النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
(٢١) - بَابُ صَوْمٍ يَوْمٍ عَاشُورَاءَ - حديث رقم (٢٦٣٨)
الاحتياط صيام اليومين معاً، قال ابن القيّم تَخْذّتُهُ: والطريقة التي ذكرناها أصوب
- إن شاء الله - ومجموع أحاديث ابن عباس يدل عليها؛ لأن قوله في حديث
أحمد: ((خالفوا اليهود، صوموا يوماً قبله، أو يوماً بعده))(١)، وقوله في حديث
الترمذيّ: ((أمرنا بصيام عاشوراء يوم العاشر)) يبيّن صحة الطريقة التي سلكناها،
والله أعلم. انتهى كلام ابن القيّم كَُّ(٢)، وهو تحقيقٌ مفيدٌ، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْذَثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٦٣٨] (.) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا
ابْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ هِشَامِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ: (وَكَانَ
رَسُولُ اللهِ وَلِ يَصُومُهُ))، وَقَالَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: ((وَتَرَكَ عَاشُورَاءَ، فَمَنْ شَاءَ
صَامَهُ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ))، وَلَمْ يَجْعَلْهُ مِنْ قَوْلِ النَّبِّ ◌َِ﴿ كَرِوَايَةٍ جَرِيرٍ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ) تقدّم قبل باب.
٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم قبل باب أيضاً.
٣ - (ابْنُ نُمَيْرِ) هو: عبد الله بن نُمير، تقدّم قبل باب أيضاً.
و(هشام)) ذُكر قبله.
وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ) الفاعل ضمير ابن نُمير.
وقوله: (وَترك عاشوراء) يَحْتَمِلُ أن يكون بالبناء للفاعل، والفاعل
ضميره وَّه، ويَحتَمِل أن يكون بالبناء للمفعول، و((عاشوراء)) هو النائب.
وقوله: (وَلَمْ يَجْعَلْهُ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ◌َِّهِ كَرِوَايَةٍ جَرِيرٍ) يعني أن ابن نُمير
جعل قوله: ((وترك عاشوراء)) من فعله ريَّ، لا من قوله، بخلاف جرير، فإنه
جعله من قوله {وَ﴿، حيث قال: ((فلما فرض رمضانُ قال: من شاء ... إلخ))،
ففاعل ((قال)) ضمير النبيّ وَّل، فقد جعله من قوله وَّه صريحاً، فتنبّه.
(١) تقدّم أنه ضعيف مرفوعاً.
(٢) ((زاد المعاد)) ٦٦/٢ - ٧٧.

١٨٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
[تنبيه]: رواية ابن نُمير، عن هشام بن عروة هذه، ساقها أبو بكر بن أبي
شيبة تَخْلُ في ((مصنّفه)) (٣١١/٢) فقال:
(٩٣٥٧) - حدّثنا ابن نُمَير، حدّثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة،
قالت: كان عاشوراء يوم(١) تصومه قريش في الجاهلية، فلما قدم رسول الله وَل قول
المدينة صامه، وأمر بصيامه، فلما فُرِض رمضان كان هو الفريضة، وتَرَك
عاشوراءَ(٢)، فمن شاء صامه، ومن شاء تركه. انتهى، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢٦٣٩] ( ... ) - حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ
عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﴿هَا: أَنَّ يَوْمَ عَاشُورَاءَ كَانَ يُصَامُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا جَاءَ
الْإِسْلَامُ مَنْ شَاءَ صَامَهُ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بكير البغداديّ، تقدّم قبل
ثلاثة أبواب.
٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم، تقدّم قريباً.
والباقيان ذكرا قبله.
[تنبيه]: هذه الرواية فيها اختصار تبيّنه الرواية السابقة، والآتية، أي:
وصامه رسول الله وَلهو، فتنبه.
والحديث متّفقٌ عليه، وهو بهذا اللفظ من أفراد المصنّف، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(١) وفي نسخة: ((يوماً))، وهي أوضح.
(٢) يَحْتَمل أن يكون ببناء الفعل للفاعل، أي ترك النبيّ ◌َليقول، أو بالبناء للمفعول.

١٨٣
(٢١) - بَابُ صَوْمٍ يَوْمٍ عَاشُورَاءَ - حديث رقم (٢٦٤٠ - ٢٦٤١)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٦٤٠] ( .. ) - (حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي
يُونُسُ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ ﴿َا قَالَتْ: كَانَ
رَسُولُ اللهِ وَلِ يَأْمُرُ بِصِيَامِهِ، قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ رَمَضَانُ، فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ، كَانَ مَنْ
شَاءَ صَامَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ بَحْتَى) التجيبيّ، تقدّم قريباً.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم قريباً.
والباقون ذُكروا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢٦٤١] (.) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْح، جَمِيعاً عَن
اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ ابْنُ رُمْحٍ: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِّي حَبِيبٍ، أَنَّ
عِرَاكاً أَخْبَرَهُ، أَنَّ عُرْوَةَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ قُرَيْشاً كَانَتْ تَصُومُ عَاشُورَاءَ
فِي الْجَاهِلِيَّةِ، ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ بِصِيَامِهِ، حَتَّى فُرِضَ رَمَضَانُ، فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْهُ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيُفْطِرْهُ»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل باب.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ) بن المهاجر، تقدّم قريباً.
٣ - (اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ) تقدّم قبل باب.
٤ - (يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ) سُويد، أبو رجاء المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ، يرسل
[٥] (ت١٢٣) وقد قارب الثمانين (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٨/١٦.

١٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
٥ - (عِرَاكُ) بن مالك الغفاريّ الكنانيّ المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ [٣] مات بعد
المائة (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٥/٢٩.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقولها: (ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ بِصِيَامِهِ) قال النوويّ ◌َخْتُ: ضبطوا (أُمِرِ))
هنا بوجهين: أظهرهما بفتح الهمزة والميم، والثاني: بضمّ الهمزة، وكسر
الميم، ولم يذكر القاضي عياض غيره. انتهى.
والحديث متّفقٌ عليه، وهو مما اتّفق عليه الشيخان بروايته من شيخ
واحد، وهو قتيبة بن سعيد، فقد رواه البخاريّ عنه وحده، وزاد مسلم محمد بن
رُمح، وشرح الحديث، ومسائله تقدّمت في حديث أوّل الباب، فراجعها تستفد،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَظُّْ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٦٤٢] (١١٢٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ
نُمَيْرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعِ،
أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ ﴿َ: أَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يَصُومُونَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ،
وَأَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ صَامَهُ، وَالْمُسْلِمُونَ، قَبْلَ أَنْ يُفْتَرَضَ رَمَضَانُ، فَلَمَّا افْتُرِضَ
رَمَضَانُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((إِنَّ عَاشُورَاءَ يَوْمٌ مِنْ أَيَّامِ اللهِ، فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ،
وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (ابنُ نُمَيرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير الهمدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ
حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت٢٣٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢.
٢ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر بن حفص بن عاصم العمريّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ
فقيهٌ [٥] مات سنة بضع و(١٤٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٢/٢٨.
٣ - (نَافِعُ) مولى ابن عمر المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهور [٣] (ت١١٧)
(ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٢/٤.
٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطاب ◌َّا، مات سنة (٣ أو٤٧) (ع) تقدم
في ((الإيمان)) ١٠٢/١.

١٨٥
(٢١) - بَابُ صَوْمٍ يَوْمٍ عَاشُورَاءَ - حديث رقم (٢٦٤٣)
والباقيان ذُكرا في الباب، وشرحه يُعلم من شرح حديث عائشة
الماضي .
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر ﴿ها هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٦٤٢/٢١ و ٢٦٤٣ و٢٦٤٤ و٢٦٤٥ و٢٦٤٦
و ٢٦٤٧] (١١٢٦)، و(البخاريّ) في ((الصوم)) (١٨٩٢) و((التفسير)) (٤٥٠١)،
و(أبو داود) في ((الصوم)) (٢٤٤٣)، و(ابن ماجه) في ((الصيام)) (١٧٣٧)، و(ابن
أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣١١/٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤/٢ و٥٧ و١٤٣)،
و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٢٠٨٢)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٢٠٧/٣)،
و(الطبريّ) في ((تهذيب الآثار)) (٣٧٣/١)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٢/
١٢٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٨٩/٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٦٤٣] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا:
حَدَّثَنَا يَحْيَى، وَهُوَ الْقَطَّانُ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ، حَدَّثَنَا أَبُوْ أُسَامَةَ،
كِلَاهُمَا عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، بِمِثْلِهِ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَى) تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (يَحْبَى) بن سعيد القطّان، تقدّم أيضاً قبل ثلاثة أبواب.
٣ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أُسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ
ثبتٌ، من كبار [٩] (ت٢١) وهو ابن (٨٠) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥١/٦.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (كِلَاهُما) الضمير ليحيى القطّان، وأبي أسامة.
[تنبيه]: رواية يحيى القطّان، عن عبيد الله المذكورة ساقها أبو داود رَّتُهُ
في ((سننه))، فقال:

١٨٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
(٢٠٨٧) - حدّثنا مسدّد، حدّثنا يحيى، عن عبيد الله، قال: أخبرني نافع،
عن ابن عمر، قال: كان عاشوراء يوماً نصومه في الجاهلية، فلما نزل رمضان
قال رسول الله وثر: ((هذا يوم من أيام الله، فمن شاء صامه، ومن شاء تركه)).
انتھی.
وأما رواية أبي أسامة، فلم أجد من ساقها، فليُنظَر، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢٦٤٤] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ
رُمْح، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعِ، عَن ابْنِ عُمَرَ ﴿هَ: أَنَّهُ ذُكِرَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ وَهـ
يَوْمٌ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِّنَّهِ: ((كَانَ يَوْماً يَصُومُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ، فَمَنْ أَحَبَّ
مِنْكُمْ أَنْ يَصُومَهُ فَلْيَصُمْهُ، وَمَنْ كَرِهَ فَلْيَدَعْهُ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وكلّهم ذُكروا في الباب.
وقوله: (فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَصُومَهُ فَلْيَصُمْهُ ... إلخ) هذا قاله بعد فرض
رمضان، كما بيّن في الروايات السابقة، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَذَتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٦٤٥] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ الْوَلِيدِ، يَعْنِي
ابْنَ كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي نَافِعٌ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﴿َا حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ وَلمول
يَقُولُ فِي يَوْمٍ عَاشُورَاءَ: ((إِنَّ هَذَا يَوْمٌ كَانَ يَصُومُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ
يَصُومَهُ فَلْيَصُمْهُ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَتْرُكَهُ فَلْيَتْرُكْهُ))، وَكَانَ عَبْدُ اللّهِ رَبُهُ لَا يَصُومُهُ إِلَّا
أَنْ يُوَافِقَ صِيَامَهُ).
١ - (الْوَلِيدُ بْنُ کَثِيرٍ) المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ، ثم الکوفیّ،
صدوقٌ عارف بالمغازي، رُمي برأي الخوارج [٦] (ت١٥١) (ع) تقدم في
((الإيمان)) ٣٦١/٦٤.

