النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
(٤٦) - بَابُ التَّحْرِيضِ على قَتْلِ الْخَوَارِجِ - حديث رقم (٢٤٦٢)
وهذا قد يخالف حديث أبي سعيد المتقدّم فإن مقتضاه أنهم خرجوا في خلافة
عليّ، وكذا أكثر الأحاديث الواردة في أمرهم.
وأجاب ابن التين بأن المراد زمان الصحابة، وفيه نظر؛ لأن آخر زمان
الصحابة كان على رأس المائة، وهم قد خرجوا قبل ذلك بأكثر من ستين سنة.
قال الحافظ تَخّلُ: ويمكن الجمع بأن المراد بآخر الزمان زمان خلافة
النبوة، فإن في حديث سفينة ربه المخرَّج في ((السنن))، و((صحيح ابن حبان))،
وغيره مرفوعاً: ((الخلافة بعدي ثلاثون سنةً، ثم تصير مُلْكاً))، وكانت قصة
الخوارج، وقتلهم بالنهروان في أواخر خلافة عليّ رظ ◌ُبه سنة ثمان وعشرين،
بعد النبيّ وَّ﴿ بدون الثلاثين بنحو سنتين. انتهى كلام الحافظ تَُّ(١)، وهو
جمع حسنٌ جدّاً، والله تعالى أعلم.
(قَوْمٌ، أَحْدَاثُ الْأَسْنَانِ) ((الأَحْدَاثُ)) - بمهملة، ثم مثلثة -: جمع حَدَث -
بفتحتين - والحدث: هو الصغير السنّ، والأسنان جمع سِنّ، والمراد به العمر،
والمراد أنهم صغار العمر.
(سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ) ((السفهاء)»: جمع سَفِيه، وهو خفيف العقل، و((الأحلام)
بالفتح: جمع حِلْم، بكسر أوله، والمراد به العقل، والمعنى أن عقولهم رديئة،
قال النوويّ: يستفاد منه أن التثبت وقوة البصيرة تكون عند كمال السنّ، وكثرة
التجارب، وقوة العقل، قال الحافظ: ولم يظهر لي وجه الأخذ منه، فإن هذا
معلوم بالعادة، لا من خصوص كون هؤلاء كانوا بهذه الصفة. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: لم يظهر لي وجه تعقّب الحافظ لاستنباط
النوويّ، فإنه واضحٌ، فتأمله، والله تعالى أعلم.
وقال الأبيّ تَّفُ - بعد نقل ما سبق في كلام النوويّ -: قال الماورديّ
في ((أدب الدنيا)): من الناس من فَضّل رأي الشيوخ؛ لما ذُكر، وأنشد عليه [من
الطويل]:
إِذَا طَالَ عُمْرُ الْمَرْءِ فِي غَيْرِ آفَةٍ أَفَادَتْ لَهُ الأَيَّامُ فِي كَرِّهَا عَقْلَا
ومنهم من فضّل رأي من دونهم، وكان يقال: عليكم برأي من لم تبله
(١) ((الفتح)) ١٧٠/١٦ - ١٧١ كتاب ((استتابة المرتدّين)) رقم (٦٩٣٠).

٢٦٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
الحوادث، ولا استولت عليه رطوبة الهَرَم. انتهى (١).
(يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ) قال النوويّ: معناه: في ظاهر الأمر،
كقولهم: لا حكم إلا لله، ونظائره من دعائهم إلى كتاب الله تعالى. انتهى.
وقال في ((الفتح)): قيل: إنه مقلوبٌ، وأن المراد من قول خير البرية،
وهو القرآن، ويَحْتَمِل أن يكون على ظاهره، والمراد: القول الحسن في
الظاهر، وباطنه على خلاف ذلك، كقولهم: ((لا حكم إلا لله))، في جواب
عليّ ◌َ لُه، كما سيأتي، وقد وقع في رواية طارق بن زياد، عند الطبريّ، قال:
خرجنا مع عليّ، فذكر الحديث، وفيه: ((يخرج قوم يتكلمون كلمة الحق، لا
تجاوز حلوقهم))، وفي حديث أنس، عن أبي سعيد، عند أبي داود،
والطبرانيّ: ((يحسنون القول، ويسيئون الفعل))، ونحوه في حديث عبد الله بن
عمرو، عند أحمد، وفي حديث مسلم، عن عليّ: ((يقولون الحقّ، لا يجاوز
هذا)»، وأشار إلى حلقه. انتهى(٢).
(يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ) - بالحاء المهملة، والنون، ثم
الجيم -: جمع حنجرة، بوزن قَسْوَرة، وهي الحلقوم، والبلعوم، وكله يُطلق
على مَجَرَى النفس، وهو طرف المريء مما يلي الفم، ووقع في رواية زيد بن
وهب، عن عليّ رَلُبُه الآتي: ((لا تجاوز صلاتهم تراقيهم))، فكأنه أطلق الإيمان
على الصلاة، وفي حديث أبي ذرّ ظبه الآتي أيضاً: ((لا يجاوز إيمانهم
حلاقيمهم))، والمراد أنهم يؤمنون بالنطق، لا بالقلب، وفي رواية عبيد الله بن
أبي رافع، عن عليّ الآتي أيضاً: ((يقولون الحقّ بألسنتهم، لا يجاوز هذا منهم،
وأشار إلى حلقه)).
(يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ) ووقع في رواية النسائيّ، والطبريّ: ((يمرقون من
الإسلام))، وكذا هو في حديث ابن عمر عند البخاريّ، ووقع عند النسائي من
رواية طارق بن زياد، عن عليّ: ((يمرقون من الحقّ))، فتبيّن بهذا أن المراد من
الدين هنا هو الإسلام، لا الطاعة، كما قاله بعضهم، فتنبّه.
(١) ((شرح الأبيّ)) ٢٠٩/٣.
(٢) ((الفتح)) ١٧١/١٦ كتاب ((استتابة المرتدّين)) رقم (٦٩٣٠).

