النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١ (١٣) - بَابُ صِحَّةٍ صَوْمٍ مَنْ طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ، وَهُوَ جُنُبٌ - حديث رقم (٢٥٨٩) ولا یحرم علیه، بل یتم صومه إجماعاً، فکذلك إذا احتلم ليلاً، بل هو من باب أولى، وإنما يُمنع الصائم من تعمّد الجماع نهاراً، وهو شبيه بمن يُمنع من التطيب، وهو مُخْرِم، لكن لو تطيب، وهو حلال، ثم أحرم، فبقي عليه لونه أو ریحه، لم يحرم عليه. وجمع بعضهم بين الحديثين بأن الأمر في حديث أبي هريرة أمر إرشاد إلى الأفضل، فإن الأفضل أن يغتسل قبل الفجر، فلو خالف جاز، ويُحْمَل حديث عائشة على بيان الجواز، ونقل النوويّ هذا عن أصحاب الشافعيّ. وفيه نظرٌ، فإن الذي نقله البيهقيّ وغيره عن نصّ الشافعيّ سلوك الترجيح، وعن ابن المنذر وغيره سلوك النسخ، ويَعْكُر على حمله على الإرشاد التصريح في كثير من طرق حديث أبي هريرة بالأمر بالفطر، وبالنهي عن الصيام، فكيف يصح الحمل المذكور إذا وقع ذلك في رمضان؟. وقيل: هو محمول على من أدركه مجامعاً، فاستدام بعد طلوعه عالماً بذلك، ويَعْكُر عليه ما رواه النسائيّ، من طريق أبي حازم، عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبيه، أن أبا هريرة كان يقول: من احتَلَم، وعَلِم باحتلامه، ولم يغتسل حتى أصبح، فلا يصوم. وحَكّى ابن التين عن بعضهم أنه سقط ((لا)) من حديث الفضل، وكان في الأصل: من أصبح جنباً في رمضان فلا يفطر، فلما سقط ((لا)) صار فليفطر، وهذا بعيد، بل باطلٌ؛ لأنه يستلزم عدم الوثوق بكثير من الأحاديث، وإنها يطرقها مثل هذا الاحتمال، وكأن قائله ما وقف على شيء من طرق هذا الحديث إلا على اللفظ المذكور. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق من بيان أقوال العلماء في هذه المسألة، وأدلّتهم، أن الصواب هو ما عليه الجمهور من أن من أصبح جنباً من جماع، أو احتلام، صحّ صومه، ولا شيء عليه، وأن الأقوال المخالفة لهذا أقوال ساقطة، مصادمة للحديث الصحيح المذكور في الباب. وأن أصحّ الأجوبة في الجمع بين حديث أبي هريرة ظُه، وحديث عائشة (١) راجع: ((الفتح)) ٢٨١/٥ - ٢٨٣. ٢٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام هو القول بالنسخ، كما هو قول المحقّقين، كابن خزيمة، وابن وأم سلمة المنذر، وابن دقيق العيد، وابن حجر، وغيرهم؛ لقوّة دلیلہ، كما تقدّم تفصيله، وأقواها دلالة آية: ﴿أُجِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَاءِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآَبِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] الآية، فقد دلّت الآية على صحة صوم من أدركه الفجر، وهو جنب، كما مرّ توجيهه قريباً، فتبصّر. وقال القرطبيّ كَّلُ بعد ذكر الاختلافات ما نصّه: وعلى الجملة فذلك الحكم - يعني الحكم ببطلان صوم من أصبح جنباً - متروكٌ عند جمهور العلماء بظاهر القرآن، وصحيح الأحاديث، والخلاف فيه من قبيل الخلاف الشاذّ. (١) انتھی وقال ابن عبد البرّ ◌َّثُ: قد ثبت عن النبيّ وَلّ في الصائم يصبح جنباً ما فيه شفاءٌ وغِنَى واكتفاءٌ عن قول كل قائل، من حديث عائشة وغيرها، ودلّ كتاب الله رَّك على مثل ما ثبت عن النبي وَّر في ذلك، قال الله رحمات: ﴿فَلْكَنَ بَشِرُوهُنَ وَأَبْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمَّ وَكُلُواْ وَأَشْرَبُواْ حَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ اَلْأَبْيَضُ مِنَ اَلْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وإذا أبيح الجماع، والأكل، والشرب، حتى يتبين الفجر، فمعلوم أن الغسل لا يكون حينئذ إلا بعد الفجر، وقد نَزَع بهذا جماعة من العلماء، منهم ربيعة، والشافعيّ، وغيرهما، ومن الحجة أيضاً فيما ذهب إليه الجماعة في هذا الباب إجماعهم على أن الاحتلام بالنهار لا يفسد الصيام، فترك الاغتسال من جنابة تكون ليلاً أحرى أن لا يفسد الصوم. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب. [تنبيه]: قال وليّ الدين ◌َّلُ: في معنى من أصبح جنباً الحائض، أو النفساء، إذا انقطع دمها ليلاً، ثم طلع الفجر قبل اغتسالها، فقال الجمهور بصحة صومها، وخالف فيه بعضهم، قال النوويّ في ((شرح مسلم)): هذا مذهبنا، ومذهب العلماء كافّةً، إلا ما حُكِي عن بعض السلف، مما لا نعلم أصحَّ عنه أم لا؟ قال: وسواء تركت الغسل عمداً أو سهواً، بعذر أو بغير عذر، كالجنب. (١) «المفهم)) ١٦٨/٣ - ١٦٩. (٢) ((التمهيد)) ١٧ /٤٢٥. ٢٣ (١٣) - بَابُ صِحَّةٍ صَوْم مَنْ طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ، وَهُوَ جُنُبٌ - حديث رقم (٢٥٨٩) قال وليّ الدين: في حكاية النوويّ إجماع الكافة إلا ما لا يعلم صحته نظرٌ، ففي مذهب مالك في وجوب القضاء في هذه الصورة قولان، حكاهما الشيخ تقيّ الدين في ((شرح العمدة))، وحكاه النوويّ في ((شرح المهذّب)) عن الأوزاعيّ: أنه لا يصح صوم منقطعة الحيض حتى تغتسل، وحَكَى ابن عبد البر في ((الاستذكار)) عن عبد الملك بن الماجشون أنها إذا أخّرت غسلها حتى طلع الفجر، فيومها يوم فطر؛ لأنها في بعضه غير طاهر، وليست كالذي يصبح جنباً فيصوم؛ لأن الاحتلام لا ينقض الصوم، والحيض ينقضه، وقال: هذه غفلةٌ شديدةٌ، وكيف تكون في بعضه حائضاً، وقد كَمُل طهرها قبل الفجر؟ وحَكَى ابن عبد البرّ أيضاً عن الحسن بن حيّ، أنه رأى عليها قضاء ذلك اليوم، وقد ظهر بذلك أن الخلاف في هذا أشهر، والله أعلم. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ ما عليه الجمهور من أن الحائض والنفساء إذا طهرتا قبل الفجر، ثم أدركهما الفجر قبل الاغتسال، صحّ صومهما؛ لعدم ما يمنع منه شرعاً، والذي خالف هذا لم يأت بحجة مقنعة، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): قال البخاريّ تَخْلُ في ((صحيحه)) بعد إخراج حديث الباب ما نصّه: ((وقال همّام، وابن عبد الله بن عمر، عن أبي هريرة: كان النبيّ ◌َ﴿ يأمر بالفطر، والأول أسند)). انتهى. قال في ((الفتح)): أما رواية همام، فوصلها أحمد، وابن حبان من طريق معمر عنه، بلفظ: قال ◌َ : ((إذا نودي للصلاة صلاة الصبح، وأحدكم جنب فلا يصم حينئذ))، وأما رواية ابن عبد الله بن عمر، فوصلها عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن شهاب، عن ابن عبد الله بن عمر، عن أبي هريرة به، وقد اختُلِف على الزهريّ في اسمه، فقال شعيب عنه: أخبرني عَبْدُ الله بن عبد الله بن عمر، قال لي أبو هريرة: كان رسول الله ﴿ يأمرنا بالفطر إذا أصبح الرجل جنباً، أخرجه النسائيّ، والطبرانيّ في ((مسند الشاميين))، وقال عُقيل عنه، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر به، فاختُلِف على الزهريّ، هل هو عبد الله مكبراً، أو عبيد الله مصغراً؟. (١) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ١٢٦/٤ - ١٢٧. ٢٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام قال: وأما قول البخاريّ: ((والأول أسند)»، فاستشكله ابن التين، قال: لأن إسناد الخبر رفعه، فكأنه قال: إن الطريق الأولى أوضح رفعاً، قال: لكن الشيخ أبو الحسن قال: معناه أن الأول أظهر اتصالاً . قال الحافظ: والذي يظهر لي أن مراد البخاريّ أن الرواية الأولى أقوى إسناداً، وهي من حيث الرجحان كذلك؛ لأن حديث عائشة وأم سلمة في ذلك جاءا عنهما من طُرُق كثيرة جدّاً بمعنى واحد، حتى قال ابن عبد البرّ: إنه صحّ، وتواتر، وأما أبو هريرة فأكثر الروايات عنه أنه كان يفتي به، وجاء عنه من طريق هذين أنه كان يرفعه إلى النبيّ وَّ، وكذلك وقع في رواية معمر، عن الزهريّ، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله وَ ◌ّر، فذكره، أخرجه عبد الرزاق والنسائيّ من طريق عكرمة بن خالد، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، قال: بلغ مروان أن أبا هريرة يُحَدِّث عن رسول الله وَّل ﴿، فذكره، وله من طريق المقبريّ قال: بعثت عائشة إلى أبي هريرة: لا تحدث بهذا عن رسول الله وَله. ولأحمد من طريق عبد الله بن عمرو القاريّ: ((سمعت أبا هريرة يقول: ورب هذا البيت ما أنا قلت: من أدرك الصبح، وهو جنب فلا يصم، محمد ورب الكعبة قاله)). لكن بَيَّن أبو هريرة كما مَضَى أنه لم يسمع ذلك من النبيّ وَّ، وإنما سمعه بواسطة الفضل وأسامة، وكأنه كان لشدة وثوقه بخبرهما يَحلِف على ذلك. وأما ما أخرجه ابن عبد البرّ، من رواية عطاء بن ميناء، عن أبي هريرة، أنه قال: كنت حدثتكم: من أصبح جنباً، فقد أفطر، وأن ذلك من كيس أبي هريرة، فلا يصحّ ذلك عن أبي هريرة؛ لأنه من رواية عُمر بن قيس، وهو متروك. نعم قد رجع أبو هريرة عن الفتوى بذلك، إما لرجحان رواية أمَّي المؤمنين في جواز ذلك صريحاً على رواية غيرهما، مع ما في رواية غيرهما من الاحتمال؛ إذ يمكن أن يُحْمَل الأمر بذلك على الاستحباب في غير الفرض، وكذا النهي عن صوم ذلك اليوم، وإما لاعتقاده أن يكون خبر أمَّي المؤمنين ٢٥ (١٣) - بَابُ صِحَّةٍ صَوْمٍ مَنْ طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ، وَهُوَ جُنُبٌ- حديث رقم (٢٥٩٠ -٢٥٩١) ناسخاً لخبر غيرهما. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢٥٩٠] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِّ ◌ِهِ قَالَتْ: قَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ(١) يُدْرِكُهُ الْفَجْرُ فِي رَمَضَانَ، وَهُوَ جُنُبٌ، مِنْ غَيْرِ حُلُم، فَيَغْتَسِلُ، وَيَصُومُ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْبَى) التُّجيبيّ، تقدّم قبل باب. ٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله، تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم قبل باب. ٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم، تقدّم أيضاً قبل باب. ٥ - (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) تقدّم في الباب الماضي. والباقيان ذُكرا قبله، و((أبو بكر بن عبد الرحمن)) هو: ابن الحارث بن هشام. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج تَّهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٩١] ( .. ) - (حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ الْحِمْيَرِيِّ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ حَدَّثَهُ، أَنَّ مَرْوَانَ أَرْسَلَهُ إِلَى أُمّ سَلَمَةَ ◌َُهَا، يَسْأَلُ عَنِ الرَّجُلِ يُصْبِحُ (١) وفي نسخة: ((قالت: كان رسول الله الَ القر)). ٢٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام جُنُباً، أَيَصُومُ؟ فَقَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهِ يُصْبِحُ جُنُباً، مِنْ جِمَاعٍ، لَا مِنْ حُلُم، ثُمَّ لَا يُفْطِرُ، وَلَا يَقْضِي). رجال هذا الإسناد: سبعة: وقد تقدّموا قبل حديثين، و((أبو بكر)) هو: ابن عبد الرحمن المذكور قبله. وقوله: (وَلَا يَقْضِي) مؤكّد (لا يُفطر)). والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث عنه مستوفّى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٩٢] ( ... ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ عَائِشَةَ، وَأُمَّ سَلَمَةَ، زَوْجَي النَّبِيِّ وَِّ، أَنَّهُمَا قَالَتَا: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ لَّهِ لَّيُصْبِحُ ◌ُباً، مِنْ جِمَاعٍ، غَيْرِ احْتِلَامِ، فِي رَمَضَانَ، ثُمَّ يَصُومُ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْتَى) التميميّ، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (مَالِك) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدّم قبل باب. والباقون ذُكروا قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث عنه مستوفّى قريباً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٩٣] (١١١٠) - (حَدَّثَنَا بَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَهُوَ ابْنُ مَعْمَرِ بْنِ حَزْمِ الْأَنْصَارِيُّ، أَبُو طُوَالَةَ، أَنَّ أَبَا يُونُسَ، مَوْلَى عَائِشَةَ أَخْبَرَهُ، عَنْ عَائِشَةَ ﴿ُّ: أَنَّ رُّجُلاً جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ◌َِّ يَسْتَفْتِيهِ، وَهِيَ تَسْمَعُ مِنْ وَرَاءِ الْبَابِ، ٢٧ (١٣) - بَابُ صِحَّةٍ صَوْمِ مَنْ طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ، وَهُوَ جُنُبٌ - حديث رقم (٢٥٩٣) فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ تُدْرِكُنِي الصَّلَاةُ، وَأَنَا جُنُبٌ، أَفَأَصُومُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةٍ: (وَأَنَا تُدْرِكُنِي الصَّلَاةُ، وَأَنَا جُنُبٌّ، فَأَصُومُ))، فَقَالَ: لَسْتَ مِثْلَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ غَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ، وَمَا تَأَخَّرَ، فَقَالَ: ((وَاللهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ، وَأَعْلَمَكُمْ بِمَا أَتَّقِي))). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) المقابريّ البغداديّ، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت٢٣٤) (عخ م د عس) تقدم في ((الإيمان)) ١١٠/٢. ٢ - (قُتَيْبَةُ) بن سعيد، تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (ابْنُ حُجْرٍ) هو: عليّ السعديّ المروزيّ، تقدّم أيضاً في الباب الماضي. ٤ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ، أبو إسحاق القارئ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢/ ١١٠. ٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْمَرِ بْنِ حَزْمِ الْأَنْصَارِيُّ أَبُو طُوَالَةَ) - بضمّ الطاء المهملة - هو: عبد الله بن عبد الرحمنَّ بن مَعْمَر بن حَزْم بن زيد بن لَوْذان بن عمرو بن عبد عوف بن غَنْم بن مالك بن النّجّار الأنصاريّ النجاريّ المدنيّ، كان قاضي المدينة لعمر بن عبد العزيز، ثقةٌ [٥]. رَوَى عن أنس، وعامر بن سعد، وأبي الْحُبَاب سعيد بن يسار، وأبي يونس مولى عائشة، ويحيى بن عُمارة، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وعطاء بن يسار، وغيرهم. وروى عنه يحيى بن سعيد الأنصاريّ، ومالك، وسليمان بن بلال، والأوزاعيّ وأبو إسحاق الفزاري، وزائدة، وفُليح بن سلمان، ومحمد وإسماعيل ابنا جعفر بن أبي كثير، والدَّراورديّ، وبكر بن مضر، ومسلم بن خالد، وغيرهم. قال أحمد، وابن معين، وابن سعد، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن حبان، والدارقطنيّ: ثقةٌ، زاد محمد بن سعد: كثير الحديث، تُوُفّي في آخر سلطان بني أمية، وقال ابن وهب: حدّثني مالك عنه، قال: وكان قاضياً، وكان يَسْرُد الصوم، وكان يُحَدِّث حديثاً حسناً. ٢٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام أَرّخ الدمياطيّ موته في (كتاب أنساب الخزرج)) سنة أربع وثلاثين ومائة، قال الحافظ: ويدلّ عليه قول ابن حبان: مات في خلافة أبي العباس، وقال الدّقّاق: لا يُعْرَف في المحدثين من يُكنى أبا طُوالة سواه، وقال ابن خِرَاش: كان صدوقاً . أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستّة أحاديث فقط برقم (١١١٠) و(١٩١٢) و(٢٠٢٩) و(٢٠٤٧) و(٢٤٤٦) و(٢٥٦٦). ٦ - (أَبُو يُونُسَ مَوْلَى عَائِشَةَ) ﴿ُها المدنيّ، ثقةٌ [٣] (بخ م د ت س) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٤٢٩/٣٦. و((عَائِشَةً)) ◌ُّا ذُكرت قبله. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف تَخْلُ، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم؛ لاتحاد كيفيّة أخذه عنهم، ثم أفرد ابن أيوب؛ لبيان كيفيّة أخذه، وللإشارة أن لفظ الحديث له. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنیین، سوى شيوخه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالتحديث، والإخبار. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. ٥ - (ومنها): أن فيه عائشة ◌ّا من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ رِثُّ: أَنَّ رَجُلاً) لا يُعرف اسمه(١). (جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ وَ﴾ يَسْتَفْتِيهِ) أي يطلب منه توضيح حكم ما أشكل عليه، يقال: أفتى العالم: إذا بَيّن الحكم (٢)، وقوله: (وَهِيَ تَسْمَعُ مِنْ وَرَاءِ الْبَابِ) جملة في محلّ نصب على الحال (فَقَالَ) الرجل (يَا رَسُولَ اللهِ تُدْرِكُنِي الصَّلَاةُ) أي صلاة الصبح (وَأَنَا جُنُبٌ) جملة في محلّ نصب على الحال (أَفَأَصُومُ؟) أي أفيحلّ لي أن أتمّ (١) راجع: ((تنبيه المعلم)) (ص٢٠١). (٢) ((المصباح المنير)) ٢ / ٤٦٢. ٢٩ (١٣) - بَابُ صِحَّةٍ صَوْمٍ مَنْ طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ، وَهُوَ جُنُبُّ - حديث رقم (٢٥٩٣) صومي في ذلك اليوم؟ (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((وَأَنَا تُدْرِكُنِي الصَّلَاةُ، وَأَنَا جُنُبٌّ، فَأَصُومُ))) أي فلك أسوة فيّ في ذلك (فَقَالَ) الرجل (لَسْتَ مِثْلَنَا يَا رَسُولَ اللهِ) وقوله: (قَدْ غَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ، وَمَا تَأَخَّرَ) جملة تعليليّة علّل بها عدم كونه وَ ﴿ مثلنا؛ لأن من غُفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر لا يكون مثل من لم يُغفر له (فَقَالَ) بَ رِدّاً عليه ((وَاللهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ، وَأَعْلَمَكُمْ بِمَا أَتَّقِي))) ((ما)) موصولة، والعائد محذوف، أي بالأمر الذي أتّقيه، يعني أنه أعلم الناس بالأمور التي يُتّقى الله رَك بها، ويَحْتَمِل أن تكون ((ما)) بمعنى ((من))، مراداً بها الله ◌ُعَلَ، فيكون المعنى: وأعلمكم بالله الذي أتّقيه، فيكون بمعنى الحديث الآخر: (إني لأتقاكم الله، وأخشاكم له))، وقد تقدّم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: هذا من أفراد المصنّف تَظّفُ . (المسألة الأولى): حديث عائشة (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٥٩٣/١٣] (١١١٠)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (١٩٥/٢ و٤٦٢/٦)، و(مالك) في ((الموظّأ)) (٢٨٩/١)، و(الشافعيّ) في ((المسند)) (١٠٤/١)، و(أحمد) في («مسنده)) (٦٧/٦ و١٥٦ و٢٤٥)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٢٠١٤)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (٢٠١/٢)، و(أبو يعلى) في («مسنده)) (٤٠١/٧)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٨٧/٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣٤٩٢ و٣٤٩٥ و٣٥٠١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٤/ ٢١٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان صحّة صوم من أدركه الفجر، وهو جنبٌ، قال ابن عبد البرّ ◌َخَُّ: وفيه المعنى المقصود إليه في هذا الحديث، وذلك أن الجنب إذا لَحِقته جنابة ليلاً قبل الفجر لم يَضُرّ صيامه أن لا يغتسل إلا بعد الفجر، وقد اختَلَفَت الآثار في هذا الباب، واختَلَف فيه العلماء أيضاً، وإن كان ٣٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام الاختلاف في ذلك كله عندي ضعيفاً، يشبه الشذوذ. انتهى(١). ٢ - (ومنها): جواز سؤال العالم، وهو واقفٌ؛ لأنه وَ ل# كان واقفاً وراء الباب. ٣ - (ومنها): أن الروايةَ، والشهادةَ على السماع جائزتان، وإن لم يَرَ الْمُشْهِد، أو الْمُحَدِّث، إذا كان المعنى المسموعِ مُسْتَوْفَى، قد استُوقن، وأحيط به علماً. ٤ - (ومنها): أن فيه دليلاً على جواز شهادة الأعمى(٢)، وقد مضى القول فيه قريباً، وسيأتي أيضاً في موضعه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَظُّ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٩٤] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْج، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّهُ سَأَلَ أُمَّ سَلَمَةَ ﴿َّ عَنِ الرَّجُلِ يُصْبِحُ جُنُباً، أَيَصُومُ؟ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَلِ يُصْبِحُ جُنُباً، مِنْ غَيْرِ احْتِلَامِ، ثُمَّ يَصُومُ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ) أبو عثمان البصريّ، الملقّب أبا الجوزاء، ثقةٌ [١١] (ت٢٤٦) (م ت س) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦٩/٦٥. ٢ - (أَبُو عَاصِم) الضحاك بن مخلد النبيل، تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنَّ يُوسُفَ) بن عبد الله بن يزيد الكِنْديّ المدنيّ الأعرج، ثقةٌ ثبتٌ [٥]. رَوَى عن جدّه لأمه، وقيل: خاله، وقيل: عمه السائب بن يزيد، وسعيد بن المسيِّب، وسليمان بن يسار، وعطاء بن يسار، وغيرهم. وروى عنه ابن جريج، ومالك بن أنس، وابن أبي الزناد، وإسماعيل بن جعفر، وعبد الله بن عُمر العُمَريّ، وحفص بن غياث، وحاتم بن إسماعيل، والقطّان، وغيرهم. (١) ((التمهيد)) ٤٢٠/١٧. (٢) ذكر هذه الفوائد في ((التمهيد)) ٤٢٠/١٧. ٣١ (١٣) - بَابُ صِحَّةٍ صَوْمِ مَنْ طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ، وَهُوَ جُنُبٌّ - حديث رقم (٢٥٩٤) قال ابن المدينيّ: سمعت يحيى بن سعيد يقول: محمد بن يوسف أثبت من عبد الرحمن بن حميد، وعبد