١٨٧
(٢١) - بَابُ صَوْمٍ يَوْمٍ عَاشُورَاءَ - حديث رقم (٢٦٤٦)
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (وَكَانَ عَبْدُ اللهِ تَّهُ لَا يَصُومُهُ ... إلخ) هذا من كلام نافع، يعني
أن عبد الله بن عمر كان لا يرى صوم يوم عاشوراء، ولا يصومه طلباً لفضله إلا
أن يوافق يوم عادة صيامه، فيصومه لذلك، وهذا ظاهر في كون ابن عمر رظـ
لا يرى استحباب صوم يوم عاشورء، ولكن السنّة ثبتت بخلاف رأيه، فهي
الحجة، لا رأيه.
قال الحافظ أبو عمر تَّلُهُ: وكان طاوس لا يصومه؛ لأنه - والله أعلم -
لم يبلغه ما جاء فيه من الفضل، وليس فيما خَفِي عليه على ما عَلِمه غيره
حجةٌ، ومعلوم أن قوله رَتْ: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوَةُ فَأَنْتَشِرُواْ فِ اَلْأَرْضِ﴾ [الجمعة:
١٠] الآية لا تَدفع هذه الإباحةُ فضلَ انتظار الصلاة في المسجد، وعملها، والله
تعالى أعلم. وعلى هذا يُحْمَل حديث معاوية المذكور في هذا الباب أن تخييره
إنما كان لسقوط وجوب صيامه، لا أنه لا معنى لصومه، ولما سَقَطَ وجوبه
صيم على جهة الفضل، والآثارُ تدل على ذلك.
قال: وهذا عندي مثل قيام الليل، كان في أول الإسلام فريضةٌ حولاً
كاملاً، فلما فُرضت الصلوات الخمس صار قيام الليل فضيلةً بعد فريضة. انتهى
كلام ابن عبد البرّ كَظْذَهُ(١)، وهو تحقيق مفيدٌ.
[تنبيه]: كون عبد الله هنا هو ابنَ عمر هو الصواب، وأما ما وقع في
برنامج الحديث من أنه عبد الله بن مسعود نظرته، فغلط فاحشٌ، فتنبّه لذا
المهمّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم
الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٦٤٦] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ،
حَدَّثَنَا أَبُو مَالِكِ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ الْأَخْتَسِ، أَخْبَرَنِي نَافِعُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ
(١) ((التمهيد)) لابن عبد البرّ ٢٠٨/٧.

١٨٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ نَّهِ صَوْمُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ
سَوَاءً).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ) أبو عبد الله البغداديّ الْقَطِيعِيّ، ثقةٌ
[١٠] (ت٢٣٧) (م د) تقدم في ((الإيمان)) ٩٢/ ٥٠٢.
٢ - (رَوْحُ) بن عُبادة بن العلاء القيسيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ له
تصانيف [٩] (ت٥ أو ٢٢٠٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٧٦/٩٠.
٣ - (أَبُو مَالِكِ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ الْأَخْتَسِ) النخعيّ الْخَزّاز - بمعجمات -
ويقال: مولى الأزد، ثقةٌ [٧].
رَوَى عن ابن أبي مليكة، ونافع مولى ابن عمر، وأبي الزبير، وعمرو بن
شعيب، وابن أبي بردة، والوليد بن عبد الله بن أبي مُغِيث، ويحيى بن أبي كثير.
وروى عنه يحيى القطان، وأبو قُدامة الحارث بن عبيد، وسعيد بن أبي
عروبة، ورَوْح بن عُبادة، وأبو عوانة، ومحمد بن سَوَاء، ومحمد بن عبد الله
الأنصاريّ، وغيرهم.
قال أحمد، وابن معين، وأبو داود، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن الجنيد،
عن ابن معين: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: يخطىء
كثيراً .
قال الجامع عفا الله عنه: قول ابن حبّان هذا فيه نظر لا يخفى، فعبيد الله
ثقة لم يتكلّم فيه غيره، بل وثقه الأئمة على الإطلاق آنفاً، واحتجّ به الشيخان
في ((الصحیحین)).
وأما قول ابن معين في رواية: ليس به بأس، فهو كقوله: ثقةٌ، ففي:
((مقدّمة ابن الصلاح)) (ص١٣٤): قال ابن أبي خيثمة: قلت ليحيى بن معين:
إنك تقول: فلانٌ ليس به بأس، وفلانٌ ضعيف؟ قال: إذا قلت لك: ليس به
بأس، فثقةٌ، وإذا قلت لك: ضعيف، فهو ليس بثقةٌ، لا تكتب حديثه. انتهى.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (١١٢٦)
وحديث (٢٠٩٩): ((لا يستلقين أحدكم، ثم يضع إحدى رجليه على الأخرى)).

