النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
(٢٢) - بَابٌ أَيُّ يَوْم يُصَامُ فِي عَاشُورَاءَ؟ - حديث رقم (٢٦٦٤)
وقال البيهقيّ نَّثُهُ: وكأن ابن عبّاس ها أراد صومه مع العاشر، وأراد
بقوله في الجواب: ((نعم)) ما رُوي من عزمه وَّ على صومه، والذي يبيّن
هذا ... فذكر حديث ابن عبّاس موقوفاً: ((صوموا التاسع والعاشر، وخالفوا
اليهود)). انتهى(١)، وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة الثالثة - إن شاء الله
تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان،
وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﴿ّ هذا من أفراد المصنّف خّتُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٦٦٤/٢٢ و٢٦٦٥] (١١٣٣)، و(أبو داود) في
((الصوم)) (٢٤٤٦)، و(الترمذيّ) في ((الصوم)) (٧٥٤)، و(عبد الرّزّاق) في
((مصنّفه)) (٧٨٣٩)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٥٨/٢)، و(أحمد) في
((مسنده) (٢٣٩/١ و٢٤٦ - ٢٤٧ و٢٨٠ و٣٤٤ و٣٦٠)، و(ابن خزيمة) في
((صحيحه)) (٢٠٩٦ و٢٠٩٨)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣٦٣٣)، و(أبو
عوانة) في ((مسنده)) (٢٤١/٢)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٢١٣/٣)،
و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٧٥/٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٤/
٢٨٧)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (١٧٨٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في تعيين يوم عاشوراء:
ذهب أكثر العلماء إلى أن عاشوراء هو اليوم العاشر، قال القرطبيّ كَّتُهُ:
عاشوراء مَعدُول عن عاشرة للمبالغة والتعظيم، وهو في الأصل صفة لليلة
العاشرة؛ لأنه مأخوذ من العشر الذي هو اسم العقد، واليوم مضاف إليها، فإذا
قيل: يوم عاشوراء، فكأنه قيل: يوم الليلة العاشرة؛ إلا أنهم لما عدلوا به عن
الصفة غلبت عليه الاسميّة، فاستغنوا عن الموصوف، فحذفوا الليلة، فصار هذا
اللفظ عَلَماً على اليوم العاشر.
(١) ((السنن الكبرى)) للبيهقيّ ٢٨٧/٤.

٢٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
وذكر أبو منصور الْجَوَاليقيّ أنه لم يُسمع فاعولاء إلا هذا، وضاروراء،
وساروراء، ودالولاء، من الضارّ، والسارّ، والدالّ، وعلى هذا فيوم عاشوراء
هو العاشر، وهذا قول الخليل وغيره.
وقال الزين ابن الْمُنَيّر كَّفُ: الأكثر على أن عاشوراء هو اليوم العاشر من
شهر الله المحرّم، وهو مقتضى الاشتقاق والتسمية.
وقيل: هو اليوم التاسع، فعلى الأول فاليوم مضاف لليلة الماضية، وعلى
الثاني هو مضاف لليلته الآتية، وقيل: إنما سُمّ يوم التاسع عاشوراء أخذاً من
إيراد الإبل، كانوا إذا رعوا الإبل ثمانية أيام، ثم أوردوها في التاسع قالوا:
وردنا عِشْراً - بكسر العين - وكذلك إلى الثلاثة.
وظاهر حديث ابن عبّاس ◌ًا المذكور أن عاشوراء هو اليوم التاسع،
وقال النوويّ كَّلُهُ: هذا تصريح من ابن عباس ﴿ه بأن مذهبه أن عاشوراء هو
اليوم التاسع من المحرَّم، ويتأوله على أنه مأخوذ من إظماء الإبل، فإن العرب
تسمي اليوم الخامس من أيام الوِرْد رِبْعاً (١)، وكذا باقي الأيام على هذه النسبة،
فيكون التاسع عشراً.
وذهب جماهير العلماء من السلف والخلف إلى أن عاشوراء هو اليوم
العاشر من المحرم، وممن قال ذلك سعيد بن المسيِّب، والحسن البصريّ،
ومالك، وأحمد، واسحاق، وخلائق، وهذا ظاهر الأحاديث، ومقتضى اللفظ،
وأما تقدير أخذه من الإظماء فبعيد، ثم إن حديث ابن عباس الثاني يَرُدّ عليه؛
لأنه قال: إن النبيّ ◌َ* كان يصوم عاشوراء، فذكروا أن اليهود والنصارى
تصومه، فقال: إنه في العام المقبل يصوم التاسع، وهذا تصريح بأن الذي كان
يصومه ليس هو التاسع، فتعيّن كونه العاشر.
قال الشافعيّ، وأصحابه، وأحمد، وإسحاق، وآخرون: يُستحبّ صوم
التاسع والعاشر جميعاً؛ لأن النبيّ وَ﴿ صام العاشر، ونوى صيام التاسع، وقد
(١) الرِّبْع بالكسر: هي التي تَعْرِضُ يوماً، وتُقلِع يومين، ثم تأتي في الرابع، وهكذا،
يقال: أربعتِ الْحُمّى عليه بالألف، وفي لغة: رَبَعَت رَبْعاً، من باب نفع. انتهى.
((المصباح)) ٢١٧/١.

