النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
(١٤) - بَابُ وُجُوبٍ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ جَامَعَ أَهْلَهُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ - حديث رقم (٢٥٩٧)
(١٩٣٧) - حدّثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جريرٌ، عن منصور، عن
الزهريّ، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ظُه: جاء رجل إلى
النبيّ وَله، فقال: إن الأَخِرَ (١) وَقَع على امرأته في رمضان، فقال: ((أتجد ما
تُحَرِّر رقبةً؟))، قال: لا، قال: ((فتستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟))، قال:
لا، قال: ((أفتجد ما تُطعم به ستين مسكيناً؟))، قال: لا، قال: فأُتِيَ النبيّ ◌َله
بَعَرَق، فيه تمرٌ - وهو الزبيل - قال: ((أطعم هذا عنك))، قال: على أحوج منا؟
ما بين لابتيها أهل بيت أحوج منا، قال: ((فأطعمه أهلك)). انتهى، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٥٩٧] ( ... ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْح، قَالَا: أَخْبَرَنَا
اللَّيْثُ (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَن حُمَيْدِ بْنِ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ رَبِهِ: أَنَّ رَجُلاً وَقَعَ بِامْرَأَتِهِ(٢) فِي
رَمَضَانَ، فَاسْتَفْتَى رَسُولَ اللهِ نَّهِ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: ((هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً؟)) قَالَ: لَا،
قَالَ: ((وَهَلْ تَسْتَطِيعُ صِيَامَ شَهْرَيْنِ؟)) قَالَ: لَا، قَالَ: ((فَأَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِيناً)).
رجال هذا الإسناد: سبعة :
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح) بن المهاجر التُّجيبيّ المصريّ، تقدّم قريباً.
٢ - (قُتَيْبَةُ) بن سعيد، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (اللَّيْثُ) بن سعد الإمام المصريّ الشهير، تقدّم قريباً.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (أَنَّ رَجُلاً وَقَعَ بِامْرَأَتِهِ) أي جامعها، وفي نسخة: ((واقع امرأته)).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في حديث أول
الباب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم
الوكيل.
(١) بهمزة غير ممدودة بعدها خاء معجمة مكسورة، وحكى ابن القوطية فيه مدّ الهمز.
(٢) وفي نسخة: ((واقع امرأته)).

٦٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٥٩٨] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى،
أَخْبَرَنَا مَالِكَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ: أَنَّ رُّجُلاً أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ، فَأَمَرَهُ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ بِعِتْقِ رَقَةٍ، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُبَيْنَةَ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ عِيَّسَى) بن نَجِيح البغداديّ، أبو يعقوب ابن الطَّاع،
سَكَنَ أَذَنَةَ، صدوقٌ [٩] (ت٢١٤) أو بعدها بسنة (م ت س ق) تقدم في ((صلاة
الكسوف)» ٢١١٠/٣.
٣ - (مَالِك) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدّم في الباب الماضي.
٤ - (الزُّهْرِيُّ): ذُكر قبله.
وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ) فاعل ((ذَكَرَ)) ضمير مالك.
[تنبيه]: رواية مالك، عن الزهريّ هذه ساقها أبو نعيم في ((مستخرجه))
(١٨٩/٣) فقال:
(٢٥١٣) - ثنا أبو بكر بن خلاد غير مرة، ثنا محمد بن غالب (ح) وثنا
فاروق، ثنا أبو مسلم، قالا: ثنا القعنبيّ، عن مالك، عن ابن شهاب، عن
حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة: أن رجلاً أفطر في رمضان، فأمره
رسول الله وَ﴿ أن يُعتق رقبةً، أو يصوم شهرين، أو يُطعم ستين مسكيناً، فقال:
لا أجد، فقال له: ((اجلس))، فأتي رسول الله وَاللول بحَرَق تمر، فقال: ((خذ هذا،
فتصدق به))، فقال: يا رسول الله، ما أجد أحوج مني، فضحك رسول الله وَله
حتى بدت أنيابه، ثم قال: ((کله)). انتهى.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم البحث فيه مستوفَى، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٥٩٩] ( ... ) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ
جُرَيْجِ، حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُ: أَنَّ

٦٣
(١٤) - بَابُ وُجُوبٍ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ جَامَعَ أَهْلَهُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ - حديث رقم (٢٥٩٩)
النَّبِيَّ وَهِ أَمَرَ رَجُلاً أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ، أَنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً، أَوْ يَصُومَ شَهْرَيْنِ، أَوْ يُطْعِمَ
سِتِّينَ مِسْكِيناً).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمّام الصنعانيّ، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (ابْنُ جُرَيْج) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم أيضاً
في الباب الماضي.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ أَمَرَ رَجُلاً أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ إلخ) قال القرطبيّ ◌َخْتُ:
هذا متمسّك أصحابنا على أن الكفّارة معلّقة على كلّ فطر قُصِد به هَتْكُ الصيام
على ما تقدّم، ووجه استدلالهم أنه علّق الكفّارة على من أفطر مجرّداً عن
القيود، فيلزم مطلقاً، وهذا على قول الشافعيّ في مسألة ترك الاستفصال، فإن
قيل: فهذا الحديث هو الحديث الأول، والقضيّة واحدةٌ، فتُردّ إليها، قلنا: لا
نسلّم، بل هما قضيّتان مختلفتان؛ لأن مساقهما مختلفٌ، وهذا هو الظاهر،
والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ تَذفه(١).
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي أن الأولى حمل هذه الرواية على
أن بعض الرواة اختصرها من الرواية الأولى، والقضيّة واحدة، فيتعيّن حملها
عليها، فلا يكون الحديث دليلاً على وجوب الكفّارة في غير الجماع، فتنبّه.
وقال في ((الفتح)): ووقع في رواية مالك، وابن جريج، وغيرهما في أول
الحديث: ((أن رجلاً أفطر في رمضان، فأمره النبيّ بَّر ... )) الحديث، واستُدِلَّ
به على إيجاب الكفارة على من أفسد صيامه مطلقاً بأيّ شيء كان، وهو قول
المالكية، والجمهور حَمَلُوا قوله: ((أفطر)) هنا على المقيَّد في الرواية الأخرى،
وهو قوله: ((وقعت على أهلي))، وكأنه قال: أفطر بجماع، وهو أولى من دعوى
القرطبيّ وغيره تعدد القصة، واحتَجَّ من أوجب الكفارة مطلقاً بقياس الأكل على
المجامع، بجامع ما بينهما من انتهاك حرمة الصوم، وبأن من أُكره على الأكل
(١) ((المفهم)) ١٧٤/٣.