١٨٩
(٢١) - بَابُ صَوْمٍ يَوْمٍ عَاشُورَاءَ - حديث رقم (٢٦٤٧)
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (فَذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ... إلخ) فاعل ((ذَكَرَ) ضمير
عبيد الله بن الأخنس.
[تنبيه]: رواية عبيد الله بن الأخنس، عن نافع هذه ساقها أبو عوانة رَّتُهُ
في ((مسنده)) (٢٣٨/٢) فقال:
(٢٩٩٢) - حدّثنا الحارث بن أبي أسامة، حدّثنا رَوْح بن عُبادة، حدّثنا
عبيد الله بن الأخنس.
وحدثنا أبو محمد عبد الله بن محمد المقرئ ببغداد، حدثنا رَوْح بن
عُبادة، حدّثنا عبيد الله بن الأخنس، قال: أخبرني نافع، عن عبد الله بن عمر،
قال: ذُكِر عند رسول الله وَله صوم يوم عاشوراء، فقال رسول الله وصلته: ((كان
يوم عاشوراء يصومه أهل الجاهلية، فمن أحبّ منكم أن يصومه فليصمه، ومن
کرِهە فَلْيَدَعه)). انتهى.
والحديث متّفقٌ عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَظُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٦٤٧] (.) - (وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم،
حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، حَدَّثَنَا سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدََّنِّي
عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ ﴿هَا قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ وَهِ يَوْمُ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ: ((ذَاَ (١)
يَوْمُ كَانَ يَصُومُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ، فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ) تقدّم قريباً .
٢ - (أَبُو عَاصِم) الضحّاك بن مخلد الشيبانيّ النبيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ
[٩] (ت٢١٢) (ع) تقدِّم في ((الإيمان)) ١٢٩/٦.
(١) وفي نسخة ((ذلك يوم)).

١٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
٣ - (عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ الْعَسْقَلَانِيُّ) هو: عمر بن محمد بن زيد بن
عبد الله بن عُمر بن الخطّاب المدنيّ، نزيل عَسْقَلان، ثقةٌ [٦] مات قبل (١٥٠)
(خ م د س) تقدم في ((الإيمان)) ٢٣٣/٣١.
٤ - (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمر بن الخطّاب العدويّ، أبو عُمر، أو أبو
عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ عابدٌ فاضلٌ، من كبار [٣] (ت١٠٦) على
الصحيح (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤/ ١٦٢.
و«عبد الله بن عمر څ)) ذُكر قبله.
وقوله: (فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ ... إلخ) هذا السؤال والجواب وقع في ثاني
الحال، وهو ما كان بعد فرض رمضان، ونسخ وجوب صوم عاشوراء، كما
بيّن ذلك في رواية نافع السابقة، والروايات الأخرى، فتنبّه.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في رواية نافع،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٦٤٨] (١١٢٧) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، جَمِيعاً
عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: دَخَلَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ عَلَى عَبْدِ اللهِ، وَهُوَ يَتَغَدَّى،
فَقَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ ادْنُ إِلَى الْغَدَاءِ، فَقَالَ: أَوَ لَيْسَ الْيَوْمُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ؟ قَالَ:
وَهَلْ تَدْرِي مَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ؟ قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: إِنَّمَا هُوَ يَوْمٌ كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهـ
يَصُومُهُ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ شَهْرُ رَمَضَانَ، فَلَمَّا نَزَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ تُرِلَكَ، وقَالَ أَبُو كُرَيْبٍ:
تَرَكَهُ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو مُعَاوِيَةً) محمد بن خازم الضرير، تقدّم قبل باب.
٢ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظ
ورِعٌ، لكنه يدلّس [٥] (ت١٤٧) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٢٩٧.
٣ - (عُمَارَةُ) بن عُمير التيميّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] مات بعد المائة، أو
قبلها بسنتين (ع) تقدم في ((الصلاة)) ٢٩/ ٩٧٧.

١٩١
(٢١) - بَابُ صَوْمٍ يَوْمٍ عَاشُورَاءَ - حديث رقم (٢٦٤٨)
٤ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ) بن قيس النخعيّ، أبو بكر الكوفيّ، ثقةٌ، من
كبار [٣] (ت٨٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٩٥/٤٦.
٥ - (عَبْدُ اللهِ) بن مسعود الصحابيّ الشهير، مات ◌َظُه (٣٢) (ع) تقدم
في ((المقدمة)) ١١/٣.
والباقيان ذُكرا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف تََّثُ، وله فيه شيخان قرن
بينهما؛ لاتحاد كيفية أخذه عنهما، ثم فرّق؛ لاختلافهما في ذلك.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أبي بكر، فما أخرج
له الترمذيّ، وأما أبو كريب، فهو أحد التسعة الذين اتّفق الجماعة بالرواية
عنهم بلا واسطة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين من أوله إلى آخره.
٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين الثقات الكوفيين روى بعضهم عن
بعض .
٥ - (ومنها): أن صحابيّه ذو مناقب جمة، وقد سبق ذكرها قريباً.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنٍ يَزِيدَ) بن قيس، هو أخو الأسود بن يزيد، وابن
أخي علقمة، أنه (قَالَ: دَخَلَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسِ) بن معدي كرب الْكِنْديّ، أبو
محمد الصحابيّ، نزل الكوفة، ومات سنة (٤٠) أو (٤١) وقيل: (٤٦) (ع)،
وله في هذا الكتاب حديث واحد فقط، برقم [٣٦٢/٦٤] (١٣٨) تقدّمت
ترجمته في ((كتاب الإيمان)) بالرقم المذكور.
(عَلَى عَبْدِ اللهِ) بن مسعود رَظُه (وَهُوَ يَتَغَدَّى) جملة في محلّ نصب على
الحال، أي والحال أن عبد الله يأكل غداءه (فَقَالَ) عبد الله تَظُبه (يَا أَبًا مُحَمَّدٍ)
كنية الأشعث ◌َّه (ادْنُ) بوصل الهمزة، أمرٌ من دنا يدنو، دُنُوّاً: إذا قَرُب منه،
أي: اقرُب (إِلَى الْغَدَاءِ) بفتح الغين المعجمة، والمدّ: طعام الْغَدَاة، أي أول
النهار، قال الفيّوميّ تَخّْثُ: الغداء بالمدّ: طعام الغَدَاة، وإذا قيل: تَغَدّ، أو
تَعَشَّ، فالجواب: ما بي من تَغَدٍّ، ولا تَعَشِّ، قال ثعلب: ولا يقال: ما بي