٢٢٣
(٢٢) - بَابٌ أَيُّ يَوْمٍ يُصَامُ فِي عَاشُورَاءَ؟ - حديث رقم (٢٦٦٤)
إنّه
• أن
رضيع
سبق في ((صحيح مسلم)) في ((كتاب الصلاة)) من رواية أبي هريرة
النبيّ وَّلو قال: ((أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرَّم)).
قال بعض العلماء: ولعل السبب في صوم التاسع مع العاشر أن لا يتشبه
باليهود في إفراد العاشر، وفي الحديث إشارة إلى هذا، وقيل: للاحتياط في
تحصيل عاشوراء، والأول أولى، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ كَُّهُ(١).
وقال الزين ابن المنيّر: قوله: إذا أصبحت من تاسعه، فَأَصْبِحْ يشعر بأنه
أراد العاشر؛ لأنه لا يصبح صائماً بعد أن أصبح من تاسعه إلا إذا نوى الصوم
من الليلة المقبلة، وهي الليلة العاشرة.
قال الحافظ: ويقوّي هذا الاحتمال ما يأتي أن النبيّ وَله قال: ((لئن بقيت
إلى قابل لأصومنّ التاسع، فمات قبل ذلك))، فإنه ظاهر في أنه كان يصوم
العاشر، وهمّ بصوم التاسع، فمات قبل ذلك، ثم ما همّ به من صوم التاسع
يَحْتَمِل معناه أنه لا يقتصر عليه، بل يضيفه إلى اليوم العاشر؛ إما احتياطاً له،
وإما مخالفة لليهود والنصارى، وهو الأرجح، وبه تُشعر رواية أبي غطفان
التالية، ولأحمد من وجه آخر عن ابن عباس مرفوعاً: ((صوموا يوم عاشوراء،
وخالفوا اليهود، صوموا يوماً قبله، أو يوماً بعده)).
وهذا كان في آخر الأمر، وقد كان ◌َله يحبّ موافقة أهل الكتاب فيما لم
يؤمر فيه بشيء، ولا سيما إذا كان فيما يخالف فيه أهل الأوثان، فلما فُتحت
مكة، واشتهر أمر الإسلام أحبّ مخالفة أهل الكتاب أيضاً، كما ثبت في
((الصحيح))، فهذا من ذلك، فوافقهم أوّلاً، وقال: ((نحن أحقّ بموسى منكم))،
ثم أحبّ مخالفتهم، فأمر بأن يضاف إليه يوم قبله، أو يوم بعده خلافاً لهم،
ويؤيّده رواية الترمذيّ من طريق أخرى بلفظ: ((أمرنا رسول الله وَلو بصيام
عاشوراء، يوم العاشر)).
وقال بعض أهل العلم: قوله وَليم في صحيح مسلم: ((لئن عشت إلى قابل
لأصومنّ التاسع)) يَحْتَمِل أمرين:
[أحدهما]: أنه أراد نقل العاشر إلى التاسع.
(١) ((شرح النوويّ)) ١٢/٨ - ١٣.

٢٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
[والثاني]: أراد أن يضيفه إليه في الصوم، فلما توفّي وَّو قبل بيان ذلك
كان الاحتياط صوم اليومين، وعلى هذا فصيام عاشوراء على ثلاث مراتب:
أدناها أن يصام وحده، وفوقه أن يصام التاسع معه، وفوقه أن يصام التاسع
والحادي عشر. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الثاني هو الصحيح، وأما نقله إلى
التاسع فبعيد.
والحاصل أن الأرجح هو ما ذهب إليه الجمهور، من أن عاشوراء هو
اليوم العاشر من المحرّم، وأما قول ابن عبّاس ظًا: ((وأصبح يوم التاسع
صائماً))، فهو مذهب انفرد به، وتخالفه ظواهر الأحاديث، إلا إذا حُمل أنه
أراد صومه مع العاشر، فيتّفق مع مذهب الجمهور، وهذا أولى ما أوّل به قوله،
فتأمل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم
الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخَذَثُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢٦٦٥] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا بَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ
الْقَطَّانُ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمْرٍو، حَدَّثَنِي الْحَكَمُ بْنُّ الْأَعْرَجِ، قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ
عَبَّاسِ رِّهَا، وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ رِدَاءَهُ عِنْدَ زَمْزَمَ، عَنْ صَوْمِ عَاشُورَاءَ، بِمِثْلِ حَدِيثٍ
حَاجِبٍ بْنِ عُمَرَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّنُ) تقدّم أيضاً في الباب الماضي.
٣ - (مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرِو) بن خالد بن غَلَاب - بالغين المعجمة، وتخفيف
اللام - النصريّ - بالنون - مولى بني نصر بن معاوية، البصريّ - بالباء الموحّدة -
ويقال: إن غَلَاب اسم امرأة، وهي أم خالد، وهو ابن الحارث بن أوس بن
(١) «الفتح)) ٤ / ٧٧١ - ٧٧٢.

٢٢٥
(٢٢) - بَابٌ أَيُّ يَوْم يُصَامُ فِي عَاشُورَاءَ؟ - حديث رقم (٢٦٦٥)
النابغة بن عنبر بن حبيب بن دهمان بن نصر، نسبه حفيده المفضل بن غسان بن
المفضل بن معاوية الغلابيّ، ثقةٌ [٦].
رَوَى عن أبيه، والحكم بن الأعرج، ويقال: إنه عمه.
وروى عنه ابنه عمرو، وحماد بن سلمة، وعثمان بن عبد الحميد بن
لاحق، ومعاذ بن معاذ، ويحيى بن سعيد القطان، وعلي بن عاصم.
قال النسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن شاهين في ((الثقات)): قال يحيى بن معين:
ثقة، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وليس له عندهم إلا هذا
الحديث.
والباقیان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: رواية معاوية بن عمرو، عن الحكم بن الأعرج هذه ساقها أبو
نعيم كَخْذَلُ في ((مستخرجه)) (٢١٣/٣) فقال:
(٢٥٧٩) - حدّثنا محمد بن أحمد بن الحسن، ثنا عبد الله بن أحمد،
حدثني أبي، ثنا عليّ بن عاصم، أنبأ معاوية بن عمرو بن غَلَاب، عن
الحكم بن الأعرج، وقال عليّ: الحكم بن عبد الله بن الأعرج، قال: أتيت
ابن عباس في المسجد الحرام، وهو متوسد رداءه، فسألته (ح) وثنا محمد بن
إبراهيم، أنبأ أحمد بن عليّ، ثنا موسى بن محمد بن حبان، ثنا يحيى بن
سعيد، ثنا معاوية بن عمرو (ح) وثنا أبو حامد الجلوديّ، ثنا أبو بكر بن
خزيمة، ثنا محمد بن بشار، ثنا يحيى بن سعيد، ثنا معاوية بن عمرو، ثنا
الحكم بن الأعرج، قال: سألت ابن عباس، وقال عليّ: الحكم بن عبد الله بن
الأعرج، قال: أتيت ابن عباس في المسجد الحرام، وهو متوسد رداءه،
فسألته عن صيام عاشوراء، فقال: اعدُدْ، فإذا أصبحت يوم التاسع، فأصبح
صائماً، قلت: هذا شيء كان محمد وَّلهُ يصومه؟ قال: نعم، لفظ يحيى بن
سعيد. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا
ونعم الوكيل.