٢٦٣
(٤٦) - بَابُ التَّحْرِيضِ على قَتْلِ الْخَوَارِجِ - حديث رقم (٢٤٦٢)
(كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ) بفتح الراء، وكسر الميم، وتشديد
التحتانيّة، أي الحيوان الذي يُرْمَى إليه.
(فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ) هذا تصريح بوجوب قتال الخوارج، والبغاة،
وهو مجمع عليه (فَإِنَّ) الفاء للتهليل؛ أي لأن (فِي قَتْلِهِمْ أَجْراً) أي عظيماً،
فالتنوين للتعظيم (لِمَنْ قَتَلَهُمْ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))) قال في ((العمدة)): وإنما كان
الأجر في قتلهم؛ لأنهم يَشْغَلون عن الجهاد، ويسعون بالفساد لافتراق كلمة
المسلمین. انتهى.
وفي رواية زيد بن وهب الآتية: ((لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما
قُضِي لهم على لسان نبيهم، لَنَكُلُّوا عن العمل))، وفي رواية عبيدة بن عمرو:
((لولا أن تَبْطَروا لحدثتكم بما وعد الله الذين يقتلونهم على لسان محمد وَلقتله
قال عبيدة: قلت لعليّ: أنت سمعته؟ قال: إي ورب الكعبة ثلاثاً)). والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عليّ ◌َرُه هذا متّفقٌ عليه.
[تنبيه]: قال الطبريّ تَخُّْهُ: رَوَى هذا الحديث في الخوارج عن عليّ تامّاً
ومختصراً عبيد الله بن أبي رافع، وسُويد بن غَفَلة، وعَبِيدة بن عمرو، وزيد بن
وهب، وكُليب الجرميّ، وطارق بن زياد، وأبو مريم. انتهى.
زاد الحافظ تَُّهُ: وأبو وضي، وأبو كثير، وأبو موسى، وأبو وائل في
((مسند إسحاق ابن راهويه))، والطبرانيّ، وأبو جحيفة عند البزار، وأبو جعفر
الفرّاء مولى عليّ، أخرجه الطبرانيّ في ((الأوسط))، وكثير بن نُمير، وعاصم بن
ضَمْرة.
قال الطبريّ: ورواه عن النبيّ وَّ مع عليّ بن أبي طالب، أو بعضَهُ
عبد الله بن مسعود، وأبو ذرّ، وابن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص،
وابن عمر، وأبو سعيد الخدريّ، وأنس بن مالك، وحُذيفة، وأبو بكرة،
وعائشة، وجابر، وأبو بَرْزَة، وأبو أمامة، وعبد الله بن أبي أوفى، وسهل بن
حنيف، وسلمان الفارسي. انتهى.

٢٦٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
زاد الحافظ تَخَّهُ: ورافع بن عمرو، وسعد بن أبي وقاص، وعمار بن
ياسر، وجندب بن عبد الله البجليّ، وعبد الرحمن بن عُريس، وعقبة بن عامر،
وطلق بن عليّ، وأبو هريرة، أخرجه الطبرانيّ في ((الأوسط)) بسند جيّد، من
طريق الفرزدق الشاعر، أنه سمع أبا هريرة، وأبا سعيد، وسألهما، فقال: إني
رجل من أهل المشرق، وإن قوماً يخرجون علينا، يقتلون من قال: لا إله
إلا الله، ويُؤَمِّنُون من سواهم، فقالا لي: سمعنا النبيّ ◌َّه يقول: ((من قتلهم فله
أجر شهيدٍ، ومن قتلوه فله أجر شهيد)).
فهؤلاء خمسة وعشرون نفساً من الصحابة، والطرق إلى كثير منهم
متعددة، كعليّ، وأبي سعيد، وعبد الله بن عمر، وأبي بكرة، وأبي برزة، وأبي
ذرّ، فيفيد مجموع خبرهم القطع بصحة ذلك عن رسول الله وَله. انتهى(١).
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٦ / ٢٤٦٢ و ٢٤٦٣ و٢٤٦٤ و ٢٤٦٥ و٢٤٦٦
و٢٤٦٧ و٢٤٦٨] (١٠٦٦)، و(البخاريّ) في ((المناقب)) (٣٦١١) و((فضائل
القرآن)» (٥٠٥٧) و((استتابة المرتدّين)) (٦٩٣٠)، و(أبو داود) في ((السنّة))
(٤٧٦٧)، و(النسائيّ) في ((تحريم الدم)) (١١٩/٧) و((الكبرى)) (٣١٢/٢ و٥/
١٦٠)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٥٧/١٠)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٨١/١
و١١٣ و١٣١ و١٥٦)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (١٦٨)، و(البزّار) في ((مسنده))
(١٨٨/٢ و١٨٩)، و(أبو القاسم البغويّ) في ((الجعديّات)) (٢٦٨٩)، و(أبو
يعلى) في («مسنده)) (٢٦١ و٣٢٤)، و(الطبرانيّ) في ((المعجم الصغير)) (٢/
٢١٣)، و(ابن حبّان) في («صحيحه)) (٦٧٣٩)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٣/
١٣١ - ١٣٥)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٨٧/٨ - ١٨٨) و((دلائل النبوة)) (٦/
٤٣٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): الحضّ على قتال الخوارج.
٢ - (ومنها): بيان صفات الخوارج.
(١) ((الفتح)) ١٩٤/١٦ - ١٩٥ كتاب ((استتابة المرتدّين)) رقم (٦٩٣٥).

٢٦٥
(٤٦) - بَابُ التَّحْرِيضِ على قَتْلِ الْخَوَارِجِ - حديث رقم (٢٤٦٢)
٣ - (ومنها): أن فيه علماً من أعلام النبوّة، حيث أخبر النبيّ
سيقع بعده في أمته، فوقع طِبق ما أخبر به.
وحلفاء بما
٤ - (ومنها): بيان جواز التورية والتعريض في الحرب.
٥ - (ومنها): ما قاله ابن العربي كثّلهُ: الخديعة في الحرب تكون
بالتورية، وتكون بالكَمِين، وتكون بخلف الوعد، وذلك من المستثنى الجائز
المخصوص من المحرَّم، والكذب حرام بالإجماع، جائز في مواطنَ بالإجماع،
أصلها الحرب، أذن الله فيه، وفي أمثاله؛ رفقاً بالعباد؛ لضعفهم، وليس للعقل
في تحريمه، ولا في تحليله أثرٌ، إنما هو إلى الشرع، ولو كان تحريم الكذب
كما يقول المبتدعون عقلاً، ويكون التحريم صفة نفسية، كما يزعمون ما انقلب
حلالاً أبداً، والمسألة ليست معقولة، فتستحقّ جواباً، وخفي هذا على علمائنا،
وقال الطبريّ: إنما يجوز في المعاريض دون حقيقة الكذب، فإنه لا يحلّ،
وقال النوويّ: الظاهر إباحة حقيقة الكذب، لكن الاقتصار على التعريض
أفضل، وقال بعض أهل السير: قال النبيّ ◌َ﴿ ذلك يوم الأحزاب لنعيم بن
مسعود، وعن المهلِّب: الخداع في الحرب جائز كيف ما يمكن إلَّا بالأيمان
والعهود، والتصريح بالأيمان، فلا يحلّ شيء من ذلك. انتهى.
٦ - (ومنها): أن الحديث صريح في وجوب قتال الخوارج والبغاة، قال
النوويّ تَخْثُهُ: وهو إجماع العلماء، قال القاضي عياض تَظُّهُ: أجمع العلماء
على أن الخوارج وأشباههم من أهل البدع والبغي متى خرجوا على الإمام،
وخالفوا رأي الجماعة، وشَقُّوا العصا وجب قتالهم بعد إنذارهم، والاعتذار
إليهم، قال الله تعالى: ﴿فَقَائِلُواْ الَِّى تَبْغِى حَّى تَفِىَّ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ الآية [الحجرات: ٩]،
لكن لا يُجَهَّز على جريحهم، ولا يُتَّبَع منهزمهم، ولا يقتل أسيرهم، ولا تباح
أموالهم، وما لم يخرجوا عن الطاعة، وينتصبوا للحرب لا يقاتلون، بل
يوعظون، ويستتابون من بدعتهم وباطلهم، وهذا كله ما لم يُكَفَّروا ببدعتهم،
فإن كانت بدعة مما يُكَفَّرون به جرت عليهم أحكام المرتدين.
وأما البغاة الذين لا يُكَفَّرون، فيرثون، ويورثون، ودمهم في حال القتال
هَدَرٌ، وكذا أموالهم التي تَتْلَف في القتال، والأصح أنهم لا يُضَمَّنُون أيضاً ما
أتلفوه على أهل العدل في حال القتال، من نفس، ومال، وما أتلفوه في غير