١٩٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
غَدَاءٌ، ولا عَشَاءٌ؛ لأن الغداء نفس الطعام. انتهى(١). (فَقَالَ) الأشعث
(أَوَ لَيْسَ الْيَوْمُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ؟) يعني بذلك أنه يوم صوم، لا يوم أكل (قَالَ)
، (وَهَلْ تَدْرِي مَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ؟) أي أيّ شيء حكمه من حيث
عبد الله
الصوم والفطر؟ (قَالَ) الأشعث (وَمَا هُوَ؟) أي أيُّ شيء حكمه؟ (قَالَ) عبد الله
(إِنَّمَا هُوَ) أي يوم عاشوراء (يَوْمٌ كَانَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ يَصُومُهُ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ شَهْرُ
رَمَضَانَ) أي وجوب صومه (فَلَمَّا نَزَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ تُرَِكَ) المراد ترك فرضيته،
وبقي استحبابه، وليس المراد عدم مشروعيّة صومه أصلاً؛ بدليل الأحاديث
السابقة واللاحقة، فتنبه.
واستُدِلّ بهذا الحديث على أن صيام عاشوراء كان مُفترضاً قبل أن ينزل
فرض رمضان، ثم نسخ به، وهذا هو القول الصحيح في المسألة، وقد تقدم
البحث في هذا مستوفَى، فارجع إليه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
وقوله: (وقَالَ أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء شيخه الثاني (تَرَكَهُ) يعني أن
شيخيه اختلفا في هذه اللفظة، فقال ابن أبي شيبة: ((تُرِك)) بالبناء للمفعول، وقال
أبو كريب: (تركه)) بالبناء للفاعل، والضمير لرسول الله وثقة، ومعنى الروايتين
واحد، وإنما هذا من شدّة عناية المصنّف تَّتُهُ ببيان اختلاف ألفاظ شيوخه،
وإن لم يختلف المعنى، وهذا هو الذي امتاز به على غيره من المصنّفين،
فالمحدّثون - رحمهم الله تعالى - وإن كانوا كلّهم يعتنون بمثل هذا، إلا أن
المصنّف تَخْتُ أشدهم عناية، فلله درّه، ما أشدّ ورعه، وأكثر احتياطه، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود
هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٦٤٨/٢١ و٢٦٤٩ و٢٦٥٠ و٢٦٥١] (١١٢٧)،
و(البخاريّ) في ((التفسير)) (٤٥٠٣)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٢٨٤٣ و٢٨٤٤
(١) ((المصباح المنير)) ٤٤٣/٢.

١٩٣
(٢١) - بَابُ صَوْمٍ يَوْمٍ عَاشُورَاءَ - حديث رقم (٢٦٤٩)
و٢٨٤٥ و٢٨٤٦)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣١١/٢)، وفي ((مسنده)) (١/
١٧٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٢٤/١ و٤٥٥)، و(ابن خزيمة) في (صحيحه))
(٢٠٨١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٣٥/٢)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه))
(٢٠٨/٣)، و(الطبريّ) في ((تهذيب الآثار)) (٣٧٢/١)، و(البزّار) في ((مسنده))
(٢٩٨/٥)، و(الشاشيّ) في ((مسنده)) (١٦/٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٤/
٢٨٨)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم
الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢٦٤٩] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَا:
حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَا: فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانُ تَرَكَهُ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةً) هو: عثمان بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن
عثمان الْعَبْسيّ، أبو الحسن الكوفيّ، ثقةٌ حافظ شهير [١٠] (ت٢٣٩) (خ م د
س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٦/٣٥.
والباقون ذُكروا في الباب، و((جرير)): هو ابن عبد الحميد.
[تنبيه]: رواية جرير بن عبد الحميد، عن الأعمش هذه ساقها أبو
يعلى تَكْتُ في («مسنده)) (١٠٦/٩) فقال:
(٥١٧٥) - حدّثنا أبو خيثمة، حدّثنا جرير، عن الأعمش، عن عُمارة بن
عُمير، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: دخل الأشعث بن قيس على عبد الله،
وهو يتغدَّى، فقال: ادْنُهْ، فقال الأشعث: أليس اليوم يوم عاشوراء؟ فقال
عبد الله: وما يدريك ما عاشوراء؟ إنما كان رسول الله صل و يصومه، فلما نزل
رمضان ترکه. انتهى.
والحديث متّفقٌ عليه، ومضى البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

١٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخّْلهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٦٥٠] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، وَيَحْيَى بْنُ
سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، عَنْ سُفْيَانَ (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا
يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنِي زُبَيْدٌ الْيَامِيُّ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ
قَيْسِ بْنِ سَكَنٍ، أَنَّ الْأَشْعَثَ بْنَ قَيْسِ دَخَلَ عَلَى عَبْدِ اللهِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَهُوَ
يَأْكُلُ، فَقَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ ادْنُ فَكُلْ، قَالَ: إِنِّي صَائِمٌ، قَالَ: كُنَّا نَصُومُهُ، ثُمَّ
تُرِكَ).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدّم قريباً .
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) تقدّم قبل بابين.
٣ - (سُفْيَانُ) الثوريَّ، تقدّم في الباب الماضي.
٤ - (زُبَيْدٌ الْيَامِيُّ) هو: زُبيد بن الحارث بن عبد الكريم بن عمرو بن
كعب، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ [٦] (ت١٢٢) أو بعدها (ع)
تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٨/٣٠.
٥ - (قَيْسُ بْنُ سَكَنِ) الأسديّ الكوفيّ، أخو بني سُوَاءة، ثقةٌ [٢].
رَوى عن ابن مسعود، والأشعث بن قيس، وعنه ابنه النعمان، وأبو
إسحاق السبيعيّ، وعُمارة بن عُمير، وسعد بن عُبيدة، والمنهال بن عمرو، وأبو
الشعثاء المحاربيّ.
قال ابن معين: ثقةٌ، وعَدّهُ أبو الشعثاء في الفقهاء من أصحاب ابن
مسعود، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال أبو حاتم: تُوُفّي زمن مصعب بن
الزبير، وقال ابن سعد: تُوُفّ زمن مصعب بالكوفة، وله أحاديث، وكان ثقةً.
تفرّد به المصنّف، والنسائيّ، وليس له عندهما إلا هذا الحديث.
والباقون ذُكروا في الباب.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

١٩٥
(٢١) - بَابُ صَوْمٍ يَوْمٍ عَاشُورَاءَ - حديث رقم (٢٦٥١ -٢٦٥٢)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٦٥١] (.) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ،
حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلَّقَمَةَ، قَالَ: دَخَلَ الْأَشْعَثُ بْنُ
قَيْسٍ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ، وَهُوَ يَأْكُلُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، إِنَّ
الْيَوْمَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ: قَدْ كَانَ يُصَامُ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ رَمَضَانُ، فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانُ
تُرَِكَ، فَإِنْ كُنْتَ مُفْطِراً فَاطْعَمْ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) تقدّم قبل بابين.
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنَّصُورٍ) الْكوسج، أبو يعقوب التميميّ المروزيّ، ثقةٌ
ثبتٌ [١١] (ت٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٦/١٢.
٣ - (إِسْرَائِيلُ) بن يونس بن أبي إسحاق السَّبيعيّ الْهَمْدانيّ، أبو يوسف
الكوفيّ، ثقةٌ [٧] (ت١٦٠) أو بعدها (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٥٤٢/٢.
٤ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر بن عبد الله السَّلميّ، أبو عّاب الكوفيّ، ثقةٌ
ثبتٌ [٦] (ت١٣٢) (ع) تقدم في ((شرح المقدمة)) ج١ ص٢٩٦.
٥ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ،
ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ يرسل كثيراً [٥] (٩٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٢.
٦ - (عَلْقَمَةُ) بن قيس بن عبد الله النخعيّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ عابدٌ [٢]
مات بعد الستين، أو بعد السبعين (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥٣/٦.
و («ابن مسعود څته)) ذُكر قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّهُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢٦٥٢] (١١٢٨) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ
مُوسَى، أَخْبَرَنَا شَيْبَانُ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْنَاءِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ، عَنْ

١٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ رَبُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهِ يَأْمُرُنَا بِصِيَامٍ يَوْمٍ عَاشُورَاءَ(١)،
وَيَحُتُّنَا عَلَيْهِ، وَيَتَعَاهَدُنَا عِنْدَهُ، فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ لَمْ يَأْمُرْنَا، وَلَّمْ يَنْهَنَا، وَلَمْ
يَتَعَاهَدْنَا عِنْدَهُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى) بن أبي المختار باذام الْعَبْسيّ، أبو محمد
الكوفيّ، ثقةٌ يتشيّع [٩] (ت٢١٣) على الصحيح (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٨/٤.
٢ - (شَيْبَانُ) بن عبد الرحمن التميميّ مولاهم النحويّ، أبو معاوية البصريّ،
ثم الكوفيّ، ثقةٌ صاحب كتاب [٧] (ت١٦٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٨/٤.
٣ - (أَشْعَثُ بْنُ أَبِي الشَّعَْاءِ) سُليم بن الأسود المحاربيّ الكوفيّ، ثقةٌ
[٦] (ت١٢٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٣/١١.
٤ - (جَعْفَرُ بْنُ أَبِي ◌َوْرٍ) واسم أبيه عكرمة، وقيل غير ذلك، أبو ثور
الكوفيّ، صدوق(٢) [٣] (م ق) تقدم في ((الحيض)) ٨٠٨/٢٤.
٥ - (جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ) بن جُنادة السُّوائيّ الصحابي ابن الصحابيّ
مات بالكوفة بعد سنة (٧٠) (ع) تقدم في ((الحيض)) ٨٠٨/٢٤.
و((ابن أبي شيبة)) ذُكر قبل حديث.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف وَذَلُهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له
الترمذيّ، وجعفر، فانفرد به هو وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين من أوله إلى آخره.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ◌َهُ) أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ يَأْمُرُنَا) أي أمراً
(١) وفي نسخة: ((يأمر بصيام يوم عاشوراء)).
(٢) هذا أولى من قول ((التقريب)): مقبول، فقد روى عنه جماعة، وصحح حديثه
مسلم، وابن خزيمة، ووثقه ابن حبّان، فتأمل.

