إيطال الصلاة بعد الأكل، لا بنسيانه، فكذلك الصيام.

٤٠٩
(٣٥) - بَابٌ أَكْلُ النَّاسِي، وَشُرْبُهُ، وَجِمَاعُهُ لَا يُفْطِرُ - حديث رقم (٢٧١٦)
وأما القياس الذي ذكره ابن العربيّ فهو في مقابلة النصّ فلا يقبل، ورَدُّه
للحديث مع صحته بكونه خبر واحد خالف القاعدة ليس بمسلّم؛ لأنه قاعدة
مستقلة بالصيام، فمن عارضه بالقياس على الصلاة أدخل قاعدة في قاعدة، ولو
فُتِحَ باب ردّ الأحاديث الصحيحة بمثل هذا لَمَا بقي من الحديث إلا القليل،
ولردّ من شاء ما شاء.
قال الشوكانيّ كَّلُهُ: وأما اعتذار ابن دقيق العيد، فيجاب عنه بأن غاية
هذه القاعدة المدّعاة أن تكون بمنزلة الدليل، فيكون حديث الباب مخصّصاً
لها. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن أرجح المذاهب مذهب
الجمهور القائلين بصحّة صوم من أكل أو شرب ناسياً، وأنه لا قضاء عليه؛
لوضوح حجته، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
(المسألة الخامسة): في بيان اختلاف أهل العلم في حكم من جامع
ناسياً صومه :
ذهب الحسن البصريّ، ومجاهد، والثوريّ، وأصحاب الرأي،
والشافعيّ، وإسحاق أن الجماع ناسياً حكمه حكم الأكل والشرب ناسياً.
واستدلّ لهم بأن الحديث، وإن ورد في الأكل والشرب، لكنه معلّل
بمعنى يوجد في الكلّ، أي الأكل والشرب والجماع، وهو أنه فعل مضاف
إلى الله تعالى حيث قال: ((فإنما أطعمه الله وسقاه)) قطع إضافتها عن العبد
بوقوعه فيه من غير قصد واختيار، وهذا المعنى يوجد في الكلّ، والعلّة إذا
كانت منصوصاً عليها كان الحكم منصوصاً عليه، ويتعمّم الحكم بعموم العلّة،
وكذا معنى الحرج يوجد في الكلّ.
واستدلّ لهم أيضاً بما تقدّم في رواية ابن خزيمة وغيره من قوله: ((من
أفطر في شهر رمضان))؛ لأن الفطر أعمّ من أن يكون بأكل، أو شرب، أو
(١) راجع: ((الفتح)) ٢٩٦/٥ - ٢٩٨، و((مرعاة المفاتيح)) ٤٩٤/٦ - ٤٩٥.

٤١٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
جماع، وإنما خصّ الأكل والشرب بالذكر في حديث الباب؛ لكونهما أغلب
وقوعاً، ولعدّ الاستغناء عنهما غالباً، قال ابن دقيق العيد تَخَّتُهُ: تعليق الحكم
بالأكل والشرب للغالب؛ لأن نسيان الجماع نادرٌ بالنسبة إليهما، وذكر الغالب
لا يقتضي مفهوماً. انتهى.
وذهب عطاء، والأوزاعيّ، ومالك، والليث بن سعد إلى أن عليه
القضاء، لا الكفّارة، وقال أحمد: عليه القضاء والكفّارة، واحتَجّ بأن النبيّ وَّل
لم يسأل الذي وقع على أهله أنسيتَ أم تعمّدت، ولو افترق الحال لسأل،
واستفصل.
وتعقّبه الخطّابيّ بأن معناه في هذا اقتضاء العموم من الفعل، والعموم إنما
يُقْتَضَى من القول دون الفعل، وإنما جاء الحديث بذكر حال، وحكاية فعل،
فلا يجوز وقوعه على العمد والنسيان معاً، فبطل أن يكون له عموم، ومن
مذهب أبي عبد الله - يعني الإمام أحمد - أنه إذا أكل ناسياً لم يفسد صومه؛
لأن الأكل لم يحصل منه على وجه المعصية، فكذلك إذا جامع ناسياً، فأما
المتعمّد لذلك فقد حصل منه الفعل على وجه المعصية، فلذلك وجبت عليه
الكفّارة. انتهى(١).
