النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
(٤٤) - بَابُ إِعْطَاءِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَمَنْ يُخَافُ عَلَى إِيمَانِهِ ... إلخ - حديث رقم (٢٤٤٧)
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٤٤٧/٤٤ و٢٤٤٨] (١٠٦٢)، و(البخاريّ) في
فرض الخمس)) (٣١٥٠) و((أحاديث الأنبياء)) (٣٤٠٥) و((المغازي)) (٤٣٣٥
و٤٣٣٦) و((الأدب)) (٦٠٥٩ و٦١٠٠) و((الدعوات)) (٦٢٩١ و٦٣٣٦)،
و(الترمذيّ) في ((المناقب)) (٣٨٣١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٨٠/١ و٤١١
و ٤٣٥ و٤٤١ و٤٥٣)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٢٦/٣)، و(الحاكم) في
(المستدرك)) (٤١٢/٢)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤٣٣/٣)، و(الشاشيّ) في
((مسنده)) (٥٥/٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان جواز إعطاء المؤلّفة قلوبهم من الغنيمة؛ تأليفاً لهم.
٢ - (ومنها): جواز إخبار الإمام، وأهل الفضل بما يقال فيهم، مما لا
يليق بهم؛ ليحذروا القائل.
٣ - (ومنها): بيان ما يباح من الغيبة والنميمة؛ لأن صورتهما موجودة في
صنيع ابن مسعود رظه هذا، ولم ينكره النبيّ وَّ، وذلك أن قَصْدَ ابن
مسعود ظُهُ كان نصحَ النبيّ وَّ، وإعلامه بمن يَطْعَن فيه، ممن يُظْهِر الإسلام،
ويُبطِن النفاق؛ ليحذر منه، وهذا جائز، كما يجوز التجسس على الكفار؛
ليُؤمَنَ من كيدهم، وقد ارتكب الرجل المذكور بما قال إثْماً عظيماً، فلم يكن
له حرمة.
٤ - (ومنها): أن في قوله {وَله: (يَرْحَمُ اللهُ مُوسَى، قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ إلخ))
تسليةً لنفسه وَلّه، وتحريضاً لأمته على الصبر على الأذى.
٥ - (ومنها): بيان ما كان في الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - من
الصبر على الجهّال، واحتمال أذاهم، وجعل الله تعالى العاقبة لهم على من
آذاهم.
٦ - (ومنها): بيان أن أهل الفضل قد يُغضِبهم ما يقال فيهم، مما ليس
فيهم، ومع ذلك، فيتلقون ذلك بالصبر والحلم، كما صنع النبيّ وَّر؛ اقتداءً
بموسى فعلا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا
ونعم الوكيل.

١٨٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْذَثُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢٤٤٨] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاتٍ،
عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَسَمَ رَسُولُ اللهِنَِّ قَسْماً، فَقَالَ
رَجُلٌ: إِنَّهَا لَقِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللهِ، قَالَ: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ وَِّ، فَسَارَرْتُهُ، فَغَضِبَ
مِنْ ذَلِكَ غَضَباً شَدِيداً، وَاحْمَرَّ وَجْهُهُ، حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَذْكُرْهُ لَهُ، قَالَ: ثُمَّ
قَالَ: (قَدْ أَوُذِيَ مُوسَى بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا، فَصَبَرَ)).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً) تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (حَقْصُ بْنُ غِيَاثٍ) بن طَلْق النخعيّ، أبو عمر الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ، تغيرّ
حفظه قليلاً في الآخر [٨] (ت٤ أو ١٩٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٦/٨.
٣ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران، تقدّم في الباب الماضي.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (قَسَمَ رَسُولُ اللهِ ﴿ قَسْماً) منصوب على المصدريّة، يقال:
قَسَمت الشيءَ قسماً، من باب ضرب: فَرَزته أجزاءً، فانقسم، والقِسْم بالكسر
اسم منه، ثمّ أُطلق على الحصّة والنصيب، فيقال: هذا قِسْمي، والجمع أقسام،
مثلُ حِمْل وأَخْمال، أفاده الفيّوميّ ◌َُّهُ(١).
وقال التوربشتيّ تَخّْثُهُ: القَسْم مصدر قَسَمْتُ الشيءَ، فانقَسَمَ، سُمِّي
الشيءُ المقسومُ، وهو الغنيمة بالمصدر، والقِسْم بالكسر: الحظّ والنصيب، ولا
وجه للمكسور في الحديث؛ لأنه يختصّ بما إذا تفرد نصيبٌ، وهذا القَسْم كان
في غنائم خيبر قسمها بالجعرانة(٢).
