النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١
(٤٥) - بَابُ ذِكْرِ الْخَوَارِجِ، وَبَيَانِ صِفَاتِهِمْ - حديث رقم (٢٤٥١)
(غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ) بِالغين المعجمة، والتحتانية، من ألَغْور، والمراد أن عينيه
داخلتان في مَحَاجرهما، لاصقتين بقعر الْحَدَقة، وهو ضدّ الجحوظ.
(نَاتِئُ الْجَبِينِ) بهمز ناتىء: أي مرتفع الجبين، والجبين - بفتح الجيم،
وكسر الموحّدة -: جانب الجبهة، ولكلّ إنسان جبينان يكتنفان الجبهة، وجمعه
جُبُن - بضمّتين -، مثل بريد وبُرُد، وأَجْبِنة، مثلُ أَسْلِحَة. وفي ((الكبرى)): ((قاني
الجبين)) بالقاف بدل ((ناتىء))، والظاهر أنه بمعناه؛ لأن قَنَا الأنفِ: ارتفاع
أعلاه، واحْدِيدَاب وسطه، كما في ((القاموس)).
(مَحْلُوقُ الرَّأْسِ) وفي رواية للبخاريّ في ((التوحيد)) من طريق معبد بن
سيرين، عن أبي سعيد ظه: ((قيل: ما سيماهم؟ قال: سيماهم التحليق»، أو
قال: ((التسبيد))، و((التسبيد)) بمعنى التحليق، أو أبلغ منه.
قال في ((الفتح)): وكان السلف يُوَفِّرون شعورهم، لا يَحلقونها، وكانت
طريقة الخوارج حلق جميع رؤوسهم. انتهى(١).
قال الكرمانيّ ◌َّتُهُ: فيه إشكالٌ، وهو أنه يلزم من وجود العلامة وجود
ذي العلامة، فيستلزم أنّ كلّ من كان محلوق الرأس، فهو من الخوارج،
والأمر بخلاف ذلك اتفاقاً، ثم أجاب بأنّ السلف كانوا لا يحلقون رؤوسهم،
إلا للنسك، أو في الحاجة، والخوارج اتخذوه دَيْدناً، فصار شِعَاراً لهم،
وعُرفوا به، قال: ويَحْتَمِل أن يُراد به حلق الرأس واللحية، وجميع شعورهم،
وأن يراد به الإفراط في القتل، والمبالغة في المخالفة في أمر الديانة. انتهى.
قال الحافظ تَخْلُهُ: الأول باطل؛ لأنه لم يقع من الخوارج، والثاني
مُخْتَمِلٌ، لكن طرق الحديث المتكاثرة كالصريحة في إرادة حلق الرأس،
والثالث كالثاني، والله أعلم. انتهى (٢). وزاد في رواية: ((مشمّر الإزار)).
(فَقَالَ) ذلك الرجل (اتَّقِ اللهَ يَا مُحَمَّدُ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((فَمَنْ
يُطِعِ اللهَ) هكذا النسخ التي عندي بجزم (يُطع))، والوجه أن يُرفع؛ لأن ((من)) هنا
استفهاميّة، لا شرطيّة، والاستفهاميّة لا تجزم، وكذا وقع عند النسائيّ في
((المجتبى))، فقال السنديّ لَكْثُهُ في ((شرحه)): ((من)) استفهاميّة لا شرطيّة، فالوجه
(١) ((الفتح)) ٩/ ٤٩٠.
(٢) راجع: ((الفتح)) ٥٢٠/١٥ - ٥٢١.

٢٠٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
إثبات الياء، أي من يطيعُ الله، كما في ((الكبرى))(١).
والمعنى: أيُّ شخص يتّقيه؟، أي لا أحد يتقي الله إذا عصاه النبيّ
إذ الخلق مأمورون باتباعه بَل*، فإذا عصى يتبعونه في العصيان، فلا أحد يّقيه.
(إن عَصَيْتُهُ) أي مع عصمتي، وثبوت نبوّتي، وفي الرواية التالية: ((أوَ
لست أحقّ أهل الأرض أن يَتَّقِيَ اللهَ؟)).
(أَيَأْمَنُنِي) أي أيجعلني أميناً (عَلَى أَهْلِ الأرض) أي يجعلني الله تعالى
مؤتمناً على شرعه الذي يُنزله على أهل الأرض، حيث بعثني رسولاً إليهم،
ومعلوم أن مدار الرسالة على الأمانة.
(وَلَا تَأْمَنُونِي؟)) يَحْتَمِل أن يكون بتشديد النون الثانية، وتخفيفها، أي ألا
تعتقدون كوني أميناً، إذ آمنتم برسالتي؛ لأن ذلك مقتضى الإيمان بها،
والخطاب على وجه العتاب لذي الخويصرة وأصحابه.
:(ثُمَّ أَدْبَرَ الرَّجُلُ) أي ولّى عن مجلس رسول الله وَّـ
(قَالَ) أبو سعيد
(فَاسْتَأْذَنَ رَجُلٌ من الْقَوْمِ فِي قَتْلِهِ) أي قتل ذلك الرجل (يُرَوْنَ) يَحْتَمِل أن يكون
(يَرَوْن)) بالبناء للفاعل بمعنى يعلمون، ويَعتقدون، ويَحْتَمِل أن يكون بالبناء
للمفعول بمعنى يظنّون، أي يظنّون الرجل المستأذِن (أَنَّهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ) هكذا
في هذه الرواية بالشكّ، وفي الرواية التالية: ((فقال خالد بن الوليد: يا
رسول الله ألا أضرب عُنُقه؟)) بدون شكّ، وفي الرواية الثالثة: ((فقام إليه عمر بن
الخطاب، فقال: يا رسول الله إلخ))، ولا تنافي بين الروايتين؛ لاحتمال أن
يكون كلّ منهما استأذن في ذلك.
وفي الرواية التالية: لَمّا استأذن خالد في ضرب عنقه، قال الطيار: ((لا،
لعله أن يكون يصلّي))، فقال خالد: وكم من مصلّ يقول بلسانه ما ليس في
قلبه؟، قال رسول الله وَله: ((إنّي لم أومر أَن أَنقُب عن قلوب الناس، ولا أشُقّ
بطونهم))، قال: ثم نظر إليه، وهو مُقَفٍّ، فقال: ((إنه يخرج من ضئضىء هذا
إلخ)).
قال في ((الفتح)): قال القرطبي: إنما منع قتله، وإن كان قد استوجب
(١) ((شرح السندي على سنن النسائي)) ١١٨/٧.