وتُعُقّب أيضاً بأن الأصل في الأفعال أن تكون عن عمد، وأن الناسي
لا بدّ أن يذكر النسيان إذا استفتى؛ لأنه عذرٌ، ولا يحتاج إلى السؤال
عنه(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن الأرجح قول الأولين من
أن من جامع ناسياً لصومه لا يفسد صومه، ولا قضاء عليه، ولا كفّارة؛ لقوّة
حجته، فتأمّل بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيِدُ إِلَّ اُلْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَهِ عَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أَنِبُ﴾ .
(١) ((معالم السنن)) ٢٧٧/٣.
(٢) راجع: ((المرعاة)) ٤٩٥/٦ - ٤٩٦.

٤١١
(٣٦) - بَابُ كَيْفَ كَانَ صَوْمُ رَسُولِ اللهِ وَلِ تَطَوُّعاً - حديث رقم (٢٧١٧)
(٣٦) - (بَابُ كَيْفَ كَانَ صَوْمُ رَسُولِ اللهِ وَّهِ تَطَوُّعاً) (١)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٧١٧] (١١٥٦) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع، عَنْ
سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَقِيقٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ ﴿هَا: هَلَّ كَانَ
الشَّبِيُّ ◌َهِ يَصُومُ شَهْراً مَعْلُوماً، سِوَى رَمَضَانَ؟ قَالَتْ: وَاللهِ إِنْ صَامَ شَهْراً مَعْلُوماً،
سِوَى رَمَضَانَ، حَتَّى مَضَى لِوَجْهِهِ، وَلَا أَفْطَرَهُ حَتَّى يُصِيبَ مِنْهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بكر بن عبد الرحمن التميميّ، أبو زكريّاء
النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت٢٢٦) على الصحيح (خ م ت س) تقدم في
((المقدمة)) ٩/٣.
٢ - (يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع) الْعَيشيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨]
(ت١٨٢) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٢/٧.
٣ - (سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ) - بضمّ الجيم مصغّراً - هو: سعيد بن إياس أبو
مسعود البصريّ، ثقةٌ، اختَلَط قبل موته بثلاث سنين [٥] (ت١٤٤) (ع) تقدم في
((الإيمان)) ٢٦٦/٤.
٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ شَقِيقٍ) الْعُقيليّ البصريّ، ثقةٌ فيه نَصْبٌ [٣] (ت١٠٨)
(بخ م٤) تقدم في ((الإيمان)) ٨٤/ ٤٥٠.
٥ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين پا، تقدّمت قبل باب.
لطائف هذا الاسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف كَذَلهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو
(١) اخترت هذه الصيغة؛ لاختصارها، وبنحوها ترجم القرطبيّ كَّلُ في ((مختصره))،
وقريب منه ترجمة أبي نعيم كَُّ في ((مستخرجه))، حيث قال: ((باب في صوم
رسول الله وَ ﴿ تطوّعاً)).

٤١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
داود، وابن ماجه، وعبد الله بن شقيق ما أخرج ه البخاريّ في ((الصحيح)).
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى شيخه، فنيسابوريّ،
وعائشة حيّا، فمدنيّة.
٤ - (ومنها): أن الْجُريريّ ممن اختَلَط ثلاث سنين، كما أسلفته آنفاً،
لكن الراوي عنه هنا يزيد بن زُريع ممن روى عنه قبل اختلاطه، كما بيّنت ذلك
في منظومتي في المختلطين، فقلت:
ثَلَاثَةً سِنِينَ حِفْظُهُ هَبَظ
كَذَا الْجُرَيْرِيُّ سَعِيدٌ اخْتَلَطْ
قَبْلُ(١) وَإِسْمَاعِيلُ سُفْيَانُ(٢) تَلَا
وَعَنْهُ شُعْبَةُ وُهَيْبٌ نَقَلَا
حَمَّادُ حَمَّادٌ وَبِشْرٌ قَدْ حَذَا
وَمَعْمَرٌ وَعَبْدُ وَارِثٍ كَذَا
وَالثَّقَفِيْ وَابْنُ زُرَيْعِ أَعْلَى
وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَعَبْدُ الأَعْلَى
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه عائشة ◌َّا من
المكثرين السبعة.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنٍ شَقِيقٍ) الْعُقَيليّ أنه (قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ رَّ: هَلْ كَانَ
النَّبِيُّ بَّهِ يَصُومُ شَهْراً مَعْلُوماً) وفي الرواية التالية: ((أكان النبيّ ◌َّهِ يصوم شهراً
كلّه)) (سِوَى رَمَضَانَ؟ قَالَتْ: وَاللهِ) فيه تأكيد الجواب بالقسم، وإن كان مما لا
يُشكّ فيه؛ تأكيداً (إِنْ) - بكسر الهمزة، وسكون النون -.