٢٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
حال القتال من نفس ومال ضَمِنُوه، ولا يحل الانتفاع بشيء من دوابهم
وسلاحهم في حال الحرب عندنا، وعند الجمهور، وجوَّزه أبو حنيفة، والله
أعلم. انتهى(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تََّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢٤٦٣] ( ... ) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ (ح)
وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ الْمُقَدَّمِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِع، قَالًا: حَدَّثَنَا
عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كِلَاهُمَا عَنْ الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل باب.
٢ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبيعيّ الكوفيّ، نزل الشام
مُرابطاً، ثقةٌ مأمون [٨] (١٨٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ الْمُقَدَّمِيُّ) هو: محمد بن أبي بكر بن عليّ بن
عطاء بن مُقَدَّم الْمُقَدَّمَيّ، أبو عبد الله الثقفيّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ [١٠]
(ت٢٣٤) (خ م س) تقدم في ((الإيمان) ١٠/ ١٤٥.
٤ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِع) محمد بن أحمد بن نافع الْعَبْديّ البصريّ، صدوقٌ،
من صغار [١٠] مات بعد (٢٤٠) (م ت س) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٨/١٢.
٥ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) بن حسّان الْعَنْبريّ مولاهم، أبو سعيد
البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ حجةٌ [٩] (ت١٩٨) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة))
جـ١ ص٣٨٨.
٦ - (سُفْيَانُ) الثوريّ، تقدّم في الباب الماضي.
و((الأعمش)) ذُكر قبله.
وقوله: (كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَشِ) الضمير لعيسى، وسفيان الثوريّ.
(١) (شرح النوويّ)) ١٦٩/٧ - ١٧٠.

٢٦٧
(٤٦) - بَابُ التَّحْرِيضِ على قَتْلِ الْخَوَارِجِ - حديث رقم (٢٤٦٤)
[تنبيه]: رواية سفيان الثوريّ، عن الأعمش هذه ساقها الإمام
البخاريّ ◌َخْلُ في ((صحيحه))، فقال:
- حدّثنا محمد بن كَثِيرٍ، أخبرنا سُفْيَانُ، حدّثنا الْأَعْمَشُ، عن خَيْثَمَةَ،
عن سُوَيْدٍ بن غَفَلَةَ، قال عَلِيٍّ ◌َظُهُ: سمعت النبيّ ◌َِّه يقول: ((يَأْتِي في آخِرِ
الزَّمَانِ قَوْمٌ، حُدَثَاءُ الْأَسْنَانِ، سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ، يَقُولُونَ من خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ،
يَمْرُقُونَ من الْإِسْلَامِ، كما يَمْرُقُ السَّهْمُ مَن الرَّمِيَّةِ، لَا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ
حَنَاجِرَهُمْ، فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، فإن قَتْلَهُمْ أَجْرٌ لِمَنْ قَتَلَهُمْ يوم الْقِيَامَةِ)).
وأما رواية عيسى بن يونس، عن الأعمش، فلم أر من ساقها، فليُنظر.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّهُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢٤٦٤] ( .. ) - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ (ح) وحَدَّثَنَا أَبُو
بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ،
كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِمَا: ((يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ،
كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم أيضاً في الباب الماضي.
٣ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ) تقدّم أيضاً في الباب الماضي.
٤ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠]
(ت٢٤٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٧/٤.
٥ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب.
٦ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ أحفظ الناس
لحديث الأعمش، من كبار [٩] (ت١٩٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٧/٤.
و(الْأَعْمَشُ) ذُكر قبله.
وقوله: (كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَشِ) ضمير التثنية لجرير، وأبي معاوية.

٢٦٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
[تنبيه]: رواية أبي معاوية، عن الأعمش هذه ساقها أبو يعلى في («مسنده))
(٢٢٥/١) فقال:
(٢٦١) - حدّثنا أبو خيثمة زهير بن حرب، حدّثنا أبو معاوية محمد بن
خازم، حدّثنا الأعمش، عن خيثمة، عن سُويد بن غَفَلَة، قال: قال عليّ: إذا
حدثتكم عن رسول الله ﴿ ﴿ حديثاً، فلأن أَخِرّ من السماء أحبّ إليّ من أن
أكذب عليه، وإذا حدثتكم عن غيره فإنما أنا محارب، والحرب خدعةٌ، سمعت
رسول الله وَ﴿ يقول: ((يَخْرُج في آخر الزمان قوم، أحداث الأسنان، سفهاء
الأحلام، يقولون من خير قول البرية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، فأينما
لقيتموهم فاقتلوهم، فإن قتلهم أجر لمن قتلهم يوم القيامة)). انتهى.
وأما رواية جرير، عن الأعمش، فلم أر من ساقها، فلْيُنظر، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تََّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢٤٦٥] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ،
وَحَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو
بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَاللَّفْظُ لَهُمَا، قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ
عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: ذَكَرَ الْخَوَارِجَ، فَقَالَ:
فِيهِمْ رَجُلٌ مُخْدَجُ الْيَدِ، أَوْ مُودَنُ الْيَدِ، أَوْ مَثْدُونُ الْيَدِ، لَوْلَا أَنْ تَبْطَرُوا لَحَدَّثْتُكُمْ
بِمَا وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ يَقْتُلُونَهُمْ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ نَّهِ. قَالَ: قُلْتُ أَنْتَ سَمِعْتَهُ مِنْ
مُحَمَّدٍ بَيْهِ؟ قَالَ: إِي وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، إِي وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، إِي وَرَبِّ الْكَعْبَةِ).
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) بن درهم، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من
كبار [٨] (ت١٧٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٦/٥.
٢ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) هو: ابن إبراهيم بن مِقْسم الأسديّ مولاهم،
أبو بِشْر البصريّ، ثقةٌ حافظ [٨] (ت١٩٣) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢.