٦٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
فسد صومه، كما يفسد صوم من أكره على الجماع، بجامع ما بينهما .
قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى بُعد قياس من أفطر بغير الجماع على من
أفطر بالجماع لمن تأمله، فالذي يظهر أن ما ذهب إليه الجمهور من عدم وجوب
الكفّارة على من أفطر بغير الجماع هو الأقرب، فتأمل، والله تعالى أعلم.
قال: وقد وقع في حديث عائشة ثها نظير ما وقع في حديث أبي
هريرة ظُه، فمعظم الروايات فيها: ((وَطِئْتُ))، ونحو ذلك، وفي رواية ساق
مسلم إسنادها، وساق أبو عوانة في ((مستخرجه)) متنها أنه قال: ((أفطرت في
رمضان))، والقصّة واحدة، ومخرجها مُتَّحِد، فَيُحْمَل على أنه أراد: أفطرت في
رمضان بجماع، وقد وقع في مرسل ابن المسيِّب عند سعيد بن منصور: ((أصبت
امرأتي ظهراً في رمضان)»، وتعيين رمضان معمول بمفهومه، وللفرق في وجوب
كفارة المجامع في الصوم بين رمضان وغيره من الواجبات كالنذر، وفي كلام
أبي عوانة في ((صحيحه)) إشارة إلى وجوب ذلك على من وقع منه في رمضان
نهاراً، سواء كان الصوم واجباً عليه، أو غير واجب. انتهى(١).
وحديث أبي هريرة عظ اته متّفقٌ عليه باللفظ الذي مضى، وأما بهذا اللفظ
فمن أفراد المصنّف تَخْلُ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٦٠٠] ( ... ) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ،
عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الْكِسّيّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت٢٤٩) (خت مت)
تقدم في ((الإيمان)) ٧/ ١٣١.
٢ - (مَعَمَرُ) بن راشد، أبو عروة البصريّ، ثم اليمنيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظ
فاضل [٧] (ت١٥٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
(١) ((الفتح)) ٣١٠/٥ - ٣١١.

٦٥
(١٤) - بَابُ وُجُوبٍ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ جَامَعَ أَهْلَهُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ - حديث رقم (٢٦٠١)
والباقیان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: رواية معمر، عن الزهريّ هذه ساقها البخاري في ((صحيحه))، فقال:
(٢٤٦٠) - حدّثنا محمد بن محبوب، حدّثنا عبد الواحد، حدّثنا معمر،
عن الزهريّ، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة نظُبه قال: جاء رجل
إلى رسول الله وَله، فقال: هلكت، فقال: ((وما ذاك؟))، قال: وقعت بأهلي في
رمضان، قال: ((تجد رقبة؟))، قال: لا، قال: ((فهل تستطيع أن تصوم شهرين
متتابعين؟))، قال: لا، قال: ((فتستطيع أن تطعم ستين مسكيناً؟))، قال: لا،
قال: فجاء رجل من الأنصار بعَرَق - والعَرَقُ: الْمِكْتَلُ - فيه تمرٌ، فقال: ((اذهب
بهذا، فتصدق به))، قال: على أحوج منّا يا رسول الله؟ والذي بعثك بالحقّ ما
بين لابتيها أهل بيت أحوج منّا، قال: ((اذهب، فأطعمه أهلك)). انتهى، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٦٠١] (١١١٢) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح بْنِ الْمُهَاجِرِ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ،
عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ
الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ عَ﴿ُّ أَنَّهَا قَالَتْ: جَاءَ رَجُلٌ
إِلَى رَسُولِ اللهِ نَّهِ، فَقَالَ: احْتَرَقْتُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((لِمَ؟)) قَالَ: وَطِئْتُ
امْرَأَنِي فِي رَمَضَانَ نَهَاراً، قَالَ: (تَصَدَّقْ، تَصَدَّقْ)) قَالَ: مَا عِنْدِي شَيْءٌ، فَأَمَرَهُ أَنْ
يَجْلِسَ، فَجَاءَهُ عَرَقَانٍ، فِيهِمَا طَعَامٌ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ نَّهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) بن قيس الأنصاريّ القاضي، أبو سعيد المدنيّ،
ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ت١٤٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٦/٦.
٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ) بن محمد بن أبي بكر الصدّيق، تقدّم قبل
باب.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن الْعَوّام الأسديّ المدنيّ، ثقةٌ [٦]
مات سنة بضع (١١٠) (ع) تقدم في ((الجمعة)) ١٩٥٨/٢.

٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
٤ - (عَبَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن الْعَوّام، كان قاضي مكة زمن أبيه،
وخليفته إذا حجّ، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في ((الجنائز)) ٢٢٥٢/٣٢.
٥ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ◌ّا، تقدّمت في الباب الماضي.
والباقيان ذُكرا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف ◌َّلُهُ .
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فقد انفرد به هو
وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من يحيى، والباقيان مصريّان.
٤ - (ومنها): أن فيه أربعة من التابعين روى بعضهم عن بعض، وكلّهم
من أهل المدينة: يحيى وعبد الرحمن تابعيان صغيران، من طبقة واحدة،
وفوقهما قليلاً محمد بن جعفر، وأما ابن عمه عباد، فمن أواسط التابعين.
٥ - (ومنها): أن فيه عائشة ﴿ها من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠).
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ ◌ِّنَا أَنَّهَا قَالَتْ: جَاءَ رَجُلٌ) قيل: هو سلمة بن صخر
البياضيّ، ولا يصحّ ذلك كما تقدّم بيانه، وفي رواية عمر بن الحارث الآتية:
((جاء رجل إلى رسول الله وَل﴿ل في المسجد في رمضان)) (إِلَى رَسُولِ اللهِ وَلِ﴾،
فَقَالَ: احْتَرَقْتُ) وفي رواية عمرو بن الحارث الآتية: ((احترقت، احترقتُ))
مكرّراً، وتقدّم في حديث أبي هريرة ◌َُّبه أنه عَبَّر بقوله: ((هلكت))، ورواية
الاحتراق تُفَسِّر رواية الهلاك، وكأنه لما اعتَقَد أن مرتكب الإثم يعذب بالنار
أطلق على نفسه أنه احتَرَق لذلك، وقد أثبت النبيّ ◌َّ له هذا الوصف، فقال:
((أين المحترق؟)) إشارةً إلى أنه لو أصرّ على ذلك لاستحق ذلك، وفيه دلالة
على أنه كان عامداً، كما سبق بيانه، أفاده في ((الفتح))(١).
(١) ((الفتح)) ٣٠٦/٥.