[فائدة]: قال ابن هشام الأنصاريّ كَّتُهُ في ((مغنيه)) ما حاصله: أنّ ((إِنْ))
تكون نافية، وتدخل على الجملة الاسمية، نحو: ﴿إِن الْكَفِرُونَ إِلَّا فِ غُرُورٍ﴾
[الملك: ٢٠]، ﴿إِنْ أُمَّهَتُهُمْ إِلَّا الَّتِى وَلَدْنَهُمَّ﴾ [المجادلة: ٢]، ومن ذلك: ﴿وَإِن مِّنْ
أَهْلِ الْكِتَبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتٍِ﴾ [النساء: ١٥٩] أي وما أحد من أهل
(١) أي: قبل اختلاطه.
(٢) ((وُهيب)) هو: ابن خالد، و((إسماعيل)) هو: ابن عليّة، و((سفيان)) هو: الثوريّ،
و((الحمادان)) هما: ابن سلمة، وابن زيد، و((بشر)) هو: ابن المفضّل، و((عبد
الأعلى)) هو: ابن عبد الأعلى، و((الثقفيّ)) هو: عبد الوهاب بن عبد المجيد، و((ابن
زريع)) هو: يزيد الذي في سند مسلم هنا .

٤١٣
(٣٦) - بَابُ كَيْفَ كَانَ صَوْمُ رَسُولِ اللهِ وَهِ تَطَوُّعاً - حديث رقم (٢٧١٧)
الكتاب إلا ليؤمنن به، فحُذف المبتدأ، وبقيت صفته، ومثله: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا
وَرِدُهَا﴾ [مريم: ٧١].
وتدخل أيضاً على الجملة الفعلية، نحو: ﴿إِنْ أَرَدْنَاً إِلَّا الْحُسْنَى﴾ [التوبة:
١٠٧] ﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلَّ إِنَثًا﴾ [النساء: ١١٧] ﴿ وَتَقُونَ إِن لَّثْتُمْ إِلَّا
قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٥٢] ﴿إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف: ٥].
قال: وقول بعضهم: لا تأتي ((إِن)) النافية إلا وبعدها ((إلا)) كهذه الآيات،
أو (لَمَّا)) المشددة التي بمعناها، كقراءة بعض السبعة: ﴿إِن كُلُّ نَفْسِ لَّ عَلَيْهَا
حَافِظُ ﴿1﴾ [الطارق: ٤] بتشديد الميم، أي: ما كلُّ نفس إلا عليها حافظ،
مردود بقوله تعالى: ﴿إِنْ عِندَكُم مِّن سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾ [يونس: ٦٨]، ﴿قُلْ إِنْ
أَدْرِىّ أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ﴾ [الجنّ: ٢٥]، ﴿وَإِنْ أَدْرِى لَعَلَّمُ فِتْنَةٌ لَكُمْ﴾ [الأنبياء:
١١١]. انتهى كلام ابن هشام ◌َّتُهُ(١).
والمعنى هنا: ما (صَامَ) النبيّ ◌َّهِ (شَهْراً مَعْلُوماً) وفي رواية أيوب الآتية:
((وما رأيته صام شهراً كاملاً)) (سِوَى رَمَضَانَ، حَتَّى مَضَى لِوَجْهِهِ) وفي الرواية
التالية: ((حتى مضى لسبيله))، وهو كناية عن الموت، أي حتى مات، قال
القاري تَخَّلُهُ: واللام في ((لسبيله)) مثلها في قولك: لقيته لثلاث بَقِين من الشهر،
تريد مُستقبلاً لثلاث، أي كان حالُه ما ذُكِر إلى أن مات، وفيه إشارة إلى أنه
بُعِث لأداء الرسالة، فلما أدّاها مضى إلى مأواه ومستقرّه. انتهى(٢).
