النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
(١٦) - بَابُ وُجُوبِ الْفِطْرِ عَلَى مَنْ أَجْهَدَهُ الصَّوْمُ، وَتَضَرَّرَ بِهِ - حديث رقم (٢٦١٢)
أفضل، حتى رأى بعضهم عليه الإعادة إذا صام في السفر، واختار أحمد
وإسحق الفطر في السفر، وقال بعض أهل العلم، من أصحاب النبيّ وَل
وغيرهم: إن وجد قُوّةً فصام فحسن، وهو أفضل، وإن أفطر فحسن، وهو قول
سفيان الثوريّ، ومالك بن أنس، وعبد الله بن المبارك، وقال الشافعي: وإنما
معنى قول النبيّ ◌َّيم: ((ليس من البر الصيام في السفر))، وقوله حين بلغه: أن
ناساً صاموا، فقال: ((أولئك العصاة))، فوجه هذا إذا لم يَحْتَمِل قلبه قبول
رخصة الله، فأما من رأى الفطر مباحاً، وصام، وقَوِي على ذلك، فهو أعجب
إليّ. انتهى كلام الترمذيّ ◌َّتُهُ، وسيأتي إتمام البحث في هذا في المسألة
الثالثة - إن شاء الله تعالى -.
[تنبيه]: هذا الحديث باللفظ المذكور - أعني: ((ليس من البرّ الصيام في
السفر)) هو المشهور، كما رواه المصنّف، والنسائيّ، وابن ماجه، والدارميّ،
والطحاويّ، والبيهقيّ، وقد جاء بـ(أم)) بدل ((ال))، رواه الإمام أحمد في
((مسنده)) (٤٣٤/٥)، فقال:
٢٣١٦٧ - حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن صفوان بن
عبد الله، عن أم الدرداء، عن كعب بن عاصم الأشعري، وكان من أصحاب
السَّقِيفَة، قال: سمعت رسول الله وَله يقول: ((ليس من امبر امصيام في امسفر)).
انتھی.
وهذا الإسناد وإن كان صحيحاً، إلا أن الظاهر أنه بهذا اللفظ شاذٌ،
والمحفوظ هو اللفظ الأول. راجع: ((إرواء الغليل)) (٥٨/٤ - ٥٩) للشيخ
الألباني تَخَّثُ، ورواه بإسنادين آخرين باللفظ الأول.
قال الحافظ تَّلُهُ: وهذه لغة لبعض أهل اليمن، يجعلون لام التعريف
ميماً، ويَحْتَمِل أن يكون النبيّ ◌َلي خاطب بها هذا الأشعريّ؛ لأنها لغته،
ويَحْتَمِل أن يكون الأشعريّ هذا نطق بها على ما أَلِفَ من لغته، فحملها الراوي
عنه، وأدّاها باللفظ الذي سمعها منه، وهذا الثاني أوجه عندي، والله أعلم.
انتهى كلام الحافظ نَّهُ(١).
(١) ((التلخيص الحبير)) ٣٩٣/٢. طبعة مؤسسة قرطبة.

١٠٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
وقال الزمخشريّ: هي لغة طيّىء، فإنهم يبدلون اللام ميماً، وقال
الجزريّ في ((جامع الأصول)) (٥٤٦/٧): الميم بدل من لام التعريف في لغة
قوم من اليمن، فلا ينطقون بلام التعريف، ويجعلون مكانها الميم. انتهى.
وقال ابن هشام الأنصاريّ في ((مغني اللبيب)) عند الكلام على أقسام ((أم)
ما نصّه: (الرابع): أن تكون للتعريف، نُقِلَت عن طيئ، وعن حمير، وأنشدوا
[من الخفيف]:
ذَاكَ خَلِيلِي وَذُو يُوَاصِلُنِي
يَرْمِي وَرَائِي بِامْسَهْمِ وَامْسَلِمَهْ
وفي الحديث: ((ليس من امبر امصيام في امسفر))، كذا رواه النمر بن
تَوْلَب ◌َظُهُ(١)، وقيل: إن هذه اللغة مختصّة بالأسماء التي لا تدغم لام
التعريف في أولها، نحو غلام، وكتاب، بخلاف رجل، وناس، ولباس، قال:
وحَكَى لنا بعض طلبة اليمن أنه سمع في بلادهم من يقول: خذ الرمح، واركب
امفرس، ولعلّ ذلك لغة لبعضهم، لا لجميعهم، ألا ترى إلى البيت السابق،
وأنها في الحديث دخلت على النوعين. انتهى كلام ابن هشام كَّتُهُ(٢)، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله حظوته هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخرجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٦١٢/١٦ و٢٦١٣ و٢٦١٤] (١١١٥)،
و(البخاريّ) في ((الصوم)) (١٩٤٦)، و(أبو داود) في ((الصوم)) (٢٤٠٧)،
و(النسائيّ) في ((الصيام)) (١٧٧/٤)، و(الشافعيّ) في ((المسند)) (١٥٧/١)،
و(الطيالسيّ) في ((مسنده) (١٧٢١)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (١٤/٣)،
و(أحمد) في («مسنده)) (٣١٩/٣ و٣٩٩)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٩/٢)، و(ابن
خزيمة) في ((صحيحه)) (٢٠١٧)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣٥٥٢)،
(١) الحديث مشهور بكعب بن عاصم، ولا أدري من أين أخذه ابن هشام؟.
(٢) راجع: ((مغني اللبيب عن كتب الأعاريب)) ٤٨/١ - ٤٩.