٦٧
(١٤) - بَابُ وُجُوبٍ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ جَامَعَ أَهْلَهُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ - حديث رقم (٢٦٠١)
وقال النوويّ تَخْذَلُهُ: فيه استعمال المجاز، وأنه لا إنكار على مستعمله.
انتهى(١).
(قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((لِمَ؟))) أي لأيّ شيء احترقت؟، وفي الرواية
الآتية: ((فسأله رسول الله وَ﴿ ما شأنه؟)) (قَالَ) الرجل (وَطِئْتُ) بكسر الطاء،
يقال: وَطِئَ يَطَأْ وَظْأً، من باب فَهِمَ يَفْهَمُ فَهْماً، قال في ((اللسان)): قال
سيبويه: أما وَطِىءٌ يَطَأْ، فمثلُ وَرِمَ يَرِمُ، ولكنهم فتحوا يَفْعَلُ، وأصله الكسر.
انتهى(٢). يعني أن أصل عين مضارع وَطِىء بالكسر، لكنهم فتحوها؛ لأجل
حرف الحلق، والمعنى: جامعت (امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ نَهَاراً) وفي الرواية الآتية:
((أصبت أهلي)) (قَالَ) وَهِ (تَصَدَّقْ، تَصَدَّقْ))) كذا هنا بالتكرار، وفي الرواية
التالية بدونه (قَالَ) الرجل (مَا) نافيةٌ (عِنْدِي شَيْءٌ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَجْلِسَ) وفي الرواية
الآتية: ((فقال: والله يا نبيّ الله ما لي شيء، وما أقدر عليه، قال: اجلس))
(فَجَاءَهُ عَرَقَانٍ) تثنية عَرَق بفتحتين، وهو الْمِكتل، وهو الزِّئْبِيل أيضاً، وقد تقدّم
في حديث أبي هريرة ربه: ((فأُتي النبيّ وَّ بِعَرَق فيه تمر)) بالإفراد، فجمع
بعضهم بينهما بتعدّد القصّة، والأحسن ما قاله الحافظ تَّثُ أنه كان قدر عرق،
لكنه كان في عَرَقين في حال التحميل على الدابة؛ ليكون أسهل في الحمل،
فيحتمل أن الآتي به لَمّا وصل أفرغ أحدهما في الآخر، فمن قال: عَرَقان أراد
ابتداء الحال، ومن قال عَرَق أراد ما آل إليه، والله تعالى أعلم.
(فِيهِمَا طَعَامٌ) أي بُرُّ، ويَحْتَمل أن يراد به مطلق الطعام، قال في
((القاموس)): الطعام: الْبُرّ، وما يؤكل، جمعه أطعمة. انتهى. وقال في
((المصباح)): وإذا أَطلَق أهل الحجاز لفظ الطعام عَنَوْا به البرّ خاصّةً، وفي
الْعُرف اسم لما يُؤكل، وجمعه أَطعمة. انتهى(٣).
(فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ وَهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ) وفي الرواية الآتية: فقال
رسول الله وسلم: ((تصدّق بهذا))، وهو لفظ البخاريّ، قال في ((الفتح)): قوله:
(تصدّق بهذا)) هكذا وقع مختصراً، وأورده مسلم، وأبو داود من طريق عمرو بن
(١) ((شرح النووي)) ٢٢٧/٧.
(٣) ((المصباح المنير)) ٣٧٣/٢.
(٢) ((لسان العرب)) ١٩٥/١.

٦٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
الحارث، عن عبد الرحمن بن القاسم، وفيه قال: أصبت أهلي، قال:
(تصدّق))، قال: والله ما لي شيءٌ، قال: ((اجلس))، فجلس، فأقبل رجل يسوق
حماراً، عليه طعام، فقال: ((أين المحترق آنفاً؟))، فقام الرجل: فقال
رسول الله وَل: ((تصدق بهذا))، فقال: أعلى غيرنا؟، فوالله إنّا لجياع، قال:
«کلوه)) .
قال: وقد استُدِلّ به لمالك، حيث جزم في كفارة الجماع في رمضان
بالإطعام، دون غيره من الصيام، والعتق، ولا حجة فيه؛ لأن القصة واحدة،
وقد حفظها أبو هريرة ظه، وقَصَّها على وجهها، وأوردتها عائشة
مختصرةً، أشار إلى هذا الجواب الطحاويّ، قال الحافظ: والظاهر أن
الاختصار من بعض الرواة، فقد رواه عبد الرحمن بن الحارث، عن محمد بن
جعفر بن الزبير، بهذا الإسناد، مفسَّراً، ولفظه: كان النبيّ ◌َّ جالساً في ظلّ
فارع - يعني بالفاء، والمهملة - فجاءه رجل من بني بياضة، فقال: احترقت،
وقعت بامرأتي في رمضان، قال: ((أعتق رقبةً))، قال: لا أجدها، قال: ((أطعم
ستين مسكيناً))، قال: ليس عندي ... ، فذكر الحديث، أخرجه أبو داود، ولم
يسق لفظه، وساقه ابن خزيمة في ((صحيحه))، والبخاريّ في ((تاريخه))، ومن
طريقه البيهقيّ، ولم يقع في هذه الرواية أيضاً ذكر صيام شهرين، ومن حَفِظ
حجة على من لم يحفظ.
[تنبيه]: اختَلَفَت الرواية عن مالك في ذلك، فالمشهور ما تقدم، وعنه
يُكَفِّر في الأكل بالتخيير، وفي الجماع بالإطعام فقط، وعنه التخيير مطلقاً،
وقيل: يُراعَى زمان الْخِصْب والجدب، وقيل: يُعتبر حالة المكفِّر، وقيل غير
ذلك. انتهى(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ◌َّا هذا متفقٌ عليه.
(١) ((الفتح)) ٣٠٧/٥.