(وَلَا أَفْطَرَهُ) أي الشهر المعلوم (حَتَّى يُصِيبَ مِنْهُ) أي حتى يصيب بعضه
بالصوم، وهو بمعنى قوله في رواية التالية: ((حتى يصوم منه)).
قال الطيبيّ تَّثُ: ((حتى)) هذه بمعنى ((كي))، كقولك: سرت حتى أدخلَ
البلد بالنصب، إذا كان دخولك مُتَرَقَّباً لَمَّا يوجد، كأنك قلت: سرت كي
أدخلَها، أوكان منقضياً، إلا أنه في حكم المستقبل، من حيث إنه في وقت
وجود السير المفعول من أجله كان مترقَّباً .
وتحريره إن ((حتى)) هنا غاية عدم العلم باستمرار الإفطار المستعقِبِ
للصوم، و((حتى) في قوله: ((حتى مضى ... إلخ)) غاية لعدم علمه بالحالتين،
(١) ((مغني اللبيب)) ٣٣/١ - ٣٤.
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) ٤/ ٤٦٥.

٤١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
من الصيام والإفطار، والاستمرار هو مستفاد من النفي الداخل على الماضي،
والحديث وارد على هذا؛ لأنه وَ ﴿ حين عَزَم أن لا يصوم الشهر كله كان مترقباً
أن يصوم بعضه، و((حتى)) في قوله: ((حتى مضى ... إلخ)) غاية لما تقدمه من
الْجُمَل كلها. انتهى كلام الطيبيّ تَُّ بتصرّف (١)، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ؤها من رواية عبد الله بن شقيق عنها
من أفراد المصنّف نَُّ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٧١٧/٣٦ و٢٧١٨ و٢٧١٩ و٢٧٢٠ و٢٧٢١
و٢٧٢٢ و٢٧٢٣] (١١٥٦) و(٧٨٢)، و(الترمذيّ) في ((الصوم)) (٧٦٨)،
و(النسائيّ) في ((الصيام)) (١٥٠/٤ و١٥١ و١٥٢ و١٩٩ و٢٠٠) و((الكبرى)) (٢/
٨٤)، و(ابن ماجه) في ((الصيام)) (١٧١٠)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (١٤٩٧)،
و(أحمد) في ((مسنده)) (١٥٧/٦ و١٧١ و٢٢٧ و٢٤٢)، و(ابن خزيمة) في
((صحيحه)) (٢٠٧٧)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣٥٨٠)، و(ابن راهويه) في
((مسنده)) (٧٠٣/٣)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٦٨/٢)، و(أبو نعيم) في
(مستخرجه)) (٢٣١/٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٩٢/٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان هدي النبيّ ◌َّر في صيامه في غير رمضان.
٢ - (ومنها): استحباب أن لا يُخلي الإنسان أيّ شهر من الشهور عن
الصوم فيه.
٣ - (ومنها): بيان أن صوم النفل غير مختصّ بزمان معيّن، بل كل السنة
صالحة له، إلا رمضان، والعيد، والتشريق.
٤ - (ومنها): بيان ما كان عليه السلف من شدّة طلبهم للعلم، وشدّة
(١) راجع: ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٦٠٤/٥.

٤١٥
(٣٦) - بَابُ كَيْفَ كَانَ صَوْمُ رَسُولِ اللهِ وَلاَ تَطَّوُّعاً - حديث رقم (٢٧١٨ - ٢٧١٩)
حرصهم على معرفة أحوال النبيّ وَ ﴿ في الصوم وغيره حتى يقتدوا به.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم
الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَغُّْ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٧١٨] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا كَهْمَسٌ،
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنٍ شَقِيقٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ ﴿َ: أَكَانَ رَسُولُ اللهِ،وَهِ يَصُومُ شَهْراً
كُلَّهُ؟، قَالَتْ: مَا عَلِمْتُهُ صَامَ شَهْراً كُلَّهُ، إِلَّا رَمَضَانَ، وَلَا أَفْطَرَهُ كُلَّهُ حَتَّى بَصُومَ
مِنْهُ، حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ وَارِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) الْعَنْبَريّ، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠]
(ت٢٣٧) (خ م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٧/٣.
٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان الْعَنْبريّ، أبو المثنّى
البصريّ، ثقةٌ متقنٌّ، من كبار [٩] (ت١٩٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٧/٣.