٢٠٣
(٤٥) - بَابُ ذِكْرِ الْخَوَارِجِ، وَبَيَانِ صِفَاتِهِمْ - حديث رقم (٢٤٥١)
القتل؛ لئلا يتحدّث الناس أنه يقتل أصحابه، ولا سيّما من صلّى، كما ثبت
نظيره في قصّة عبد الله بن أبيّ. وقال المازريّ: يَحْتَمِل أن يكون النبيّ وٍَّ لم
يفهم من الرجل الطعن في النبوّة، وإنما نسبه إلى ترك العدل في القسمة، وليس
ذلك كبيرة، والأنبياء معصومون من الكبائر بالإجماع، واختُلف في جواز وقوع
الصغائر منهم، أو لعلّه لم يعاقب هذا الرجل؛ لأنه لم يثبت ذلك عنه، بل نقله
عنه واحدٌ، وخبر الواحد لا يُراق به الدم. انتهى.
وأبطله عياض بقوله في الحديث: ((اعدل يا محمّد))، فخاطبه في الملأ
بذلك حتى استأذنوه في قتله، فالصواب ما تقدّم. انتهى.
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِهِ: ((إِنَّ مِنْ ضِتْضِيٍ هَذَا) قال النوويّ كَُّ: هو
بضادين معجمتين، مكسورتين، وآخره مهموز، وهو أصل الشيء، وهكذا هو
في جميع نسخ بلادنا، وحكاه القاضي عن الجمهور، وعن بعضهم أنه ضبطه
بالمعجمتين، والمهملتين جميعاً، وهذا صحيحٌ في اللغة، قالوا: ولأصل الشيء
أسماءٌ كثيرةٌ، منها: الضئضئ بالمعجمتين، والمهملتين، والنَّجَار، بكسر النون،
والنِحَاس(١)، والسِّنْخ، بكسر السين، وإسكان النون، وبخاء معجمة، والعُنْصَر
بضم العين، وضمّ الصاد، وتُفتح، والعِيصُ بكسر العين، والأَرومة بفتح
الهمزة، وضمّها. انتهى بزيادة (٢).
وقد نظمت هذا فقلت:
بِمُعْجَمَيْنٍ وَكَذَا الصِّخْصِيىءُ
لِلأَصْلِ أَسْمَاءٌ فَقُلْ ضِتْضِيئُ
كَذَلِكَ السِّنْخُ فَخُذْهَا بِاخْتِصَارْ
بِمُهْمِلَيْنِ وَالنِّحَاسُ وَالنِّجَارْ
وقال في ((الفتح)): قوله: ((من ضئضئ)) كذا للأكثر بضادين معجمتين،
مكسورتين، بينهما تحتانية مهموزة ساكنة، وفي آخره تحتانية مهموزة أيضاً،
وفي رواية الكشميهني بصادين مهملتين، فأما بالضاد المعجمة فالمراد به النسل
والعقب، وزعم ابن الأثير أن الذي بالمهملة بمعناه، وحكى ابن الأثير أنه رُوي
(١) ذكر في ((القاموس)) ما يُفيد أن النُحاس مثلّث الأول، وبتخفيف الحاء المهملة،
وذكر من معانيه: مبلغُ أصل الشيء.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٩٢/٧.

٢٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
بالمدّ بوزن قنديل، وفي رواية للبخاريّ في ((أحاديث الأنبياء)) أنه ((من ضئضئ
هذا، أو من عقب هذا)). انتهى(١).
وعبارة ابن الأثير ◌َّقُ: ((الضِّئْضِىء: الأصلُ، يقال: ضِئضئُ صِدْقٍ،
وضُؤْضُؤُ صِدْق، وحَكَى بعضهم ضِتْضيىء، بوزن قِنْدِيل، يريد أنه يخرُج من
نسله وعَقِهِ، ورواه بعضهم بالصاد المهملة، وهو بمعناه. انتهى (٢).
(قَوْماً يقرأون الْقُرْآنَ) وفي الرواية التالية: ((يتلون كتاب الله رَطْباً))، وفي
الرواية الثالثة: ((يتلون كتاب الله لَيِّناً رَظْباً)) (لَا يُجَاوِزُ حَتَاجِرَهُمْ) أي حلقهم
بالصعود إلى محل القبول، أو بالنزول إلى القلوب؛ ليفقهوه.
وقال في ((العمدة)): ((الحناجر)): جمع حَنْجَرة، وهي رأس الْغَلْصَمة، حيث
تراه ناتئاً من خارج الحلق، وقال ابن التين: معناه لا يُرْفَع في الأعمال الصالحة،
وقال عياض: لا تَفْقَهُهُ قلوبهم، ولا ينتفعون بما يتلو منه، ولا لهم حظّ سوى
تلاوة الفم، وقيل: معناه لا يَصْعَد لهم عَمَلٌ، ولا تلاوةٌ، ولا تُتَقَبَّل(٣).
(يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ، وَيَدَعُونَ) أي يتركون (أَهْلَ الْأَوْثَانِ) جمع وَثَن، وهو
كلُّ ما له جُثّةٌ معمولة منَ جواهر الأرض، أو من الخشب والحجارة، كصورة
الآدميّ، يُعْمَل، ويُنْصَب، فيعبد، وهذا بخلاف الصنم، فإنه الصورة بلا جُثّة،
ومنهم من لم يفرّق بينهما، قاله في ((العمدة)»(٤).
وهذا مما أخبر به النبيّ ر له من المغيبات، فوقع كما قال ◌َله.
قيل: لَمّا خرج إليهم عبد الله بن خَبّاب رسولاً من عند عليّ رَُه، فجعل
يَعِظهم، فمَرَّ أحدهم بتمرة لمعاهد، فجعلها في فيه، فقال بعض أصحابه: تمرة
معاهد، فيم استحللتها؟ فقال لهم عبد الله بن خباب: أنا أدلكم على ما هو
أعظم، حرمةُ رجل مسلم، يعني نفسه، فقتلوه، فأرسل إليهم عليّ ◌َظ ◌ُه أن
أقيدونا به، فقالوا: كيف نُقيدك به، وكلنا قتله؟ فقاتلهم عليّ، فقتل أكثرهم،
قيل: كانوا خمسة آلاف، وقيل: كانوا عشرة آلاف(٥).
(١) (الفتح)) ٤٩١/٩.
(٣) ((عمدة القاري)) ٢٣٠/١٥.
(٥) ((عمدة القاري)) ٢٣٠/١٥.
(٢) ((النهاية)) ٦٩/٣.
(٤) ((عمدة القاري)) ٢٣٠/١٥.

٢٠٥
(٤٥) - بَابُ ذِكْرِ الْخَوَارِجِ، وَبَيَانِ صِفَاتِهِمْ - حديث رقم (٢٤٥١)
(يَمْرُقُونَ) من باب قعد (من الْإِسْلَام) أي يخرجون منه، وفي الرواية
التالية: (يمرقون من الدين))، قال في ((الفتح)): وفي قوله: ((من الإسلام)) رَدُّ
على من أَوَّلَ الدين هنا بالطاعة، وقال: إن المراد أنهم يخرجون من طاعة
الإمام، كما يخرج السهم من الرَّمِيّة، وهذه صفة الخوارج الذين كانوا لا
يُطيعون الخلفاء، والذي يظهر أن المراد بالدين الإسلام، كما فسرته الرواية
الأخرى، وخرج الكلام مخرج الزجر، وأنهم بفعلهم ذلك يخرجون من
الإسلام الكامل. انتهى (١) .
(كما يَمْرُقُ السَّهْمُ من الرَّمِيَّةِ) أي يخرجون من الإسلام خروجَ السهم إذا
نَفَذَ من الصيد من جهة أخرى، ولم يتعلق بالسهم من دمه شيءٌ، وبهذا سُمِّيت
الخوارج: الْمُرَّاق.
و((الرمِيَّة)) بفتح الراء، على وزن فَعِيلة، من الرمي، بمعنى مفعولة، فقال
الداوديّ: الرّمِيّة: الصيد المرميّ، وهذا الذي ذكره صفات الخوارج الذين لا
يدينون للأئمة، ويخرجون عليهم.
(لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ») أي قتلاً عاماً، مستأصلاً، كما قال
تعالى: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّنْ بَاقِبَةٍ ﴾﴾ [الحاقة: ٨]، وفي الرواية التالية: ((قتل
ثمود)). قال القرطبيّ تَخْتُ: ووجه الجمع أن يكون النبيّ بَّل قال كليهما، فذكر
أحد الرواة أحدهما، وذكر الآخرُ الآخرَ، ومعنى هذا أنه كان يقتلهم قتلاً
عامّاً، بحيث لا يُبقِي منهم أحداً في وقت واحد، لا يؤخّر قتل بعضهم عن
بعضٍ، ولا يُقيل أحداً منهم، كما فَعَل الله بعاد، حيث أهلكهم بالريح العقيم،
وبثمود، حيث أهلكهم بالصَّيْحَة. انتهى(٢).
وقال في ((الفتح)): وقد استُشكل قوله: ((لئن أدركتهم لأقتلنّهم)) مع أنه
نهى خالداً عن قتل أصلهم.
وأجيب بأنه أراد إدراك خروجهم، واعتراضهم على المسلمين بالسيف،
ولم يكن ظهر ذلك في زمانه صلّى الله عليه وسلم، وأوّل ما ظهر في زمان
(١) ((الفتح)) ٤٩١/٩.
(٢) المفهم ١١٣/٣.