٦٩
(١٤) - بَابُ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ جَامَعَ أَهْلَهُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ - حديث رقم (٢٦٠٢)
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٦٠١/١٤ و٢٦٠٢ و٢٦٠٣] (١١١٢)،
و(البخاريّ) في ((الصوم)) (١٩٣٥) وعلّقه في ((الحدود)) (٦٨٢٢) ووصله في
(التاريخ الصغير)) (٢٨٩/١)، و(أبو داود) في ((الصوم)) (٢٣٩٤ و٢٣٩٥)،
و(النسائيّ) في (الكبرى)) (٢١٠/٢ و٢١١)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣/
١١١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٤٠/٦)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢٠/٢)،
و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (١٩٤٦ و١٩٤٧)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه))
(٣٥٢٨)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٥٩/٢ - ٦٠)، و(ابن راهويه)
في («مسنده)) (٣٦٥/٢)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (٢٠٧/٢)، و(أبو نعيم) في
(مستخرجه)) (١٩١/٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٢٣/٤ و٢٢٤)، وفوائد
الحديث تقدّمت، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَظُّ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٦٠٢] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ،
قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ، أَنَّ
مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَبَّدَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ
عَائِشَةَ ﴿َا تَقُولُ: أَتَى رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّةِ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَلَيْسَ فِي أَوَّلِ
الْحَدِيثِ: (تَصَدَّقْ، تَصَدَّقْ)»، وَلَا قَوْلُهُ: نَهَاراً).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قبل باب.
٢ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ) هو: عبد الوهّاب بن عبد المجيد بن الصلت
الثقفي، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت١٩٤) (ع) تقدم في (الإيمان)) ١٧/ ١٧٣.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (فَذَكَرَ الْحَدِيثَ) الفاعل ضمير عبد الوهّاب.
[تنبيه]: رواية عبد الوهّاب الثقفيّ، عن يحيى بن سعيد هذه ساقها
إسحاق ابن راهويه في ((مسنده)) (٣٦٥/٢) فقال:

٧٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
(٩٠٧) - أخبرنا عبد الوهاب الثقفيّ، نا يحيى بن سعيد، قال: سمعت
عبد الرحمن بن القاسم، يقول: أخبرني محمد بن جعفر بن الزبير، أن عباد بن
عبد الله بن الزبير أخبره، أن عائشة أم المؤمنين حدَّثته، قالت: جاء رجل إلى
رسول الله ◌َ﴾، فقال: يا رسول الله، إني احترقت، فسأله ما له؟، فقال:
أفطرت في رمضان، ثم جلس، فأُتي رسول الله وَل﴿ل بمكتل عظيم يُدْعَى الْعَرَق،
فيه تمر، فسأل رسول الله وَ﴿ عن الرجل، فقال: ((أين المحترق؟))، فقام
الرجل، فقال: ((تصدق بهذا)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢٦٠٣] ( ... ) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِ عَمْرُو بْنُ
الْحَارِثِ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ حَدَّثَهُ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ،
أَنَّ عَبَّادَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِّ وَّهِ تَقُولُ: أَتَّى
رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ نَّهِ فِي الْمَسْجِدِ، فِي رَمَضَانَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ احْتَرَقْتُ،
اخْتَرَقْتُ، فَسَأَلَهُ رَسُولُ اللهِ ◌ِِّ مَا شَأْنُهُ؟، فَقَالَ: أَصَبْتُ أَهْلِي، قَالَ: ((تَصَدَّقْ))،
فَقَالَ: وَاللهِ يَا نَبِيَّ اللهِ، مَا لِي شَيْءٌ، وَمَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ، قَالَ: ((اجْلِسْ))، فَجَلَسَ، فَبَيْنَا
هُوَ عَلَى ذَلِكَ، أَقْبَلَ رَجُلٌ يَسُوقُ حِمَاراً، عَلَيْهِ طَعَامٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((أَيْنَ
الْمُحْتَرِقُ آنِفاً؟) فَقَامَ الرَّجُلُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((تَصَدَّقْ بِهَذَا))، فَقَالَ: يَا
رَسُولَ اللهِ، أَغَيْرَنَا؟(١)، فَوَ اللهِ، إِنَّا لَجِيَاعٌ، مَا لَنَا شَيْءٌ، قَالَ: ((فَكُلُوهُ)).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن السَّرْح المصريّ، ثقةٌ [١٠]
(ت٢٥٠) (م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (عَمْرُو بْنُّ الْحَارِثِ) بن يعقوب، تقدّم أيضاً في الباب الماضي.
(١) وفي نسخة: ((أعلى غيرنا)).

٧١
(١٥) - بَابُ جَوَازِ الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ لِلْمُسَافِرِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، ... إلخ - حديث رقم (٢٦٠٤)
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (أَقْبَلَ رَجُلٌ يَسُوقُ حِمَاراً) لم يسمّ هذا الرجل.
وقوله: (أَغَيْرَنَا) منصوب بفعل مضمر، تقديره: أتعطيه غيرنا؟، وفي
نسخة: ((أعَلى غيرنا))، وهو واضح، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(١٥) - (بَابُ جَوَازِ الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ لِلْمُسَافِرِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ،
وَالتَّخْبِيرِ فِي ذَلِكَ)(١)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٦٠٤] (١١١٣) - (حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْح، قَالَا:
أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ
عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُثْبَةَ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿هَا، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ الهِ لَهـ
خَرَجَ عَامَ الْفَتْحِ فِي رَمَضَانَ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ، ثُمَّ أَفْطَرَ، قَالَ: وَكَانَ
صَحَابَةُ رَسُولِ اللهِ وَّهِ يَتَّبِعُونَ الْأَحْدَثَ، فَالْأَحْدَثَ مِنْ أَمْرِهِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بن مسعود الْهُذَليّ، أبو عبد الله المدنيّ،
ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت٩٤) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣.
(١) هذه الترجمة هي اللائقة بالأحاديث الآتية، وهكذا ترجم القرطبيّ في مختصره،
وأما النوويّ فترجم بقوله: ((باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر في
غير معصية إلخ))، وفيه أن قوله: ((في غير معصية)) مأخوذ من مذهبه، لا من
أحاديث الباب؛ فأحاديث الباب لم تتعرّض له، والمسألة مختلف فيها، وقد سبق
أن التراجم لا ينبغي أن تُقَيّد بما يُفهَم من بعض المذاهب، وإنما تصاغ مما دلّ
عليه حديث الباب، فتفطّن.