٣ - (كَهْمَسُ) بن الحسن التميميّ، أبو الحسن البصريّ، ثقةٌ [٥]
(ت١٤٩) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١/ ١٠٢.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ) تقدّم بلفظ: ((حتى مضى لوجهه))، والمعنى
متقارب، وهو كناية عن الموت.
والحديث من هذا الوجه من أفراد المصنّف رَّتُهُ، وقد مضى شرحه،
وبيان مسائله، في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَظُّهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٧١٩] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّدٌ، عَنْ أَيُّوبَ،
وَهِشَامٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَقِيقٍ، قَالَ حَمَّدٌ: وَأَظُنُّ أَيُّوبَ قَدْ سَمِعَهُ مِنْ

٤١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
عَبْدِ اللهِ بْنِ شَقِيقٍ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﴿َا عَنْ صَوْمِ النَّبِّ وَِّ، فَقَالَتْ: كَانَ
يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ: قَدْ صَامَ، قَدْ صَامَ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ: قَدْ أَفْطَرَ، قَدْ أَفْطَرَ،
قَالَتْ: وَمَا رَأَيْتُهُ صَامَ شَهْراً كَامِلاً، مُنْذُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَمَضَانَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ) سليمان بن داود الْعَتَكيّ البصريّ، نزيل بغداد،
ثقةٌ [١٠] (ت٢٣٤) (خ م د س) تقدم في ((الإيمان)) ١٩٠/٢٣.
٢ - (حَمَّادُ) بن زيد بن درهم الْجَهْضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ
فقيهٌ، من كبار [٨] (ت١٧٩) وله (٨١) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٦/٥.
٣ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة كيسان السَّخْتِيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ
فقيهٌ عابدٌ [٥] (ت١٣١) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص ٣٠٥.
٤ - (هِشَامُ) بن حسّان الْقُرْدوسيّ البصريّ، تقدّم في الباب الماضي.
٥ - (مُحَمَّدٌ) بن سيرين الإمام المشهور، تقدّم أيضاً في الباب الماضي.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (قَالَ حَمَّادٌ: وَأَظُنُّ أَيُّوبَ قَدْ سَمِعَهُ مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَقِيقٍ) ((حمّاد)»
هو: ابن زيد، يعني أن هذا الحديث كما سمعه أيوب عن محمد بن سيرين،
عن عبد الله بن شقيق، كذلك سمعه من عبد الله بن شقيق مباشرة، كما ساق ما
يدّل على ذلك في الرواية التالية، فيكون مما رواه أيوب عن عبد الله بن شقيق
بواسطة، ودون واسطة، فتنبّه.
والحديث من هذا الوجه من أفراد المصنّف نَّتُهُ، وقد مضى شرحه،
وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا
ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢٧٢٠] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا قُتَنْيَةُ، حَدَّثَنَا حَمَّدٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ
شَقِيقٍ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﴿ُّ بِمِثْلِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْإِسْنَادِ هِشَاماً، وَلَا
مُحَمَّداً).

٤١٧
(٣٦) - بَابُ كَيْفَ كَانَ صَوْمُ رَسُولِ اللهِ وَّ تَطَّوُّعاً - حديث رقم (٢٧٢١)
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قُتَيْبَةُ) بن سعيد الثقفيّ، أبو رجاء الْبَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠]
(ت٢٤٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥٠/٦.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْإِسْنَادِ هِشَاماً، وَلَا مُحَمَّداً) الظاهر أن فاعل
(يذكُر)) ضمير قُتيبة، يعني أن قتيبة روى هذا الحديث عن حمّاد بن زيد مثل ما
حدّث عنه أبو الربيع الزهرانيّ في السند، إلا أنه خالفه في إسقاط هشام
ومحمد بين أيوب وعبد الله بن شقيق، فيكون مما رواه أيوب عن ابن شقيق بلا
واسطة.