٢٢٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج تَظُّ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢٦٦٦] (١١٣٤) - (وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي
مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا غَطَفَانَ بْنَ
طَرِيفٍ الْمُرَِّّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسِ ﴿يَا يَقُولُ: حِينَ صَامَ
رَسُولُ اللهِ نَّهِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ يَوْمٌ تُعَظِّمُهُ
الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ بَّهِ: ((فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ - إِنْ شَاءَ اللهُ -
صُمْنَا الْيَوْمَ التَّاسِعَ))، قَالَ: فَلَمْ يَأْتِ الْعَامُ الْمُقْبِلُ حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ وَلِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْحُلْوَانِيُّ) نزيل مكة، ثقةٌ حافظُ، له تصانيف [١١]
(ت٢٤٢) (خ م د ت ق) تقدم في ((المقدمة)) ٢٤/٤.
٢ - (ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو: سعيد بن الحكم بن محمد بن سالم، أبو
محمد المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [١٠] (ت٢٢٤) وله (٨٠) سنةً (ع)
تقدم في ((الإيمان)) ١٨٨/٢٢.
٣ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) الغافقيّ، أبو العبّاس المصريّ، صدوقٌ ربما أخطأ
[٧] (ت١٦٨) (ع) تقدم في ((الحيض)) ٢٦/ ٨٢٠.
٤ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ) بن عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية الأمويّ،
ثقةٌ ثبتٌ [٦] (ت١٤٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٢/٧.
٥ - (أَبُو غَطَفَانَ بْنُ طَرِيفِ الْمُرِّيُّ) أو ابن مالك المدنيّ، قيل: اسمه
سعد، ثقةٌ، من كبار [٣] (م د س ق) تقدم في ((الحيض)) ٢٣/ ٨٠٣.
و((ابن عبّاس ﴿)) ذُكر قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َذَلُهُ.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث، والسماع من أوله إلى آخره.

٢٢٧
(٢٢) - بَابٌ أَيُّ يَوْمٍ يُصَامُ فِي عَاشُورَاءَ؟ - حديث رقم (٢٦٦٦)
شرح الحديث :
عن إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا غَطَفَانَ) - بفتح الغين المعجمة، ثم
الطاء المهملة، بعدها فاء - (ابْنَ طَرِيفٍ) - بفتح الطاء المهملة، وكسر الراء،
بوزن عظيم - (الْمُرِّيَّ) - بضمّ الميم، وتشديد الراء -: نسبة إلى مرّة قبيلة
(يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسِ ﴿هَا يَقُولُ: حِينَ صَامَ رَسُولُ اللهِلَّه يَوْمَ
عَاشُورَاءَ، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ) أي أمرِ الناس بصيام يوم عاشوراء (قَالُوا) لم يُسمّ
القائل (يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ يَوْمُ تُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى) استُشكل هذا بأن التعليل
بنجاة موسى، وغَرَق فرعون يختص بموسى واليهود، فكيف ذُكرت النصارى؟.
وأجيب باحتمال أن يكون عيسى ظلّا كان يصومه، وهو مما لم يُنسَخ من
شريعة موسى ظلّا؛ لأن كثيراً منها ما نُسخ بشريعة عيسى؛ لقوله تعالى:
﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ اُلَّذِىِ حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ الآية [آل عمران: ٥٠]، ويقال: إن أكثر
الأحكام الفرعية إنما تتلقاها النصارى من التوراة، وقد أخرج أحمد من وجه
آخر، عن ابن عباس ها زيادة في سبب صيام اليهود له، وحاصلها أن السفينة
استوت على الجوديّ فيه، فصامه نوح وموسى شكراً، وكأن ذکر موسی دون
غيره هنا؛ لمشاركته لنوح في النجاة، وغرق أعدائهما، أفاده في ((الفتح))(١).
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ) ((كان)) هنا تامّة، أي جاء،
ويَحْتَمِل أن تكون ناقصة، وخبرها محذوف، أي آتياً، وقوله: (إِنْ شَاءَ اللهُ)
ذكره للتبرّك؛ امتثالاً لقوله رَى: ﴿وَلَا نَقُولَنَ لِشَأَىْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (®) إِلَّ
أَنْ يَشَآءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤] (صُمْنَا الْيَوْمَ التَّاسِعَ))) أي مع العاشر، وهذا هو
الظاهر، وقيل: يَخْتمل أن يكون المراد تعويضه به، والأول أظهر، والله تعالى
(فَلَمْ بَأْتِ الْعَامُ الْمُقْبِلُ حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ وَلِ)
أعلم (قَالَ) ابن عبّاس .
فثبتت سنّته بعزمه ◌َلل على صومه.
وقال المظهر تَخّْثُ: لم يعش النبيّ وَ﴿ إلى القابل، بل توفّي في الثاني
عشر من ربيع الأول، فصار اليوم التاسع من المحرّم صومه سنّةً، وإن لم يصمه
رسول الله وَله؛ لأنه عَزَم على صومه.
(١) ((الفتح)) ٤٤٠/٥.

٢٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
وقال التوربشتيّ تَخْلُهُ: قيل: أراد بذلك أن يضمّ إليه يوماً آخر؛ ليكون
هديه مخالفاً لهدي أهل الكتاب، وهذا هو الوجه؛ لأنه وقع جواباً لقولهم: ((إنه
یوم تعظمه اليهود)). انتهى.
للنبيّ ◌َ﴾: ((إن يوم عاشوراء يوم
وقال القرطبيّ تَخّْتُهُ: قول الصحابة .
تعظّمه اليهود ... )) كان هذا القول من النبيّ وَر بعد أن تمادى على صومه عشر
سنين أو نحوها، بدليل أن أمره بصومه إنما كان حين قَدِم المدينة، وهذا القول
الآخَرُ كان في السَّنة التي تُوُفّي فيها، في يوم عاشوراء من محرّم تلك السنة،
وتوفي هو وَّل في شهر ربيع الأول منها، لم يُخْتَلف في ذلك؛ وإن كانوا اختلفوا
في أي يوم منه، وأصح الأقوال: في الثاني عشر منه، والله تعالى أعلم. انتهى.
قال: وقوله وَ﴾: ((فإذا كان العام المقبل صمنا اليوم التاسع))؛ إنما قال
هذا؛ لحصول فائدة الاستئلاف المتقدم، وكانت فائدئه: إصغاءهم لما جاء به
حتى يتبين لهم الرشد من الغيّ، فيحيا مَن حَيّ عن بينة، ويهلك من هلك عن
بينة، ولما ظهر عنادهم كان يجب مخالفتهم - أعني: أهل الكتاب - فيما لم
يؤمر به، وبهذا النظر، وبالذي تقدَّم يرتفع التعارض المتوهم في كونه ◌َ﴿ ﴿ كان
يحب موافقة أهل الكتاب، وكان يحب مخالفتهم. وأن ذلك في وقتين
وحالتين، لكن الذي استقر حاله عليه: أنه كان يحب مخالفتهم؛ إذ قد وضح
الحق، وظهر الأمر ولو كره الكافرون. انتهى كلام القرطبيّ تَظُّ، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ◌ِّ هذا من أفراد المصنّف ◌َظَّتُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٦٦٦/٢٢ و٢٦٦٧] (١١٣٤)، و(أبو داود) في
(الصوم)) (٢٤٤٥)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٤١/٢)، و(أبو نعيم) في
((مستخرجه)) (٢١٤/٣)، و(الطبريّ) في ((تهذيب الآثار)) (٣٨٤/١)، و(البيهقيّ)
في ((الكبرى)) (٢٨٧/٤) و((الصغرى)) (٤١٦/٣)، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