٧٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
٢ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) هو: عبد الله الحبر البحر ظُه تقدم في ((الإيمان)) ١٢٤/٦.
والباقون كلّهم تقدّموا في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف رَّتُهُ، وله فيه ثلاثة من الشيوخ
قرن بين اثنين؛ لاتفاقهما في كيفيّة التحمّل والأداء، وأفرد الثالث؛ لاختلافه
معهما في ذلك.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: يحيى، فما أخرج
له أبو داود، وابن ماجه، وابن رُمح، فانفرد به هو وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من ابن شهاب، والباقون مصريّون،
إلا قتيبة، فبغلانيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وأن عبيد الله أحدُ الفقهاء
السبعة، وابن عبّاس ها أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة.
[تنبيه]: قال القابسيّ كََّثُهُ: هذا الحديث من مرسلات الصحابة
لأن ابن عباس ها كان في هذه السفرة مقيماً مع أبويه بمكة، فلم يشاهد هذه
(١)
٤. انتهى(١) .
القصّة، فكأنه سمعها من غيره من الصحابة
شرح الحديث:
(عَن ابْنِ عَبَّاسٍ هـ
(أَخْبَرَهُ) أي أخبر عبيدَ الله
أى ابن عبّاس
ـهُ)
(أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلَ خَّرَجَ عَامَ الْفَتْحِ) أي عام فتح مكة، وكان سنة ثمان من
الهجرة (فِي رَمَضَانَ) وفي رواية ابن إسحاق في ((المغازي)) عن الزهريّ في
حديث الباب أنه خَرَج لعشر مضين من رمضان، ووقع في حديث أبي سعيد
الخدريّ الآتي في الباب اختلاف من الرواة في ضبط ذلك، قال في ((الفتح)):
والذي اتَّفَقَ عليه أهل السير أنه خرج في عاشر رمضان، ودخل مكة لتسع عشرة
ليلةً خلت منه. انتهى(٢).
،
(فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ) - بفتح الكاف، وكسر الدال المهملة - وهي عينٌ
(١) ((الفتح)) ٣٣٧/٥.
(٢) ((الفتح)) ٣٣٦/٥.

٧٣
(١٥) - بَابُ جَوَازِ الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ لِلْمُسَافِرِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، ... إلخ - حديث رقم (٢٦٠٤)
جاريةٌ بينها وبين المدينة سبع مراحل أو نحوها، وبينها وبين مكة قريب من
مرحلتين، وهي أقرب إلى المدينة من عُسفان، قال القاضي عياض ◌َُّهُ:
الكديد: عين جاريةٌ على اثنين وأربعين ميلاً من مكة، قال: وعُسفان قرية
جامعة، بها منبر، على ستة وثلاثين ميلاً من مكة، قال: والكديد ما بينها وبين
قُدید.
وفي الحديث الآخر: ((فصام حتى بلغ كُرَاع الغميم))، وهو بفتح الغين
المعجمة، وهو واد أمام عُسفان بثمانية أميال، يضاف إليه هذا الكُراع، وهو
جبل أسود، متصل به، والكُراع كلُّ أنف سال من جبل، أو حَرَّة، قال
القاضي: وهذا كله في سفر واحد في غَزَاة الفتح، قال: وسُمِّيت هذه المواضع
في هذه الأحاديث؛ لتقاربها، وإن كانت عُسفان متباعدة شيئاً عن هذه
المواضع، لكنها كلها مضافة إليها، ومِن عَمَلها، فاشتَمَل اسم عُسفان عليها،
قال: وقد يكون ◌َ﴿ عَلِمَ حال الناس، ومشقتهم في بعضها، فأفطر، وأمرهم
بالفطر في بعضها. انتهى كلام القاضي كَذّفه(١) .
قال النوويّ تَخْلُ بعد نقل كلام القاضي هذا: وهو كما قال إلا في مسافة
عُسفان، فإن المشهور أنها على أربعة بُرُدٍ من مكة، وكل بَرِيد أربعة فراسخ،
وكل فرسخ ثلاثة أميال، فالجملة ثمانية وأربعون ميلاً، هذا هو الصواب
المعروف الذي قاله الجمهور. انتهى كلام النوويّ تَذْتُمُ(٢).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((فلما بلغ الكَدِيد)) - بفتح الكاف، وكسر الدال
المهملة -: مكان معروف، وقع تفسيره في نفس الحديث بأنه بين عُسفان وقُديد
- يعني بضم القاف على التصغير - ووقع في رواية المستملي وحده نسبة هذا
التفسير للبخاريّ، لكن سيأتي في ((المغازي)) موصولاً من وجه آخر في نفس
الحديث، وسيأتي قريباً (٣) عن ابن عباس من وجه آخر: ((حتى بلغ عُسفان)) بدل
الكَدِيد وفيه مجاز القرب؛ لأن الكَديد أقرب إلى المدينة من عُسفان، وبين
الكديد ومكة مرحلتان، قال البكريّ: هو بين أَمَج - بفتحتين، وجيم - وعُسفان
(١) ((إكمال المعلم)) ٤/ ٦٤.
(٣) هي الرواية الخامسة هنا عند مسلم رقم [٢٦٠٨].
(٢) ((شرح النووي)) ٢٣٠/٧.