الرحمن بن عمار، وكان أعرج، وكاتباً، وقال صدقة بن الفضل: كان يحيى يثني عليه، ويفضّله على محمد بن أبي يحيى، قال البخاريّ: كان يحيى بن سعيد يُشبهه، وقال ابن معين: قال لي يحيى: لم أر شيخاً يشبهه في الثقة، وقال ابن معين، وأحمد، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال مصعب الزبيريّ: كان له شَرَفٌ، وقَدَمٌ بالمدينة، وقال ابن المدينيّ: محمد بن يوسف الأعرج ثقةٌ، وقال ابن شاهين في ((الثقات)): قال أحمد بن صالح - يعني المصريّ -: ثَبَتَ له شأنٌ، قال: وكان أحمد بن صالح به مُعْجَباً، وذكره ابن حبان في ((الثقات)). أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط(١)، برقم (١١٠٩) و(١٥٦٨): ((شرّ الكسب مهر الْبَغِيّ، وثمن الكلب ... )). ٤ - (سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ) الهلاليّ المدنيّ، مولى ميمونة، وقال: أم سلمة رضيًا، ثقةٌ فقيه فاضلٌ، وهو أحد الفقهاء السبعة، من كبار [٣] مات بعد المائة، وقيل: قبلها (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٨٩. والباقيان ذُكرا في الباب. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله عند شرح حديث أول الباب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَغْتُ وَمَا تَّوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ . (١) وذكر في ((تهذيب التهذيب)) عن ((الزهرة)) أن البخاريّ رَوَى عنه (٦٢) حديثاً. انتهى. قال الجامع: الظاهر أن هذا غلط؛ لأن الذي ذكره في برنامج الحديث أنه روى له البخاريّ ثلاثة أحاديث فقط، وأيضاً فقوله: ((روى عنه)) يوهم أنه شيخه، وليس كذلك، ولعله التبس عليه بمحمد بن يوسف الفريابيّ، فإنه شيخه، وقد روى عنه نحو (٨٨) حديثاً، وكذا محمد بن يوسف البيكنديّ، فإنه شيخه، وقد روى عنه نحو عشرة أحاديث، فليُتبنّه. ٣٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام (١٤) - (بَابُ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ جَامَعَ أَهْلَهُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ)(١) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْذَتُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٩٥] (١١١١) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنٍ عُبَيْنَةَ، قَالَ بَحْبَى: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَبِهِ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِّ ◌َ، فَقَالَ: هَلَكْتُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ((وَمَا أَهْلَكَكَ؟(٢)) قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ، قَالَ: ((هَلْ تَجِدُ مَا تُعْتِقُ رَقَبَةً؟)) قَالَ: لَا، قَالَ: (فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنٍ؟)) قَالَ: لَا، قَالَ: ((فَهَلْ تَجِدُ مَا تُطْعِمُ سِتِينَ مِسْكِيناً؟))، قَالَ: لَا، قَالَ: ثُمَّ جَلَسَ، فَأَتِيَ النَّبِيُّ ◌َّهِ بِعَرَقٍ، فِيهِ تَمْرٌ، فَقَالَ: ((تَصَدَّقْ بِهَذَا))، قَالَ: أَفْقَرَ مِنَّا؟ فَمَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ إِلَيْهِ مِنَّا، فَضَحِكَ النَّبِيُّ ◌َِّ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ، ثُمَّ قَالَ: ((اذْهَبْ، فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ))). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، أبو زكريّاء النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٢٦) على الصحيح (خ م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣. ٢ - (أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظ، صاحب تصانيف [١٠] (ت٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١/١. ٣ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، ثم البغداديّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٣٤) وله (٧٤) سنةً (خ م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢. ٤ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) محمد بن عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فَاضلٌ [١٠] (ت٢٣٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢. (١) ترجم الإمام أبو نعيم كثّفُ بنحو هذه الترجمة في ((مستخرجه)) (١٨٨/٣). (٢) وفي نسخة: ((وماذا أهلكك؟)). ٣٣ (١٤) - بَابُ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ جَامَعَ أَهْلَهُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ - حديث رقم (٢٥٩٥) ٥ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) الهلاليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ حجة إمام، من كبار [٨] (ت١٩٨) وله (٩١) سنةً (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٨٣. ٦ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم الإمام الحافظ الفقيه الحجة الشهير، من كبار [٤] (ت١٢٥) (ع) تقدم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٤٨. ٧ - (حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقة [٣] (ت١٠٥) على الصحيح (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٣/٢٦. ٨ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) رَُه تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف تَخْذَُّهُ، وله فيه أربعة من الشيوخ قرن بينهم؛ لاتحاد كيفيّة أخذه عنهما، ثم أفرد يحيى؛ لاختلافه معهم فيها، وللإشارة إلى أن سياق اللفظ له. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيوخه الثلاثة الأولین. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من الزهريّ. ته احفظ ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة من روى الحديث في عصره. شرح الحديث: (عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) أي ابن عوف، وفي رواية للبخاريّ: ((أخبرني حُميد بن الرحمن))، قال في ((الفتح)): هكذا توارد عليه أصحاب الزهريّ، وقد جمعت منهم في جزء مفرد لطرق هذا الحديث أكثر من أربعين نفساً، منهم ابن عيينة، والليث، ومعمر، ومنصور، عند الشيخين، والأوزاعيّ، وشعيب، وإبراهيم بن سعد، عند البخاريّ، ومالك، وابن جريج، عند مسلم، ويحيى بن سعيد، وعِرَاك بن مالك، عند النسائيّ، وعبد الجبار بن عمر، عند أبي عوانة، والْجَوْزقيّ، وعبد الرحمن بن مسافر، عند الطحاويّ، وعُقيل عند ابن خزيمة، وابنُ أبي حفصة عند أحمد، ويونس، وحجاج بن أرطاة، ٣٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام وصالح بن أبي الأخضر عند الدارقطنيّ، ومحمد بن إسحاق عند البزار، قال: وسأذكر ما عند كلٌّ منهم من زيادة فائدة - إن شاء الله تعالى -. وخالفهم هشام بن سعد، فرواه عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أخرجه أبو داود وغيره، قال البزار، وابنُ خزيمة، وأبو عوانة: أخطأ فيه هشام بن سعد. قال الحافظ: وقد تابعه عبد الوهاب بن عطاء، عن محمد بن أبي حفصة، فرواه عن الزهريّ، أخرجه الدارقطنيّ، في ((العلل))، والمحفوظ عن ابن أبي حفصة كالجماعة، كذلك أخرجه أحمد وغيره، من طريق رَوْح بن عُبادة عنه. ويَحْتَمِل أن يكون الحديث عند الزهريّ عنهما، فقد جمعهما عنه صالح بن أبي الأخضر، أخرجه الدارقطنيّ في ((العلل)) من طريقه. قال: اختلاف آخر فيه على منصور، فقد رواه أكثر أصحابه عنه، عن الزهريّ، عن حميد بن عبد الرحمن، وكذا رواه مؤمّل بن إسماعيل، عن الثوريّ، عن منصور، عن الزهريّ، عن حميد، وخالفه مِهْران بن أبي عمر، فرواه تَخُّْ عن الثوريّ بهذا الإسناد، فقال: عن سعيد بن المسيِّب، بدل حُميد بن عبد الرحمن، أخرجه ابن خزيمة، وهو قول شاذّ، والمحفوظ الأول(١). (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿به) وفي الرواية الآتية من طريق عبد الرزّاق، عن ابن جريج، قال: ((حدّثني ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة حدّثه ... ))، وكذا ثبت التصريح بالتحديث بين حميد، وأبي هريرة من رواية عُقيل عند ابن خزيمة، وابنُ أبي أويس عند الدارقطنيّ، كلاهما عن ابن شهاب (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ وَ﴾﴾ قال صاحب ((التنبيه)): هو سلمة بن صخر البياضيّ، قاله عبد الغنيّ بن سعيد المصريّ، وساق له شاهداً، ولا أعرف اسم امرأته. انتهى (٢) . (١) راجع: ((الفتح)) ٣٠٨/٥ كتاب ((الصوم)) رقم (١٩٣٦). (٢) ((تنبيه المعلم)» ص٢٠٢. ٣٥ (١٤) - بَابُ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ جَامَعَ أَهْلَهُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ - حديث رقم (٢٥٩٥) وأما الحافظ، فقال: لم أقف على تسمية هذا الرجل إلا أن عبد الغنيّ في ((المبهمات))، وتبعه ابن بشكوال، جَزَمًا بأنه سليمان، أو سلمة بن صخر البياضيّ، واستندا إلى ما أخرجه ابن أبي شيبة وغيره، من طريق سليمان بن يسار، عن سلمة بن صخر، أنه ظاهر من امرأته في رمضان، وأنه وطئها، فقال له النبيّ وَّهِ: ((حَرِّر رقبةً)) قال: ما أملك رقبة غيرها، وضرب صفحة رقبته، قال: ((فصم شهرين متتابعين))، قال: وهل أُصبت الذي أُصبت إلا من الصيام؟، قال: ((فأطعم ستين مسكيناً))، قال: والذي بعثك بالحق ما لنا طعام، قال: ((فانطَلِقْ إلى صاحب صدقة بني زُرَيق، فليدفعها إليك)). والظاهر أنهما واقعتان، فإن في قصة المجامع في حديث الباب أنه كان صائماً، كما سيأتي، وفي قصة سلمة بن صخر أن ذلك كان ليلاً، فافترقا، ولا يلزم من اجتماعهما في كونهما من بني بياضة، وفي صفة الكفارة، وكونها مرتبة، وفي كون كل منهما كان لا يقدر على شيء من خصالها، اتحاد القصتين، قال: وسنذكر أيضاً ما يؤيد المغايرة بينهما. وأخرج ابن عبد البرّ في ترجمة عطاء الخرسانيّ من ((التمهيد)) من طريق سعيد بن بَشِير، عن قتادة، عن سعيد بن المسيِّب أن الرجل الذي وقع على امرأته في رمضان في عهد النبي ◌َّلإر هو سليمان بن صخر، قال ابن عبد البرّ: أظن هذا وَهَماً؛ لأن المحفوظ أنه ظاهر من امرأته، ووقع عليها في الليل، لا أن ذلك كان منه بالنهار. انتھی. ويَحْتَمِل أن يكون قوله في الرواية المذكورة: ((وقع على امرأته في رمضان)) أي ليلاً بعد أن ظاهر، فلا يكون وَهَماً، ولا يلزم الاتحاد. ووقع في مباحث العامّ من شرح ابن الحاجب ما يوهم أن هذا الرجل هو أبو بُرْدة بن يسار، وهو وَهَمٌّ يظهر مِن تأمّل بقية كلامه. انتهى(١). (فَقَالَ: هَلَكْتُ يَا رَسُولَ اللهِ) زاد عبد الجبار بن عمر، عن الزهريّ: ((جاء رجل، وهو يَنْتِف شعره، ويَدُقّ صدره، ويقول: هلك الأبعد))، ولمحمد بن أبي (١) ((الفتح)) ٣٠٩/٥. ٣٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام حفصة: ((يَلْطِم وجهه))، ولحجاج بن أرطاة: (يدعو ويله))، وفي مرسل ابن المسيِّب عند الدارقطنيّ: ((ويحثي على رأسه التراب)). واستُدِلّ بهذا على جواز هذا الفعل والقول، ممن وقعت له معصية، ويُفَرَّق بذلك بين مصيبة الدين والدنيا، فيجوز في مصيبة الدين؛ لِمَا يُشعر به الحال من شدّة الندم، وصحة الإقلاع. ويَحْتَمِل أن تكون هذه الواقعة قبل النهي عن لطم الخدود، وحلق الشعر عند المصيبة، قاله في ((الفتح)). قال الجامع عفا الله عنه: عندي هذا الاحتمال هو الأقرب والأشبه، فتأمل، والله تعالى أعلم. وفي رواية البخاريّ من طريق منصور، عن الزهريّ: ((جاء رجل إلى النبيّ ◌َ﴿، فقال: إن الآخر وقع على امرأته في رمضان))، والآخر - بهمزة مفتوحة، وخاء معجمة مكسورة، بغير مدّ ــ هو الأبعد، وقيل: الغائب، وقيل: الأرذل. (قَالَ) وَ ((وَمَا أَهْلَكَكَ؟))) وفي نسخة: ((وماذا أهلكك؟))، وفي رواية للبخاريّ: ((قال: مالَكَ؟)) بفتح اللام، وهو استفهام عن حاله، وفي رواية عُقيل: ((ويحك ما شأنك؟))، ولابن أبي حفصة: ((وما الذي أهلكك؟))، ولعمرو: ((ما ذاك؟))، وفي رواية الأوزاعيّ: ((ويحك ما صنعتَ؟)). (قَالَ) الرجل (وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي) وفي رواية ابن إسحاق: ((أصبت أهلي))، وفي حديث عائشة ﴿ّ الآتي: ((وَطِئت امرأتي)) (فِي رَمَضَانَ) وفي البخاريّ: ((وقعت على امرأتي، وأنا صائمٌ))، فقوله: ((وأنا صائم)) جملة حاليّة من قوله: ((وقعت))، فيؤخذ منه أنه لا يشترط في إطلاق اسم المشتقّ بقاءُ المعنى المشتقّ منه حقيقةً؛ لاستحالة كونه صائماً مجامعاً في حالة واحدة، فعلى هذا قوله: ((وَطِئْتُ)) أي شرعت في الوطء، أو أراد: جامعت بعد إذ أنا صائمٌ، ووقع في رواية عبد الجبار بن عمر: ((وقعت على أهلي اليومَ، وذلك في رمضان))(١). (١) ((الفتح)) ٣١١/٥. ٣٧ (١٤) - بَابُ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ جَامَعَ أَهْلَهُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ - حديث رقم (٢٥٩٥) (قَالَ) وَ ((هَلْ تَجِدُ مَا تُعْتِقُ رَقَبَةً؟)) ((ما)) موصولة مفعول ((تجد)، و (تُعتق)) بضمّ أوله، من الإعتاق صلتها، والعائد محذوف، أي الذي تُعتقه، و((رقبةً)) منصوب على البدليّة من ((ما))، وفي رواية الليث: ((هل تجد رقبةً؟))، وفي مالك: ((فأمره رسول الله وَّ﴿ أن يُكفّر بعتق رقبة))، وفي رواية ابن جريج: ((أمر رجلاً أفطر في رمضان أن يُعتق رقبةً))، وكلّها تأتي للمصنّف، وفي رواية: (هل تجد رقبةً نُعتقها؟))، وفي رواية منصور: ((أتجد ما تُحَرِّر رقبةً؟))، وفي رواية إبراهيم بن سعد، والأوزاعيّ: ((فقال: أعتق رقبةً))، وكلها عند البخاريّ، وفي رواية ابن أبي حفصة عند أحمد: ((أتستطيع أن تُعتِقِ رقبةً؟))، زاد في رواية مجاهد، عن أبي هريرة: ((فقال: بئسما صنعتَ، أَعْتِقِ رقبةً)). [تنبيه]: قال الأزهريّ: إنما قيل لمن أَعتق نسمة: أَعْتَق رقبةً، وفَكّ رقبةً، فخُصّت الرقبة دون بقية الأعضاء؛ لأن حكم السيد، وملكه كالحبل في رقبة العبد، وكالْغُلّ المانع له من الخروج عنه، فإذا أُعتق فكأنه أطلق من ذلك. انتھی(١). (قَالَ) الرجل (لَا) أي لا أستطيع، في رواية عبد الرحمن بن مسافر عند الطحاويّ: ((فقال: لا، والله يا رسول الله))، وفي رواية ابن إسحاق عند البزّار: ((ليس عندي))، وفي حديث ابن عمر: ((فقال: والذي بعثك بالحقّ ما ملكت رقبةً قطّ)). واستُدِلّ بإطلاق الرقبة على جواز إخراج الرقبة الكافرة، كقول الحنفية، وهو ينبني على أن السبب إذا اختَلَف، واتّحَد الحكمُ، هل يُقَيَّد المطلق، أو لا؟ وهل تقييده بالقياس أو لا؟ والأقرب أنه بالقياس، ويؤيده التقييد في مواضع أخرى، قاله في ((الفتح)). وقال القرطبيّ تَّثهُ: وإطلاق الرقبة يقتضي جواز الكافرة، وهو مذهب أبي حنيفة، وجواز المعيبة، وهو مذهب داود، والجمهور على خلافهما، فإنهم شرطوا في إجزاء الرقبة الإيمان، بدليل تقييدها به في كفّارة القتل، وهي مسألة حمل المطلق على المقيّد المعروفة في الأصول، وبدليل أن مقصود الشرع (١) ((المجموع شرح المهذّب)) ٣٤٥/٦. ٣٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام الأول بالعتق تخليص الرقاب من الرقّ؛ ليتفرّغوا لعبادة الله تعالى، ولنصر المسلمين، وهذا المعنى مفقود في حقّ الكافر، وقد دلّ على صحّة هذا المعنى قوله في حديث السوداء: ((أعتقها، فإنها مؤمنة))، رواه مسلم، وأما العيب فنقص في المعنى، وفي القيمة، فلا يجوز له؛ لأنه في معنى عتق الجزء، كالثلث، والربع، وهو ممنوع بالاتفاق. انتهى كلام القرطبيّ تَظُّهُ(١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم. (قَالَ) ◌َِّ ((فَهَلْ تَسْتَطِيعُ) أي تَقْوَى، وتَقْدِرُ (أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟))) أي متواليين، وهو حجة للجمهور في اشتراط التتابع في الكفّارة على ابن أبي ليلى؛ إذ لم يشترطه، قاله القرطبيّ(٢). (قَالَ) الرجل (لَا) وفي رواية إبراهيم بن سعد المذكورة: ((قال: فصم شهرين متتابعين))، وفي حديث سعد: ((قال: لا أقدر))، وفي رواية ابن إسحاق: ((وهل لقيتُ ما لقيتُ إلا من الصيام؟)). قال ابن دقيق العيد: لا إشكال في الانتقال عن الصوم إلى الإطعام، لكن رواية ابن إسحاق هذه اقتضت أن عدم استطاعته؛ لشدة شَبَقِه، وعدم صبره عن الوقاع، فنشأ للشافعية نظر: هل يكون ذلك عذراً، أي شدّة الشَّبَق حتى يُعَدّ صاحبه غير مستطيع للصوم، أو لا؟ والصحيح عندهم اعتبار ذلك، ويَلتحق به من يَجِد رقبة لا غنى به عنها، فإنه يسوغ له الانتقال إلى الصوم مع وجودها؛ لكونه في حكم غير الواجد. وأما ما رواه الدارقطنيّ من طريق شريك، عن إبراهيم بن عامر، عن سعيد بن المسيِّب في هذه القصة مرسلاً أنه قال في جواب قوله: ((هل تستطيع أن تصوم؟)): إني لأدع الطعام ساعةً، فما أطيق ذلك، ففي إسناده مقال، وعلى تقدير صحته، فلعله اعتل بالأمرين، قاله في ((الفتح))(٣). (قَالَ) وَِّ ((فَهَلْ تَجِدُ مَا تُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِيناً؟)) ((ما)) موصولة بتقدير العائد، أي الذي تُطعمه، أو مصدريّة، أي إطعام ستين مسكيناً، وفي رواية (١) ((المفهم)) ١٧٠/٣. (٣) ((الفتح)) ٣١٢/٥. (٢) ((المفهم)) ١٧٠/٣. ٣٩ (١٤) - بَابُ وُجُوبٍ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ جَامَعَ أَهْلَهُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ - حديث رقم (٢٥٩٥) البخاريّ: ((فهل تجد إطعام ستين مسكيناً)) (قَالَ) الرجل (لَا) أي لا أستطيع، وفي رواية ابن أبي حفصة: ((أفتستطيع أن تُطعم ستين مسكيناً؟ قال: لا))، وذكر الحاجة، وفي حديث ابن عمر: ((قال: والذي بعثك بالحقّ ما أُشبع أهلي)). قال القرطبيّ كَُّهُ: قوله: ((ستين مسكيناً)) حجة للجمهور في اشتراط عدد الستّين على الحسن؛ إذ قال: يُطعم أربعين، وعلى أبي حنيفة؛ إذ يقول: يجوز إعطاء طعام ستين مسكيناً لمسكين واحد، وهو أصله في هذا الباب. انتهى(١). وقال ابن دقيق العيد تَخّلُهُ: أضاف الإطعام الذي هو مصدر أطعم إلى (ستين))، فلا يكون ذلك موجوداً في حقّ من أطعم ستة مساكين عشرة أيام مثلاً، ومن أجاز ذلك، فكأنه استَنْبَطَ من النص معنى يعود عليه بالإبطال، والمشهور عن الحنفية الإجزاء، حتى لو أطعم الجميع مسكيناً واحداً في ستين يوماً كفى. والمراد بالإطعام الإعطاء، لا اشتراط حقيقة الإطعام من وضع المطعوم في الفم، بل يكفي الوضع بين يديه بلا خلاف. وفي إطلاق الإطعام ما يدلّ على الاكتفاء بوجود الإطعام من غير اشتراط مناولة، بخلاف زكاة الفرض، فإن فيها النصّ على الإيتاء، وصدقة الفطر، فإن فيها النصّ على الأداء. وفي ذكر الإطعام ما يدلّ على وجود طاعمين، فيخرج الطفل الذي لم يَطْعَم، كقول الحنفية، ونظر الشافعي إلى النوع، فقال يُسَلَّم لوليّه. وذكر الستين؛ ليُفْهِم أنه لا يجب ما زاد عليها، ومن لم يقل بالمفهوم تمسك بالإجماع على ذلك. [تنبيه]: ذُكِر في حكمة هذه الخصال من المناسبة، أن مَن انتهك حرمة الصوم بالجماع، فقد أهلك نفسه بالمعصية، فناسب أن يُعتِقِ رقبةً، فَيَفْدي نفسه، وقد ثبت أن: ((من أعتق رقبةً، أعتق الله بكل عضو منها عضواً منه من النار))، رواه أحمد(٢). (١) ((المفهم)) ٣/ ١٧٠. (٢) رواه أحمد من حديث أبي موسى الأشعريّ ﴿ه، وهو حديث صحيح، = ٤٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصيام وأما الصيام فمناسبته ظاهرة؛ لأنه كالمقاصّة بجنس الجناية، وأما كونه شهرين فلأنه لما أُمر بمصابرة النفس في حفظ كل يوم من شهر رمضان على الولاء، فلما أفسد منه يوماً، كان كمن أفسد الشهر كله، من حيث إنه عبادة واحدة بالنوع، فكلِّف بشهرين مضاعفة على سبيل المقابلة لنقيض قصده. وأما الإطعام فمناسبته ظاهرة؛ لأنه مقابلة كل يوم بإطعام مسكين، ثم إن هذه الخصال جامعةٌ؛ لاشتمالها على حق الله تعالى، وهو الصوم، وحقّ الأحرار بالإطعام، وحقّ الأرقاء بالإعتاق، وحقّ الجاني بثواب الامتثال(١)، والله تعالى أعلم. (ثُمَّ جَلَسَ) أي الرجل، وفي رواية البخاريّ: (قَالَ) أبو هريرة نظـ (فمَكُّث عند النبيّ وَّ)) قال في ((الفتح)): كذا هنا بالميم، والكاف المفتوحة، ويجوز ضمها، والثاء المثلثة، وفي رواية أبي نعيم في ((المستخرج)) من وجهين، عن أبي اليمان: ((فسكت)) بالمهملة، والكاف المفتوحة، والمثناة، وكذا في رواية ابن مسافر، وابن أبي الأخضر، وفي رواية ابن عيينة: ((فقال له النبيّ ◌َ﴿: اجْلِس، فجلس)). قال القرطبيّ ◌َظَّهُ: قوله: ((اجلس)) انتظار منه لوجه يتخلّص به مما حصل فيه، أو ليوحى إليه في ذلك. انتهى(٢). (فَأَتِيَ النَّبِيُّ وَّهِ) ببناء الفعل للمفعول، و((النبيّ)) نائب فاعله، وفي رواية البخاريّ: ((فبينا نحن على ذلك أُتي النبيّ وَّ))، قال في ((الفتح)): في رواية ابن عيينة: ((فبينما هو جالس كذلك))، قال بعضهم: يَحْتَمِل أن يكون سبب أمره له بالجلوس انتظار ما يوحى إليه في حقّه، ويَحْتَمِل أنه كان عَرَف أنه سيؤتى بشيء يعينه به، ويَحْتَمِل أن يكون أسقط عنه الكفارة بالعجز، وهذا الثالث ليس بقويّ؛ لأنها لو سقطت ما عادت عليه حيث أمره بها بعد إعطائه إياه الْمِكْتَلَ. قال: والآتي المذكور لم يُسَمّ، لكن وقع في رواية معمر عند البخاريّ = وقد أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة به بلفظ: ((من أعتق رقبة مسلمة، أعتق الله بكل عضو منه عضواً من النار حتى فرجه بفرجه)). (١) راجع: ((الفتح)) ٣١٢/٥ - ٣١٣. (٢) ((المفهم)) ١٧١/٣.