والظاهر أن المصنّف تَخْذَلُ يرى صحة الطريقين، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية أيوب، عن عبد الله بن شقيق هذه ساقها أبو نعيم ظُّ في
(مستخرجه)) (٣/ ٢٣٢) فقال:
حدّثنا علي بن هارون، ثنا جعفر الفريابيّ، ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا
حماد بن زيد، عن أيوب، عن عبد الله بن شقيق، قال: سألت عائشة عن صيام
النبيّ وَ﴾، فقالت: كان يصوم حتى نقول: قد صام، ويفطر حتى نقول: قد
أفطر، قد أفطر، وما صام رسول الله ◌َ # شهراً كاملاً منذ قدم المدينة إلا
رمضان. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٧٢١] ( .. ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ
أَبِي النَّضْرِ، مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ
أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﴿َا أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ نَِّ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ: لَا يُفْطِرُ،
وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ: لَا يَصُومُ، وَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِهِ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ قَطُّ،
إِلَّا رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ فِي شَهْرٍ أَكْثَرَ مِنْهُ صِيَاماً فِي شَعْبَانَ).

٤١٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مَالِك) بن أنس، إمام دار الهجرة، أبو عبد الله المدنيّ الإمام
المشهور الحجة الفقيه الثبت [٧] (ت١٧٩) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة))
ج١ ص٣٧٨.
٢ - (أَبُو النَّضْرِ، مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ الهِ) هو: سالم بن أبي أُميّة التيميّ
مولاهم المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ، يرسل [٥] (ت١٢٩) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٤/ ٥٥١.
٣ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ مكثرٌ
فقيهٌ [٣] (ت٩٤) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٢٣.
والباقيان ذُكرا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َّتُهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو
داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوی شيخه، فنیسابوريّ، وقد دخل
المدينة.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
٥ - (ومنها): أن فيه أبا سلمة أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال،
وفيه عائشة ◌ّا من المكثرين السبعة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي النَّضْرِ، مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ) وفي رواية ابن وهب عند
النسائيّ، والدارقطنيّ في ((الغرائب)) عن مالك، عن أبي النضر أنه حدّثهم (عَنْ
أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﴿ّا) وفي رواية البخاريّ:
((أن عائشة حدّثته))، وفي الرواية التالية عند المصنّف: ((سألت عائشة رضيّا عن
صيام رسول الله (وَلآت)).
[تنبيه]: قال في ((الفتح)): اتفق أبو النضر، ويحيى بن أبي كثير، ووافقهما
محمد بن إبراهيم، وزيد بن أبي عَتّاب، عند النسائيّ، ومحمد بن عمرو، عند

(٣٦) - بَابُ كَيْفَ كَانَ صَوْمُ رَسُولِ اللهِ وَّهِ تَطَوُّعاً - حديث رقم (٢٧٢١)
٤١٩
الترمذيّ على روايتهم هذا الحديث عن أبي سلمة، عن عائشة رضيإلينا، وخالفهم
يحيى بن سعيد، وسالم بن أبي الجعد، فروياه عن أبي سلمة، عن أم سلمة،
أخرجهما النسائيّ، وقال الترمذيّ عقب طريق سالم بن أبي الجعد: هذا إسناد
صحيحٌ، ويَحْتَمِل أن يكون أبو سلمة رواه عن كلٍّ من عائشة وأم سلمة ر﴿ّ.
قال الحافظ: ويؤيده أن محمد بن إبراهيم التيميّ رواه عن أبي سلمة، عن
عائشة تارةً، وعن أم سلمة تارةً أخرى، أخرجهما النسائيّ. انتهى (١).
(أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ لَّهِ يَصُومُ) أي صوم النفل متتابعاً (حَتَّى
نَقُولَ: لَا يُفْطِرُ) أي ينتهي صومه إلى غاية أن نقول: إنه لا يُفطر في هذا
الشهر.
قال التوربشتيّ كَّلهُ في ((شرح المشكاة)): قوله: ((حتى نقول)) الرواية
بالنون، وقد وجدت في بعض النسخ بالتاء على الخطاب، كأنها قالت: حتى
تقول أيها السامع لو أبصرته، والرواية أيضاً بنصب ((نقولَ))، وهو الأكثر في
كلامهم، ومنهم من رفع المستقبل في مثل هذا الموضع. انتهى(٢).
(وَيُفْطِرُ) أي يستمرّ على الإفطار (حَتَّى نَقُولَ: لَا يَصُومُ) أي ينتهي إفطاره
إلى غاية أن نقول: إنه لا يصوم في هذا الشهر، وذلك لأن الأعمال التي
يتطوّع بها ليست منوطة بأوقات معلومة، وإنما هي على قدر الإرادة لها
والنشاط فيها، قاله في ((العمدة))(٣).