٢٦٩
(٤٦) - بَابُ التَّحْرِيضِ على قَتْلِ الْخَوَارِجِ - حديث رقم (٢٤٦٥)
٤ - (أَيُّوبُ) بن أبي تَمِيمة كيسان السَّخْتيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ
حجةٌ [٥] (ت١٣١) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص ٣٠٥.
٥ - (مُحَمَّدٌ) بن سيرين الأنصاريّ مولاهم، أبو بكر بن أبي عمرة
البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه عابدٌ [٣] (ت١١٠) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة))
ج١ ص٣٠٨.
٦ - (عَبِيدَةُ) بن عَمْرو السَّلْمانيّ، أبو عمرو الكوفيّ، مخضرٌ ثقةٌ ثبتٌ
[٢] (ت٧٢) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٦٨/٨٩.
والباقون ذُكروا قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف تَخُّْ، وله فيه ثلاثة أسانيد فصلها
بالتحویل.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه الثلاثة: المقدّميّ،
وابن أبي شيبة، وزهير، فالأول تفرّد به هو والبخاريّ، والنسائيّ، والآخران ما
أخرج لهما الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين، روى بعضهم عن بعض: أيوب،
عن محمد بن سيرين، وعَبِيدة، وهو من المخضرمین.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبِيدَةً) بفتح العين المهملة، وكسر الموحّدة - ابن عمرو السّلَمانيّ -
بسكون اللام، ويقال: بفتحها (عَنْ عَلِيٍّ) بن أبي طالب ◌َُّهُ (قَالَ: ذَكَرَ
الْخَوَارِجَ) فاعل ((قال)) ضمير ((عَبِيدة))، وفاعل ((ذَكَر)) ضمير عليّ رَظُه، أي قال
عَبِيدة: ذكر عليّ ظله الخوارج، وفي رواية ابن حبّان في ((صحيحه)): ((عن
عَبيدة السلّمانيّ، قال: ذَكَرَ عليّ - رضوان الله عليه - الخوارج، فقال: فيهم
رجلٌ مُخْدجٌ ... ))، وقوله: (فَقَالَ) تفسير لـ((ذَكَرَ)) (فِيهِمْ) أي في جملة الخوارج
(رَجُلٌ مُخْدَجُ الْيَدِ) - بضم الميم، وإسكان الخاء المعجمة، وفتح الدال
المهملة، وآخره جيم - ومعناه: ناقص اليد، يقال: خَدَجت الناقة: إذا ألقت
ولدها قبل تمام الأيام، وإن كان تامّ الْخِلْقة، فهو خديج، وأخدجت: إذا

٢٧٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
جاءت به ناقص الخلق، وإن كانت أيامه تامةً، فهو مُخْدَج، ويُستعمل ذلك
أيضاً في كل ذات ظِلْف، وحافِرٍ، بل في الآدميات أيضاً، ومنه:
وَكُلُّ أُنْثَى حَمَلَتْ خَدُوجَا (١)
يَوْمَ تَرَی مُرْضِعَةٌ خَدُوجَا
(أَوْ مُودَنُ الْيَدِ) ((أو)) في الموضعين للشكّ في اللفظ الذي قاله،
و ((الْمُودَن)) بضمّ الميم، وإسكان الواو، وفتح الدال المهملة، ويقال بالهمز،
وبتركه، وهو ناقص اليد، ويقال أيضاً: وَدِين، ومَودون(٢). (أَوْ مَنْدُونُ الْيَدِ)
بفتح الميم، وثاء مثلّثة ساكنة، وهو صغير اليد، مُجْتَمِعها، كثندوة الثَّدْي، وهي
بفتح الثاء بلا همز، وبضمها مع الهمز، وكان أصله مثنود، فقُدِّمت الدال على
النون، كما قالوا: جَبَذَ، وجَذَبَ، وعَاثَ في الأرض، وعَثًا، وحكى في
((المحكم)) هذا القلب عن ابن جنّي، وقال: إنه ليس بشيء(٣).
(لَوْلَا أَنْ تَبْطَرُوا) بفتح أوله، وثالثه، من باب تَعِبَ، أي تَطْغَوا، وأصل
الْبَطَر الطغيان عند النعمة، والعافية، فَيَسُوء احتماله لها، فيكون منه الكبر،
والأَشَرُ، والْبَذَخِ، وشِدَّة الْمَرَح (لَحَدَّثْتُكُمْ بِمَا وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ يَقْتُلُونَهُمْ عَلَى
لِسَانٍ مُحَمَّدٍ وَ﴿) أي من الأجر والثواب (قَالَ) عَبِيدة كَثُ (قُلْتُ: أَنْتَ) بمد
الهمزة، وأصله أأنت بهمزتين قُلبت الثانية ألفاً (سَمِعْتَهُ مِنْ مُحَمَّدٍ وَلِ؟ قَالَ)
عليّ ◌َّه (إِي) - بكسر الهمزة، وسكون التحتانيّة - بمعنى نعم، فيكون لتصديق
المخبر، ولإعلام المستخبر، ولوعد الطالب، فتقع بعد ((قام زيد))، و((هل قام
زيد))، و((اضرب زيداً))، ونحوهنّ، كما تقع ((نَعَمْ)) بعدهنَّ، وزعم ابن الحاجب
أنها إنما تقع بعد الاستفهام، نحو: ﴿وَيَسْتَلْيُونَكَ أَحَقُّ هُوَّ قُلْ إِى وَرَقٍ إِنَّهُ لَحَنٌ﴾
[يونس: ٥٣]، ولا تقع عند الجميع إلا قبل القسم، وإذا قيل: إي والله، ثم
أُسقطت الواو، جاز سكون الياء، وفتحها، وحذفها، وعلى الأول فيلتقي
ساكنان على غير حدّهما، قاله ابن هشام تَّهُ(٤).
(١) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ٢٨١/٧، و(لسان العرب)) ٢٤٨/٢.
(٢) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ٢٨١/٧.
(٣) ((طرح التثريب)) ٧/ ٢٨١، و((شرح النوويّ)) ١٧١/٧ - ١٧٢.
(٤) ((مغني اللبيب)) ١٠٥/١ - ١٠٦.

٢٧١
(٤٦) - بَابُ التَّحْرِيضِ على قَتْلِ الْخَوَارِجِ - حديث رقم (٢٤٦٥)
(وَرَبِّ الْكَعْبَةِ) أي وأقسم برب الكعبة (إِي وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، إِي وَرَبِّ
الْكَعْبَةِ) كرّره ثلاث مرّات للتأكید.
قال النوويّ كَّلُ: انما استحلفه؛ ليُسْمِع الحاضرين، ویؤگّد ذلك
عندهم، ويُظهِر لهم المعجزة التي أخبر بها رسول الله وََّ، ويُظهِر لهم أن
عليّاً عَظْهُبه وأصحابه أولى الطائفتين بالحقّ، وأنهم مُحِقُّون في قتالهم، وغير
ذلك مما في هذه الأحاديث من الفوائد. انتهى(١)، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عليّ رَظُه هذا من أفراد المصنّف رَّتُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٤٦٥/٤٦] (١٠٦٦)، و(أبو داود) في ((السنّة))
(٤٧٦٣)، و(ابن ماجه) في ((المقدّمة)) (١٦٧)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه))
(١٨٦٥٢ و١٨٦٥٣)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (١٦٦)، و(ابن أبي شيبة) في
(مصنّفه)) (٣٠٣/١٥ - ٣٠٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٨٣/١ و٩٥ و١٤٤
و١٥٥)، و(عبد الله بن أحمد) في ((زوائده على المسند)) (١١٣/١ و١٢١
و١٢٢) و((زوائده على الفضائل)) (١٠٤٦)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه))
(٦٩٣٨)، و(الآجريّ) في ((الشريعة)) (٣٢ - ٣٣)، و(النسائيّ) في ((الخصائص))
(١٨٧ و١٨٨)، و(ابن أبي عاصم) في ((السنّة)) (٩١٢)، و(أبو يعلى) في
((مسنده)) (٣٣٧)، و(الطبرانيّ) في ((المعجم الصغير)) (٩٦٩ و١٠٠٢)، و(أبو
نعيم) في ((مستخرجه)) (١٣٢/٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٨٨/٨)، وأما
فوائد الحديث، فتقدّمت في الحديث الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(١) ((شرح النوويّ)) ٧/ ١٧٣.