١٠٣
(١٦) - بَابُ وُجُوبِ الْفِطْرِ عَلَى مَنْ أَجْهَدَهُ الصَّوْمُ، وَتَضَرَّرَ بِهِ - حديث رقم (٢٦١٢)
و(الطبريّ) في ((تفسيره)) (٢٨٩٢) وفي ((تهذيب الآثار)) (١٥٢/١)، و(ابن
الجارود) في ((المنتقى)) (٣٩٩)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٢/
٦٢)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٢٤٠/٦) و((الكبير)) (٣٧٩/١٢)، و(أبو
يعلى) في («مسنده)) (٤٠٣/٣ و١٤٣/٤)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٩١/٢)،
و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٩٥/٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٤٢/٤ -
٢٤٣) و((المعرفة)) (٣٨٩/٣)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (١٧٦٤)، والله
تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في التوفيق بين هذا الحديث،
والأحاديث الدالّة على مشروعيّة الصوم في السفر:
قال في ((الفتح)): وأما الجواب عن قوله وَله: ((ليس من البر الصيام في
السفر))، فسلك المجيزون الصوم في السفر فيه طُرُقاً، فقال بعضهم: قد خَرَجَ
على سبب، فيُقْصَر عليه، وعلى من كان في مثل حاله، وإلى هذا جنح البخاريّ
في ترجمته السابقة، ولذا قال الطبريّ بعد أن ساق نحو حديث الباب من رواية
كعب بن عاصم الأشعريّ، ولفظه: ((سافرنا مع رسول الله وَّل، ونحن في حرّ
شديد، فإذا رجل من القوم قد دخل تحت ظل شجرة، وهو مضطجعٌ كضِجْعَة
الوَجِع، فقال رسول الله وَّ هِ: ((ما لصاحبكم؟ أيُّ وجع به؟))، فقالوا: ليس به
وجعٌ، ولكنه صائمٌ، وقد اشتدّ عليه الحرّ، فقال النبيّ وَّر حينئذ: ((ليس البرّ أن
تصوموا في السفر، عليكم برخصة الله التي رَخَّصَ لكم)): فكان قوله وَّو ذلك
لمن كان في مثل ذلك الحال.
وقال ابن دقيق العيد: أُخِذ من هذه القصّة أن كراهة الصوم في السفر
مختصّة بمن هو في مثل هذه الحالة، ممن يُجهِده الصوم، ويَشُقّ عليه، أو
يؤدِّي به إلى ترك ما هو أولى من الصوم، من وجوه الْقُرَب، فَيُنَزَّل قوله: ((ليس
من البرّ الصوم في السفر)) على مثل هذه الحالة، قال: والمانعون عن الصوم
في السفر يقولون: إن اللفظ عامّ، والعبرة بعمومه، لا بخصوص السبب، قال:
وينبغي أن يُتَنَبَّه للفرق بين دلالة السبب، والسياق، والقرائن على تخصيص
العامّ، وعلى مراد المتكلم، وبين مجرّد ورود العامّ على سبب، فإن بين
العامّين فرقاً واضحاً، ومن أجراهما مُجْرَى واحداً لم يُصِبْ، فإن مجرّد ورود

١٠٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
العامّ على سبب لا يقتضي التخصيص به، كنزول آية السرقة في قصة سرقة رداء
صفوان، وأما السياق، والقرائن الدالة على مراد المتكلم، فهي المرشدة لبيان
المجملات، وتعيين المحتملات، كما في حديث الباب.
وقال ابن الْمُنَيِّر في ((الحاشية)): هذه القصة تُشعر بأن مَن اتَّفَقَ له مثل ما
اتَّفَق لذلك الرجل أنه يساويه في الحكم، وأما مَن سَلِمَ من ذلك ونحوه، فهو
في جواز الصوم على أصله، والله أعلم.
وحَمَلَ الشافعيّ نفي البرّ المذكور في الحديث على مَن أَبَى قبول
الرخصة، فقال: معنى قوله: ((ليس من البرّ ... )) أن يبلغ رجل هذا بنفسه في
فريضة صوم، ولا نافلة، وقد أرخص الله تعالى له أن يُفطر، وهو صحيح،
قال: ويَحْتَمِل أن يكون معناه: ليس من البر المفروض الذي من خالفه أَثِمَ،
وجزم ابن خزيمة وغيره بالمعنى الأول.
وقال الطحاويّ: المراد بالبرّ هنا البرّ الكامل الذي هو أعلى مراتب البرّ،
وليس المراد به إخراج الصوم في السفر عن أن يكون برّاً؛ لأن الإفطار قد
يكون أبرّ من الصوم، إذا كان للتَّقَوِّي على لقاء العدوّ مثلاً، قال: وهو نظير
قوله وقيل: ((ليس المسكين بالطواف ... )) الحديث(١)، فإنه لم يُرِد إخراجه من
أسباب المسكنة كلِّها، وإنما أراد أن المسكين الكامل المسكنة الذي لا يَجِد
غنى يُغنيه، ويَستحي أن يسأل، ولا يُفْطَن له. انتهى.
وقال الإمام ابن عبد البرّ كَّتُهُ: فإن قال قائل، ممن يميل إلى قول أهل
الظاهر في هذه المسألة: قد رُوي عن النبيّ وَّ ر أنه قال: ((ليس البرّ))، أو:
(ليس من البر الصيامُ في السفر)»، وما لم يكن من البرّ فهو من الإثم، واستَدَلّ
بهذا على أن صوم رمضان في السفر لا يُجزئ، فالجواب عن ذلك أن هذا
الحديث خرج لفظه على شخص معين، وهو رجل رآه رسول الله وَالخير، وهو
صائم قد ◌ُلِّل عليه، وهو يجود.
ويَحْتَمِل قوله وَّ: ((ليس البر الصيام في السفر)) أي ليس هو أبرّ البرّ؛
لأنه قد يكون الإفطار أبرّ منه، إذا كان في حجّ، أو جهاد؛ لِيَقْوَى عليه، وقد
(١) الحديث متّفق عليه.