وقوله: (فَسَارَرْتُهُ) أي كلّمته سرّاً.
[تنبيه]: رواية الأعمش، عن شقيق هذه ساقها البخاريّ كَّثُ في
((صحيحه))، فقال:
(١) راجع: ((المصباح المنير)) ٥٠٣/٢.
(٢) راجع: ((المرقاة)) ٣٤/١١.

١٨٣
(٤٥) - بَابُ ذِكْرِ الْخَوَارِجِ، وَبَيَانِ صِفَاتِهِمْ - حديث رقم (٢٤٤٩)
(٤٠٨٠) - حدّثنا قَبِيصَةُ، حدّثنا سُفْيَانُ، عن الْأَعْمَشِ، عن أبي وَائِلٍ،
عن عبد اللهِ، قال: لَمَّا قَسَمَ النبيّ وَهِ قِسْمَةَ حُنَيْنٍ، قال رَجُلٌ من الْأَنْصَارِ: مَا
أَرَادَ بها وَجْهَ اللهِ، فَأَتَيْتُ النبيّ وَ ﴿َ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ، ثُمَّ قال: ((رَحْمَةُ اللهِ
على مُوسَى، لقد أُوذِيَ بِأَكْثَرَ من هذا، فَصَبَرَ)). انتهى، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أُسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أَنِبُ﴾ .
(٤٥) - (بَابُ ذِكْرِ الْخَوَارِجِ، وَبَيَانِ صِفَاتِهِمْ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْذّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤٤٩] (١٠٦٣) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح بن الْمُهَاجِرِ، أخبرنا اللَّيْثُ،
عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْد اللهِ، قَالَ: أَتَّى رَجُلٌ
رَسُولَ اللهِ لَّهِ بِالْجِعْرَانَةِ، مُنْصَرَفَهُ من حُنَيْنٍ، وفي ثَوْبٍ بِلَالٍ فِضَّةٌ، وَرَسُولُ اللهِ وَهُ
يَقْبِضُ منها، يُعْطِي النَّاسَ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ اعْدِلْ، قَالَ: ((وَيْلَكَ، وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا
لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ؟، لقد خِبْتَ وَخَسِرْتَ، إنْ لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ))، فَقَال عُمَرُ بن
الْخَطَّابِ رَبِهِ: دَعْنِي يَا رَسُولَ اللهِ، فَأَقْتُلَ هذا الْمُنَافِقَ، فَقَالَ: ((مَعَاذَ اللهِ أَنْ
يَتَحَدَّثَ الناسِ أَنِّي أَقْتُلُ أَصْحَابِيٍ، إِنَّ هَذَا وَأَصْحَابَهُ يقرأون الْقُرْآنَ، لَا يُجَاوِزُ
حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنْهُ، كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح بن الْمُهَاجِرِ) الُّجِيبيّ مولاهم المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ
[١٠] (ت ٢٤٢) (م ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٨/١٦.
٢ - (اللَّيْثُ) بن سعد تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) بن قيس الأنصاريّ المدنيّ، أبو سعيد القاضي،
ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ت١٤٤) أو بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٦/٦.
٤ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ،
صدوقٌ، إلا أنه يُدَلِّس [٤] (١٢٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٩/٤.

١٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
٥ - (جَابِرُ بْنُ عَبْد اللهِ) بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ، ثم السَّلَميّ
الصحابيّ ابن الصحابيّ ﴿ًا، مات بالمدينة بعد السبعين، وهو ابن أربع
وتسعين (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٧/٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ◌َذَلُهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوی شیخه، فتفرّد به هو وابن
ما جه .
٣ - (ومنها): أن شيخه والليث مصريّان، ويحيى والصحابيّ مدنيّان، وأبو
الزبير مكيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ ﴿ّ، وقد غزا مع النبيّ وَّ تسع
عشرة غزوة، وهو أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثاً.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ) كذا رواه المصنّف، ورواه البخاريّ عن مسلم بن
إبراهيم، عن قرّة بن خالد، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله
هټا.
قال في ((الفتح)): وقد خالف زيدُ بن الْحُبَاب مسلم بن إبراهيم فيه،
فقال: عن قُرَّة، عن أبي الزبير، بدل عمرو بن دينار، أخرجه مسلم - يعني
الرواية التالية - وسياقه أتمّ، ورواية البخاريّ أرجح، فقد وافق شيخه على ذلك
عن قرة عثمانُ بنُ عمرو، عند الإسماعيليّ، والنضرُ بنُ شُمَيل عند أبي نعيم،
فاتفاق هؤلاء الحفاظ الثلاثة أرجح من انفراد زيد بن الحباب عنهم.