٢٠٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
عليّ رَظُه، كما هو مشهور. انتهى(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ ◌َُّه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٥ /٢٤٥١ و٢٤٥٢ و٢٤٥٣ و٢٤٥٤] (١٠٦٤)،
و(البخاريّ) في ((أحاديث الأنبياء)) (٣٣٤٤) و((المغازي)) (٤٣١٥) و((التوحيد))
(٧٤٣٢)، و(أبو داود) في ((السنّة)) (٤١٣٦)، و(النسائيّ) في ((الزكاة)) (٢٥٧٨)
و((تحريم الدم)) (٤١٠١) و((الكبرى)) (٤٦/٢ و٣١١ و٣٥٦/٦)، و(أبو داود
الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٢٩٦/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤/٣ و٦٨ و٧٣)،
و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٢٨/٣)، و(أبو يعلى) في ((معجمه)) (٤٤/١)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٣٩/٦ و١٨/٧ و١٦٩/٨)، و(سعيد بن منصور) في
((سننه)) (٣٧٤/٢)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٥٦/١٠)، و(الطبرانيّ) في
((الكبير)) (٥٦/١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن المؤلّفة قلوبهم من مصارف الزكاة، فيُعطون منها؛
استمالة لقلوبهم إلى الإسلام، وفيه خلاف بين العلماء، سيأتي بيانه في المسألة
التالية، إن شاء الله تعالى.
٢ - (ومنها): ما كان عليه النبيّ ◌َ ﴿ من العفو، والصفح، والتجاوز، وإن
كانت الإساءة إليه كبيرة.
٣ - (ومنها): أنّ ملازمة قراءة القرآن لا يدلّ على صدق إيمان الشخص
حتى يقوم بالعمل به كما ينبغي.
٤ - (ومنها): أن فيه بيانَ صفات الخوارج التي يتميّزون بها عن
المسلمين، فهم كثيرو العبادة، وعداوتهم للمسلمين أكثر من عداوة غيرهم.
(١) ((الفتح)) ٤٩١/٩ - ٤٩٢.

٢٠٧
(٤٥) - بَابُ ذِكْرِ الْخَوَارِجِ، وَبَيَانِ صِفَاتِهِمْ - حديث رقم (٢٤٥١)
٥ - (ومنها): مشروعيّة قتال الخوارج، سواء قلنا: إنهم مرتدّون عن
الإسلام، أو قلنا: إنهم بُغَاة، خرجوا على أهل العدل.
٦ - (ومنها): أن فيه عَلَماً من أعلام النبوّة، قال القرطبيّ تَّتُهُ: هذا
منه ◌َ﴿ إخبار عن أمرٍ غيبٍ، وقع نحوَ ما أخبر عنه، فكان دليلاً من أدلّة
نبوّته وَّه، وذلك أنهم لَمّا حَكَموا بكفر مَن خَرَجُوا عليه من المسلمين،
استباحوا دماءهم، وتركوا أهل الذّمّة، وقالوا: نفي بذمّتهم، وعَدَلُوا عن قتال
المشركين، واشتغلوا بقتال المسلمين عن قتال المشركين.
وهذا كلّه من آثار عبادات الجهّال الذين لم يشرح الله صدورهم بنور
العلم، ولم يتمسّكوا بحبل وثيق، ولا صَحِبهم في حالهم ذلك توفيق، وكفى
بذلك أن مُقَدَّمهم ردّ على رسول الله وَّهِ أمره، ونَسَبَه إلى الْجَوْر، ولو تبصّر
لأبصر عن قرب أنه لا يُتَصَوَّر الظلم والْجَوْر في حقّ رسول اللهِ وَّهِ، كما لا
يُتُصوّر في حقّ الله تعالى؛ إذ الموجودات كلّها ملكٌ لله تعالى، ولا يستحقّ أحد
عليه حقّاً، فلا يُتصوّر في حقّه شيءٌ من ذلك، والرسول مُبلّغٌ حكمَ الله تعالى،
فلا يُتصوّر في حقّه من ذلك ما لا يتصوّر في حقّ مُرْسِلِهِ.
ويكفيك من جهلهم، وغُلُوّهم في بدعتهم حكمُهُم بتكفير مَن شهد له
رسول الله وَله بصحّة إيمانه، وبأنه من أهل الجنّة، كعليّ، وغيره، من صحابة
رسول الله ◌َ، مع ما وَقَعَ في الشريعة، وعُلم على القطع والثبات من
شهادات الله، ورسوله لهم، وثنائه على عليّ، والصحابة عموماً وخصوصاً.
انتهى كلام القرطبيّ تَخَّهُ(١)، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
٧ - (ومنها): ما قال ابن هُبيرة نَّثُهُ: إن قتال الخوارج أولى من قتال
المشركين، والحكمة فيه أن في قتلهم حفظ رأس مال الإسلام، وفي قتال أهل
الشرك طلب الربح، وحفظُ رأس المال أولى.
٨ - (ومنها): التحذير من الغلوّ في الديانة، والتنطّع في العبادة، وقد
وَصَف الشارع الشريعة بأنها سهلة سمحة، وإنما ندب إلى الشدّة على الكفّار،
والرأفة بالمؤمنين، فعكس ذلك الخوارج، فقتلوا المؤمنين، وتركوا الكفّار.
(١) انظر: ((المفهم)) ١١٤/٣ - ١١٥.

٢٠٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
٩ - (ومنها): أن فِيهِ الزَّجْرَ عَنْ الأَخْذ بِظَوَاهِر جَمِيع الآيَات الْقَابِلَة
لِلتَّأَوِيلِ، الَّتِي يُفْضِي الْقَوْل بِظَوَاهِرِهَا، إِلَى مُخَالَفَة إِجْمَاع السَّلَف؛ لأن هؤلاء
الخوارج ما خرجوا عن جادّة الإسلام إلا عن هذا الطريق.
١٠ - (ومنها): جواز قتال من خرج عن طاعة الإمام العادل، ونَصَبَ
الحرب، فقاتل على اعتقاد فاسد.
١١ - (ومنها): بيان أن من المسلمين مَن يخرج من الدِّين من غير أن
يقصد الخروج منه، ومن غير أن يختار ديناً على دين الإسلام.
چئە ؛
١٢ - (ومنها): أن فيه منقبةً لعمر بن الخطّاب، وخالد بن الوليد .
لشدّة غيرتهما على الدين حيث استأذنا بقتل ذلك الرجل.
١٣ - (ومنها): أنه لا يُكتَفَى في التعديل بظاهر الحال، ولو بلغ المشهود
بتعديله الغاية في العبادة، والتقشّف، والورع حتى يُختَبَرَ باطن حاله.
١٤ - (ومنها): ما قيل: إن فيه ذَمَّ اسْتِثْصَال شَعْر الرَّأْس، قال
الحافظ تَقّْتُهُ: وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لاحْتِمَالٍ أَنْ يَكُون الْمُرَاد بَيَان صِفَتهمْ الْوَاقِعَة، لا
لإِرَادَةِ ذَمْهَا، وَتَرْجَمَ أَبُو عَوَانَة فِي ((صَحِيحه)) لِهَذِهِ الأَحَادِيث: ((بَيَان أَنَّ سَبَب
خُرُوجِ الْخَوَارِجِ، كَانَ بِسَبَبِ الأَثَرَةِ فِي الْقِسْمَةِ، مَعَ كَوْنَهَا كَانَتْ صَوَاباً، فَخَفِيَ
عَنْهُمْ ذَلِكَ)).
١٥ - (ومنها): أن فيه إِبَاحَةَ قِتَال الْخَوَارِجِ بِالشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَة، وَقَتْلهمْ فِي
الْحَرْبِ، وَتُبُوت الأَجْر لِمَنْ قَتَلَّهُمْ.
١٦ - (ومنها): ما قيل: إنَّ الْخَوَارِجِ شَرّ الْفِرَق الْمُبْتَدِعَة، مِن الأُمَّة
الْمُحَمَّدِيَّةِ، وَمِن الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى.
قال الحافظ ◌َّتُهُ: وَالأَخِير مَبْنِيّ عَلَى الْقَوْل بِتَكْفِيرِهِمْ مُطْلَقاً.
١٧ - (ومنها): أنه احتجّ به من قال بتكفير الخوارج، وإليه ميل الإمام
البخاريّ كَّلُهُ في ((صحيحه))، حيث قرنهم بالملحدين، وبذلك صرّح ابن العربيّ
في شرح الترمذيّ، فقال: الصحيح أنهم كفّار؛ لقوله وَلاتوجو: ((يمرقون من
الإسلام))، ولقوله: ((لأقتلنّهم قتل عاد))، وفي لفظ: ((ثمود))، وكلّ منهما إنما
هلك بالكفر، وبقوله: ((هم شرّ الخلق))، ولا يوصف بذلك إلا الكفّار، ولقوله:
((إنهم أبغض الخلق إلى الله تعالى)).