٧٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
وهو ماء عليه نخل كثير، ووقع عند مسلم في حديث جابر: ((فلما بلغ كُراع
الغميم))، هو بضم الكاف، والغَمِيم بفتح المعجمة، وهو اسم وادٍ أمام
عُسفان، قال عياض: اختَلَفت الروايات في الموضع الذي أفطر وَّقي فيه،
والكل في قصة واحدة، وكلها متقاربة، والجميع من عَمَل عُسفان. انتهى.
(ثُمَّ أَفْطَرَ) وقد وقع الحديث عند البخاريّ في ((المغازي)) بسياق أوضح
من هذا من طريق معمر، عن الزهريّ، ولفظه: ((خرج النبيّ ◌َّ في رمضان من
المدينة، ومعه عشرة آلاف من المسلمين، وذلك على رأس ثمان سنين ونصف
من مَقْدَمه المدينة، فسار ومن معه من المسلمين، يصوم ويصومون، حتى بلغ
الكَدِيد، فأفطر وأفطروا)).
وأخرج أيضاً في ((المغازي)) من طريق خالد الحذاء، عن عكرمة، عن ابن
عباس ◌ً قال: خرج النبيّ و 18 في رمضان، والناس صائم ومفطر، فلما
استوى على راحلته دعا بإناء من لبن، أو ماء فوضعه على راحلته، ثم نظر
الناس، زاد في رواية أخرى، من طريق طاوس، عن ابن عباس: ((ثم دعا
بماء، فشرب نهاراً؛ ليراه الناس)).
وأخرجه الطحاويّ من طريق أبي الأسود، عن عكرمة أوضح من سياق
خالد، ولفظه: ((فلما بلغ الكَدِيد بلغه أن الناس يشق عليهم الصيام، فدعا بقدح
من لبن، فأمسكه بيده حتى رآه الناس، وهو على راحلته، ثم شَرِبَ، فأفطر،
فناوله رجلاً إلى جنبه، فشرب))، ويأتي للمصنّف في الباب من طريق
الدّراوَرْديّ، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر ◌ُه في هذا الحديث:
((فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام، وإنما ينظرون فيما فعلتَ، فدعا
بقدَح من ماء بعد العصر))، وله من طريق عبد الوهّاب الثقفيّ، عن جعفر: ((ثم
شَرِبَ، فقيل له بعد ذلك: إن بعض الناس قد صام، فقال: أولئك العصاة))،
واستَدَلّ بهذا الحديث على تحتم الفطر في السفر، ولا دلالة فيه، كما سيأتي
بيانه، أفاده في ((الفتح))(١).
وقال النوويّ كَّلُهُ: فيه دليلٌ لمذهب الجمهور أن الصوم والفطر جائزان،
(١) راجع: ((الفتح)) ٣٣٥/٥.

٧٥
(١٥) - بَابُ جَوَازِ الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ لِلْمُسَافِرِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، ... إلخ - حديث رقم (٢٦٠٤)
وفيه أن المسافر له أن يصوم بعض رمضان دون بعض، ولا يلزمه بصوم بعضه
إتمامه، وقد غَلِطَ بعض العلماء في فَهْم هذا الحديث، فتوهّم أن الكَدِيد وكُراع
الغَمِيم قريب من المدينة، وأن قوله: ((فصام حتى بلغ الكَدِيد، وكُرَاعِ الغَمِيم))،
كان في اليوم الذي خرج فيه من المدينة، فزعم أنه خرج من المدينة صائماً،
فلما بلغ كُراع الغميم في يومه أفطر في النهار، قال: واستَدَلّ به هذا القائل
على أنه إذا سافر بعد طلوع الفجر صائماً له أن يفطر في يومه، ومذهب
الشافعيّ والجمهور أنه لا يجوز الفطر في ذلك اليوم، وإنما يجوز لمن طَلَع
عليه الفجر في السفر، واستدلال هذا القائل بهذا الحديث من العجائب
الغريبة؛ لأن الكَديد وكُراع الغميم على سبع مراحل، أو أكثر من المدينة.
انتهى كلام النوويّ تَخَذُهُ(١).
وقوله: (قَالَ: وَكَانَ صَحَابَةُ رَسُولِ اللهِ وَهِ يَتَّبِعُونَ الْأَحْدَثَ، فَالْأَحْدَثَ مِنْ
أَمْرِهِ وَله) يعني أن الصحابة ﴿ه كانوا إذا اختلفت عليهم أحاديث رسول الله وَلقوله،
وتعارضت يأخذون بالمتأخّر، ويجعلون المتقدّم منسوخاً به.
[تنبيه]: قوله: ((وكان صحابة رسول الله وّل و إلخ)) هذا الكلام من قول
الزهريّ، وقع مدرجاً عند المصنّف في رواية الليث هذه، قال في ((الفتح)): هذه
الزيادة التي في آخره من قول الزهريّ وقعت مدرجة عند مسلم من طريق
الليث، عن الزهريّ، وأخرجه بعده من طريق سفيان، عن الزهريّ، قال: مثله،
قال سفيان: لا أدري من قول من هو؟، ثم أخرجه من طريق معمر، ومن طريق
يونس، كلاهما عن الزهريّ، وبَيّنا أنه من قول الزهريّ، وبذلك جزم البخاريّ
في ((كتاب الجهاد)) من ((صحيحه))، وظاهره أن الزهريّ ذهب إلى أن الصوم في
السفر منسوخٌ، ولم يوافق على ذلك، كما سيأتي قريباً.
وقال القرطبيّ كَّلُهُ: ظاهر كلام ابن شهاب: أن الذي استَقَّ عليه أمره وَه
إنما كان: الفطر في السفر، وأن الصوم السابق منسوخ.
وهذا الظاهر ليس بصحيح، بدليل الأحاديث الآتية بعد هذا؛ فإنها تدل
على أن النبيّ وَّير صام بعد ذلك في السفر، وأصحابه كذلك، وخيّر فيه، ومِن
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٣٠/٧ - ٢٣١.

٧٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
فيه: ثم لقد رأيتنا نصوم بعد ذلك في السفر مع
أدلّ ذلك قول أبي سعید
رسول الله ﴾. وما أخرجه النسائي عن عائشة ﴿ًا: أنها سافرت مع
رسول الله ﴿ في عمرته، فقالت: يا رسول الله وَّله قصرتَ وأتممتُ، وأفطرتَ
وصمتُ، فقال: ((أحسنتِ يا عائشة))، وما عابه عليّ.
ويمكن أن يُحْمَل قول الزهريّ على أنه أراد أن يخبر بقاعدتهم الكلية
الأصولية في الاقتداء بأفعال النبيّ وَله فيما تحققت فيه المعارضة، لا في هذا
الموضع؛ فإنه لم تتحقق فيه المعارضة، والله تعالى أعلم. انتهى كلام
القرطبيّ تَذْتُهُ (١).
وقال النوويّ كَُّهُ: قوله: ((يَتَبِعُونَ الْأَحْدَثَ، فَالْأَحْدَثَ إلخ)) هذا محمول
على ما عَلِموا منه النسخ، أو رجحان الثاني مع جوازهما، وإلا فقد طاف وَله
على بعيره، وتوضأ مرةً مرةً، ونظائر ذلك من الجائزات التي عَمِلها مرةً، أو
مرات قليلة؛ لبيان جوازها، وحافظ على الأفضل منها. انتهى، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس
هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٦٠٤/١٥ و ٢٦٠٥ و ٢٦٠٦ و ٢٦٠٧ و ٢٦٠٨
و٢٦٠٩] (١١١٣)، و(البخاريّ) في ((الصوم)) (١٩٤٤ و١٩٤٨) و((الجهاد))
(٢٩٥٣) و((المغازي)) (٤٢٧٥ و٤٢٧٦ و٤٢٧٧ و٤٢٧٨ و٤٢٧٩)، و(النسائيّ) في
(الصيام)) (١٨٩/٤)، و(ابن ماجه) في ((الصيام)) (١٦٦١)، و(مالك) في ((الموظّأ))
(٢٩٤/١)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٧٧٦٢)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده))
(٢٧١٦)، و(الشافعيّ) في ((المسند)) (٢٧١/١) (٢٧١٦)، و(ابن أبي شيبة) في
((مصنّفه)) (١٥/٣)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٥١٤)، و(أحمد) في ((مسنده))
(٢١٩/١ و٢٥٩ و٣٢٥ و٣٣٤)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٩/٢)، و(الطحاويّ)
(١) ((المفهم)) ١٧٧/٣ - ١٧٨.