ويَحْتَمِل أن يكون الحديث عند قُرّة عن شيخين، بدليل أن في رواية أبي
الزبير زيادةً على ما في رواية هؤلاء كلهم عن قرة، عن عمرو. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الأخير هو المتعيّن، كما هو رأي
(١) راجع: ((الفتح)) ٤١٦/٧.

١٨٥
(٤٥) - بَابُ ذِكْرِ الْخَوَارِجِ، وَبَيَانِ صِفَاتِهِمْ - حديث رقم (٢٤٤٩)
المصنّف ◌َظْتُهُ، حيث أخرجه من رواية ابن الحباب عن أبي الزبير أيضاً، فتأمله
بالإنصاف، والله تعالى أعلم.
(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْد اللّهِ) ﴿ّ أنه (قَالَ: أَتَى رَجُلٌ) قيل: هو ذو الْخُوَيصرة
التميميّ، واعترضه الحافظ تَُّ بأن القصة التي في حديث جابر ظُْه صُرِّح في
حديثه بأنها كانت مُنْصَرَف النبيّ وَّه من الجعرانة، وكان ذلك في ذي القعدة
سنة ثمان، وكان الذي قسمه النبيّ ◌َ ر حينئذ فضةً كانت في ثوب بلال
،
وكان يُعطي كلَّ من جاء منها، والقصة التي في حديث أبي سعيد ظُه صَرِّح
في رواية أبي نعيم عنه أنها كانت بعد بعث عليّ ◌َظُه إلى اليمن، وكان ذلك
في سنة تسع، وكان المقسوم فيها ذهباً، وخَصَّ به أربعة أنفس، فهما قصّتان
في وقتين، اتَّفَقَ في كل منهما إنكار القائل، وصُرِّح في حديث أبي سعيد
عنه
أنه ذو الخويصرة التميميّ، ولم يُسَمَّ القائل في حديث جابر ◌َُّهِ، ووَهِمَ من
سماه ذا الخويصرة ظاناً اتحاد القصتين.
قال: ووجدت لحديث جابر شاهداً من حديث عبد الله بن عمرو بن
العاص ها، عن النبيّ وَلّ أنه أتاه رجل يوم حنين، وهو يَقْسِم شيئاً، فقال: يا
محمد اعدل، ولم يُسَمّ الرجل أيضاً، وسماه محمد بن إسحاق بسند حسن،
عن عبد الله بن عمر (١) وأخرجه أحمد والطبري أيضاً، ولفظه: ((أتى ذو
الخويصرة التميميّ رسول الله وَّةٍ، وهو يقسم الغنائم بحنين، فقال: يا
محمد ... ))، فذكر نحو هذا الحديث المذكور، فيمكن أن يكون تكرر ذلك منه
في الموضعين، عند قسمة غنائم حنين، وعند قسمة الذهب الذي بعثه
عليّ رُه. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي أن الرجل هو ذو الخويصرة
التميميّ، ولا يُستبعد أن يقع له هذا الكلام في الموضعين، كما أشار إليه
الحافظ في آخر كلامه، ومما يؤيّد ذلك أن في مسند أحمد تَّتُهُ لحديث
جابر نظره هذا ما نصّه: ((لما قسم رسول الله 18 غنائم هوازن بين الناس
(١) لعل الصواب عبد الله بن عَمْرو المذكور قبله.
(٢) ((الفتح)) ١٦ / ١٧٧.

١٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
بالجعرانة، قام رجل من بني تميم، فقال: اعدل يا محمد ... ))، والله تعالى
أعلم.
(رَسُولَ اللهِن ◌َّهِ بِالْجِعْرَانَةِ) قال ابن الأثير تَقْتُهُ: هو موضعٌ قريبٌ من
مكّة، وهي في الحلّ، وميقاتٌ للإحرام، وهي بتسكين العين، والتخفيف، وقد
تكسر العين، وتُشدّد الراء. انتهى(١).
وقال في ((القاموس)): ((الْجِعْرانة)) - بكسر، فسكون، وقد تكسر العين،
وتُشدّد الراء، وقال الشافعيّ: التشديد خطأ - موضع بين مكة والطائف، سُمِّي
برَيْطَة بنت سعد، وكانت تُلَّقَّب بالْجِعْرانة، وهي المرادة في قوله تعالى: ﴿كَأَلَّتِى
نَقَضَتْ غَزْلَهَا﴾ الآية [النحل: ٩٢]. انتهى (٢).