٢٠٩
(٤٥) - بَابُ ذِكْرِ الْخَوَارِجِ، وَبَيَانِ صِفَاتِهِمْ - حديث رقم (٢٤٥١)
وذهب كثير من أهل العلم إلى أن الخوارج فُسّاق، وأنهم يُجرَى عليهم
حكم الإسلام؛ لتلفّظهم بالشهادتين، ومواظبتهم على أركان الإسلام.
قال القرطبيّ كَُّ في ((المفهم)): والقول بتكفيرهم أظهر في الحديث،
قال: وباب التكفير باب خطر، ولا نعدل بالسلامة شيئاً. انتهى.
وسيأتي تحقيق الخلاف في هذه المسألة، وبيان حجة كلّ قول، وترجيح
الراجح بدليله في المسألة الخامسة - إن شاء الله تعالى، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في معنى الخوارج، ومتى خرجوا؟، وبيان سبب
خروجهم :
(اعلم): أن الخوارج جمع خارجة، أي طائفة، وهم قوم مبتدعون،
سُمُّوا بذلك لخروجهم عن الدين، وخروجهم على خيار المسلمين، وأصل
بدعتهم فيما حكاه الرافعيّ في ((الشرح الكبير)) أنهم خرجوا على علي ◌َّ ◌ُه
حيث اعتقدوا أنه يَعْرِف قَتَلَة عثمان رَُّهُ ويَقْدِر عليهم، ولا يَقْتَصّ منهم لرضاه
بقتله، أو مواطأته إياهم، كذا قال، وهو خلاف ما أطبق عليه أهل الأخبار،
فإنه لا نزاع عندهم أن الخوارج لم يطلبوا بدم عثمان، بل كانوا ينكرون عليه
أشياء، ويتبرءون منه، وأصل ذلك أن بعض أهل العراق أنكروا سِيرة بعض
أقارب عثمان، فطَعَنوا على عثمان بذلك، وكان يقال لهم: القرّاء؛ لشدة
اجتهادهم في التلاوة والعبادة، إلا أنهم كانوا يتأوّلون القرآن المراد منه،
ويستبدّون برأيهم، ويتنطعون في الزهد والخشوع، وغير ذلك، فلما قُتِل عثمان
قاتلوا مع عليّ، واعتقدوا كُفْرَ عثمان ومن تابعه، واعتقدوا إمامة عليّ وكفر من
قاتله من أهل الجمل الذين كان رئيسهم طلحة والزبير، فإنهما خرجا إلى مكة
بعد أن بايعا علياً، فلقيا عائشة وكانت حجّت تلك السنة، فاتفقوا على طلب
قَتَلَة عثمان، وخرجوا إلى البصرة يدعون الناس إلى ذلك، فبلغ علياً، فخرج
إليهم، فوقعت بينهم وقعة الجمل المشهورة، وانتصر عليٍّ، وقُتل طلحة في
المعركة، وقُتل الزبير بعد أن انصرف من الوقعة، فهذه الطائفة هي التي كانت
تطلب بدم عثمان بالاتفاق، ثم قام معاوية بالشام في مثل ذلك، وكان أمير
الشام إذ ذاك، وكان عليٍّ أرسل إليه لأن يبايع له أهل الشام، فاعتَلَّ بأن عثمان

٢١٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
قُتل مظلوماً، وتجب المبادرة إلى الاقتصاص من قَتَلته، وأنه أقوى الناس على
الطلب بذلك، ويلتمس من علي أن يُمَكِّنه منهم، ثم يبايع له بعد ذلك، وعلي
يقول: ادخل فيما دخل فيه الناس، وحاكمهم إليّ أحكم فيهم بالحق، فلما
طال الأمر خرج علي في أهل العراق طالباً قتال أهل الشام، فخرج معاوية في
أهل الشام قاصداً إلى قتاله، فالتقيا بصِفِّين، فدامت الحرب بينهما أشهراً، وكاد
أهل الشام أن ينكسروا، فرفعوا المصاحف على الرماح، ونادَوْا: ندعوكم إلى
كتاب الله تعالى، وكان ذلك بإشارة عمرو بن العاص، وهو مع معاوية، فترك
جمع كثير ممن كان مع علي، وخُصُوصاً القراءُ القتالَ بسبب ذلك تديُّناً،
واحتجوا بقوله تعالى: ﴿أَ تَرَ إلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَبِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِلَبٍ
اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية [آل عمران: ٢٣]، فراسلوا أهل الشام في ذلك، فقالوا:
ابعثوا حَكَماً منكم، وحَكَماً مِنّ، ويحضر معهما من لم يباشر القتال، فمن رأوا
الحق معه أطاعوه، فأجاب عليّ ومن معه إلى ذلك، وأنكرت ذلك تلك الطائفة
التي صاروا خوارج، وكتب علي بينه وبين معاوية كتاب الحكومة بين أهل
العراق والشام: هذا ما قاضى عليه أمير المؤمنين عليّ معاوية، فامتنع أهل
الشام من ذلك، وقالوا: اكتبوا اسمه واسم أبيه، فأجاب علي إلى ذلك، فأنكره
عليه الخوارج أيضاً، ثم انفصل الفريقان على أن يحضر الحكمان، ومن معهما
بعد مدة عيّنوها في مكان وسط بين الشام والعراق، ويرجع العسكران إلى
بلادهم إلى أن يقع الحكم، فرجع معاوية إلى الشام، ورجع علي إلى الكوفة،
ففارقه الخوارج، وهم ثمانية آلاف، وقيل: كانوا أكثر من عشرة آلاف، وقيل:
ستة آلاف، ونزلوا مكاناً، يقال له: حَرُوراء - بفتح المهملة، وراءين الأولى
مضمومة - ومن ثَمَّ قيل لهم: الحرورية، وكان كبيرهم عبد الله بن الْكَوَّاء - بفتح
الكاف، وتشديد الواو، مع المد - اليشكريّ، وشَبَث - بفتح المعجمة،
والموحدة، بعدها مثلثة - التميميّ، فأرسل إليهم عليٍّ ابنَ عباس، فناظرهم
فرجع كثير منهم معه، ثم خرج إليهم عليّ فأطاعوه، ودخلوا معه الكوفة، معهم
رئيساهم المذكوران، ثم أشاعوا أن علياً تاب من الحكومة، ولذلك رجعوا
معه، فبلغ ذلك عليّاً، فخطب وأنكر ذلك، فتنادوا من جوانب المسجد: لا
حكم إلا لله، فقال: كلمة حق يراد بها باطل، فقال لهم: لكم علينا ثلاث، أن