٢٢٩
(٢٢) - بَابٌ أَيُّ يَوْمِ يُصَامُ فِي عَاشُورَاءَ؟ - حديث رقم (٢٦٦٧)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَظُّهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٦٦٧] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثْنَا
وَكِيعُ، عَن ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَن الْقَاسِمِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَيْرٍ، لَعَلَّهُ
قَالَ: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ .
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ
لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ))، وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي بَكْرٍ: قَالَ: يَعْنِي يَوْمَ عَاشُورَاءَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) هو: محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن
الحارث بن أبي ذئب القرشيّ العامريّ، أبو الحارث المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ
[٧] (ت٨ أو ١٥٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٩٣.
٣ - (الْقَاسِمُ بْنُ عَبَّاسٍ) بن محمد بن مُعَتِّب بن أبي لهب الهاشميّ، أبو
العباس المدنيّ، ثقةٌ [٦].
رَوَى عن نافع بن جُبير بن مُطْعِم، وعبد الله بن نيار بن مكرم، وعبد الله بن
عُمير مولى ابن عباس، وعبد الله بن رافع مولى أم سلمة، وعمرو بن عُمير.
وروى عنه بكير بن الأشج، وروى هو أيضاً عنه، وابن أبي ذئب.
قال الدُّوريّ، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وقال
عليّ ابن المدينيّ في حديث ابن أبي ذئب، عن القاسم بن عباس، عن ابن
الأشجّ، عن ابن المكرز، عن أبي هريرة، قيل: يا رسول الله الرجل يجاهد،
وهو يحب أن يُحْمَد: لم يروه غير ابن أبي ذئب، والقاسم مجهول، وابن مكرز
مجهول، لم يرو عنه غير ابن الأشجّ. وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
قُتل سنة إحدى وثلاثين ومائة، وقيل: إنه مات بالمدينة أيام الحرورية،
وقال البخاريّ، عن عبد الرحمن بن شيبة: قُتل سنة ثلاثين ومائة.
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وله
في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (١١٣٤)، و(٢٢٩٥).

٢٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَيْرٍ) أبو محمد، مولى أم الفضل، وقيل: مولى ابنها
عبد الله بن عباس، ثقةٌ [٣].
رَوَى عن ابن عباس، وعنه القاسم بن عباس، قال ابن أبي حاتم، عن
أبي زرعة: ثقةٌ، وقال ابن المنذر: لا يُعرف هو ولا شيخه إلا في هذا
الحديث، يعني حديث ابن عباس في عاشوراء، وقال محمد بن سعد: تُوُفّي
سنة سبع عشرة ومائة، وكان ثقةً قليل الحديث، وذكره ابن حبان في ((الثقات))،
وقال: مات سنة ١١٧.
تفرّد به المصنّف، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث
فقط .
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (لَعَلَّهُ قَالَ) هكذا عند المصنّف، والظاهر أنه من شيخي
المصنّف، أو من أحدهما؛ لأن الحديث رواه أحمد في «مسنده)) (١/ ٣٤٤) عن
وكيع، وكذا ابن ماجه في «سننه)) (٥٥٢/١) عن عليّ بن محمد، عن وكيع،
وليس عندهما (لعله))، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقوله: (لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلِ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ) قال القرطبيّ تَخُّْهُ: ظاهره:
أنه كان عَزَم على أن يصوم التّاسع بدل العاشر، وهذا هو الذي فهمه ابن
عباس ◌ًا، حتى قال للذي سأله عن يوم عاشوراء: إذا رأيت هلال المحرم
فاعدد وأصبح يوم التاسع صائماً، وبهذا تمسّك من رآه التاسع، ويمكن أن
يقول من رأى صوم التاسع والعاشر: ليس فيه دليل على أنه يترك صوم العاشر،
بل وعد بأن يصوم التاسع مضافاً إلى العاشر، وفيه بُعد عند تأمل مساق
الحديث، مبنياً على أنه جواب سؤالٍ سبق، فتأمَّل. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ أنه وَ لّ أراد أن يصوم التاسع مضافاً إلى
العاشر الذي كان يصومه، لا أنه أراد أن يستبدل العاشر بالتاسع، كما هو
ظاهر جواب ابن عبّاس ها، لكن مجموع الأحاديث الواردة في ذلك تأبى
هذا، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَّوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُثِبُ﴾ .

٢٣١
(٢٣) - بَابُ مَنْ أَكَلَ فِي عَاشُورَاءَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ بَقِيَّةَ يَومِهِ - حديث رقم (٢٦٦٨)
(٢٣) - (بَابُ مَنْ أَكَلَ فِي عَاشُورَاءَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ بَقِيَّةً يَومِهِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْتُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢٦٦٨] (١١٣٥) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ - يَعْنِي ابْنَ
إِسْمَاعِيلَ - عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَع ◌َبُهُ أَنَّهُ قَالَ: بَعَثَ
رَسُولُ اللهِ وَِّ رَجُلاً مِنْ أَسْلَمَ، يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ فِي النَّاسِ: ((مَنْ
كَانَ لَمْ يَصُمْ فَلْيَصُمْ، وَمَنْ كَانَ أَكَلَ فَلْيُتِمَّ صِيَامَهُ إِلَى اللَّيْلِ)))
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء الْبَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠]
(ت٢٤٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠.
٢ - (حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) الحارثيّ مولاهم، أبو إسماعيل المدنيّ، كوفيّ
الأصل، صدوق يَهِم، صحيح الكتاب [٨] (ت٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في
((الصلاة)) ١٠٨٦/٤٢.
٣ - (يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ) الأسلميّ مولى سلمة بن الأكوع المدنيّ، ثقةٌ
[٤] مات سنة بضع و(١٤٠) (ع) تقدم في ((الصلاة)) ١١٤٠/٥١.
٤ - (سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ) هو: سلمة بن عمرو بن الأكوع الأسلميّ، أبو
مسلم، أو أبو إياس الصحابيّ الشهير، شَهِد بيعة الرضوان، ومات بالمدينة سنة
(٦٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٨٨/٤٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف تَخْلَثُ، كلاحقيه، وهو (١٦٨) من
رباعيّات الكتاب.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فبغلانيّ، وقد دخل
المدينة.