١٩٧
(٢١) - بَابُ صَوْمٍ يَوْمٍ عَاشُورَاءَ - حديث رقم (٢٦٥٢)
مؤكداً، وفي نسخة: ((يأمر)) (بِصِيَامٍ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، وَيَحُثُّنَا عَلَيْهِ) أي يُرغّبنا إلى
صومه، ويحضّنا عليه (وَيَتَعَاهَدُنَا عِنْدَهُ) أي يحفظنا، ويراعي حالنا، ويتفحّص
عن صومنا له، أو يتخوّلنا بالموعظة عنده (فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ) أي صومه (لَمْ
يَأْمُوْنَا) أي لم يأمر بصوم يوم عاشوراء، والمراد الأمر الحتم (وَلَمْ يَنْهَنَا) أي
عن صومه (وَلَمْ يَتَعَاهَدْنَا) أي لم يتفقّدنا (عِنْدَهُ).
قال ابن حجر الهيتميّ تَخْثُ في ((شرح ((المشكاة)): في قوله: ((يأمر بصيام
يوم عاشوراء)) حجة لمن قال: كان واجباً، ثم نُسِخ، والأصح عند الشافعيّ أنه
لم يجب أصلاً؛ لما رواه البخاريّ عن معاوية أنه عام حجّ خطب بالمدينة يوم
عاشوراء، فقال: ((يا أهل المدينة أين علماؤكم؟ سمعت رسول الله وَله يقول:
هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب الله عليكم صيامه))، فهذا نصّ في أنه لم يجب
أصلاً. انتهى.
وتعقّبه القاري تَّتُهُ، فقال: هو مردود بأنه ليس له دلالة مّا على عدم
الوجوب إلا حين قاله، وأما كون ما بعده، وما قبله فمحل احتمال، فكيف
يكون نصّاً، أو يصلح معارضاً لما في ((الصحيحين)) عن سلمة بن الأكوع نظراته
أنه وله أمر رجلاً من أسلم: أن أَذِّن في الناس: ((من أكل فليصم بقية يومه،
ومن لم يكن أكل فليصم، فإن اليوم يوم عاشوراء)»؟ فإنه صريح في أنه كان أمر
إيجاب قبل نسخه برمضان؛ إذ لا يؤمر من أكل بإمساك بقية يومه إلا في يوم
مفروض الصوم بعينه، فلا بدّ من الجمع بوجوبه أولاً، ونسخه ثانياً، أو المراد
أنه لم يكتب عليكم في القرآن مطلقاً. انتهى كلام القاري كَذَهُ(١)، وهو تعقّبٌ
وجيةٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان،
وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن سَمُرة ﴿مّ هذا من أفراد
المصنّف تَخَذَّتُهُ .
(١) ((مرقاة المفاتيح)) ٤٩٥/٤.

١٩٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٦٥٢/٢١] (١١٢٨)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده))
(١٠٦/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٩٦/٥ و١٠٥)، و(ابن خزيمة) في
((صحيحه)) (٢٠٨٣)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (٢٤٠/٢)، و(أبو نعيم) في
(مستخرجه)) (٢٠٩/٣)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٢١٢/٢)، و(الطبريّ) في
((تهذيب الآثار)) (٣٨٠/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٨٩/٤) وفوائده تعلم
مما سبق، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم
الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَغْذّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٦٥٣] (١١٢٩) - (حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْتَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي
يُونُسُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي
سُفْيَانَ، خَطِيباً بِالْمَدِينَةِ، يَعْنِي فِي قَدْمَةٍ قَدِمَهَا، خَطَبَهُمْ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ: أَيْنَ
عُلَمَاؤُكُمْ، يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ؟ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ نَّهِ يَقُولُ لِهَذَا الْيَوْمِ: ((هَذَا يَوْمُ
عَاشُورَاءَ، وَلَمْ يَكْتُبِ اللهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، وَأَنَا صَائِمٌ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَصُومَ
فَلْيَصُمْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُفْطِرَ فَلْيُفْطِرْ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (خُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ [٣]
(ت١٠٥) على الصحيح (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٣/٢٦.
٢ - (مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ) صخر بن حرب بن أميّة الأموي، أبو
عبد الرحمن الصحابيّ ابن الصحابيّ، الخليفة، أسلم قبل الفتح، وكتب الوحي،
ومات في رجب سنة (٦٠) وقد قارب الثمانين (ع) تقدم في ((الصلاة)) ٨٥٨/٨.
والباقون ذُكروا في الباب، و((يونس)): هو ابن يزيد الأيليّ.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َذَلُهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فانفرد به هو
والنسائيّ، وابن ماجه.