٢٧٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّهُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢٤٦٦] ( ... ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ ابْنِ
عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبِيدَةَ، قَالَ: لَا أُحَدِّئُكُمْ إِلَّ مَا سَمِعْتُ مِنْهُ، فَذَكَرَ عَنْ عَلِيٍّ
نَحْوَ حَدِيثٍ أَيُّوبَ مَرْفُوعاً).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، تقدّم أيضاً في
الباب الماضي.
٣ - (ابْنُ عَوْنٍ) هو: عبد الله بن عون بن أَرْطَبان، أبو عون البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ
فاضِلٌ [٥] (ت١٥٠) على الصحيح (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٠٣.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (إِلَّا مَا سَمِعْتُ مِنْهُ) أي من عليّ ◌ُه.
وقوله: (فَذَكَرَ عَنْ عَلِيٍّ ... إلخ) فاعل (ذَكَرَ)) ضمير ابن عون.
[تنبيه]: رواية ابن عون، عن محمد بن سيرين ساقها أبو يعلى تَّثهُ في
((مسنده)) (٣٧٣/١) فقال:
(٤٧٩) - حدّثنا عبيد الله بن عمر، حدّثنا خالد بن الحارث، حدّثنا ابن
عون، عن محمد، عن عَبِيدة، أنه قال: لا أحدثك إلا ما سمعت منه - يعني
علياً - قال: لولا أن تبطروا لنبأتكم بما وعد الله الذين يقتلونهم على لسان
محمد ◌َ، قال: قلت: أنت سمعته من محمد بَ﴾؟ قال: إي ورب الكعبة،
ثلاث مرات: ((فيهم رجل مُخْدَجُ، أو مُثْدَن اليد - قال: أحسبه قال -: أو مودن
اليد))، قال: فطلبوا ذلك الرجل، فوجدوا من ها هنا، ومن ها هنا مثل ثدي
المرأة، عليه شعرات، قال محمد: فحلف لي عَبيدة ثلاث مرات، أنه سمع من
عليّ، وحَلَف عليّ ثلاث مرات، أنه سمعه من رسول الله وَ له.
والحديث من أفراد المصنّف رَّتُهُ، وقد مضى تخريجه قبله. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

٢٧٣
(٤٦) - بَابُ التَّحْرِيضِ على قَتْلِ الْخَوَارِجِ - حديث رقم (٢٤٦٧)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٤٦٧] ( ... ) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّام،
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلِ، حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ
الْجُهَنِيُّ، أَنَّهُ كَانَ فِي الْجَيْشِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ عَلِيٍّ ◌َهِ الَّذِينَ سَارُوا إِلَی
الْخَوَارِجِ، فَقَالَ عَلِيَّ رَظُهُ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((يَخْرُجُ
قَوْمٌ مِنْ أُمَّتِي، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، لَيْسَ قِرَاءَتُكُمْ إِلَى قِرَاءَتِهِمْ بِشَيْءٍ، وَلَا صَلَاتُكُمْ
إِلَى صَلَائِهِمْ بِشَيْءٍ، وَلَا صِيَامُكُمْ إِلَى صِيَامِهِمْ بِشَيْءٍ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، يَحْسِبُونَ
أَنَّهُ لَهُمْ، وَهُوَ عَلَيْهِمْ، لَا تُجَاوِزُ صَلَاتُهُمْ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ، كَمَا يَمْرُقُ
السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ، لَوْ يَعْلَمُ الْجَيْئُ الَّذِينَ يُصِيبُونَهُمْ مَا قُضِيَ لَهُمْ عَلَى لِسَانِ
نَبِّهِمْ وَِّ لَاتَّكَلُوا عَلَى الْعَمَلِ، وَآيَةُ ذَلِكَ أَنَّ فِيهِمْ رَجُلاً لَهُ عَضُدٌ، وَلَيْسَ لَهُ
ذِرَاعُ، عَلَى رَأْسِ عَضُدِهِ مِثْلُ حَلَمَةِ الثَّدْي، عَلَيْهِ شَعَرَاتٌ بِيضٌ))، فَتَذْهَبُونَ إِلَى
مُعَاوِيَةَ، وَأَهْلِ الشَّامِ، وَتَتْرُكُونَ هَؤُلَاءِ بَخْلُفُونَكُمْ فِي ذَرَارِيِّكُمْ، وَأَمْوَالِكُمْ، وَاللهِ
إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُونُوا هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ، فَإِنَّهُمْ قَدْ سَفَكُوا الدَّمَ الْحَرَامَ، وَأَغَارُوا فِي
سَرْحِ النَّاسِ، فَسِيرُوا عَلَى اسْمِ اللهِ، قَالَ سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلِ: فَزَّلَنِي زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ
مَنْزِلاً، حَتَّى قَالَ: مَرَرْنَا عَلَى قَنْطَرَةٍ، فَلَمَّا الْتَقَيْنَا، وَعَلَى الْخَوَارِجِ بَوْمَئِذٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ
وَهْبِ الرَّاسِيُّ، فَقَالَ لَهُمْ: أَلْقُوا الرَّمَاحَ، وَسُلُّوا سُيُوفَكُمْ مِنْ جُفُونِهَا، فَإِنِّي
أَخَافُ أَنْ يُنَاشِدُوكُمْ، كَمَا نَاشَدُوكُمْ يَوْمَ حَرُورَاءَ، فَرَجَعُوا، فَوَخَّشُوا بِمَاحِهِمْ،
وَسَلُّوا السُّيُوفَ، وَشَجَرَهُمْ النَّاسُ بِرِمَاحِهِمْ، قَالَ: وَقُتِلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَمَا
أُصِيبَ مِنَ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ إِلَّا رَجُلَانِ، فَقَالَ عَلِيٍّ ◌َهِ: الْتَمِسُوا فِيهِمُ الْمُخْدَجَ،
فَالْتَمَسُوهُ، فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَقَامَ عَلِيٍّ ◌َُّهُ بِنَفْسِهِ، حَتَّى أَتَّى نَاساً، قَدْ قُتِلَ بَعْضُهُمْ
عَلَى بَعْضٍ، قَالَ: أَخِّرُوهُمْ، فَوَجَدُوهُ مِمَّا يَلِي الْأَرْضَ، فَكَبَّرَ، ثُمَّ قَالَ: صَدَقَ اللهُ،
وَبَلَّغَ رَسُولُهُ، قَالَ: فَقَامَ إِلَيْهِ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، اللهَ الَّذِي
لَا إِلَهَ إِلَّ هُوَ لَسَمِعْتَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ رَسُولِ اللهِ؟ فَقَالَ: إِي وَالهِ الَّذِي لَا
إِلَهَ إِلَّا هُوَ، حَتَّى اسْتَحْلَفَهُ ثَلَاثاً، وَهُوَ يَحْلِفُ لَهُ).