١٠٥
(١٦) - بَابُ وُجُوبِ الْفِطْرِ عَلَى مَنْ أَجْهَدَهُ الصَّوْمُ، وَتَضَرَّرَ بِهِ - حديث رقم (٢٦١٢)
يكون الفطر في السفر المباح بِرّاً؛ لأن الله أباحه، ونظير هذا من كلامه وَ له
قوله: ((ليس المسكين الطّاف الذي ترده التمرة والتمرتان، واللقمة واللقمتان))،
قيل: فمن المسكين؟ قال: ((الذي لا يسأل، ولا يَجِد ما يُغنيه، ولا يُقْطَن له،
فيتصدقَ عليه))، متّفقٌ عليه، ومعلوم أن الطوّاف مسكين، وأنه من أهل الصدقة،
إذا لم يكن له شيء غير تطوافه، وقد قال ◌َ له: «رُدُّوا المسكين، ولو بظلف
مُحْرَق))، وفي لفظ: ((رُدُّوا السائل، ولو بِظِلفٍ مُحْرَق))(١)، وقالت عائشة رضيوثًا:
إن المسكين ليقف على بابي ... الحديث(٢)، وقال رمن: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ
وَالْمَسَكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] الآية، وأجمعوا أن الطوّاف منهم، فعُلِم أن قوله ◌َّى:
(ليس المسكين بالطوّاف عليكم))، معناه: ليس السائل بأشدّ الناس مسكنةً؛ لأن
المتعفِّف الذي لا يسئل الناس، ولا يُقْطَن له أشدّ مسكنةً منه، فكذلك قوله الآتي :
((ليس البر الصيام في السفر))، معناه: ليس البرّ كله في الصيام في السفر؛ لأن
الفطر في السفر برِّ أيضاً لمن شاء أن يأخذ برخصة الله تعالى.
قال: وأما قوله: ((ليس من البرّ)) فهو كقوله: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ﴾ [البقرة: ١٧٧]، و((من))
قد تكون زائدةً، كقولهم: ما جاءني من أحد، أي ما جاءني أحد، والله أعلم.
قال: فأما من احتج بقول الله رَك: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ فَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ
فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾ [البقرة: ١٨٤] الآية، وزعم أن ذلك عَزْمَةٌ فلا دليل معه
على ذلك؛ لأن ظاهر الكلام، وسياقه إنما يدلّ على الرخصة والتخيير، والدليل
على ذلك قوله رَك: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ الآية،
ودليل آخر، وهو إجماعهم أن المريض إذا تحامل على نفسه فصام، وأتمّ يومه
إن ذلك مجزئ عنه، فدلّ على أن ذلك رخصة له، والمسافر في التلاوة، وفي
المعنى مثله، والكلام في هذا أوضح من أن يُحتاج فيه إلى إكثار، والله
المستعان. انتهى كلام ابن عبد البرّ تَقْدَتُهُ(٣).
(١) حديث صحيح، أخرجه الترمذيّ والنسائيّ، وغيرهما.
(٢) أخرجه أحمد، والترمذي بإسناد حسن، من حديث أم بجيد رؤيا، ولم أره من
حديث عائشة را، فليُنظر.
(٣) ((التمهيد)) ٢/ ١٧٢.

١٠٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق من أقوال أهل العلم أن
المذهب الراجح هو مذهب الجمهور، وهو أن الصوم والفطر في السفر جائزان
مشروعان، وأما حديث: ((ليس من البرّ الصوم في السفر))، فمحمول على من
تضرّر بالصوم، أو من لا يقبل رخصة الله تعالى في ذلك، فبهذا تجتمع
الأحاديث دون أيّ تعارض، فتأمل بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٦١٣] ( ... ) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ
مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ، يُحَدِّثُ أَنَّهُ
سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﴿ مَا يَقُولُ: رَأَى رَسُولُ اللهِ وَلِ رَجُلاً، بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) الْعَنْبريّ البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٣٧) (خ
م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٧/٣.
٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان الْعَنْبريّ، أبو المثنّى
البصريّ، ثقةٌ متقنٌّ، من كبار [٩] (ت١٩٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٧/٣.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: رواية معاذ بن معاذ، عن شعبة لم أجد من ساقها، فليُنظَر، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٦١٤] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاه أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ،
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ، وَزَادَ: قَالَ شُعْبَةُ: وَكَانَ يَبْلُغُنِ عَنْ يَحْيَى بْنِ
أَبِي كَثِيرٍ، أَنَّهُ كَانَ يَزِيدُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَفِي هَذَا الْإِسْنَادِ: ((أَنَّهُ قَالَ: عَلَيْكُمْ
بِرُخْصَةِ اللهِ الَّذِي(١) رَخَّصَ لَكُمْ)، قَالَ: فَلَمَّا سَأَلْتُهُ لَمْ يَحْفَظْهُ).
(١) وفي نسخة: ((التي)).

١٠٧
(١٦) - بَابُ وُجُوبٍ الْفِطْرِ عَلَى مَنْ أَجْهَدَهُ الصَّوْمُ، وَتَضَرَّرَ بِهِ - حديث رقم (٢٦١٤)
رجال هذا الإسناد: ثلاثة :
١ - (أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ) تقدّم قبل باب.
٢ - (أَبُو دَاوُدَ) سليمان بن داود الطيالسيّ البصريّ، ثقةٌ حافظ [٩]
(ت٢٠٤) (خت م ٤) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٣.
و ((شعبة)) ذُكر قبله.
وقوله: (وَزَادَ) الفاعل ضمير أبي داود.
وقوله: (قَالَ شُعْبَةُ ... إلخ) مفعول ((زاد)) محكيّ؛ لقصد لفظه.
وقوله: (وَكَانَ يَبْلُغُنِي عَنْ يَحْيَى بْنٍ أَبِي كَثِيرٍ، أَنَّهُ كَانَ يَزِيدُ فِي هَذَا
الْحَدِيثِ، وَفِي هَذَا الْإِسْنَادِ: ((أَنَّهُ قَالَ: عَلَيْكُمْ بِرُخْصَّةِ اللهِ ... )) إلخ) المصدر
المؤوّل مفعول ((یزید)).
وقوله: (عَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللهِ) ((عليكم)) اسم فعل منقول من الجارّ
والمجرور، بمعنى ((الْزَمُوا))، و((برخصة الله)) الباء زائدة، و((رخصة الله)) مفعول
به لـ((عليكم))، وقيل: إن الباء للتعدية، فيكون المعنى: استمسكوا برخصة الله،
و((الرخصة)) وزان غُرْفة، وتضم الخاء للإتباع، والجمع رُخَص، ورُخُصَات مثل
غُرَف، وغُرُفات: التسهيلُ في الأمر والتيسيرُ فيه، والمعنى هنا: استمسكوا
بتسهيل الله تعالى لكم فيما شَرَع لكم من الفطر في السفر، كما قال الله تعالى:
﴿يُرِدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] الآية.
قال ابن دقيق العيد تَّلُهُ: قوله: ((عليكم برخصة الله التي رَخَّصَ لكم))
دليل على أنه يُستحبّ التمسك بالرخصة إذا دعت الحاجة إليها، وترك التنطع
والتعمّق، ومن لم يشق عليه الصوم فهو له أفضل؛ مسارعةً لبراءة الذمّة،
ولفضيلة الوقت. انتهى(١).
وقوله: (الَّذِي رَخَّصَ لَكُمْ) ببناء الفعل للفاعل، والموصول صفة لـ((الله))،
وفي نسخة: ((التي رخّص لكم))، وعليها فالموصول صفة لـ((رُخصة))، والفعل
(١) ((إحكام الأحكام)) ٣٧٣/٣ بنسخة ((الحاشية))، و((مرقاة المفاتيح)) ٤٥٠/٤.