٧٧
(١٥) - بَابُ جَوَازِ الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ لِلْمُسَافِرِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، ... إلخ - حديث رقم (٢٦٠٤)
في ((شرح معاني الآثار)) (٦٤/٢)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٢٠٣٦)،
و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٣٥٥٥ و٣٥٦٣ و٣٥٦٤ و٣٥٦٦)، و(الطبرانيّ) في
((الأوسط)) (١٧٥/١)، و(البزّار) في («مسنده)) (٢٣٨/٣)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (٢٤٠/٤ - ٢٤١ و٢٤٦) و((المعرفة)) (٣٨٨/٣)، و(البغويّ) في ((شرح
السنّة)) (٢٤٠/٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان جواز الفطر في رمضان للمسافر.
٢ - (ومنها): إباحة السفر في رمضان، وفي ذلك ردُّ قولٍ من قال: ليس
لمن ابتدأ صيام رمضان في الحضر أن يسافر، فيفطرَ، لقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ
شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهَرَ فَلْيَصُمَّةٌ وَمَن كَانَ مَرِيضًّا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَبَّامٍ أُخَرُّ﴾
[البقرة: ١٨٥]، ورَدُّ قولٍ من قال: إن المسافر في رمضان إن صام بعضه في
الحضر، لم يجز له الفطر في سفره، قاله ابن عبد البرّ ◌َّثهُ(١).
٣ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أن للمسافر أن يُفطر في أثناء النهار، ولو
استَهَلّ(٢) رمضانَ في الحضر، والحديث نصٌّ في الجواز؛ إذ لا خلاف أنه وعَله
استَهَلّ رمضانَ في عام غزوة الفتح، وهو بالمدينة، ثم سافر في أثنائه.
٤ - (ومنها): أنه استُدِلّ به أيضاً على أن للمرء أن يفطر، ولو نوى
الصيام من الليل، وأصبح صائماً فله أن يفطر في أثناء النهار، وهو قول
الجمهور، وقَطَع به أكثر الشافعية، وفي وجه ليس له أن يفطر، وكأنّ مستند
قائله ما وقع في البويطيّ من تعليق القول به على صحة حديث ابن عباس
هذا، وهذا كله فيما لو نوى الصوم في السفر، فأما لو نوى الصوم، وهو
مقيم، ثم سافر في أثناء النهار، فهل له أن يفطر في ذلك النهار؟، منعه
الجمهور، وقال أحمد، وإسحاق بالجواز، واختاره المزنيّ؛ مُحْتَجّاً بهذا
الحديث؛ ظنّاً منه أنه ◌ّله أفطر في اليوم الذي خرج فيه من المدينة، وليس
كذلك، فإن بين المدينة والكديد عِدَّة أيام، وأبلغ من ذلك ما رواه ابن أبي
(١) ((التمهيد)) لابن عبد البرّ ٦٥/٩.
(٢) بالبناء للفاعل، والأكثر في الاستعمال بناؤه للمفعول.

٧٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
شيبة، والبيهقيّ عن أنس به أنه كان إذا أراد السفر يفطر في الحضر قبل أن
يَرْكَب، ثم لا فرق عند المجيزين في الفطر بكل مُفَطّر، وفرّق أحمد في
المشهور عنه بين الفطر بالجماع وغيره، فمنعه في الجماع، قال: فلو جامع
فعليه الكفارة، إلا إن أفطر بغير الجماع قبل الجماع.
واعترض بعض المانعين في أصل المسألة، فقال: ليس في الحديث دلالة
على أنه ◌َ﴿ نوى الصيام في ليلة اليوم الذي أفطر فيه، فَيَحْتَمِل أن يكون نوى
أن يصبح مُفطراً، ثم أظهر الإفطار؛ ليفطر الناس، لكن سياق الأحاديث ظاهرٌ
في أنه وَي كان أصبح صائماً، ثم أفطر، قاله في ((الفتح)).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله هذا البعض عجيب منه،
فلو سلّمنا أنه وَ ﴿ لم ينو ليلاً، فبماذا يُجيب عن حال الصحابة؟ فإنهم أفطروا
بعدما نووا الصيام بلا شكّ.
ومما يُرَدّ به عليه أيضاً ما أخرجه النسائيّ وغيره، وصححه ابن خزيمة،
من طريق أبي سلمة، عن أبي هريرة رَظُه قال: كنا مع النبيّ وَّهِ بِمَرِّ الظهران،
فأتي بطعام، فقال لأبي بكر وعمر: ادْنُوَا، فكلا، فقالا: إنا صائمان، فقال:
((اعملوا لصاحبيكم، ارحلوا لصاحبيكم، ادنوا فكلا))، قال ابن خزيمة: فيه
دليل على أن للصائم في السفر الفطر بعد مُضِيّ بعض النهار. انتهى.
والحاصل أن الصواب ما ذهب إليه الجمهور من جواز الفطر للمسافر
أثناءَ النهار، وإن نوى الصوم من الليل، والله تعالى أعلم.
٥ - (ومنها): أن فيه دليلاً على أن في حديث رسول الله وصلفيه ناسخاً
ومنسوخاً، وهذا أمر مجمعٌ عليه، قاله ابن عبد البرّ كَّفُ(١)، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الصوم في السفر:
قال في ((الفتح)): قد اختلف السلف في هذه المسألة، فقالت طائفة: لا
يجزئ الصوم في السفر عن الفرض، بل مَن صام في السفر وجب عليه قضاؤه
في الحضر؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾ [البقرة: ١٨٥]،
(١) ((التمهيد)) ٦٩/٩.