٢٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
شرح الحديث:
(عَنْ يَزِيدَ) بن أبي عُبيد، مولى سلمة بن الأكوع ◌َظُه، (عَنْ سَلَمَةَ بْنِ
الْأَكْوَعِ ظُهُ) وفي رواية النسائيّ: ((قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ)) (أَنَّهُ قَالَ: بَعَثَ
رَسُولُ اللهِ وَهِ رَجُلاً مِنْ أَسْلَمَ) أي من قبيلة أسلم.
قال في ((الفتح)): واسم هذا الرجل هند بن أسماء بن حارثة الأسلميّ، له
ولأبيه، ولعمه هند بن حارثة صحبة، أخرج حديثه أحمد، وابن أبي خيثمة من
طريق ابن إسحاق: حدّثني عبد الله بن أبي بكر، عن حبيب بن هند بن أسماء
الأسلميّ، عن أبيه، قال: بعثني النبيّ وَّ إلى قومي من أسلم، فقال: ((مُرْ
قومك أن يصوموا هذا اليوم، يوم عاشوراء، فمن وجدته منهم قد أكل في أول
يومه، فليصم آخره))، وروى أحمد أيضاً من طريق عبد الرحمن بن حرملة، عن
يحيى بن هند، قال: وكان هند من أصحاب الحُدَيبية، وأخوه الذي بعثه
رسول الله ﴿ يأمر قومه بالصيام يوم عاشوراء، قال: فحدّثني يحيى بن هند،
عن أسماء بن حارثة أن رسول الله وَل* بعثه، فقال: ((مر قومك بصيام هذا
اليوم))، قال: أرأيت إن وجدتهم قد طَعِمُوا؟ قال: ((فليتمّوا آخر يومهم)).
قال الحافظ: فَيَحْتَمِل أن يكون كلّ من أسماء، وولده هند أُرسلا بذلك،
ويَحْتَمِل أن يكون أطلق في الرواية الأولى على الجدّ اسم الأب، فيكون
الحديث من رواية حبيب بن هند، عن جدّه أسماء، فتتحد الروايتان، والله
أعلم. انتھی.
(يَوْمَ عَاشُورَاءَ) متعلّقٌ بـ«بَعَثَ)) (فَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ) بتشديد الذال المعجمة،
من التأذين، ويَحْتَمِل أن يكون بتخفيفها (فِي النَّاسِ : ((مَنْ كَانَ لَمْ يَصُمْ) أي ولم
يأكل أيضاً (فَلْيَصُمْ، وَمَنْ كَانَ أَكَلَ فَلْيُتِمَّ صِيَامَهُ إِلَى اللَّيْلِ))) هذا ظاهرٌ في أن
صومه بقية يومه صوم لكله، وإن تقدمه أكل، أو شرب، أو نحوه، فهو بمنزلة
من أكل، أو شرب ناسياً، فإن صومه صحيح بإجماع، ومن تأوله بأن المراد
مجرد الإمساك لحرمة اليوم، فقد حمّله ما لا يتحمّله من دون ضرورة تُلجِىء
إليه، والله تعالى أعلم.
وقال النوويّ كَّلُ: احتجّ أبو حنيفة تَّقُ بهذا الحديث لمذهبه أن صوم

٢٣٣
(٢٣) - بَابُ مَنْ أَكَلَ فِي عَاشُورَاءَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ بَقِيَّةَ يَومِهِ - حديث رقم (٢٦٦٨)
رمضان وغيره من الفرض يجوز نيّته في النهار، ولا يشترط تبييتها، قال: لأنهم
نووا في النهار، وأجزأهم.
وقال الجمهور: لا يجوز رمضان، ولا غيره من الصوم الواجب إلا بنيّة
من الليل، وأجابوا عن هذا الحديث بأن المراد إمساك بقية النهار، لا حقيقة
الصوم، والدليل على هذا أنهم أكلوا، ثم أمروا بالإتمام، وقد وافق أبو حنيفة
وغيره على أن شرط إجزاء النية في النهار في الفرض والنفل أن لا يتقدمها
مفسد للصوم من أكل أو غيره.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الجواب فيه نظر لا يخفى؛ إذ هو
مخالف لظاهر النصّ، فالنبيّ وَ ل﴿ يقول: ((فليتمّ صيامه إلى الليل))، فيُثبِت كونه
صوماً صحيحاً، بنصه الصريح، وهو إنما بُعِث لتبيين الحقائق الشرعيّة، وهم
يقولون: ليس صوماً صحيحاً، إن هذا لشيءٌ عُجاب.
والحاصل أن الصواب أن هذا الصوم صحيح، وجاز بنيّة من النهار للعذر
بالجهل به، كما تقدّم، والله تعالى أعلم.
قال: وجواب آخر أن صوم عاشوراء لم يكن واجباً عند الجمهور، وإنما
كان سنة متأكدة.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد قدّمنا أن الصحيح كون صوم عاشوراء
واجباً، ثم نُسِخ، لظواهر النصوص، والله تعالى أعلم.
قال: وجواب ثالث أنه ليس فيه أنه يجزيهم، ولا يقضونه، بل لعلهم
قضوه، وقد جاء في سنن أبي داود في هذا الحديث: ((فأتموا بقية يومكم،
واقضوه))(١). انتهى كلام النوويّ.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: ((لعلهم قضوه)) غير صحيح، فمن
(١) هو ما أخرجه أبو داود في ((سننه)) من طريق قتادة، عن عبد الرحمن بن سلمة، عن
عمّه: أن أسلم أتت النبيّ وَّ، فقال: ((صُمتم يومكم هذا؟)) قالوا: لا، قال
((فأتمّوا بقيّة يومكم، واقضوه))، وهو ضعيف؛ لأن في سنده عبد الرحمن بن سلمة
لم يرو عنه إلا قتادة، قال ابن القطّان: مجهول الحال، وقال الذهبيّ: لا يُعرَف،
وقال في ((التقريب): مقبول، أي حيث يتابَع، ولم يُتابَع هنا .