٢٧٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الْكِسّيّ، أبو محمد، قيل: اسمه عبد الحميد، ثقةٌ
حافظٌ [١١] (ت٢٤٩) (خت م ت) تقدم في ((الإيمان)) ١٣١/٧.
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّم) الْحِمْيَريّ، أبو الصنعانيّ، ثقةٌ حافظٌ مصنّف شَهِيرٌ
عمي في آخره، فتغيّر، وكان يتشَّع [٩] (ت٢١١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
٣ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ) مَيْسرة الْعَرْزميّ الكوفيّ، صدوقٌ [٥]
(ت١٤٥) (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٤٤٢/٨٣.
٤ - (سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلِ) الْحَضْرميّ، أبو يحيى الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤]
(ت١٢٢) أو بعدها (ع) تقدم في (الحيض)) ٧٠٤/٥.
٥ - (زَيْدُ بْنُ وَهْبِ الْجُهَنِيُّ) أبو سليمان الكوفيّ، مخضرمٌ ثقةٌ جليلٌ [٢]
مات بعد (٨٠) وقيل: (٩٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٦٧ /٣٧٤.
و«عليّ» ر ◌ُهُ ذُكر قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رَّلُهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوی شیخه، فتفرّد به هو،
والترمذيّ، وعلّق له البخاريّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين من أوله إلى آخره، إلا عبد الرزّاق،
فصنعانيّ.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث من أوله إلى آخره.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: سلمة، عن زيد بن وهب.
شرح الحديث:
عن زِيْدِ بْنِ وَهْبِ الْجُهَنِيِّ تَغْفُ (أَنَّهُ كَانَ فِي الْجَيْشِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ
عَّهِ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي سَمِعْتُ
عَلِيٍّ ◌َّهِ الَّذِينَ سَارُوا إِلَى الْخَوَارِجِ، فَقَالَ عَلِيٍّ .
رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنْ أُمَّتِي، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، لَيْسَ قِرَاءَتُكُمْ إِلَى
قِرَاءَتِهِمْ بِشَيْءٍ، وَلَا صَلَاتُكُمْ إِلَى صَلَاتِهِمْ بِشَيْءٍ، وَلَا صِيَامُكُمْ إِلَى صِيَامِهِمْ
بِشَيْءٍ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، يَحْسِبُونَ) يقال: حَسِبتُ زيداً قائماً أحسبه، من باب
تَعِبَ في لغة جميع العرب إلا بني كِنَانة، فإنهم يكسرون المضارع مع كسر

٢٧٥
(٤٦) - بَابُ التَّحْرِيضِ على قَتْلِ الْخَوَارِجِ - حديث رقم (٢٤٦٧)
الماضي أيضاً على غير قياس، حِسْباناً بالكسر، بمعنى ظننت، قاله
الفيّوميّ تَُّ(١). (أَنَّهُ لَهُمْ) أي أن القرآن شافعٌ لهم، ومقرّب إلى ربهم (وَهُوَ
عَلَيْهِمْ) جملة حاليةٌ، أي والحال أن القرآن حجة عليهم حيث لم يؤمنوا به حقّ
الإيمان به، ويتلوه حقّ تلاوته، قال الله رَتْ: ﴿الَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِنَبَ يَتْلُونَهُ حَقَّ
[البقرة: ١٢١] (لَا
تِلَاوَيِّ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهُ وَمِن يَكْفُرْ بِهِ، فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ
تُجَاوِزُ صَلَاتُهُمْ) قيل: المراد قراءتهم، كما في الرواية الأخرى، وإطلاق
الصلاة على القراءة شائع، كعكسه، كما في حديث أبي هريرة نظراته الماضي
مرفوعاً: ((قَسمت الصلاة بيني وبين عبدي ... الحديث))، فقد أطلق الصلاة
على الفاتحة، وكما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء:
٧٨]، فقد أطلق قرآن الفجر على صلاة الفجر.
ويَحْتَمِل أن يراد بالصلاة الإيمان، فقد فُسّر قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ
لِيُضِيعَ إِيمَنَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] بالصلاة، فيكون المعنى: لا يجاوز إيمانهم
تراقيهم، فلا يدخل قلوبهم، ويؤيّد هذا ما وقع في ((صحيح البخاريّ)) بلفظ:
((لا يُجاوز إيمانهم حناجرهم))، والله تعالى أعلم.
وقال القرطبيّ نَّتُهُ: قوله: لا تجاوز صلاتهم تراقيهم)) هو كناية عن أنها
لا تُقبل، ولا ينتفعون بها، أو يعني بذلك أن دعاءهم لا يُسمع. انتهى(٢).
(تَرَاقِيَهُمْ) جمع: تَرْقُوة وزانُ فَعْلُولة بفتح الفاء، وضمّ اللام، وهي العظم
الذي بين ثُغْرة النَّحْر والعاتق من الجانبين، قال بعضهم: لا تكون التّرْقُوة لشيء
من الحيوان إلا للإنسان خاصّة (٣). (يَمْرُقُونَ) أي يخرجون (مِنَ الْإِسْلَامِ، كَمَا
يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ) أي الصيد المرميّ (لَوْ يَعْلَمُ الْجَيْشُ الَّذِينَ يُصِيبُّونَهُمْ)
أي يقتلونهم (مَا قُضِيَ لَهُمْ) أي حكم به (عَلَى لِسَانِ نَبِّهِمْ وَِّ لَاتَّكَلُوا عَلى
الْعَمَلِ) هكذا في نسخة شرح الأبيّ، ووقع في نسخة النوويّ: ((لاتّكلوا عن
العمل))، والأول هو الذي عند القرطبيّ في ((مختصره))، وقال في ((شرحه)):
الألف واللام في ((العمل)) للعهد، فكأنه قال: لاتّكلوا على ثواب ذلك العمل،
(١) ((المصباح المنير)) ١٣٤/١.
(٣) ((المصباح المنير)) ٧٤/١.
(٢) ((المفهم)) ١١٨/٣.