٢١١
(٤٥) - بَابُ ذِكْرِ الْخَوَارِجِ، وَبَيَانِ صِفَاتِهِمْ - حديث رقم (٢٤٥١)
لا نَمنعكم من المساجد، ولا من رزقكم من الفيء، ولا نبدؤكم بقتال ما لم
تُخْدِثوا فساداً، وخرجوا شيئاً بعد شيء إلى أن اجتمعوا بالمدائن، فراسلهم في
الرجوع، فأصروا على الامتناع حتى يُشْهِد على نفسه بالكفر؛ لرضاه بالتحكيم،
ويتوب، ثم راسلهم أيضاً فاستعرضوا الناس، فقتلوا من اجتاز بهم من
المسلمين، ومرَّ بهم عبد الله بن خباب بن الأرت، وكان والياً لعلي على بعض
تلك البلاد، ومعه سُرِّيَّة وهي حامل، فقتلوه وبَقَروا بطن سُرِّيته عن ولد، فبلغ
علياً فخرج إليهم في الجيش الذي كان هيأه للخروج إلى الشام، فأوقع بهم
بالنَّهْرَوان، ولم ينج منهم إلا دون العشرة، ولا قُتل ممن معه إلا نحو العشرة،
فهذا ملخص أول أمرهم.
ثم انضم إلى من بقي منهم مَنْ مال إلى رأيهم، فكانوا مختفين في خلافة
علي، حتى كان منهم عبد الرحمن بن مُلْجِم الذي قَتَل علياً بعد أن دخل علي
في صلاة الصبح، ثم لَمّا وقع صلح الحسن ومعاوية ثارت منهم طائفة، فأوقع
بهم عسكر الشام بمكان يقال له: النجيلة، ثم كانوا منقمعين في إمارة زياد وابنه
عبيد الله على العراق، طول مدة معاوية وولده يزيد، وظفر زياد وابنه منهم
بجماعة فأبادهم بين قتل وحبس طويل، فلما مات يزيد ووقع الافتراق، وولي
الخلافة عبد الله بن الزبير، وأطاعه أهل الأمصار إلا بعض أهل الشام ثار
مروان، فاذَّعَى الخلافة، وغلب على جميع الشام إلى مصر، فظهر الخوارج
حينئذ بالعراق مع نافع بن الأزرق، وباليمامة مع نَجْدَة بن عامر، وزاد نَجْدة
على مُعتَقَد الخوارج أن من لم يخرج ويحارب المسلمين فهو كافر، ولو اعتقد
معتقدهم، وعَظُم البلاء بهم، وتوسعوا في معتقدهم الفاسد، فأبطلوا رجم
المحصن، وقطعوا يد السارق من الإبط، وأوجبوا الصلاة على الحائض في
حال حيضها، وكَفَّروا من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إن كان
قادراً، وإن لم يكن قادراً فقد ارتكب كبيرة، وحُكْمُ مرتكب الكبيرة عندهم
حكم الكافر، وكَفُّوا عن أموال أهل الذمة، وعن التعرض لهم مطلقاً، وفَتَكُوا
فيمن ينسب إلى الإسلام بالقتل والسبي والنَّهْب، فمنهم من يفعل ذلك مطلقاً
بغير دعوة منهم، ومنهم من يدعو أولاً ثم يَفتِك، ولم يزل البلاء بهم يزيد إلى
أن أمر الْمُهَلَّب بن أبي صُفْرة على قتالهم فطاولهم حتى ظفر بهم، وتقلل

٢١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
جمعهم، ثم لم يزل منهم بقايا في طول الدولة الأموية وصدر الدولة العباسية،
ودخلت طائفة منهم المغرب.
وقد صنّف في أخبارهم أبو مِخْنَف - بكسر الميم، وسكون المعجمة،
وفتح النون، بعدها فاء - واسمه لوط بن يحيى كتاباً لخصه الطبري في
((تاريخه))، وصنّف في أخبارهم أيضاً الهيثم بن عديّ كتاباً، ومحمد بن قدامة
الجوهري أحد شيوخ البخاري خارج ((الصحيح)) كتاباً كبيراً، وجَمَعَ أخبارهم
أبو العباس المبرد في كتابه ((الكامل)) لكن بغير أسانيد بخلاف المذكورين قبله.
قال القاضي أبو بكر ابن العربي: الخوارج صنفان: أحدهما يزعم أن
عثمان وعلياً وأصحاب الْجَمَل وصِفِّين وكلُّ من رَضِي بالتحكيم كفار، والآخر
يزعم أن كل من أتى كبيرة فهو كافر مخلد في النار أبداً.
وقال غيره: بل الصنف الأول مُفَرَّع عن الصنف الثاني؛ لأن الحامل لهم
على تكفير أولئك كونهم أذنبوا فيما فعلوه بزعمهم.
وقال ابن حزم: ذهب نَجْدة بن عامر من الخوارج إلى أن من أتى صغيرة
عُذِّب بغير النار، ومن أَدْمَن على صغيرة فهو كمرتكب الكبيرة في التخليد في
النار، وذكر أن منهم من غلا في معتقدهم الفاسد، فأنكر الصلوات الخمس،
وقال: الواجب صلاة بالغداة، وصلاة بالعشي، ومنهم من جوّز نكاح بنت
الابن، وبنت الأخ والأخت، ومنهم من أنكر أن تكون ((سورة يوسف)) من
القرآن، وأن من قال: لا إله إلا الله فهو مؤمن عند الله ولو اعتقد الكفر بقلبه.
وقال أبو منصور البغدادي في ((المقالات)): عِدَّة فِرَق الخوارج عشرون
فرقة.
وقال ابن حزم: أسوؤهم حالاً الغلاة المذكورون، وأقربهم إلى قول أهل
الحق الإباضية، منهم بقية بالمغرب.
وقد وردت بما ذُكِر من أصل حال الخوارج أخبار جياد، منها ما أخرجه
عبد الرزاق، عن معمر، وأخرجه الطبري من طريق يونس كلاهما عن الزهري،
قال: لَمّا نشر أهل الشام المصاحف بمشورة عمرو بن العاص، حين كاد أهل
العراق أن يغلبوهم، هاب أهل الشام ذلك إلى أن آل الأمر إلى التحكيم،
ورجع كل إلى بلده إلى أن اجتمع الحكمان في العام المقبل بدُومَة الجندل،

٢١٣
(٤٥) - بَابُ ذِكْرِ الْخَوَارِجِ، وَبَيَانِ صِفَاتِهِمْ - حديث رقم (٢٤٥١)
وافترقا عن غير شيء، فلمّا رجعوا خالفت الحرورية علياً، وقالوا: لا حكم
إلا لله.
وأخرج ابن أبي شيبة من طريق أبي رَزِين قال: لَمّا وقع الرضا بالتحكيم،
ورجع علي إلى الكوفة اعتزلت الخوارج بحروراء، فبعث لهم عبدَ الله بنَ عباس
فناظرهم، فلما رجعوا جاء رجل إلى علي، فقال: إنهم يتحدثون أنك أقررت
لهم بالكفر؛ لرضاك بالتحكيم، فخطب وأنكر ذلك، فتنادوا من جوانب
المسجد: لا حكم إلا لله.
ومن وجه آخر أن رءوسهم حينئذ الذين اجتمعوا بالنهروان: عبدُ الله بن
وهب الراسي، وزيد بن حِصْن الطائي، وحُرْقُوص بن زهير السعدي، فاتفقوا
على تأمير عبد الله بن وهب، ذكر هذا كلّه في ((الفتح))(١)، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في تكفير الخوارج:
قال النوويّ كَّلُ: وَفِي هَذِهِ الأَحَادِيثِ دَلِيل لِمَنْ يُكَفِّرُ الْخَوَارِجَ، قَالَ
الْقَاضِي عِيَاض ◌َتُهُ: قَالَ الْمَازِرِيّ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءِ فِي تَكْفِيرِ الْخَوَارِجِ، قَالَ:
وَقَدْ كَادَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَة تَكُون أَشَدّ إِشْكَالاً مِنْ سَائِرِ الْمَسَائِلِ، وَلَقَدْ رَأَيْت أَبَا
الْمَعَالِي، وَقَدْ رَغِبَ إِلَيْهِ الْفَقِيه عَبْد الْحَقّ رَحِمَهُمَا الله تَعَالَى فِي الْكَلامِ عَلَيْهَا،
فَرَهِبَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَاعْتَذَرَ بِأَنَّ الْغَلَط فِيهَا يَصْعُبُ مَوْقِعُهُ؛ لأَنَّ إِذْخَال کَافِرِ فِي
الْمِلَّة، وَإِخْرَاج مُسْلِمٍ مِنْهَا عَظِيم فِي الدِّينِ، وَقَدْ اضْطَرَبَ فِيهَا قَوْل الْقَاضِي أَبِي
بَكْر الْبَاقِلانِيّ، وَنَاهِيك بِهِ فِي عِلْم الأُصُولِ، وَأَشَارَ ابْنِ الْبَاقِلاَنِيّ إِلَى أَنَّهَا مِنْ
الْمُعَوِّصَات؛ لأَنَّ الْقَوْمِ لَمْ يُصَرِّحُوا بِالْكُفْرِ، وَإِنَّمَا قَالُوا أَقْوَالاً تُؤَدِّي إِلَيْهِ، وَأَنَا
أَكْشِف لَك نُكْتَة الْخِلاف، وَسَبَب الإِشْكَالِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُعْتَزِلِيَّ مَثَلاَ يَقُول:
إِنَّ الله تَعَالَى عَالِم، وَلَكِنْ لا عِلْمَ لَهُ، وَحَيٍّ وَلا حَيَاةَ لَهُ، يُوقِعِ الالْتِبَاس فِي
تَكْفِيره؛ لأَنَّا عَلِمْنَا مِنْ دَيْنِ الأُمّة ضَرُورَةً، أَنَّ مَنْ قَالَ: إِنَّ الله تَعَالَى لَيْسَ
بِحَيٍّ، وَلا عَالِمٍ كَانَ كَافِراً، وَقَامَتْ الْحُجَّة عَلَى اسْتِحَالَة كَوْن الْعَالَم، لا عِلْم
(١) ((الفتح)) ٣٥٤/١٢ - ٣٥٧ ((كتاب استتابة المرتدين)) رقم الحديث (٦٩٣٠ -
٦٩٣٢).