٢٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
أين هذا الظنّ؟، والزيادة التي ذكرها من ((سنن أبي داود)) غير صحيحة.
والحاصل أن صوم من لم يعلم بكون اليوم من رمضان، ثم تبیّن له في
أثناء النهار أنه منه، فليتم يومه صائماً سواء تقدم له أكل ونحوه، أو لم يتقدم،
فيكون صومه صحيحاً مجزئاً عن فرضه؛ لحديث الباب وغيره، فيكون كمن
أكل، أو شرب ناسياً، فإن صومه صحيح تامّ بلا خلاف. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث سلمة به هذا مُتَّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٦٦٨/٢٣] (١١٣٥)، و(البخاريّ) في ((الصوم))
(١٩٢٤ و٢٠٠٧) وفي ((أخبار الآحاد)) (٧٢٦٥)، و(النسائيّ) في ((الصيام))
(٢٣٢١) و((الكبرى)) (٢٦٣٠)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٧/٤ و٤٨ و٥٠)،
و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٢٠٩٢)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٢١٥/٣)
(الدارميّ) في ((سننه)) (١٧٦١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في وجوب تبييت النّة من الليل
في الصوم:
قال القرطبيّ كَّثُ: ظاهر حديث سلمة بن الأكوع به هذا جواز إحداث
نية الصوم في أضعاف النهار، ولا يلزم التبييت، وقد اختُلِف في ذلك: فذهب
أبو حنيفة، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور إلى جواز ذلك
في النفل، وخصَّت طائفة منهم جواز ذلك بما قبل الزوال؛ منهم: الشافعيّ في
أحد قوليه، وذهب مالك، وابن أبي ذئب، والليث، والمزني: إلى أنه لا يصح
صوم إلا بنيّة من الليل. وذهب الكوفيون: إلى أن كل ما فرض من الصوم في
وقت معين؛ فإنه لا يحتاج إلى تبييت نية، ويجزئه إذا نواه قبل الزوال. وهو
قول الأوزاعي، وإليه ذهب عبد الملك ابن الماجشون، ورواه عن مالك فيمن
لم يعلم برمضان إلا في يومه. وذهب مالك في المشهور عنه، والشافعي،

٢٣٥
(٢٣) - بَابُ مَنْ أَكَلَ فِي عَاشُورَاءَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ بَقِيَّةَ يَومِهِ - حديث رقم (٢٦٦٨)
وأحمد، وعامتهم: إلى أن الفرض لا يجزئ إلا بنيّة من الليل. وهذا هو
الصحيح بدليل ما رواه النسائي عن حفصة، والدارقطني عن عائشة: أن
رسول الله ◌َير قال: ((لا صيام لمن لم يبيّت الصيام من الليل))، وغاية ما قيل
في هذا الحديث: إنه روي موقوفاً، والمسندون له ثقاث، ولا حجة فيما تقدم
من ابتداء الصيام في يوم عاشوراء؛ لأنه كان ذلك في أول الأمر، وهو منسوخ
كما قد تقدم. ولو سلِّم أنه ليس بمنسوخ؛ لأمكن أن يقال بموجبه، فإن من
تذکر فرض صوم يوم هو فيه، أو ثبت أنه يوم صومه لزمه إتمام صومه.
وهذا مما لا يختلف فيه، لكن عليه قضاؤه؛ إذ الصوم المطلوب منه لم
يأت به؛ فإنه طلب منه صوم يوم كامل، وهذا بعض يوم، هذا مع ما قد رواه
أبو داود من أنه قال والقهر: «فأتموا بقية يومكم واقضوه))؛ يعني: عاشوراء.
انتهى كلام القرطبيّ كَّتُهُ.
قال الجامع عفا الله عنه: حديث أبي داود المذكور ضعيف، فالقول
بوجوب القضاء مما لا دليل عليه، بل الظاهر أنه لا يجب القضاء، فتبصّر،
والله تعالى أعلم.
وقال في ((الفتح)): استُدلّ بحديث الباب على صحة الصيام لمن لم ينوه
من الليل، سواء كان رمضان، أو غيره؛ لأنه ◌َّلهو أمر بالصوم في أثناء النهار،
فدلّ على أن النّة لا تشترط من الليل.
قال الحافظ: وأجيب بأن ذلك يتوقّف على أن صيام عاشوراء كان
واجباً، والذي يترجّح من أقوال العلماء أنه لم يكن فرضاً، وعلى تقدير أنه كان
فرضاً، فقد نسخ بلا ريب، فنسخ حكمه، وشرائطه بدليل قوله: ((من أكل
فليتمّ))، ومن لا يشترط النيّة من الليل لا يجيز صيام من أكل من النهار.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: ((والذي يترجح من أقوال العلماء
أنه لم يكن فرضاً))، إن أراد كونه مذهب الجمهور، فمسلّم، وإن أراد أنه راجح
من حيث الدليل فلا؛ لأن الذي يترجح بالأدلة الواضحة كونه فرضاً، لكنه نسخ
برمضان .
وقد ذكر الحافظ نفسه ما يناقض كلامه المذكور، فقال عند شرح حديث
معاوية ربه: ((ولم يكتب الله عليكم صيامه)) ما ملخّصه: ويؤخذ من مجموع