١٠٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
يَخْتمل أن يكون مبنيّاً للفاعل، والعائد محذوف، أي التي رَخّصها لكم،
ويحتمل أن يكون مبنيّاً للمفعول، أي التي رُخِّصت لكم، فالعائد مستتر،
فتنبه .
[تنبيه]: قال في ((الفتح)): أوهم صاحب ((العمدة))(١) أن قوله ◌َالآتى:
((عليكم برخصة الله التي رخّص لكم)) مما أخرجه مسلم بشرطه، وليس كذلك،
وإنما هو بقية في الحديث لم يوصل إسنادها، نعم وقعت عند النسائيّ موصولة
في حديث يحيى بن أبي كثير بسنده(٢)، وعند الطبرانيّ من حديث كعب بن
عاصم الأشعريّ. انتهى(٣).
وقوله: (قَالَ: فَلَمَّا سَأَلْتُهُ لَمْ يَحْفَظْهُ) فاعل ((قال)) ضمير شعبة، والضمير
المنصوب في ((سألته)) لشيخه محمد بن عبد الرحمن المذكور في السند السابق،
والمعنى أن شعبة كان يبلغه عن يحيى بن أبي كثير أنه كان يروي هذا الحديث
عن محمد بن عبد الرحمن شيخ شعبة المذكور، ويزيد في الحديث قوله:
((عليكم برخصة الله الذي رخّص لكم))، فسأل شعبة شيخه محمد بن عبد الرحمن
عن هذه الزيادة، فلم يحفظها في جملة الحديث الذي رواه عن محمد بن
عمرو، عن جابر رضيعنه .
وهذا يدلّ على أن هذه الزيادة في حديث يحيى من هذا الطريق، أعني
طريق محمد بن عبد الرحمن بن سعد غير محفوظة، وإنما هي محفوظة في
(١) يعني صاحب ((عمدة الأحكام))، وهو المقدسيّ.
(٢) قال الإمام النسائيّ كَثَلُ في ((المجتبى)) (٢٢٢٦): أخبرني شعيب بن شعيب بن
إسحاق، قال: حدّثنا عبد الوهاب بن سعيد، قال: حدّثنا شعيب، قال: حدّثنا
الأوزاعيّ، قال: حدّثني يحيى بن أبي كثير، قال: أخبرني محمد بن عبد الرحمن،
قال: أخبرني جابر بن عبد الله: أن رسول الله وَّهُ مَرّ برجل في ظل شجرة، يُرَشّ
عليه الماء، قال: ((ما بال صاحبكم هذا؟)) قالوا: يا رسول الله صائم، قال: ((إنه
ليس من البر أن تصوموا في السفر، وعليكم برخصة الله التي رَخَّص لكم،
فاقبلوها)). انتهى. وهذا الإسناد تكلّم فيه النسائيّ، وقد ذكرت تحقيق ذلك في
(شرحي))، ورجّحت أن الحقّ أنه صحيح، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
(٣) ((الفتح)) ٤/ ٦٩٧.

١٠٩
(١٦) - بَابُ وُجُوبِ الْفِطْرِ عَلَى مَنْ أَجْهَدَهُ الصَّوْمُ، وَتَضَرَّرَ بِهِ - حديث رقم (٢٦١٤)
رواية يحيى عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر، فهي صحيحة بهذا
الطريق.
والحاصل أن يحيى بن أبي كثير يروي حديث جابر نظُه هذا عن كلّ من
محمد بن عبد الرحمن بن سعد، ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، فأما ابن
سعد، فيروي عن جابر بواسطة محمد بن عمرو بن الحسن، عنه، وأما ابن
ثوبان، فيروي عن جابر مباشرة، بل صرّح بتحديث جابر ظُه له عند النسائيّ
من رواية شعيب بن إسحاق، عن الأوزاعيّ، عن يحيى بن أبي كثير، فصرّح
بالإخبار، وتابعه الوليد بن مسلم، عن الأوزاعيّ، فصرح به أيضاً أخرجه
الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)).
وخلاصة القول أن زيادة ((عليكم برخصة الله ... )) ثابتة صحيحة من رواية
يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر تصُته، وأما
من رواية يحيى، عن محمد بن عبد الرحمن بن سعد، كما أشار إليه المصنّف
هنا فليست ثابتةً، وقد تكلّم في الرواية الأولى النسائيّ، وغيره، وقد استوفيت
البحث في ذلك في ((شرح النسائيّ))، ورجّحت صحتها، فراجعه تستفد(١)،
وبالله تعالى التوفيق.
[تنبيه]: قال القاضي عياض دخّتُهُ: ما ذكره شعبة عن يحيى من هذه
الزيادة، فلما سأله لم يحفظها، فإن كان سمعها من ثقة عنه ساغ له الحديث بها
عمن حدّثه عنه، ولم يضرّه نسيانه لها على قول جمهور محققي الأصوليين
والمحدثين؛ خلافاً للكرخي، ومن تبعه من الحنفيّة في أنه لا يُقبل، ولا يُعمل
به، وأما لو قال الراوي: هذا لم أحدّث به قط، ولا رويته، فهم متّفقون على
طرحه؛ لأنه مكذّب للرواية عنه، والأول غير قاطع، والراوي عنه مصحّح لها.
انتھی(٢).
وإلى ما ذُكر أشار السيوطيّ تَظُّ في ((ألفيّة الأثر)) حيث قال:
إِسْقَاطُهُ لَكِنْ بِفَرْعِ مَا فَدَحْ
وَمَنْ نَفَى مَا عَنْهُ يُرْوَى فَالأَصَخْ
(١) راجع: (ذخيرة العقبى)) ١٤٨/٢١ - ١٥٣.
(٢) ((إكمال المعلم)) ٦٨/٤.