٢١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
لَهُ، فَهَلْ نَقُولُ: إِنَّ الْمُعْتَزِلِيَّ، إِذَا نَفَى الْعِلْمِ، نَفَى أَنْ يَكُون الله تَعَالَى عَالِماً،
وَذَلِكَ كُفْرِ بِالإِجْمَاعِ، وَلَا يَنْفَعُهُ اعْتِرَافُهُ بِأَنَّهُ عَالِم، مَعَ نَفْبِهِ أَصْلِ الْعِلْمِ، أَوْ
نَقُول: قَدْ اعْتَرَفَ بِأَنَّ الله تَعَالَى عَالِم، وَإِنْكَارِه الْعِلْم لا يُكَفِّرُهُ، وَإِنْ كَانَ يُؤَدِّي
إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِعَالِمٍ، فَهَذَا مَوْضِعِ الإِشْكَالِ. هَذَا كَلام الْمَازِرِيّ.
وَمَذْهَب الشَّافِعِيّ، وَجَمَاهِير أَصْحَابِهِ الْعُلَمَاءِ، أَنَّ الْخَوَارِجِ لا يَكْفُرُونَ،
وَكَذَلِكَ الْقَدَرِيَّةِ، وَجَمَاهِيرِ الْمُعْتَزِلَةِ، وَسَائِرِ أَهْلِ الأَهْوَاءِ. قَالَ الشَّافِعِيّ
رَحِمَهُ الله تَعَالَى: أَقْبَلُ شَهَادَة أَهْلَ الأَهْوَاء إِلا الْخَطَّابِيَّة، وَهُمْ طَائِفَة مِنَ
الرَّافِضَةِ، يَشْهَدُونَ لِمُوَافِقِيهِمْ فِي الْمَذْهَبِ بِمُجَرَّدٍ قَوْلهمْ، فَرَدَّ شَهَادَتَهُمْ لِهَذَا، لا
لِدْعَتِهِمْ. انتهى كلام النوويّ تَخْذِفُهُ(١).
وقال في ((الفتح)): استُدِلّ بحديث أبي سعيد ◌َّه هذا لمن قال بتكفير
الخوارج، وهو مقتضى صنيع البخاريّ، حيث قَرَنهم بالملحدين، وأفرد عنهم
المتأولين بترجمة، وبذلك صَرّح القاضي أبو بكر ابن العربي في ((شرح
الترمذي))، فقال: الصحيح أنهم كُفّار؛ لقوله وَّ: (يَمْرُقون من الإسلام))،
ولقوله: ((لأقتُلَنَّهم قتل عاد))، وفي لفظ: ((ثمود)) وكل منهما إنما هلك بالكفر،
وبقوله: ((هم شر الخلق))، ولا يوصف بذلك إلا الكفار، ولقوله: ((إنهم أبغض
الخلق إلى الله تعالى))، ولحكمهم على كل من خالف مُعتَقَدَهم بالكفر،
والتخليدِ في النار، فكانوا هم أحقَّ بالاسم منهم.
وممن جنح إلى ذلك من أئمة المتأخرين الشيخ تقي الدين السبكي، فقال
في ((فتاويه)): احتَجَّ من كَفَّر الخوارج، وغُلاة الروافض بتكفيرهم أعلامَ
الصحابة؛ لتضمنه تكذيب النبي و 18 في شهادته لهم بالجنة، قال: وهو عندي
احتجاجٌ صحيحٌ، قال: واحتَجَّ من لم يكفرهم بأن الحكم بتكفيرهم يَستَدْعِي
تقدُّم علمهم بالشهادة المذكورة علماً قطعيّاً، وفيه نظر؛ لأنا نعلم تزكية من
كفَّروه علماً قطعياً إلى حين موته، وذلك كاف في اعتقادنا تكفير من كفَّرهم،
ويؤيده حديث: ((مَن قال لأخيه كافر، فقد باء به أحدهما))، وفي لفظ مسلم:
((مَنْ رَمَی مسلماً بالكفر، أو قال: عدو الله إلا حاد عليه))، قال: وهؤلاء قد
(١) ((شرح مسلم)) ١٦٠/٧ ((كتاب الزكاة)).

٢١٥
(٤٥) - بَابُ ذِكْرِ الْخَوَارِجِ، وَبَيَانِ صِفَاتِهِمْ - حديث رقم (٢٤٥١)
تحقق منهم أنهم يرمون جماعة بالكفر، ممن حصل عندنا القطع بإيمانهم،
فيجب أن يُحكّم بكفرهم بمقتضى خبر الشارع، وهو نحو ما قالوه فيمن سَجَدَ
للصنم ونحوه، ممن لا تصريح بالجحود فيه بعد أن فَسَّروا الكفر بالجحود، فإن
احتجوا بقيام الإجماع على تكفير فاعل ذلك، قلنا: وهذه الأخبار الواردة في
حق هؤلاء تقتضي كفرهم، ولو لم يعتقدوا تزكية من كَفَّروه علماً قطعيّاً، ولا
يُنجيهم اعتقاد الإسلام إجمالاً، والعملُ بالواجبات عن الحكم بكفرهم، كما لا
يُنجي الساجد للصنم ذلك.
وممن جَنَحَ إلى بعض هذا المحبّ الطبري في ((تهذيبه))، فقال بعد أن
سرد أحاديث الباب: فيه الردُّ على قول من قال: لا يَخرُج أحد من الإسلام من
أهل القبلة بعد استحقاقه حكمه إلا بقصد الخروج منه عالماً فإنه مبطل؛ لقوله
في الحديث: ((يقولون الحقّ، ويقرءون القرآن، ويَمرُقون من الإسلام، ولا
يتعلقون منه بشيء))، ومن المعلوم أنهم لم يرتكبوا استحلالَ دماء المسلمين
وأموالهم إلا بخطإ منهم فيما تأولوه من آي القرآن المرادَ منه، ثم أخرج بسند
صحيح عن ابن عباس، وذَكَرَ عنده الخوارج، وما يَلْقَون عند قراءة القرآن،
فقال: يؤمنون بمحكمه، ويَهْلِکون عند متشابهه.
ويؤيد القول المذكور الأمرُ بقتلهم مع ما تقدم من حديث ابن
مسعود روايته: ((لا يحل قتل امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث))، وفيه: ((التارك لدينه
المفارقُ للجماعة)).
قال القرطبي في ((المفهم)): يؤيد القول بتكفيرهم التمثيل المذكور في
حديث أبي سعيد ظُ يعني الآتي بعد حديث، فإن ظاهر مقصوده أنهم خَرَجُوا
من الإسلام، ولم يتعلقوا منه بشيء، كما خرج السهم من الرَّمِيَّة؛ لسرعته،
وقُوَّة راميه، بحيث لم يتعلق من الرَّمِيَّة بشيء، وقد أشار إلى ذلك بقوله: ((سَبَقَ
الفَرْثَ والدمَ)).
وقال صاحب ((الشفاء)) فيه: وكذا نقطع بكفر كُلِّ من قال قولاً يتوصل به
إلى تضليل الأمة، أو تكفير الصحابة، وحكاه صاحب ((الروضة)) في ((كتاب
الردة)) عنه، وأقرّه. وذهب أكثر أهل الأصول من أهل السنة إلى أن الخوارج
فُسَّاق، وأن حكم الإسلام يجري عليهم؛ لتلفظهم بالشهادتين، ومواظبتهم على