وقال القرطبيّ كَّلُهُ: معنى هذا أنه مَ﴿ كان يصوم متطوِّعاً، فيُكثر،
ويوالي حتى تتحدث نساؤه وخاصّته بصومه، ويُفطر كذلك، ومثل هذا حديث
ابن عبّاس ﴿ه: ((كان يصوم حتى يقول القائل: لا يُفطر، ويُفطر حتى يقول
القائل: لا يصوم))، وبمثل هذا أخبر وَلقي به عن نفسه، فقال: ((بل أصوم
وأفطر، وأقوم وأنام، فمن رَغِب عن سُنّتي فليس منّي))، متّفقٌ عليه. انتهى(٤).
(وَمَا) نافيةٌ (رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ قَطُّ، إِلَّا رَمَضَانَ)
(١) ((الفتح)) ٣٨٦/٥ - ٣٨٧ كتاب ((الصوم)) رقم (١٩٦٩).
(٢) راجع: ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٦٠٣/٥.
(٣) ((عمدة القاري)) ٨٣/١١.
(٤) ((المفهم)) ٢٢٢/٣.

٤٢٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
إنما لم يستكمل شهراً غيره؛ لئلا يُظنّ وجوبه (وَمَا رَأَيْتُهُ) وَِّ (فِي شَهْرٍ أَكْثَرَ مِنْهُ
صِيَاماً فِي شَعْبَانَ) قال في ((الفتح)): قوله: ((أكثرَ صياماً)) كذا لأكثر الرواة
بالنصب، وحَكَى السهيليُّ أنه رُوي بالخفض، وهو وَهَمٌ، ولعل بعضهم كتب
((صياماً)) بغير ألف على رأي من يَقِف على المنصوب بغير ألف، فتُؤُهِّم
مخفوضاً، أو أن بعض الرواة ظنّ أنه مضاف؛ لأن صيغة ((أَفْعَل)) تضاف كثيراً،
فتوهّمها مضافة، وذلك لا يصح هنا قطعاً(١).
وقال الطيبيّ كَّتُهُ: قوله: ((أكثرَ)) ثاني مفعولي ((رأيتُ))، والضمير في
(منه)) راجع إلى رسول الله بَله، و((في شعبان)) متعلّق بـ((صياماً))، والمعنى: كان
رسول الله 18 يصوم في شعبان، وفي غيره من الشهور سوى رمضان، وكان
صيامه في شعبان أكثرَ من صيامه فيما سواه. انتهى(٢).
وقال في ((المرقاة)): وقيل: قوله: ((في شهر)) يعني به غير شعبان، وهو
حال من المستكنّ في ((أكثر))، و((في شعبان)) حال من المجرور في ((منه)) العائد
إلى ((رسول الله (َلي)، أي ما رأيته كائناً في غير شعبان أكثر صياماً منه كائناً في
شعبان، مثل زيد قائماً أحسن منه قاعداً، أو كلاهما ظرف ((أكثر))، الأوّل
باعتبار الزيادة، والثاني باعتبار أصل المعنى، ولا تعلق له برأيته، وإلا يلزم
تفضيل الشيء على نفسه باعتبار حالة واحدة. انتهى (٣).
وفي حديث يحيى بن أبي كثير الآتية: (لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ نَّهِ فِي الشَّهْرِ
مِنَ السَّنَةِ أَكْثَرَ صِيَاماً مِنْهُ فِي شَعْبَانَ))، وفي رواية ابن أبي لبيد، عن أبي سلمة،
عن عائشة الآتية: ((وَلَمْ أَرَهُ صَائِماً مِنْ شَهْرٍ قَظْ أَكْثَرَ مِنْ صِيَامِهِ مِنْ شَعْبَانَ،
كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ، كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إِلَّا قَلِيلاً)).
ورواه الشافعيّ من هذا الوجه بلفظ: ((بل كان يصوم إلخ))، وهذا يبيّن أن
المراد بقوله في حديث أم سلمة رؤيا عند أبي داود وغيره: ((أنه كان لا يصوم
من السنة شهراً تامّاً إلا شعبان، يصله برمضان))، أي كان يصوم مُعْظَمه، ونقل
(١) ((الفتح)) ٣٨٧/٥.
(٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٦٠٣/٥.
(٣) ((مرقاة المفاتيح)) ٤ / ٤٦٤ - ٤٦٥.