١١٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
أَوْ قَالَ لَا أَذْكُرُهُ أَوْ نَحْوَ ذَا كَأَنْ نَسِي فَصَخَحُوا أَنْ يُؤْخَذَا
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي صححه في النظم من إسقاطه في
الأول، وكذا ما ذكره القاضي من أنهم متّفقون على طرحه، محلّ نظر، بل
المحقّقون على قبوله فيه أيضاً، كما اختاره في ((جمع الجوامع))؛ وفاقاً لابن
السمعانيّ وغيره، وحكاه الفخر الشاشيّ عن الشافعيّ، وحكى الصفيّ الهنديّ
والآمديّ الاتفاق عليه؛ لاحتمال نسيان الأصل له بعد روايته للفرع، ولأن
الفرع عدل ضابط إلى آخر شروطه، وقد تقرّر أنه يجب العمل بخبره،
والوجوب لا يسقط بالاحتمال، والأصل وإن كان عدلاً ضابطاً أيضاً لكنه كذَّبَ
عدلاً، وتكذيب العدل خلاف الظاهر.
لا يقال: يلزم أن يكون الأصل كاذباً، وهو أيضاً عدلٌ، فيكون خلاف
الظاهر؛ لأنا نقول: بل هو الظاهر؛ لأنه كذّب في التكذيب للفرع العدل، وقد
عَلِمت أنه خلاف الظاهر، فيكون كذب الأصل هو الأصل إلا أنه لعدالته يُحمّل
على النسيان.
وهذا القول هو الراجح عند المحدّثين كما قال السخاويّ نقلاً عن
الحافظ، ويدلّ عليه صنيع الشيخين، حيث أخرجا حديث عمرو بن دينار، عن
أبي معبد، عن ابن عبّاس ◌َّ: ((ما كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله وَلهو إلا
بالتكبير)) مع قول أبي معبد لعمرو: لم أُحدّثك به، فإنه دلّ على أن الشيخين
يريان صحّة الحديث، ولو أنكره الأصل؛ إذ الناقل عنه عدلٌ، فيُحَمل على أن
الشيخ نسي.
هذا كلّه فيما إذا نفاه الشيخ صريحاً، أما إذا نفاه بما يَحتمل، كأن قال:
لا أعرفه، أو لا أذكره، أو قال: نسيت، أو نحو ذلك، فإنه يُقبل من باب
أولى، والقول بإنكار هذا ضعيفٌ، راجع شرحي «إسعاف ذوي الوطر على ألفيّة
الأثر)) المذكورة(١).
وقد نظمت هذا بقولي :
وَمَنْ نَفَى مَا عَنْهُ يُرْوَى فَالأَصَحّ قَبُولُهُ فَلَيْسَ ذَا مِمَّا قَدَحْ
(١) راجع: ((إسعاف ذوي الوطر في شرح ألفية الأثر)) ١/ ٤٠٧ - ٤١١.

١١١
(١٧) - بَابٌ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَعِيبَ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٦١٥)
وَمَذْهَبُ الشَّيْخَيْنِ فِيهِ يَسْتَبِينْ
وَهْوَ الْمُرَجَّحُ لَدَى الْمُحَدِّثِينْ
مَعْبَدِ النّافِي لَّهُ فَلْتَطِبٍ
إِذْ أَخْرَجَا حَدِيثَ عَمْرٍو عَنْ أَبِي
بِالنَّفْي فَالْقَبُولُ أَوْلَى فَاعْلَم
وَإِنْ يَقُلْ نَسِيتُ أَوْ لَمْ يَجْزِمِ
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أُسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلهِ عَلَيْهِ تَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(١٧) - (بَابٌ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَعِيبَ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ،
وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ فِي السَّفَرِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢٦١٥] (١١١٦) - (حَدَّثَنَا هَذَّابُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ بَحْيَى،
حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ◌َرُهُ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ
رَسُولِ اللهِ وَلِ لِسِتَّ عَشْرَةَ مَضَتْ مِنْ رَمَضَانَ، فَمِنَّا مَنْ صَامَ، وَمِنَّا مَنْ أَفْطَرَ، فَلَمْ
يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ، وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (هَذَّابُ بْنُ خَالِدٍ) ويقال: هُدْبة بن خالد بن الأسود الْقَيسيّ، أبو
خالد البصريّ، ثقةٌ عابد، من صغار [٩] مات سنة بضع (٢٣٠) (خ م د)
تقدم في ((الإيمان)) ١٥١/١١.
٢ - (هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى) بن دينار الْعَوْذيّ، أبو عبد الله، أو أبو بكر
البصريّ، ثقةٌ [٧] (ت٤ أو ١٦٥) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٠.
٣ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السَّدُوسيّ، تقدّم قريباً.
٤ - (أَبُو نَضْرَةَ) المنذر بن مالك بن قُطَعَة الْعَبْدِيّ الْعَوَقِيّ البصريّ، ثقةٌ
[٣] (ت٨ أو ١٠٩) (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٦/ ١٢٧.
٥ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سنان الصحابيّ ابن
الصحابيّ ◌ًَّا، مات سنة (٦٣) وقيل غير ذلك (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة))
ج٢ ص٤٨٥.

١١٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف رَُّهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، وأبي نضرة، كما
أسلفته آنفاً .
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى الصحابيّ، فمدنيّ.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ ◌ًَّا، وهو من المكثرين السبعة،
روى (١١٧٠) حديثاً .
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ◌َبه) أنه (قَالَ: غَزَوْنَا) وفي رواية أبي مَسْلمة:
(كنا نغزو مع رسول الله وَّ في رمضان))، وفي رواية عاصم: ((سافرنا مع
رسول الله (وَل9))، وفي رواية حميد عن أنس: ((سافرنا مع رسول الله بص له في
رمضان)).
[تنبيه]: هذه الغزوة هي غزوة مكة، كما بُيّن ذلك في رواية ابن حبّان،
في ((صحيحه)) كما طريق شعبة، عن قتادة، عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيد
الخدريّ، قال: ((خرجنا مع رسول الله وَيقول لسبع عشرة حين فتح مكة، فصام
صائمون ... )) الحديث(١).
(مَعَ رَسُولِ اللهِ وَلَهُ لِسِتَّ عَشْرَةَ مَضَتْ مِنْ رَمَضَانَ) كذا في هذه الرواية،
وفي رواية التيميّ، وعُمر بن عامر، وهشام: ((لثمان عشرة خلت))، وفي رواية
سعيد بن أبي عروبة: ((في ثنتي عشرة))، وفي رواية شعبة: ((لسبع عشرة، أو
تسع عشرة))، وقال الزهريّ: ((صبّح رسول الله وَيقول مكة لثلاث عشرة ليلةً خلت
من رمضان))، قال القرطبيّ ◌َُّهُ: وهذه أقوال مضطربةٌ، والذي أطبق عليه
أصحاب السير أن خروج النبيّ ◌َّ لغزوة الفتح كان لعشر خلون من رمضان،
ودخوله مكة كان في تسع عشرة، وهو أحسنها، والله تعالى أعلم. انتهى(٢).
(مَنْ صَامَ) أي وهم الأقوياء (وَمِنَّا مَنْ أَفْطَرَ)
(فَمِنَّا) أي بعضٌ من الصحابة
(١) ((صحيح ابن حبّان)) ٣٢٨/٨.
(٢) ((المفهم)) ١٧٩/٣ - ١٨٠.