٢١٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
أركان الإسلام، وإنما فَسَقُوا بتكفيرهم المسلمين، مُستندين إلى تأويل فاسد،
وجَرَّهم ذلك إلى استباحة دماء مخالفيهم، وأموالهم، والشهادة عليهم بالكفر
والشرك.
وقال الخطابي: أجمع علماء المسلمين على أن الخوارج مع ضلالتهم
فرقة من فِرَق المسلمين، وأجازوا مناكحتهم، وأكل ذبائحهم، وأنهم لا يُكَفَّرون
ما داموا متمسكين بأصل الإسلام.
وقال عياض: كادت هذه المسألة تكون أشدَّ إشكالا عند المتكلمين من
غيرها، حتى سأل الفقيه عبد الحق الإمامَ أبا المعالي عنها، فاعتذر بأن إدخال
كافر في الملة، وإخراج مسلم عنها عظيم في الدين، قال: وقد توقف قبله
القاضي أبو بكر الباقلاني، وقال: لم يُصَرِّح القوم بالكفر، وإنما قالوا أقوالاً
تؤدي إلى الكفر.
وقال الغزالي في ((كتاب التفرقة بين الإيمان والزندقة)): والذي ينبغي
الاحترازُ عن التكفير ما وَجَدَ إليه سبيلاً، فإن استباحة دماء المصلين المقرين
بالتوحيد خطأ، والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك
دم لمسلم واحد.
ومما احتج به من لم يُكَفِّرهم قوله في حديث أبي سعيد أيضاً بعد وصفهم
بالمروق من الدين كمروق السهم: ((فينظر الرامي إلى سهمه ... )) إلى أن قال:
((فيتمارى في الفُوقة هل عَلِقَ بها شيءٍ)).
قال ابن بطال: ذهب جمهور العلماء إلى أن الخوارج غير خارجين عن
جملة المسلمين؛ لقوله: ((يتمارى في الفُوق))؛ لأن التماري من الشك، وإذا
وقع الشك في ذلك لم يُقطع عليهم بالخروج من الإسلام؛ لأن من ثبت له عقد
ظُه عن أهل
الإسلام بيقين، لم يَخرُج منه إلا بيقين، قال: وقد سئل علي
النَّهْرِ، هل كفروا؟ فقال: مِنَ الكفر فَرُّوا.
قال الحافظ: وهذا إن ثبت عن علي رُهُ حُمِل على أنه لم يكن يتحقق
على معتقدهم الذي أوجب تكفيرهم عند من كَفَّرهم، وفي احتجاجه بقوله:
((يتمارى في الفوق)) نظر؛ فإن في بعض طرق الحديث المذكور: ((لم يَعلَق منه
بشيء))، وفي بعضها: ((سبق الفرث والدم)).

٢١٧
(٤٥) - بَابُ ذِكْرِ الْخَوَارِجِ، وَبَيَانِ صِفَاتِهِمْ - حديث رقم (٢٤٥٢)
وطريق الجمع بينهما أنه تردد هل في الفوق شيء أو لا؟ ثم تحقق أنه لم
يَعلَق بالسهم ولا بشيء منه من الرمي بشيءٍ.
ويمكن أن يُحمَل الاختلاف فيه على اختلاف أشخاص منهم، ويكون في
قوله: ((يتمارى)) إشارة إلى أن بعضهم قد يبقى معه من الإسلام شيء.
قال القرطبي في ((المفهم)): والقول بتكفيرهم أظهر في الحديث، قال:
فعلى القول بتكفيرهم يُقاتَلون، ويُقتلون، وتُسبَى أموالهم، وهو قول طائفة من
أهل الحديث في أموال الخوارج، وعلى القول بعدم تكفيرهم يُسلَك بهم مسلك
أهل البغي إذا شَقُّوا العصا، ونَصَبُوا الحرب، فأما من استسرّ منهم ببدعة، فإذا
ظهر عليه هل يُقتَل بعد الاستتابة، أو لا يُقتَل بل يُجتَهد في رد بدعته، اختُلِف
فيه بحسب الاختلاف في تكفيرهم، قال: وباب التكفير باب خطر، ولا نَعْدِل
بالسلامة شيئاً. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لا يخفى رُجحان قول من قال بتكفير
الخوارج؛ لقوّة أدلّته، ووضوحها، لكن السلامة لا يعادلها شيءٌ - كما قال
القرطبيّ تَخْتُ - فالتوقّف في مثل هذا أولى للحريص على دينه. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٤٥٢] ( .. ) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ
الْقَعْقَاعِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي نُعْم، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ
يَقُولُ: بَعَثَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ إِلَى رَسُولَ اللهِوَهِ مِنْ الْيَمَّنِ بِذَهَبَةٍ، فِي أَدِيم
مَقْرُوٍ، لَمْ تُحَصَّلْ مِنْ تُرَابِهَا، قَالَ: فَقَسَمَهَا بَيْنَ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ، بَيْنَ عُيَيْنَةَ بْنِّ
حِصْنٍ، وَالْأَفْرَعِ بْنِ حَابِسٍ، وَزَيْدِ الْخَيْلِ، وَالرَّابِعُ إِمَّا عَلْقَمَةُ بْنُ عُلَاثَةَ، وَإِمَّا
عَامِرُ بْنُ الطَّفَيْلَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: كُنَّا نَحْنُ أَحَقَّ بِهَذَا مِنْ هَؤُلَاءِ، قَالَ:
فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ◌َّهِ، فَقَالَ: ((أَلَا تَأْمُنُونِي، وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ، يَأْتِينِي خَبَرُ
السَّمَاءِ صَبَاحاً وَمَسَاءً))، قَالَ: فَقَامَ رَجُلٌ، غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ، مُشْرِفُ الْوَجْتَتَيْنِ، نَاشِزُ
الْجَبْهَةِ، كَثُّ اللِّحْبَةِ، مَحْلُوقُ الرَّأْسِ، مُشَمَّرُ الْإِزَارِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ،