وقال الفيّوميّ تَخْتُ: ((الْجِعْرَانَة)): موضع بين مكة والطائف، وهي على
سبعة أميال من مكة، وهي بالتخفيف، واقتَصَرَ عليه في ((البارع))، ونقله جماعة
عن الأصمعيّ، وهو مضبوط كذلك في ((المحكم))، وعن ابن المدينيّ:
العراقيون يُثَقِّلُون ((الجعرانة))، و((الحديبية))، والحجازيون يخففونهما، فأخذ به
المحدِّثون، على أن هذا اللفظ ليس فيه تصريح بأن التثقيل مسموع من العرب،
وليس للتثقيل ذكر في الأصول المعتمدة عن أئمة اللغة، إلا ما حكاه في
((المحكم)) تقليداً له في الحديبية، وفي ((العباب)): والجعرانة - بسكون العين -
وقال الشافعيّ: المحدثون يخطئون في تشديدها، وكذلك قال الخطابيّ،
(٣)
انتهى(٣).
(مُنْصَرَفَهُ) ظرف زمان من الانصراف، وهو بصيغة اسم المفعول يصلح،
لظرفي الزمان والمكان، واسم المفعول، وللمصدر الميميّ، والمراد به هنا
الزمان، أي وقت انصرافه (من) غزوة (حُنَيْنِ) بصيغة التصغير: وادٍ بين مكة
والطائف، وهو مذكّر منصرفٌ، وقد يؤنّث على معنى البُقْعَة، وكان ذلك بعد
فتح مكة في شوال سنة ثمان من الهجرة، كما تقدّم تمام البحث فيه قريباً (وفي
ثَوْبٍ بِلَالٍ) هو ابن رَبَاح، مؤذّن رسول الله وَّر المتوفّى سنة (٧ أو ٨ أو ٢٠)
(١) ((النهاية)) ٢٧٦/١.
(٣) ((المصباح المنير)) ١/ ١٠٢.
(٢) ((القاموس المحيط)) ١/ ٤٦٧.

١٨٧
(٤٥) - بَابُ ذِكْرِ الْخَوَارِجِ، وَبَيَانِ صِفَاتِهِمْ - حديث رقم (٢٤٤٩)
وقد تقدّمت ترجمته نصّه في ((الطهارة)) ٦٤٣/٢٣. (فِضَّةٌ) فيه تصريح بأن الذي
قسمه 18 في حديث جابر رظه هي الفضّة، وكان في سنة ثمان، بخلاف ما
سيأتي في حديث أبي سعيد الخدريّ ◌ُبه، فإنه ذهب، وكان ذلك في سنة تسع
(وَرَسُولُ اللهِ وَّهِ يَقْبِضُ منها، يُعْطِي النَّاسَ) أي عامّة الناس، فلم يخُصّ
أشخاصاً معيّنين، كما فعل في حديث أبي سعيد رَُّّه، فإنه قسم الذهب بين
أربعة أشخاص، كما سيأتي (فَقَالَ) ذلك الرجل (يَا مُحَمَّدُ اعْدِلْ، قَالَ) ◌ِد
((وَيْلَك) أي هلاكك، بمعنى هلكت، قال السمين الحلبيّ تَخُّْ: هو منصوب
على المصدريّة بفعل مُلاقٍ له في المعنى دون الاشتقاق، ومثلُهُ: وَيْحَه،
وويْسَهُ، وويْبَهُ، وإما على المفعول به بتقدير: ألزمك الله ويلك. انتهى(١).
وقال ابن الأثير تَُّهُ: الويل: الحزن، والهلاك، والمشقّةُ من العذاب،
وكلُّ من وقع في هَلَكَة دعا بالويل، ومعنى النداء فيه: يا حزني، ويا هلاكي،
ويا عذابي احضُر، فهذا وقتك، وأوانك، قاله في ((النهاية))(٢).
(وَمَنْ) استفهاميّة، كما مرّ في الحديث الماضي (يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَكُنْ
أَعْدِلُ؟، لقد خِبْتُ وَخَسِرْتُ)) قال النوويّ تَخْذُ: رُوي بفتح التاء في ((خِبْتُ))،
و((خَسِرتُ))، وبضمهما فيهما، ومعنى الضم ظاهرٌ، وتقدير الفتح خبتَ أنت أيها
التابع، إذا كنتُ لا أعدل؛ لكونك تابعاً ومقتدياً بمن لا يعدل، والفتح أشهر،
والله أعلم. انتهى(٣).
ووقع عند البخاريّ بلفظ: (لقد شَقِيتُ))، قال في ((الفتح)): وقوله في هذه
الرواية: ((لقد شقيتُ)) بضم المثناة للأكثر، ومعناه ظاهرٌ، ولا محذور فيه،
والشرط لا يستلزم الوقوع؛ لأنه ليس ممن لا يَعْدِل، حتى يحصل له الشَّقَاء،
بل هو عادل، فلا يَشْقَى، وحَكَى عياض فتحها، ورجحه النوويّ، وحكاه
الإسماعيليّ عن رواية شيخه الْمَنِيعِيِّ من طريق عثمان بن عُمَر، عن قُرَّة،
والمعنى: لقد شقيتَ، أي ضَلَلْتَ أنت أيها التابع، حيث تقتدي بمن لا يعدل،
(١) راجع: ((حاشية الجمل على الجلالين)) في ((سورة الأحقاف)) عند قوله تعالى:
﴿وَيْلَكَ ءَامِنْ﴾ الآية (١٣٠/٤).
(٢) ((النهاية)) ٢٣٦/٥.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٥٩/٧.

١٨٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
أو حيث تعتقد في نبيّك هذا القول الذي لا يصدر عن مؤمنٍ. انتهى(١).
وقوله: (إِنْ لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ))) جوابه مقدّرٌ دلّ عليه ما قبله، أي فلقد خبت
وخسرت (فَقَال عُمَرُ بِن الْخَطَّابِ ﴿بنه) وجاء في روايات أخرى أن خالد بن
الوليد خه هو الذي استأذن النبيّ وَّ﴿ في قتله، ولا تعارض في ذلك لإمكان
أن يستأذن كلٌّ منهما، فتنبّه(٢)، والله تعالى أعلم.
(دَعْنِي) أي اتركني، ولا تمنعني من قتله؛ لأنه يستحقّ القتل (يا رَسُولَ الهِ،
فَأَقْتُلَ هذا الْمُنَافِقَ) بالنصب على جواب الأمر، كما قال في ((الخلاصة)):
وَبَعْدَ فَا جَوَابٍ نَفْي أَوْ طَلَبْ مَحْضَيْنِ ((أَنْ)) وَسَتْرُهُ حَتْمٌ نَصَبْ
(فَقَالَ) وَّرِ ((مَعَاذَ اللهِ) منصوب على المصدريّة لفعل محذوف، ومضاف
إلى المفعول، أي أعوذ بالله من (أَنْ يَتَحَدَّثَ الناسِ أَنِّي أَقْتُلُ أَصْحَابِي) والمراد
بالناس هم المشركون، فقد أخرج أحمد، والطبريّ من حديث أبي بكرة حذّ ◌ُه
قال: ((أُتي النبيّ ◌َ ﴿ُ بِمُويل، فقعد يقسمه، فأتاه رجلٌ، وهو على تلك
الحال ... )) فذكر الحديث، وفيه: ((فقال أصحابه: ألا تضرب عنقه؟ فقال: لا
أريد أن يسمع المشركون أني أقتل أصحابي)).
(إِنَّ هَذَا) أي الرجل الذي قال: ((يا محمد اعدل)) (وَأَصْحَابَهُ يقرأون
الْقُرْآنَ، لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ) بالفتح: جمع حَنْجَر: رأس الْغَلْصَمة حيث تراه
ناتئاً من خارج الحلق(٣).
قال القاضي عياض ◌َّلُ: فيه تأويلان:
[أحدهما]: معناه لا تَفْقَهه قلوبهم، ولا ينتفعون بما تلوا منه، ولا لهم
حظّ سوى تلاوة الفم، والحنجرةِ، والحلقِ، إذ بهما تقطيع الحروف.
[والثاني]: معناه لا يصعد لهم عمل، ولا تلاوة، ولا يُتَقَبَّل. انتهى (٤).
(يَمْرُقُونَ) أي يخرجون، يقال: مَرَق السهم من الرَّميّة مُرُوقاً، من باب
قعد: خرج منه من غير مدخله(٥). (مِنْهُ) الضمير للإسلام، أو الدين، كما
(١) ((الفتح)) ٤١٦/٧ ((كتاب فرض الخمس)) رقم (٣١٣٨).
(٣) ((النهاية)) ٤٤٩/١.
(٢) راجع: ((شرح النوويّ)) ١٥٩/٧.
(٤) ((إكمال المعلم)) ٦٠٩/٣.
(٥) ((المصباح)) ٥٦٩/٢.