٢٧٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
واعتمدوا عليه في النجاة من النار، والفوز بالجنّة، وإن كانت الأعمال لا
تحصّل ذلك، كما قال ◌َ: ((لن يُنجي أحداً منكم عمله)) قالوا: ولا أنت يا
رَسُولَ اللهِ؟ قال: ((ولا أنا، إلا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي الله بِرَحْمَةٍ ... )) الحديث، متّفقٌ
عليه، لكن ذلك العمل الذي هو قتلهم عظيم، وثوابه جسيم، بحيث لو اطَّلَع
عليه صاحبه لاعتمد عليه، وظنّ أنه هو الذي يُنجيه، قال: والرواية في ذلك
اللفظ: ((لاتّكلوا)) بـ((أل))، وبالتاء المثنّاة من التوكّل، وقد صحّفه بعضهم،
فقال: (لنكلوا)) بالنون من النكول عن العمل، أي لا يعملون شيئاً؛ اكتفاء بما
حصل لهم من ثواب ذلك، وهذا معنى واضحٌ لو ساعدته الرواية. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ادّعى القرطبيّ من التصحيف في
قوله: (لنكلوا)) هو الذي ذكره الحميديّ في ((الجمع بين الصحيحين))، ولفظه:
((لنكلوا عن العمل))، وعزاه إلى رواية مسلم، ومعناه واضح.
وأما ما وقع في نسخة ((شرح النوويّ)) بلفظ: ((لاتّكلوا عن العمل))، من
الاتّكال بالتاء، و((عن)) بدل ((على))، إن لم يكن مصحّفاً، فمعناه: امتنعوا عن
العمل استغناء بثواب قتالهم لهم، والله تعالى أعلم.
وفي هذا الحديث حثّ على قتال الخوارج، ووعد بالثواب العظيم.
(وَآيَةُ ذَلِكَ) أي العلامة التي بيّنها النبيّ وَّ لمعرفة هؤلاء الخوارج (أَنَّ
فِيهِمْ رَجُلاً لَهُ عَضُدٌ) هو ما بين المنكب والمرفق (وَلَيْسَ لَهُ ذِرَاعُ، عَلَى رَأْسٍ
عَضُدِهِ مِثْلُ حَلَمَةِ الثَّدْي) ((الْحَلَمة - بفتحتين - هي اللحمة الناتئة في رأس
الثدي، وقال الأزهريّ: الْحَلَمة: الحبّة على رأس الثدي من المرأة، والتُّنْدُوة
من الرجل(٢).
وقال القرطبيّ تَخْتُهُ: الحلَمَة: الأنبوبة التي يخرج منها اللبن، وتُسمّى
(٣)
السعدانة. انتهى
.
(عَلَيْهِ شَعَرَاتٌ بِيضٌ))، فَتَذْهَبُونَ إِلَى مُعَاوِيَةَ، وَأَهْلِ الشَّامِ، وَتَتْرُكُونَ هَؤُلَاءِ
يَخْلُفُونَكُمْ فِي ذَرَارِيِّكُمْ، وَأَمْوَالِكُمْ) كلام عليّ ◌َُّه هذا لجيشه على طريقة
(١) ((المفهم)) ١١٨/٣ - ١١٩.
(٣) ((المفهم)) ١١٩/٣.
(٢) راجع: ((المصباح)) ١٤٨/١ - ١٤٩.

٢٧٧
(٤٦) - بَابُ التَّحْرِيضِ على قَتْلِ الْخَوَارِجِ - حديث رقم (٢٤٦٧)
الاستفهام الإنكاريّ التوبيخيّ، أي لا ينبغي، ولا يصحّ أن يحصل هذا،
وغرضه بذلك الحثّ على المبادرة بقتالهم قبل قتال معاوية وأهل الشام (وَاللهِ
إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُونُوا هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ) بالنصب بدلاً من اسم الإشارة، واسم
الإشارة خبر ((يكونوا))، يعني أن هؤلاء الحروريين هم الذين وصفهم النبيّ ◌َل
بالصفات السابقة؛ لانطباقها عليهم، ثم أكّد ذلك بقوله: (فَإِنَّهُمْ قَدْ سَفَكُوا الدَّمَ
الْحَرَامَ) حيث قتلوا عبد الله بن خبّاب ذبحوه، وبقروا بطن جاريته، وهي
حُبلى، وكان والياً لعليّ ◌َلُبه على بعض تلك البلاد، وقد سبقت قصّته
(وَأَغَارُوا فِي سَرْحِ النَّاسِ) أي مواشيهم، حيث عَدَوا على قوم من بني قطيعة،
فقتلوا الرجال، وأخذوا الأموال، وغَلَّوا الأطفال في المراجل، كما ذكره ابن
عبد البرّ ◌َظَهُ(١) .
(فَسِيرُوا عَلَى اسْمِ اللهِ﴾ أي على بركة اسم الله تعالى (قَالَ سَلَمَةُ بْنُ
كُهَيْلِ: فَزَّلَنِي زَيْدُ بْنُ وَهَّبِ مَنْزِلاً) أي أخبرني بالمواضع التي نزلها عليّ
صوعية
ء
مع جيشه منزلاً منزلاً واحداً واحداً، قال القرطبيّ كَُّهُ: وصوابه منزلاً منزلاً
مرتين؛ لأن معناه أخبرني بالمنازل مفصّلةً، فهو منصوب على الحال، كما
تقول العرب: علّمته الحساب باباً باباً، ولا يُكتفَى في هذا النوع بذكر مرّة
واحدة؛ لأنه لا يفيد ذلك، غير أنه وقع هنا منزلاً مرّةً واحدةً لجميع رواة
مسلم فيما أعلم، وقد جاء في كتاب النسائيّ: ((منزلاً منزلاً))، وهو الصحيح.
(٢)
انتھی(٢) . .
وقال النوويّ كَّلُ: قوله: ((منزلاً)) هكذا هو في معظم النسخ مرّةً واحدةً،
وفي نادر منها ((منزلاً منزلاً)) مرتين، وكذا ذكره الحميديّ في ((الجمع بين
الصحيحين))، وهو وجه الكلام، أي ذَكَرَ لي مراحلهم بالجيش منزلاً منزلاً حتى
بلغ القنطرة التي كان القتال عندها، وهي قنطرة الديزجان (٣)، كذا جاء مبيناً في
(سنن النسائي))، وهناك خطبهم عليّ ◌َظُلُه، ورَوَى لهم هذه الأحاديث. انتهى.
(١) راجع: ((جامع بيان العلم وفضله)) ١٠٦/٢.
(٢) ((المفهم)) ١١٩/٣.
(٣) كذا في ((سنن النسائيّ الكبرى)) ١٦٣/٥ ولم أجد من تكلّم فيها، والله تعالى أعلم.

٢٧٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
(حَتَّى قَالَ: مَرَرْنَا عَلَى قَنْطَرَةٍ) - بفتح القاف، وسكون النون، وفتح
الطاء، بعدها راء -: ما يُبنى على الماء للعبور عليه، وهي فَنْعَلَةٌ، والْجِسْرُ
أعمّ؛ لأنه يكون بناءً وغير بناء(١).
وقوله: (فَلَمَّا الْتَقَيْنَا) الظاهر أن جواب ((لَمّا)) محذوف بدلالة السياق،
تقديره: انتصرنا عليهم، وقوله: (وَعَلَى الْخَوَارِجِ يَوْمَئِذٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ
الرَّاسِيُّ) جملة في محلّ نصب على الحال.
قال الحافظ الذهبيّ تَّثُ في ((الميزان)): عبد الله بن وهب الراسبيّ كان
من رؤوس الخوارج الحروريّة، زائغ مُبتدع، أدرك عليّاً عَظ له، وقال أيضاً:
عبد الله بن راسب، من رؤوس الحروريّة، ذكره بعضهم في كُتب الضعفاء، وهو
في كتاب أبي إسحاق الْجُوزجانيّ، من أقران عبد الله بن الْكَوّاء، وقد أدرك
الجاهليّة. انتهى (٢) .
وقال الحافظ بعد نقل كلام الذهبيّ هذا ما نصّه: وهذا الرجل إنما اسمه
عبد الله بن وهب الراسبيّ، من بني راسب، قبيلة معروفة، وهو كان أمير
الخوارج بالنَّهْرَوان لَمّا قاتلهم عليّ رَُّه، وقُتل في المعركة، ولا أعلم له
(٣)
رواية. انتهى(٣) .
(فَقَالَ لَهُمْ) أي عبد الله بن وهب الراسبيّ رئيسهم (أَلْقُوا الرِّمَاحَ) أي
ارموه من أيديكم، ولا تستعملوه في القتال.
و((الرِّمَاح): بالكسر: جمع رُمْح، ويُجمع أيضاً على أرماح، قال في
((المعجم الوسيط)): الرُّمْحُ قناةٌ (٤) في رأسها سِنَانٌ يُطعَنُ به. انتهى(٥) .
(وَسُلُّوا) بضمّ السين المهملة، وتشديد اللام: أمر من السلّ، يقال: سلّ
السيف سَلّاً، من باب نصر: إذا أخرجه من غِمْده، قال في ((القاموس)): السّلّ:
(١) ((المصباح المنير)) ٢/ ٥٠٨.
(٢) ((ميزان الاعتدال)) ٤٢٠/٢.
(٣) (لسان الميزان)) ١٢/٤ - ١٣.
(٤) ((القَنَاة)): الرمح الأجوف، وكلُّ عصاً مستوية، أو مُعْوَجّة. انتهى. ((المعجم
الوسيط» ٧٦٤/٢.
(٥) ((المعجم الوسيط)) ٣٧١/١.