٢١٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
اتَّقِ اللهَ، فَقَالَ: ((وَيْلَكَ، أَوَ لَسْتُ أَحَقَّ أَهْلِ الْأَرْضِ أَنْ يَتَّقِيَ اللهَ؟»، قَالَ: ثُمَّ وَلَّى
الرَّجُلُ، فَقَالَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا أَضْرِبُ عُنُقَهُ؟ فَقَالَ: ((لَا، لَعَلَّهُ
أَنْ يَكُونَ يُصَلِّي))، قَالَ خَالِدٌ: وَكَمْ مِنْ مُصَلِّ يَقُولُ بِلِسَانِهِ مَا لَيْسَ فِي قَلْبِهِ؟ فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّةِ: (إِنِّي لَمْ أُومَرْ أَنْ أَنْقُبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ، وَلَا أَشُقَّ بُطُونَهُمْ))،
قَالَ: ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْهِ، وَهُوَ مُقَفّ، فَقَالَ: ((إِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِيْ هَذَا قَوْمٌ، يَتْلُونَ
كِتَابَ اللهِ رَطْباً، لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ، كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ
الرَّمِيَّةِ))، قَالَ: أَظُنُّهُ قَالَ: ((لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ ثَمُودَ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (٢٤٠)
(ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥٠/٦.
٢ - (عَبْدُ الْوَاحِدِ) بن زياد الْعَبديّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت١٧٦)
(ع) تقدم في ((الطهارة)) ١١/ ٥٨٤.
٣ - (عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ) بن شُبْرُمة الضبيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (ع) تقدم في
((الإيمان)) ١٠٨/١.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (فِي أَدِيم مَقْرُوظٍ) ((الأديم)): الجلد. و((المقروظ)): المدبوغ
بالقَرَظ، وهو شجر يُدَبَغَّ به. قاله في ((المفهم))(١) .
وقوله: (لَمْ تُحَصَّلْ مِنْ تُرَابِهَا) أي لم تُخلّص من تراب معدنها، فكأنها
كانت تِبْراً، وتخليصها بالسبك.
وقوله: (وَالرَّابِعُ إِمَّا عَلْقَمَةُ بْنُ عُلَاثَةَ، وَإِمَّا عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ) قال العلماء:
ذِكْرُ عامر هنا غلط ظاهرٌ؛ لأنه تُوُفِّي قبل هذا بسنين، والصواب الجزم بأنه
علقمة بن عُلاثة كما هو مجزوم في باقي الروايات، قاله النوويّ تَخْذُّ(٢).
وقوله: (فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ) قال الحافظ تَخْتُ: لم أقف على اسمه.
وقوله: ((أَلَا تَأْمَنُونِي ... إلخ) في رواية سعيد بن مسروق الماضية أنه وَله
(١) ((المفهم)) ١١١/٣.
(٢) ((شرح النووي)) ١٦٢/٧ - ١٦٣.

٢١٩
(٤٥) - بَابُ ذِكْرِ الْخَوَارِجِ، وَبَيَانِ صِفَاتِهِمْ - حديث رقم (٢٤٥٢)
إنما قال هذا عقب قول الخارجيّ الذي يُذكر بعد هذا، وهو المحفوظ، قاله
في ((الفتح))(١) .
وقوله: (وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ ... إلخ) قال القرطبيّ في ((المفهم)): لا
حجّة فيه لمن يرى أن الله مختصّ بجهة فوقُ؛ لما تقدّم من استحالة الجسميّة،
وأيضاً فيَحْتَمِل أن يراد بـ((من في السماء)) الملائكة، فإنه أمين عندهم، معروف
بالأمانة، والسماء بمعنى العلوّ والرفعة المعنويّة. وهكذا القول في قوله تعالى
تعالى: ﴿أَمِنْتُم مَّن فِي السَّمَلِ﴾ الآية [الملك: ١٦]، وقد تقدم أن التسليم في
المشكلات أسلم. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ذكره القرطبيّ في معنى هذا
الحديث غير صحيح، والصواب إثبات الفوقية لله تعالى على ما يليق بجلاله،
فهو ◌َّلَ استوى على عرشه استواء حقيقياً، يليق بجلاله، كما أخبر به في عدّة آيات
الكتاب، وكما أخبر به النبيّ ◌َّ في الأحاديث الصحيحة. ولا يلزم من ذلك
تجسيم، ولا تكييف، فإن قياس الغائب بالشاهد باطلٌ، فربنا ◌َُّلَ هو الأعلى
((سبحان ربي الأعلى))، وكلّ ما ثبت في النصّ من صفاته العليا فهو ثابت له على
ظاهره، من غير تشبيه، ولا تمثيل، ولا تأويل، ولا تعطيل، وقد أشبعت الكلام
على هذه المسألة في غير هذا الموضع، والله سبحانه هو الهادي إلى سواء السبيل.
وقوله: (فَقَامَ رَجُلٌ ... إلخ) هذا الرجل تقدّم أنه ذو الْخُويصرة التميميّ.
وقوله: (نَاشِزُ الْجَبْهَةِ) بِنُونٍ، وَشِيْنٍ مُعْجَمَة، وَزَاي: أَيْ مُرْتَفِعهَا، فِي
رِوَايَة سَعِيد بْن مَسْرُوق الماضية: ((نَاتِئ الْجَبِين))، وهو بمعناه.
وقوله: (مُشَمَّرُ الْإِزَارِ) التشمير في الأمر: السُّرْعة فيه، والخفّةُ، وشَمّر
ثوبَهُ: رفعه، ومنه قيل: شَمَّر في العبادة: إذا اجتهد، وبالغ، وشَمَّر السهمَ:
أرساه مُصَوَّباً على الصيد(٣).
وقوله: (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ) تقدّم في رواية سعيد بن مسروق: ((فقال: يا
محمد)»، ولعلّ ما هنا من الرواية بالمعنى، والله تعالى أعلم.
(١) ((الفتح)) ٤٨٩/٩.
(٣) ((المصباح المنير)) ٣٢٢/١.
(٢) راجع: ((المفهم)) ١١١/٣ - ١١٢.

٢٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
وقوله: (فَقَالَ: ((لَا، لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ يُصَلِّي))) فيه استعمال (لَعَلَّ) استعمال
(عَسَى))، نَبَّهَ عليه ابن مالك.
وقوله: (يَكُونَ يُصَلَّي) قيل: فيه دلالة من طريق المفهوم على أن تارك
الصلاة يُقْتَلُ، وفيه نظر، قاله في ((الفتح))(١) .
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: (فيه نظرٌ)) فيه نظرٌ، فإن الاستدلال
المذكور صحيح، تؤيّده الأدلة الأخرى التي تدلّ على قتل تارك الصلاة،
فتبصّر، والله تعالى أعلم.
وقال القرطبيّ كَّتُهُ: قوله: ((لعله يكون يصلي)) هو مردود للمعنى الذي
قدّمناه من أنه إنما امتنع من قتله؛ لئلا يُتَحَدَّث أنه يَقتُل أصحابه المصلِّين،
فيكون ذلك منقِّراً، وإلا فقد صَدَر عنه ما يوجب قتله لولا المانع. انتهى (٢).
وقوله: ((إِنِّي لَمْ أُومَرْ أَنْ أَنْقُبَ ... إلخ) بنون، وقاف ثقيلة، بعدها
موحدة، يقال: نَقَبتُ الحائط ونحوه نَقْباً، من باب نصر: إذا خرقته، أي إنما
أمرت أن آخذ بظواهر أمورهم، والله تعالى يتولّى سرائرهم، كما قال ◌َالنّ:
(«أُمرتُ أن أُقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عَصَمُوا منّي
دماءهم وأموالهم إلا بحقّها، وحسابهم على الله))، وفي الحديث: ((هلّ شَقَقت
عن قلبه))(٣).
قال القرطبيّ تَخْتُ: إنما مَنَعَ قتله، وإن كان قد استوجب القتل؛ لئلا
يتحدث الناس أنه يَقْتُل أصحابه، ولا سيما من صلى، كما تقدم نظيره في قصة
عبد الله بن أبيّ.
وقال المازريّ كَُّهُ: يَحْتَمِل أن يكون النبيّ وَّ لم يفهم من الرجل
الطعن في النبوة، وإنما نسبه إلى ترك العدل في القسمة، وليس ذلك كبيرةً،
والأنبياء معصومون من الكبائر بالإجماع، واختُلِف في جواز وقوع الصغائر، أو
لعله لم يعاقب هذا الرجل لأنه لم يثبت ذلك عنه، بل نقله عنه واحد، وخبر
الواحد لا يراق به الدم. انتهى.
(١) (الفتح)) ٤٩٠/٩.
(٣) (شرح النوويّ)) ١٦٣/٧.
(٢) ((المفهم)) ١١٣/٣.