١٨٩
(٤٥) - بَابُ ذِكْرِ الْخَوَارِجِ، وَبَيَانِ صِفَاتِهِمْ - حديث رقم (٢٤٤٩)
تفسّره الروايات الآتية (كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ») بفتح الراء، وتشدید الیاء :
فَعِيلة بمعنى مفعولة، وهي ما يُرْمَى من الحيوان ذكراً كان أو أنثى، والجمع
رَمِيَّت، ورَمَايَا، مثلُ عطيّةٍ وعَطَايا(١).
وقال النوويّ تَخُّْهُ: قوله ◌َله: ((يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية))،
وفي الرواية الأخرى: ((يمرقون من الإسلام))، وفي الرواية الأخرى: ((يمرقون
من الدين))، قال القاضي عياض: معناه يخرجون منه خروج السهم إذا نَفَذ
الصيد من جهة أخرى، ولم يتعلق به شيء منه.
قال: والدين هنا هو الإسلام، كما قال ◌َالنَ: ﴿إِنَّ الذِينَ عِندَ اللَّهِ
اَلْإِسْلَمُ﴾ [آل عمران: ١٩]، وقال الخطابيّ: هو هنا الطاعة، أي من طاعة الإمام.
وفي هذه الأحاديث دليلٌ لمن يُكَفِّرِ الخوارج، قال القاضي عياض رَّتُهُ:
قال المازريّ: اختَلَف العلماء في تكفير الخوارج، قال: وقد كادت هذه
المسألة تكون أشدّ إشكالاً من سائر المسائل، ولقد رأيت أبا المعالي، وقد
رَغِب إليه الفقيه عبد الحقّ - رحمهما الله تعالى - في الكلام عليها، فَرَهِبَ له
من ذلك، واعتذر بأن الغلط فيها يصعب موقعه؛ لأن إدخال كافر في الملة،
وإخراج مسلم منها عظيمٌ في الدين، وقد اضطرب فيها قول القاضي أبي بكر
الباقلّانيّ، وناهيك به في علم الأصول، وأشار ابن الباقلانيّ إلى أنها من
المعوصات؛ لأن القوم لم يُصَرِّحوا بالكفر، وإنما قالوا أقوالاً تؤدِّي إليه، وأنا
أكشف لك نكتة الخلاف، وسبب الإشكال، وذلك أن المعتزليّ مثلاً يقول:
إن الله تعالى عالم، ولكن لا علم له، وحيّ، ولا حياة له يوقع الالتباس في
تكفيره؛ لأنّا علمنا من دين الأمة ضرورةً أن من قال: إن الله تعالى ليس بحيّ،
ولا عالم، كان كافراً، وقامت الحجة على استحالة كون العالم لا علم له،
فهل نقول: إن المعتزليّ إذا نفى العلم نَفَى أن يكون الله تعالى عالِماً، وذلك
كفر بالإجماع، ولا ينفعه اعترافه بأنه عالم، مع نفيه أصل العلم، أو نقول: قد
اعترف بأن الله تعالى عالم، وإنكاره العلم لا يُكَفِّره، وإن كان يؤدي إلى أنه
ليس بعالم، فهذا موضع الإشكال، هذا كلام المازريّ، ومذهب الشافعيّ،
(١) ((المصباح المنير)) ٢٤٠/١.

١٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
وجماهير أصحابه العلماءِ، أن الخوارج لا يُكَفَّرون، وكذلك القَدَريّة، وجماهير
المعتزلة، وسائر أهل الأهواء، قال الشافعيّ تَخّْتُ: أَقْبَلُ شهادة أهل الأهواء إلا
الخطابية، وهم طائفة من الرافضة يَشهَدون لموافقيهم في المذهب بمجرد
قولهم، فرَدَّ شهادتهم لهذا، لا لبدعتهم، والله أعلم. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي تمام البحث في هذه المسألة في شرح
حديث أبي سعيد الخدريّ ◌ُه الآتي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله
(المسألة الثانية): في تخريجه:
هذا متّفقٌ عليه.
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٤٤٩/٤٥ و٢٤٥٠] (١٠٦٣)، و(البخاريّ) في
((فرض الخمس)) (٣١٣٨) وفي ((الأدب المفرد)) (٧٧٤)، و(النسائيّ) في ((فضائل
القرآن)) (١١٢ و١١٣)، و(أحمد) في («مسنده)) (٣٥٣/٣ و٣٥٤)، و(الحميديّ) في
((مسنده)) (١٢٧١)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٢٧/٣)، والله تعالى أعلم.