٢٧٩
(٤٦) - بَابُ التَّحْرِيضِ على قَتْلِ الْخَوَارِجِ - حديث رقم (٢٤٦٧)
انتزاعك الشيءَ، وإخراجه في رِفْق، كالاستلال. انتهى (١). (سُيُوفَكُمْ مِنْ
جُفُونِهَا) أي أخرجوها من أَغْمادها، وهي جمع جَفْن - بفتح، فسكون -: وهو
الغمد.
يعني أن زعيمهم قال لهم ذلك لتبدأ المعركة بالوطيس الحامي بالسيوف،
لا بالرماح.
قال القرطبيّ كَّثُ: هذا الرأي - يعني قول زعيم الخوارج -: ((ألقوا
الرِّمَاح، وسُلُّوا السيوف)) كان فيه فتح للمسلمين، وصيانة لدمائهم، وتمكين من
الخوارج بحيث تُمُكِّن منهم بالرماح، فطُعِنوا، ولم يكن لهم ما يطعنون به
أحداً، فقُتلوا عن بَكْرة أبيهم، ولم يُقتل من المسلمين سوى رجلين، فنعوذ بالله
من تدبیر یقود إلی تدمیر. انتهى(٢) .
ثمّ عّل زعيمهم أمره بإلقاء الرماح، وسلّ السيوف بقوله: (فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ
يُنَاشِدُوكُمْ) يقال: نشدتك اللهَ، وناشدتك الله: أي سألتك بالله، وأقسمت
عليك، يعني أخاف عليكم أن يطلبوا منكم الصلح بالأيمان لو تقتلونهم بالرمح
من بعيد (كَمَا نَاشَدُوكُمْ بَوْمَ حَرُورَاءَ) بالمدّ: قرية بقرب الكوفة، يُنسَب إليها
فرقة من الخوارج، كان أول اجتماعهم بها .
وفي ((القاموس)): وحَرُوراء كجَلُولاء، وقد تُقصر: قرية بالكوفة.
انتھی(٣).
ويوم حروراء هو اليوم الذي اجتمع فيه الخوارج، وهم ثمانية آلاف،
وقيل غير ذلك، فنزلوا حرُوراء، وكان كبيرهم عبد الله بن الكوّاء(٤) اليشكريّ،
وشَبْت(٥) التميميّ، فأرسل إليهم عليٍّ ابنَ عبّاس ﴿ه، فناظرهم، فرجع كثير
منهم معه، ثم خرج إليهم عليّ، فناشدهم، وناقشهم، فأطاعوه، ودخلوا معه
الكوفة.
(١) ((القاموس المحيط)) ٣٩٦/٣.
(٣) ((القاموس)) ٨/٢.
(٢) ((المفهم)) ١١٩/٣.
(٤) بفتح الكاف، وتشديد الواو، مع المدّ.
(٥) بفتح الشين المعجمة، والموحّدة، بعدها مثلّثة.

٢٨٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
(فَرَجَعُوا) أي إلى أماكنهم بعد خروجهم لمواجهة المقاتلين لهم (فَوَخَّشُوا
بِرِمَاحِهِمْ) أي رموا بها عن بُعد، وقال القرطبيّ: أي صيّروها كالوحش بعيدةً
منهم، وهو بتشديد الحاء، يقال: وحّش الرجل: إذا رمى بثوبه، وبسلاحه
مخافة أن يُلْحَق، قال الشاعر [من الكامل]:
إِنْ أَنْتُمُ لَمْ تَظْلُبُوا بِأَخِيكُمُ فَذَرُوا السِّلَاحَ وَوَخَّشُوا بِالأَبْرَقِ
(وَسَلَّوا السُّيُوفَ، وَشَجَرَهُمْ النَّاسُ بِرِمَاحِهِمْ) هو بفتح الشين المعجمة،
والجيم المخففة: أي داخلوهم، وطاعنوهم بها، قال ابن دُريد: تشاجر القوم
بالرماح: إذا تطاعنوا بها، ومنه التشاجر في الخصومة .
(قَالَ) زيد بن وهب تَظْلُهُ: (وَقُتِلَ) بالبناء للمفعول (بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ،
(يَوْمَئِذٍ إِلَّا رَجُلَانِ) لم يُعرفَ
وَمَا أُصِيبَ مِنَ النَّاسِ) أي من أصحاب عليّ
ضرعيْه
اسمهما (١).
(فَقَالَ عَلِيٍّ ◌َّهِ: الْتَمِسُوا) أي طلبوا (فِيهِمْ) أي في هؤلاء القتلى
(الْمُخْدَجَ) أي الناقص اليد، وهو الذي تقدّم في قوله: ((وآية ذلك أن فيهم
رجلاً له عضدٌ، ليس له ذراع ... )) (فَالْتَمَسُوهُ، فَلَمْ يَجِدُوهُ) أي لكونه تحت
القتلى (فَقَّامَ عَلِيٍّ ◌َُّهُ بِنَفْسِهِ، حَتَّى أَتَى نَاساً، قَدْ قُتِلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، قَالَ:
أَخْرُوهُمْ، فَوَجَدُوهُ مِمَّا يَلِي الأَرْضَ، فَكَبَّرَ) أي قال عليّ تَظُله: ((الله أكبر))
تعجباً، واستعظاماً لظهور مصداق ما أخبر به النبيّ وَّ ه من هؤلاء الخوارج (ِثُمَّ
قَالَ).
(صَدَقَ اللهُ) أي فيما أخبر به النبيّ وَّ من أمر هؤلاء (وَبَلَّغَ
رَسُولُهُ) وَلِّ أمته ما أوحي إليه.
(قَالَ) زيد بن وهب (فَقَامَ إِلَيْهِ) أي إلى عليّ ◌َظُهُ (عَبِيدَةُ) - بفتح العين
المهملة، وكسر الموحّدة - ابن عمرو (السَّلْمَانِيُّ) بإسكان اللام: منسوب إلى
سَلْمان جدّ قبيلة معروفة، وهم بطن من مُراد، قاله ابن أبي داود السجستانيّ،
أسلم عَبيدة قبل وفاة النبيّ ◌ِّ بسنتين، ولم يره، وسمع عمرَ وعليّاً، وابنَ
مسعود، وغيرَهُم من الصحابة
(فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، آللهَ) بمدّ الهمزة (الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّ هُوَ) قال
(١) راجع: (تنبيه المعلم)) ص ١٩٧.