٧٩
(١٥) - بَابُ جَوَازِ الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ لِلْمُسَافِرِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، ... إلخ - حديث رقم (٢٦٠٤)
ولقوله وَيقيد: ((ليس من البر الصيام في السفر))، ومقابلُ البرّ الإثم، وإذا كان آئماً
بصومه لم يجزئه، وهذا قول بعض أهل الظاهر، وحُكِي عن عمر، وابن عمر،
وأبي هريرة، والزهريّ، وإبراهيم النخعيّ، وغيرهم.
واحتَجُوا بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ فَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَهِدَّةٌ مِّنْ
أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾ [البقرة: ١٨٤] الآية، قالوا: ظاهره فعليه عدّة، أو فالواجب عدّة،
وتأوّله الجمهور بأن التقدير: فأفطر فعدّة.
ومقابل هذا القول قول مَن قال: إن الصوم في السفر لا يجوز إلا لمن
خاف على نفسه الهلاك، أو المشقة الشديدة، حكاه الطبريّ عن قوم.
وذهب أكثر العلماء، ومنهم: مالكٌ، والشافعيّ، وأبو حنيفة إلى أن
الصوم أفضل لمن قَوِيَ عليه، ولم يشقّ عليه.
وقال كثير منهم: الفطر أفضل؛ عملاً بالرخصة، وهو قول الأوزاعيّ،
وأحمد، وإسحاق.
وقال آخرون: هو مخيّر مطلقاً، وقال آخرون: أفضلهما أيسرهما؛ لقوله
تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] الآية، فإن كان الفطر أيسر
عليه، فهو أفضل في حقه، وإن كان الصيام أيسر، كمن يَسْهُل عليه حينئذ،
ويشقّ عليه قضاؤه بعد ذلك، فالصوم في حقه أفضل، وهو قول عمر بن
عبد العزيز، واختاره ابن المنذر.
قال الحافظ: والذي يترجح قول الجمهور، ولكن قد يكون الفطر أفضل
لمن اشتدّ عليه الصوم، وتضرر به، وكذلك من ظُنّ به الإعراض عن قبول
الرخصة، كما تقدم نظيره في المسح على الخفين، وفي تعجيل الإفطار.
وقد رَوَى أحمد من طريق أبي طعمة، قال: قال رجل لابن عمر: إني
أقوى على الصوم في السفر، فقال له ابن عمر: من لم يقبل رخصة الله، كان
عليه من الإثم مثل جبال عرفة، وهذا محمول على مَن رَغِب عن الرخصة؛
لقوله ◌َّاج: ((مَن رَغِبَ عن سنتي، فليس مني))، وكذلك من خاف على نفسه
العجب أو الرياء إذا صام في السفر، فقد يكون الفطر أفضل له، وقد أشار إلى
ذلك ابن عمر، فروى الطبريّ، من طريق مجاهد، قال: إذا سافرت فلا تصم،
فإنك إن تصم قال أصحابك: اكْفُوا الصائم، ارفعوا للصائم، وقاموا بأمرك،

٨٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام
وقالوا: فلان صائم، فلا تزال كذلك، حتى يذهب أجرك، ومن طريق مجاهد
أيضاً عن جنادة بن أمية، عن أبي ذرّ ظُبه نحو ذلك، وقد أخرج الشيخان عن
أنس به نحو هذا مرفوعاً حيث قال ◌َ﴾ للمفطرين حيث خَدَموا الصُّوَّامِ:
((ذهب المفطرون اليوم بالأجر)).
واحتَجّ من منع الصوم أيضاً بما وقع في آخر هذا الحديث أن ذلك كان
آخر الأمرين، وأن الصحابة كانوا يأخذون بالآخر فالآخر من فعله وَ لناه،
وزعموا أن صومه بَّ في السفر منسوخٌ.
وتُعُقّب أوّلاً بما تقدم من أن هذه الزيادة مدرجة من قول الزهريّ، وبأنه
استند إلى ظاهر الخبر، من أنه وَ﴿ أفطر بعد أن صام، ونَسَبَ من صام إلى
العصيان، ولا حجة في شيء من ذلك؛ لأنه سيأتي لمسلم من حديث أبي
سعيد ظُه أنه وَّيو صام بعد هذه القصة في السفر، ولفظه: سافرنا مع
رسول الله وَير إلى مكة، ونحن صيام، فنزلنا منزلاً، فقال النبيّ وَّ: ((إنكم قد
دنوتم من عدوّكم، والفطر أقوى لكم، فأفطروا))، فكانت رخصةً، فمنا من
صام، ومنا من أفطر، فنزلنا منزلاً، فقال رسول الله وَله: ((إنكم مُصَبِّحو
عدوّكم، فالفطر أقوى لكم، فأفطروا))، فكانت عزيمةً، فأفطرنا، ثم لقد رأيتنا
نصوم مع رسول الله وَير بعد ذلك في السفر.
قال الحافظ تَّتُهُ: وهذا الحديث نصّ في المسألة، ومنه يؤخذ الجواب
عن نسبته وَ﴿ الصائمين إلى العصيان؛ لأنه عزم عليهم، فخالفوا، وهو شاهد
لما قلناه من أن الفطر أفضل لمن شقّ عليه الصوم، ويتأكد ذلك إذا كان يَحتاج
إلى الفطر؛ للتقوي به على لقاء العدوّ.
وروى الطبريّ في ((تهذيبه)) من طريق خيثمة: سألت أنس بن مالك
عن الصوم في السفر، فقال: لقد أمرت غلامي أن يصوم، قال: فقلت له:
فأين هذه الآية: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾ [البقرة: ١٨٤]؟، فقال: إنها نزلت،
ونحن نرتحل جياعاً، وننزل على غير شِبَع، وأما اليوم فنرتحل شِبَاعاً، وننزل
على شِبَع، فأشار أنس به إلى الصفة التي يكون فيها الفطر أفضل من الصوم.
وأما الحديث المشهور: ((الصائم في السفر كالمفطر في الحضر))، فقد
أخرجه ابن ماجه مرفوعاً، من حديث ابن عمر ﴿يا بسند ضعيف، وأخرجه