٢٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
الأحاديث أنه كان واجباً؛ لثبوت الأمر بصومه، ثم تأكَّد الأمر بذلك، ثم زيادة
التأكيد بالنداء العامّ، ثم زيادته بأمر من أكل بالإمساك، ثم زيادته بأمر الأمهات
أن لا يُرضعن فيه الأطفال، وبقول ابن مسعود الثابت في مسلم: ((لما فُرض
رمضان تُرك عاشوراء))، مع العلم بأنه ما ترك استحبابه، بل هو باق، فدلّ على
أن المتروك وجوبه. وأما قول بعضهم: المتروك تأكد استحبابه، والباقي مطلق
استحبابه، فلا يخفى ضعفه، بل تأكد استحبابه باق، ولا سيما مع استمرار
الاهتمام به حتى في عام وفاته وَله، حيث يقول: ((لئن عشت لأصومنّ التاسع
والعاشر))، ولترغيبه في صومه، وأنه يكفّر سنة، وأيّ تأكيد أبلغ من هذا؟.
انتھی.
فتبيّن بهذا أن الصواب أن صوم عاشوراء كان فرضاً، ثم نسخ بفرض
رمضان. والله تعالى أعلم.
قال: وصرّح ابن حبيب من المالكيّة بأن ترك التبييت لصوم عاشوراء من
خصائص عاشوراء، وعلى تقدير أن حكمه باق، فالأمر بالإمساك لا يستلزم
الإجزاء، فيحتمل أن يكون أمر بالإمساك لحرمة الوقت، كما يؤمر من قدم من
سفر في رمضان نهاراً، وكما يؤمر من أفطر يوم الشكّ، ثم رأى الهلال، وكلّ
ذلك لا ينافي أمرهم بالقضاء.
بل ورد ذلك صريحاً في حديث أبي داود، والنسائيّ، من طريق قتادة،
عن عبد الرحمن بن سلمة(١)، عن عمّه: أن أسلم أتت النبيّ وَّ، فقال:
((صمتم يومكم هذا؟))، قالوا: لا، قال: ((فأتمّوا بقية يومكم، واقضوه)). وعلى
تقدير أن لا يثبت هذا الحديث في الأمر بالقضاء، فلا يتعيّن ترك القضاء، لأن
من لم يدرك اليوم بكماله لا يلزمه القضاء، كمن بلغ، أو أسلم في أثناء النهار.
واحتجّ الجمهور لاشتراط النية في الصوم من الليل بما أخرجه أصحاب
(السنن)) من حديث عبد الله بن عمر، عن أخته حفصة ه أن النبيّ وَّ قال:
(١) قال ابن القطان: مجهول، وقال الذهبيّ: لا يعرف. فالحديث بزيادة: ((واقضوه))
زيادة لا يصحّ، لكونه من طريق عبد الرحمن بن سلمة، وهو وإن ذكره ابن حبان
في ((الثقات))، مجهول. فتنبه.

٢٣٧
(٢٣) - بَابُ مَنْ أَكَلَ فِي عَاشُورَاءَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ بَقِيَّةَ يَومِهِ - حديث رقم (٢٦٦٨)
((من لم يبيّت الصيام من الليل فلا صيام له)). لفظ النسائيّ، ولأبي داود،
والترمذيّ: ((من لم يُجمِع الصيام قبل الفجر فلا صيام له)).
واختلف في رفعه ووقفه، ورجّح الترمذيّ، والنسائيّ الموقوف، بعد أن
أطنب النسائيّ في تخريج طرقه. وحكى الترمذيّ في ((العلل)) عن البخاريّ
ترجيح وقفه.
وعمل بظاهر الإسناد جماعة من الأئمة، فصحّحوا الحديث، منهم: ابن
خزيمة، وابن حبّان، والحاكم، وابن حزم، وروى له الدارقطنيّ طريقاً آخر،
وقال: رجالها ثقات.
وأبعَدَ من خصّه من الحنفيّة بصيام القضاء والنذر، وأبعَدُ من ذلك تفرقة
الطحاويّ بين صوم الفرض إذا كان في يوم بعينه، كعاشوراء، فتجزىء النيّة في
النهار، أو لا في يوم بعينه، كرمضان، فلا يجزىء إلا بنيّة من الليل، وبين
صوم التطوّع، فيجزىء في الليل وفي النهار.
وقد تعقّبه إمام الحرمين بأنه كلام غثّ، لا أصل له. وقال ابن قدامة:
تعتبر النية في رمضان لكلّ يوم في قول الجمهور، وعن أحمد أنه يجزئه نية
واحدة لجميع الشهر، وهو كقول مالك، وإسحاق. وقال زفر: يصحّ صوم
رمضان في حقّ المقيم الصحيح بغير نية، وبه قال عطاء، ومجاهد.
واحتجّ زفر بأنه لا يصحّ فيه غير صوم رمضان؛ لتعيّنه، فلا يفتقر إلى نيّة؛
لأن الزمن معيار له، فلا يتصوّر في يوم واحد إلا صوم واحد.
وقال أبو بكر الرازيّ: يلزم قائل هذا أن يصحح صوم المغمى عليه في
رمضان إذا لم يأكل، ولم يشرب؛ لوجود الإمساك بغير نيّة، قال: فإن التزمه
كان مستشنعاً، وقال غيره: يلزمه أن من أخّر الصلاة حتى لم يبق من وقتها إلا
قدرها، فصلى حينئذ تطوعاً أنه يجزئه عن الفرض.
◌ُله عند
واستدلّ ابن حزم(١) بحديث الباب، وحديث محمد بن صيفيّ
النسائيّ بسند صحيح، قال: قال رسول الله وَ ل﴿ يومَ عاشوراء: ((أمنكم أحدٌ أكل
اليوم؟)) فقالوا: منا من صام، ومنا من لم يصم، قال: ((فأتمّوا بقيّة يومكم،
(١) راجع: ((المحلّى)) ١٦٤/٦ - ١٧٠.