وأما فوائد الحديث، وبقيّة المسائل ستأتي في شرح حديث أبي سعيد
الخدريّ ◌ُبه - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْذُّهُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢٤٥٠] ( .. ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ،
قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بن
عبد اللهِ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بِن الْحُبَابِ، حَدَّثَنِي قُرَّةُ بن
خَالِدٍ، حَدَّثَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّ النَّبِيَّ وَلِ كَانَ يَقْسِمُ مَغَانِمَ،
وَسَاقَ الْحَدِيثَ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم في الباب الماضي.

١٩١
(٤٥) - بَابُ ذِكْرِ الْخَوَارِجِ، وَبَيَانِ صِفَاتِهِمْ - حديث رقم (٢٤٥٠)
٢ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ) هو: ابن عبد المجيد بن الصَّلْت، أبو محمد
البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت١٩٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٧/ ١٧٣.
٣ - (زَيْدُ بن الْحُبَابِ) أبو الحسن العكليّ الكوفيّ، خُرَاسانيّ الأصل،
صدوقٌ يُخطئ في حديث الثوريّ [٩] (ت٢٠٣) (م٤) تقدم في ((الطهارة))
٥٦٠/٦.
٤ - (قُرَّةُ بن خَالِدٍ) السَّدُوسيّ البصريّ، ثقةٌ ضابطٌ [٦] (ت١٥٥) (ع)
تقدم في ((الإيمان)) ١٢٦/٦.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ) الفاعل ضمير لقرّة بن خالد، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية يحيى بن سعيد، عن أبي الزير، ساقها أبو نعيم في
((مستخرجه)) (١٢٧/٣) فقال:
(٢٣٧٢) - حدّثنا أبو بكر الطلحيّ، ثنا عبيد بن غنام، ثنا أبو بكر بن أبي
شيبة، ثنا زيد بن الحباب، حدّثني قرة بن خالد، عن أبي الزبير، عن جابر (ح)
وحدّثنا أبو محمد بن حيان، ثنا إبراهيم بن محمد بن الحسن، ثنا عبد الجبار،
حدّثنا عبد الوهاب الثقفي (ح) وحدّثنا سليم بن عصام، ثنا حفص بن عمرو(١)،
ثنا عبد الوهاب، سمعت يحيى بن سعيد، يقول: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع
جابراً يقول: بَصَرُ عيني، وسَمْعُ أذني، رسول الله وَّ، وهو بالجعرانة، وفي
ثوب بلال فضةٌ، فجعل رسول الله وَله يقبضها للناس يعطيهم، فقال له رجل:
يا رسول الله اعدل، فقال: «ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل؟ لقد خبتَ
وخسرتَ إن لم أعدل))، فقال عمر: يا رسول الله دعني فأقتل هذا المنافق
الخبيث، فقال رسول الله سر: ((أن تتحدث قريش أني أقتل أصحابي، إن هذا
وأصحابه يقرءون القرآن، لا يجاوز حلوقهم، أو حناجرهم، يمرقون من الدين
كما يمرق السهم من الرمية))، لفظ يحيى بن سعيد. انتهى.
وأما رواية قرّة بن خالد، عن أبي الزبير، فلم أر من ساقها، فليُنظر،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(١) هكذا النسخة ((ابن عمرو))، ولعل الصواب ((ابن عُمر))، فليُحرّر.

١٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٤٥١] (١٠٦٤) - (حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَخْوَصِ، عَنْ
سَعِيدٍ بْنِ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نُعْمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ:
بَعَثَ عَلِيٍّ ◌َُّهُ، وَهُوَ بِالْيَمَنِ بِذَهَبَةٍ فِي تُرْبَتَّهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ وََّ، فَقَسَمَهَا
رَسُولُ اللهِ وَِّ بَيْنَ أَرْبَعَةٍ نَفَرِ: الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسِ الْحَنْظَلِيُّ، وَعُيَيْنَةُ بْنُ بَدْرٍ
الْفَزَارِيُّ، وَعَلْقَمَةَ بَنُ عُلَاثَةَ الْعَامِرِيُ، ثُمَّ أَحَدُ بَنِي كِلَابٍ، وَزَيْدُ الْخَيْرِ الطَّائِيُ، ثُمَّ
أَحَدُ بَنِي نَبْهَانَ، قَالَ: فَغَضِبَتْ قُرَيْشٌ، فَقَالُوا: أَيُعْطِي (١) صَنَادِيدَ نَجْدٍ، وَيَدَهُنَا؟
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((إِنِّي إِنَّمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ لِأَنْأَلَّفَهُمْ، فَجَاءَ رَجُلٌ كَثُّ اللِّحْيَةِ،
مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ، غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ، نَاتِئُء الْجَبِينِ، مَحْلُوقُ الرَّأْسِ، فَقَالَ: اتَّقِ اللهَ يَا
مُحَمَّدُ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((فَمَنْ يُطِعِ اللهَ إن عَصَيْتُهُ؟ أَيَأْمَنُنِي عَلَى أَهْلِ
الأرض، وَلَا تَأْمَنُونِي؟)) قَالَ: ثُمَّ أَدْبَرَ الرَّجُلُ، فَاسْتَأْذَنَ رَجُلٌ من الْقَوْم في قَتْلِهِ،
يُرَوْنَ أَنَّهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((: إِنَّ مِنْ ضِْضِيْ هَذَا قَوْماً يقرأون
الْقُرْآنَ، لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ، وَيَدَعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ، يَمْرُقُونَ
من الْإِسْلَامِ، كما يَمْرُقُ السَّهْمُ من الرَّمِيَّةِ، لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ)).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (هَنَّدُ بْنُ السَّرِيِّ) - بكسر الراء الخفيفة - ابن مصعب التميميّ، أبو
السريّ الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٣) وله (٩١) سنةً (عخ م ٤) تقدم في
((الإيمان)) ٣٦٥/٦٤.