١١٣
(١٧) - بَابٌ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَعِيبَ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٦١٥)
أي وهُم الضعفاء (فَلَمْ يَعِبْ) بفتح أوله، وكسر ثانيه: أي لا يلوم، ولا يعاتب
(الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ) أي لأنه عَمِل بالرخصة، ومن أخذ بها لا لوم عليه (وَلَا
الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِم) أي لعمله بالعزيمة، قال أبو عمر بن عبد البرّ تَخُّْهُ: وهذا
تصريح بأن هذا الصَّوم وقع في رمضان(١)، ومذهب جمهور الفقهاء صحة صوم
المسافر، والظاهرية خالفت فيه، أو بعضهم بناءً على ظاهر لفظ القرآن، من
غير اعتبارهم للإضمار، وهذا الحديث يردّ عليهم. قال: هذا معنى حسنٌ، لأنه
أضاف الإباحة إلى النبيّ وَّر، وأنه لم يعب على واحدة من الطائفتين، وهو من
أصح إسناد جاء في هذا الحديث. انتهى(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ ره من أفراد
المصنّف تَخْدُثُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا [٢٦١٥/١٧ و٢٦١٦ و٢٦١٧ و٢٦١٨] (١١١٦)،
و(أبو داود) في ((الصوم)) (٢٤٠٦)، و(الترمذيّ) في ((الصوم)) (٧١٣)،
و(النسائيّ) في ((الصيام)) (١٨٨/٤)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٢١٥٧)، و(ابن
أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (١٧/٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٥/٣ و٧٤)،
و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٦٨/٢)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢/
١٩٥)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٩٧/٣)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه))
(٢٠٣٠)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣٥٦٢)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٢/
٣٠٧)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٤٤/٤ - ٢٤٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أنه لا ينبغي أن يعيب الصائم على المفطر، ولا المفطر
(١) أي لأن الروايات الآتية نصّ في ذلك، حيث قال: ((كنا نسافر في رمضان))، وفي
لفظ: ((سافرنا مع رسول الله وَّل في رمضان)).
(٢) ((التمهيد)) لابن عبد البرّ ١٧٦/٢.

١١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
على الصائم في السفر؛ لكون كلّ منهما على صواب، فالصائم أخذ بالعزيمة،
والمفطر أخذ بالرخصة، وكلّ منهما مما شرعه الله خارجً لعباده.
٢ - (ومنها): أن من فعل شيئاً مما شرعه الله رَك لا ينبغي للآخرين أن
يعيبوا عليه، وإن كانوا يرونه خلاف الأولى.
٣ - (ومنها): بيان جواز الصوم والفطر في رمضان لمن لم يشقّ عليه،
ولم يرغب عن الرخصة.
٤ - (ومنها): بيان إباحة السفر في رمضان، وفي ذلك ردّ لقول من قال:
من دخل عليه رمضان لم يجز له أن يسافر فيه، إلا أن يصوم؛ لأنه قد لزمه
صومه في الحضر، ولو دخل عليه رمضان في سفره، كان له أن يفطر في سفره
ذلك(١).
٥ - (ومنها): ما قاله الحافظ أبو عمر تَُّهُ: وفيه ردٌّ لقول من زعم أن
الصيام في السفر لا يجزئ؛ لأن الفطر عزيمة من الله تعالى، كما رُوي عن
عمر، وأبي هريرة، وابن عباس ﴿ه، وقال بذلك قوم من أهل الظاهر، ورُوي
عن ابن عمر ◌ًا أنه قال: من صام في السفر قضى في الحضر.
ورُوي عن عبد الرحمن بن عوف: أن الصائم في السفر كالمفطر، ورُوي
عن ابن عباس أيضاً والحسن أنهما قالا: إن الفطر في السفر عَزْمةٌ لا ينبغي
تركها، وحديث هذا الباب يردّ هذه الأقاويل، ويبطلها كلّها.
وقد رُوي عن ابن عباس في هذه المسألة: خذ بيسر الله، وهذا منه إباحة
للصوم والفطر للمسافر، خلاف القولين اللذين ذكرناهما عنه.
قال: وعلى إباحة الصوم والفطر للمسافر جماعةُ العلماء، وأئمة الفقه
بجميع الأمصار إلا ما ذكرتُ لك عمن قدمنا ذكره، ولا حجة في أحد مع
السنة الثابتة، هذا إن ثبت ما ذكرناه عنهم.
وقد ثبت عن النبيّ ◌َ ﴿ من وجوه أنه صام في السفر، وأنه لم يَعِب على
من أفطر، ولا على من صام، فثبتت حجته، ولزم التسليم له، وإنما اختلف
الفقهاء في الأفضل من الفطر في السفر، أو الصوم فيه لمن قدر عليه. انتهى
(١) ((الاستذكار)) ٢٩٩/٣.