٢٣٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
وابعَثُوا إلى أهل الْعَرُوض، فليُتموا بقيّة يومهم))(١)، على أن من ثبت له هلال
رمضان بالنهار جاز له استدراك النية حينئذ، ويجزئه، وبناه على أن عاشوراء
كان فرضاً أوّلاً، وقد أُمروا أن يمسكوا في أثناء النهار، قال: وحكم الفرض
لا يتغيّر.
قال الحافظ: ولا يخفى ما يَرِدُ عليه مما قدمناه. وألحق بذلك من نسي
أن ينوي من الليل؛ الاستواء حكم الجاهل والناسي. انتهى كلام الحافظ.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه ابن حزم دَّثُ، هو
الراجح الذي يؤيده الدليل الواضح البيّن، وما ادعاه الحافظ من أنه يَرِدُ عليه ما
تقدم غير مقبول؛ لأن ما قدّمه من ترجيح عدم كون صوم عاشوراء فرضاً، غير
مسلّم، فتنبّه.
والحاصل أن الصوم فرضه ونفله لا يصحّ إلا بنيّة من الليل، إلا ما خصّ
بحديث الباب، ونحوه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[٢٦٦٩] (١١٣٦) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعِ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ
الْمُفَضَّلِ بْنِ لَاحِقٍ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ ذَكْوَانَ، عَنِ الرُّبَبُّعِ بِنْتِ مُعَوِّدِ بْنِ عَفْرَاءَ،
قَالَتْ: أَرْسَلَ رَسُولُ اللهِوَلِّ غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إِلَى قُرَى الْأَنْصَارِ الَّتِي حَوْلَ
الْمَدِينَةِ: ((مَنْ كَانَ أَصْبَحَ صَائِماً فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، وَمَنْ كَانَ أَصْبَحَ مُفْطِراً فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ
يَوْمِهِ))، فَكُنَّا بَعْدَ ذَلِكَ نَصُومُهُ، وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا الصِّغَارَ مِنْهُمْ، إِنْ شَاءَ اللهُ،
وَنَذْهَبُ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَتَجْعَلُ لَهُمْ اللُّعْبَةَ مِن الْعِهْنِ، فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى
الطَّعَامِ، أَعْطَيْنَاهَا إِيَّاهُ عِنْدَ الْإِفْطَارِ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعِ الْعَبْدِيُّ) هو: محمد بن أحمد بن نافع، تقدّم قبل باب.
٢ - (بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ بْنِ لَاحِقٍ) الرَّقاشيّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ
ثبتٌ عابدٌ [٨] (ت٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في ((الإيمان) ١٤٥/١٠.
(١) حديث صحيح، أخرجه النسائيّ برقم (٢٣٢٠).

٢٣٩
(٢٣) - بَابُ مَنْ أَكَلَ فِي عَاشُورَاءَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ بَقِيَّةَ يَومِهِ - حديث رقم (٢٦٦٩)
٣ - (خَالِدُ بْنُ ذَكْوَانَ) أبو الحسين، ويقال: أبو الحسن المدنيّ، نزيل
البصرة، صدوقٌ [٥].
رَوَى عن الرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذ بن عفراء، ولها صحبة، وأم الدرداء الصغرى،
وأيوب بن بشير بن كعب.
ورَوَى عنه حماد بن سلمة، وبشر بن المفضل، وعبد الواحد بن زياد،
وأبو معشر البراء، ومحبوب بن الحسن، ومحمد بن دينار الطائيّ.
قال إسحاق بن منصور، وعثمان بن سعيد، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال:
هو أحبّ إليّ من عبد الله بن محمد بن عَقِيل، وقال أبو حاتم: صالح
الحديث، قليل الحديث، محلّه الصدق، وقال النسائيّ: ليس به بأسٌ، وقال
ابن عديّ: حديثه ليس بالكثير، وأرجو أنه لا بأس به وبرواياته، وذكره ابن
حبان في ((الثقات)).
قال الحافظ: قرأت بخط الذهبيّ: ما أدري لأيّ شيء ذكره ابن عدي في
((الكامل)). انتهى. وابن عديّ أشعر كلامه بأنه تَبع البخاريّ في ذلك، وقد قال
ابن خزيمة عقب حديثه في الصيام الذي رواه عن الرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذ: خالد بن
ذكوان حسن الحديث، وفي القلب منه. انتهى.
وقال في ((الفتح)): هو تابعيّ صغير، وليس له من الصحابة سماعٌ، من
سوى الرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذ، وهي من صغار الصحابة، ولم يُخرِج البخاريّ من
حديثه عن غيرها. انتهى(١).
أخرج له الجماعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
٤ - (الرُّبَيِّعُ بِنْتُ مُعَوِّذٍ (٢) ابْنِ عَفْرَاءَ) وعفراء أم مُعَوِّذ، وأبوه الحارث بن
رفاعة بن الحارث بن سواد بن مالك بن غَنْم بن مالك بن النّجّار، الأنصارية،
رَوَت عن النبيّ ◌َّرَ، وعنها ابنتها عائشة بنت أنس بن مالك، وخالد بن ذكوان،
وسليمان بن يسار، ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، وأبو سلمة بن
(١) ((الفتح)) ٣٦٦/٥.
(٢) ((الرُّبَيِّع)) بضم الراء، وتشديد الياء، مصغّراً، و((مُعَوِّد)) بضمّ الميم، وتشديد الواو
المكسورة، بصيغة اسم الفاعل.

٢٤٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
عبد الرحمن، ونافع مولى ابن عمر، وأبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر،
وعبادة بن الوليد بن عبادة، وعبد الله بن محمد بن عَقِيل، قال ابن أبي خيثمة،
عن أبيه: كانت من المبايعات تحت الشجرة.
أخرج لها الجماعة، وليس لها في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف تَخْلُهُ، كسابقه، ولاحقه، وهو
(١٦٩) من رباعيّات الكتاب.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فانفرد به هو
والترمذيّ، والنسائيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث.
شرح الحديث:
(عَنْ الرُّبَيِّعِ) وفي الرواية التالية: ((سألت الربيّع))، وهي بضمّ الراء،
وتشديد الياء التّحتانيّة، مصغّراً (بِنْتِ مُعَوِّذٍ) بضمّ الميم، وتشديد الواو
المكسورة (ابْنِ عَفْرَاءَ) تقدّم أن عفراء أم مُعوِّذ، أنها (قَالَتْ: أَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ وَهُ
غَدَاةَ عَاشُورَاءَ) أي صباح يوم عاشوراء، قال الفيّوميّ كَّتُهُ: الغداة: الضحوة،
وهي مؤنّئةٌ، قال ابن الأنباريّ: ولم يُسمع تذكيرها، ولو حملها حاملٌ على
معنى أوَّل النهار جاز له التذكير، والجمع: غَدَوات. انتهى(١).
وقال القرطبيّ كَخَُّ: إنما خصَّ هذا الوقت بالإرسال؛ لأنه الوقت الذي
أُوحي إليه فيه في شأن صوم عاشوراء، وهذا مما يدلّ على أنه كان واجباً؛ إذ
لا ينتهي الاعتناء بالندب غالباً إلى أن يفعل فيه هكذا من الإفشاء، والأمر به،
وبيان أحكامه، والإبلاغ لمن بَعُدَ، وشدة التهمم.
ولما فهمت الصحابة ﴿ هذا التزموه، وحملوا عليه صغارهم الذين
ليسوا بمخاطبين بشيء من التكاليف تدريباً، وتمريناً، ومبالغة في الامتثال
والطواعية، على أن جمهور من قال من العلماء: إن الصغار يؤمرون بالصلاة
(١) ((المصباح المنير)) ٤٤٣/٢.