١٩٩
(٢١) - بَابُ صَوْمٍ يَوْمٍ عَاشُورَاءَ - حديث رقم (٢٦٥٣)
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، والثاني بالمدنيين.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ.
شرح الحديث :
(عَن ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف، قال في
((الفتح)): هكذا رواه مالك، وتابعه يونس، وصالح بن كيسان، وابن عيينة،
وغيرهم، وقال الأوزاعيّ، عن الزهريّ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وقال
النعمان بن راشد، عن الزهريّ، عن السائب بن يزيد، كلاهما عن معاوية،
والمحفوظ رواية الزهريّ، عن حميد بن عبد الرحمن، قاله النسائي وغيره.
انتھی.
(أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ) ﴿يَا، وهو وأبوه من مسلمة الفتح،
وقيل: أسلم معاوية في عمرة القضاء، وكتم إسلامه، وكان رؤيته أميراً عشرين
سنةً، وخليفةً عشرين سنةً، وكان يقول: أنا أول الملوك. حال كونه (خَطِيباً
بِالْمَدِينَةِ) النبويّة (يَعْنِي فِي قَدْمَةٍ) العناية من أحد الرواة، ولم يتبيّن لي من
هو؟، و((القدمة)) بفتح، فسكون: المرّة من القدوم، أي قال ذلك في مرّة من
قدومه المدينة، فإنه كانت له قَدَمات إليها من الشام (قَدِمَهَا) بكسر الدال، من
قَدِمَ الرجل البلد يَقْدمه، من باب تَعِبَ قُدُوماً، ومَقْدَماً بفتح الميم، والدال:
دخله .
وفي رواية البخاريّ من طريق مالك، عن ابن شهاب: ((عام حجّ على
المنبر))، قال في ((الفتح)): وكأنه تأخر بمكة، أو المدينة في حجته إلى يوم
عاشوراء، وذكر أبو جعفر الطبريّ أن أول حجة حَجَّها معاوية بعد أن استُخْلِف
كانت في سنة أربع وأربعين، وآخر حجة حجها سنة سبع وخمسين، قال
الحافظ: والذي يظهر أن المراد بها في هذا الحديث الحجة الأخيرة. انتهى.
(خَطَبَهُمْ) أي خطب أهل المدينة (يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ: أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ، يَا
أَهْلَ الْمَدِينَةِ؟) قال القاضي عياض وغيره: هذا يدلّ على أنه سمع من يوجبه،
أو يُحَرِّمه، أو يكرهه، فأراد إعلامهم أنه ليس كذلك، واستدعاؤه العلماء تنبيهاً
لهم على الحكم، أو استعانةً بما عندهم على ما عنده، أو توبيخاً أنه رأى، أو

٢٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
سمع من خالفه، وقد خطب به في ذلك الجمع العظيم، ولم يُنْكَر عليه. انتهى.
وقال الحافظ: وفيه إشعار بأنه لم يَرَ لهم اهتماماً بصيامه، فلذا سأل عن
علمائهم، أو بلغه عمن يَكْرَه صيامه، أو يوجبه. انتهى.
(سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَلِلّهِ يَقُولُ لِهَذَا الْيَوْمِ: ((هَذَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ، وَلَمْ
يَكْتُبِ اللهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ) وقوله: (وَأَنَا صَائِمٌ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَصُومَ فَلْيَصُمْ،
وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُفْطِرَ فَلْيُفْطِرْ) كله من كلام النبيّ وَِّ، كما بيّنه النسائيّ في
روايته، ولفظه: سمعت رسول الله ◌َ﴿ يقول في هذا اليوم: ((إني صائم، فمن
شاء منكم أن يصوم فليصم، ومن شاء فليفطر)).
قال الحافظ تَخْذَلُهُ: وقد استُدِلّ به على أنه لم يكن فرضاً قط، ولا دلالة
فيه؛ لاحتمال أن يريد: ولم يكتب الله عليكم صيامه على الدوام، كصيام
رمضان، وغايته أنه عامٌّ خُصّ بالأدلة الدالة على تقدم وجوبه، أو المراد أنه
لم يدخل في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن
قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣]، ثم فَسَّره بأنه شهر رمضان، ولا يناقض هذا الأمر
السابق بصيامه الذي صار منسوخاً، ويؤيد ذلك أن معاوية ظه إنما صحب
النبيّ وَّر من سنة الفتح، والذين شَهِدوا أمره بصيام عاشوراء، والنداء بذلك
شهدوه في السنة الأولى، أوائل العام الثاني، ويؤخذ من مجموع الأحاديث
أنه كان واجباً؛ لثبوت الأمر بصومه، ثم تأكد الأمر بذلك، ثم زيادة التأكيد
بالنداء العامّ، ثم زيادته بأمر من أكل بالإمساك، ثم زيادته بأمر الأمهات أن
لا يُرِضِعن فيه الأطفال، ويقول ابن مسعود ◌ُّه الثابت في مسلم: ((لَمّا فُرِض
رمضان تُرِك عاشوراء)) مع العلم بأنه ما تُرِك استحبابه، بل هو باق، فدل على
أن المتروك وجوبه، وأما قول بعضهم: المتروك تأكّد استحبابه، والباقي مطلق
استحبابه، فلا يخفى ضعفه، بل تأكد استحبابه باقٍ، ولا سيما مع استمرار
الاهتمام به حتى في عام وفاته وَالر حيث يقول: ((لئن عشت لأصومن التاسع
والعاشر))، ولترغيبه في صومه، وأنه يُكَفّر سنةً، وأي تأكيد أبلغ من هذا
الحديث. انتهى كلام الحافظ كَذَتُهُ(١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدّاً، والله تعالى
(١) ((الفتح)) ٤٣٨/٥.