١١٥
(١٧) - بَابٌ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَعِيبَ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٦١٦)
كلام ابن عبد البرّ وَخَذَفُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم قريباً تحقيق الخلاف في هذه المسألة،
وأن الأرجح أن من كان الصوم عليه أيسر، فهو أفضل في حقّه، ومن كان
الفطر أيسر عليه، فهو الأفضل في حقّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٦١٦] (.) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ
سَعِيدٍ، عَنِ التَّيْمِيِّ (ح) وَحَدَّثَنَاه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثْنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ
(ح) وَقَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، وَقَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا
سَالِمُ بْنُ نُوحٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ، يَعْنِي ابْنَ عَامِرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ،
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بُنُ بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدٍ، كُلُّهُمْ عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَ حَدِيثٍ هَمَّام،
غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ التَّيْمِيِّ، وَعُمَرَ بْنِ عَامِرٍ، وَهِشَامٍ: ((لِثَمَانَ عَشْرَةَ(٢) خَلَتْ))، وَفِي
حَدِيثٍ سَعِيدٍ: ((فِي ثِنْتَيْ عَشْرَةَ)، وَشُعْبَةَ: ((لِسَبْعَ عَشْرَةَ، أَوْ تِسْعَ عَشْرَةَ)).
رجال هذا الإسناد: أربعة عشر:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ الْمُقَدَّمِيُّ) أبو عبد الله الثقفيّ مولاهم البصريّ،
ثقةٌ [١٠] (ت٢٣٤) (خ م س) تقدم في ((الإيمان)) ١٤٥/١٠.
٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ متقنٌّ حافظُ إمام
حجة، من كبار [٩] (ت١٩٨) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٨٥.
٣ - (التَّيْمِيُّ) سليمان بن طَرْخان، أبو المعتمر البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤]
(ت١٤٣) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣.
٤ - (ابْنُ مَهْدِيٌّ) عبد الرحمن الْعَنبريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ
ثبتٌ حافظٌ [٩] (ت١٩٨) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٨٨.
(١) ((التمهيد)) لابن عبد البرّ ١٧٠/٢ - ١٧١.
(٢) وفي نسخة: ((لثماني عشرة)).

١١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
٥ - (أَبُو عَامِرٍ) عبد الملك بن عمرو الْقَيسيّ الْعَقَديّ البصريّ، ثقةٌ [٩]
(ت٤ أو٢٠٥) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢١/٤.
٦ - (هِشَامُ) بن أبي عبد الله سَنْبر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ
ثبتٌ، رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت١٥٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٦/١٢.
٧ - (سَالِمُ بْنُ نُوحٍ) بن أبي عطاء البصريّ، أبو سعيد الْعُطارديّ، صدوقٌ
له أوهامٌ [٩] مات بعد المائتين (بخ م د ت س) تقدم في ((المساجد ومواضع
الصلاة)» ١٥٣٢/٥٥.
٨ - (عُمَرُ بْنُ عَامِرٍ) السلميّ البصريّ قاضيها، صدوقٌ له أوهامٌ [٦] (م
س) تقدم في ((الصيام)) ٩/ ٢٥٥٣.
٩ - (مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ) الْعَبديّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [٩] (ت
٢٠٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١/ ١٠٧.
١٠ - (سَعِيدٌ) بن أبي عَرُوبة مِهْران اليشكريّ مولاهم، أبو النضر
البصريّ، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف، لكنه كثير التدليس، واختلط، وكان أثبت
الناس في قتادة [٦] (ت١٥٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٧/٦.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ قَتَادَةَ) أي كلّ هؤلاء الخمسة: سليمان التيميّ،
وشعبة، وهشام الدستوائيّ، وعُمر بن عامر، وسعيد بن أبي عَروبة.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد قتادة المذكور قبله، وهو: عن أبي
نَضْرة، عن أبي سعيد الخدريّ
[تنبيه]: رواية التيميّ، عن قتادة هذه، لم أجد من ساقها .
وأما رواية شعبة، عنه، فساقها ابن حبّان تَخْتُهُ في ((صحيحه)) (٣٢٨/٨) فقال:
(٣٥٦٢) - أخبرنا أبو خليفة، قال: حدّثنا أبو الوليد، قال: حدّثنا شعبة،
عن قتادة، عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيد الخدريّ، قال: خرجنا مع
رسول الله ويقي لسبع عشرة حين فتح مكة، فصام صائمون، وأفطر مفطرون، فلم
يعب هؤلاء على هؤلاء، ولا هؤلاء على هؤلاء. انتهى.
وأما رواية هشام الدستوائيّ، عنه، فساقها أبو عوانة في ((مسنده)) (٢/
١٩٥) فقال:

١١٧
(١٧) - بَابٌ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَعِيبَ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٦١٧)
(٢٨٢٤) - وحدّثنا أبو أمية، حدّثنا مسلم، حدثنا هشام، حدّثنا قتادة،
عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيد، قال: خرجنا مع النبيّ وَّ ثمان عشرة من
رمضان، فصام بعضنا، وأفطر بعضنا، فلم يعب الصائم على المفطر، ولا
المفطر على الصائم. انتهى.
وأما رواية عُمر بن عامر، فقد ساقها الطبريّ تَكْثُ في ((تهذيب الآثار))
(١٠٩/١) فقال:
(١٤٧) - حدّثنا بشار، قال: حدّثنا سالم بن نوح، قال: حدّثنا عُمر بن
عامر، عن قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدريّ، قال: خرجنا مع
النبيّ ◌َّ لثماني عشرة مضت من رمضان، فمنا الصائم، ومنا المفطر، فلم
يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم. انتهى.
وأما رواية سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، فساقها الإمام أحمد نَّتُهُ في
((مسنده)) (٤٥/٣) فقال:
(١١٤٣١) - حدّثنا محمد بن جعفر، ثنا سعيد، عن قتادة، عن أبي
نضرة، عن أبي سعيد الخدريّ، قال: خرجنا مع رسول الله وَّ و لثنتي عشرة ليلة
بقيت من رمضان، مخرجه إلى حنين، فصام طوائف من الناس، وأفطر آخرون،
فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم. انتهى، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢٦١٧] ( ... ) - (حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ، يَعْنِي ابْنَ
مُفَضَّلِ، عَنْ أَبِي مَسْلَمَةَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ◌َُهَ قَالَ: كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ
ء
رَسُولِ اللهِ وَّهِ فِي رَمَضَانَ، فَمَا يُعَابُ عَلَى الصَّائِمِ صَوْمُهُ، وَلَا عَلَى الْمُفْطِرِ
إِفْطَارُهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ) البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٥٠) أو
بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٠/٥.

١١٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
٢ - (بِشْرُ بْنَ مُفَضَّلٍ) بن لاحق الرَّقَاشيّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ
عابدٌ [٨] (ت٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في ((الإيمان) ١٤٥/١٠.
٣ - (أَبُو مَسْلَمَةَ) سعيد بن يزيد بن مسلمة الأزديّ، ثم الطاحيّ البصريّ
القصير، ثقةٌ [٤] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٦٦/٨٨.
والباقیان ذُكرا قبله.
والحديث من أفراد المصنّف تَذَتُهُ، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢٦١٨] (.) - (حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَن
رَُّهُ قَالَ: كُنَّا نَغْزُو مَعَ
الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ
رَسُولِ اللهِ وَّهِ فِي رَمَضَانَ، فَمِنَّا الصَّائِمُ، وَمِنَّا الْمُفْطِرُ، فَلَا يَجِدُ(١) الصَّائِمُ عَلَى
الْمُفْطِرِ، وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ، يَرَوْنَ أَنَّ مَنْ وَجَدَ قُوَّةً فَصَامَ، فَإِنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ،
وَيَرَوْنَ أَنَّ مَنْ وَجَدَ ضَعْفاً فَأَفْطَرَ، فَإِنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن عُليّة، تقدّم قبل بابين.
٣ - (الْجُرَيْرِيُّ) سعيد بن إياس، أبو مسعود البصريّ، ثقةٌ اختَلَط قبل
موته بثلاث سنين، لكن إسماعيل ابن عُليّة ممن روى عنه قبل الاختلاط [٥]
(ت١٤٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٦٦/٤٠.
والباقون ذكروا في الباب.
وقوله: (فَلَا يَجِدُ الصَّائِمُ ... إلخ) مضارع وجد، من باب ضرب، يقال:
وجدت عليه مَوْجدةً: إذا غضبت عليه، أي لا يَغضب، ولا يَعترض، وهو
بمعنى قوله في الرواية السابقة: ((فلم يعب الصائم على المفطر ... إلخ)).
وقوله: (يَرَوْنَ أَنَّ مَنْ وَجَدَ قُوَّةً فَصَامَ، فَإِنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ) قال النوويّ ◌َُّ:
(١) وفي نسخة: ((ولا يجد)).

١١٩
(١٧) - بَابٌ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَعِيبَ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٦١٩)
هذا تصريح في ترجيح مذهب الأكثرين، وهو تفضيل الصوم لمن أطاقه بلا
ضرر، ولا مشقّة ظاهرة، وقال بعض العلماء: الفطر والصوم سواء؛ لتعادل
الأحاديث، والصحيح قول الأکثرین. انتهى.
وقال في ((الفتح)) بعد ذكر الحديث ما لفظه: وهذا التفصيل هو المعتمد،
وهو رافع للنزاع. انتهى.
والحديث من أفراد المصنّف رَّتُهُ، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٦١٩] (١١١٧) - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرِو الْأَشْعَنِيُّ، وَسَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ،
وَسُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، وَحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، كُلُّهُمْ عَنْ مَرْوَانَ، قَالَ سَعِيدٌ: أَخْبَرَنَا
مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ عَاصِم، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا نَضْرَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ
الْخُدْرِيِّ، وَجَابِرٍ بْنِ عَبْدِ اللّهِ ﴿هَ قَالَا: سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَيَصُومُ
الصَّائِمُ، وَيُقْطِرُ الْمُفْطِرُ، فَلَ يَعِيبُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (سَعِيدُ بْنُ عَمْرِو الْأَشْعَئِيُّ) الْكِنْديّ، أبو عثمان الكوفيّ، ثقةٌ [١٠]
(ت٢٣٠) (م س) تقدم في ((المقدمة)) ١٩/٤.
٢ - (سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ) بن فارس الْكِنديّ، أبو مسعود الْعَسْكريّ، نزيل
الريّ، أحد الحفّاظ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٣٥) (م) من أفراد المصنّف تقدم في
((الإيمان)) ١٢١/٥.
٣ - (سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ) الْحَدَثانيّ، هَرَويّ الأصل، صدوقٌ إلا أنه عَمِيَ،
فتلقّن، من كبار [١٠] (ت٢٤٠) وله مائة سنة (م ت) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٧.
٤ - (حُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ) بن الحسن بن ثابت بن قُطْبة الْخُزاعيّ مولاهم،
أبو عمّار المروزيّ، ثقةٌ [١٠].
رَوَى عن الفضل بن موسى السِّينَانيّ، والفضيل بن عياض، وابن عيينة،
وابن المبارك، وجرير، وابن عُلية، والدراورديّ، والوليد بن مسلم، ووكيع،
وغيرهم.

١٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
ورَوى عنه الجماعة، سوى ابن ماجه، وسوى أبي داود، فكتابةً،
وحامد بن شعيب البلخيّ، وابن خزيمة، وأبو أحمد الفراء، والذَّهْليّ، وأبو
زرعة، وغيرهم.
قال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال السَّرّاج: مات
بعد مائتين منصرفاً من الحج سنة (٢٤٤).
روى عنه البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله
في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط برقم (١١١٧) و(٢١٥٣) و(٢١٥٤)
و(٢٥١٦) و(٢٨٦٥).
٥ - (مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ) الْفَزَارِيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل مكة، ثم
دمشق، ثقةٌ حافظٌ، كان يدلّس أسماء الشيوخ [٨] (ت١٩٣) (ع) تقدم في
((الإيمان)) ١٣٨/٨.
٦ - (عَاصِمُ) بن سليمان الأحول، أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقةٌ [٤]
مات بعد (١٤٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٧/٥.
والباقون ذُكروا في الباب، وشرح الحديث واضح، يُعلم مما سبق، والله
تعالى أعلم بالصواب.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ، وجابر بن عبد الله
هذا من أفراد المصنّف نَظّتُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٦١٩/١٧] (١١١٧)، و(النسائيّ) في ((الصيام))
(١٨٩/٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣١٦/٣)، و(ابن خزيمة) في (صحيحه))
(٢٠٢٩)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٩٤/٢)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه))
(١٩٧/٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا
ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْتُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٦٢٠] (١١١٨) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، عَنْ
حُمَيْدٍ، قَالَ: سُئِلَ أَنَسٌ رَبَّهِ عَنْ صَوْمِ رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ، فَقَالَ: سَافَرْنَا مَعَ