٢ - (أَبُو الْأَحْوَصِ) سلّام بن سُلَيم الحنفيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ
[٧] (ت١٧٩) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٥/٤.
٣ - (سَعِيدُ بْنُ مَسْرُوقٍ) الثوريّ، والد سفيان، ثقةٌ [٦] (ت ١٢٦) أو
بعدها (ع) تقدم في ((صلاة المسافرين)) ١٧٣٨/١٩.
(١) وفي نسخة: ((يُعطي)) بحذف الهمزة.

١٩٣
(٤٥) - بَابُ ذِكْرِ الْخَوَارِجِ، وَبَيَانِ صِفَاتِهِمْ - حديث رقم (٢٤٥١)
٤ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي نُعْم(١)) - بضم النون، وسكون المهملة -
البجليّ، أبو الحكم الكوفيّ العابد، صِّدوقٌ [٣].
رَوَى عن أبي هريرة، وأبي سعيد، ورافع بن خَدِيج، والمغيرة بن شعبة،
وابن عمر، وسفينة.
ورَوَى عنه سعيد بن مسروق الثوريّ، ومحمد بن عبد الله بن أبي يعقوب
الضبيّ، ويزيد بن أبي زياد، ومغيرة بن مقسم، وعُمَارة بن القعقاع، وفُضيل بن
غَزْوان، وغيرهم.
قال مِنْدَل بن عليّ، عن بكير بن عامر: لو قيل لعبد الرحمن: قد توجه
ملك الموت إليك، يريد قبض روحك، ما كانت عنده زيادة على ما هو فيه،
وقال محمد بن فضيل، عن أبيه: كان عبد الرحمن يُخْرِم من السنة إلى
السنة(٢)، وكان يقول: لبيك، لو كان رياء لاضْمَحَلَّ، وذكره ابن حبان في
((الثقات))، وقال: كان من عُبّاد أهل الكوفة، ممن يصبر على الجوع الدائم،
أخذه الحجاج ليقتله، وأدخله بيتاً مظلماً، وسَدَّ الباب خمسة عشر يوماً، ثم أمر
بالباب ففُتِحَ ليخرجَ، فيُدْفَنَ، فدخلوا عليه فإذا هو قائم يصلي، فقال له
الحجاج: سِرْ حيث شئت، وروى عبد الرحمن بن أحمد في ((زيادات الزهد)»
من طريق مغيرة بن مقسم، قال: دخل ابن أبي نُعْم على الحجاج أيام الجماجم
فوعظه، وقال ابن سعد: كان يُحْرِم من السنة إلى السنة، وكان ثقةً، وله
أحاديث، وقال ابن أبي حاتم: ذكر أبي عبد الرحمن بن أبي نُعْم، فذَكَر له
فضلاً وعبادةً، وقال النسائيّ في ((التمييز)): ثقةٌ، وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن
معین : ضعيف.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم
(١٠٦٤) وأعاده بعده، و(١٥٣٨) و(١٥٨٨) و(١٦٦٠).
(١) لم أجد من ذكر اسم أبي نُعم، فليُنظر.
(٢) قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى كون هذا خلاف السنّة، وخير الهدي هدي
محمد رَ﴿، فعدّ مثل هذا في مناقبه محلّ نظر، وما أكثر نقل المؤرّخين لمثل هذا؛
لجهلهم بالسنّة، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.

١٩٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
٥ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سِنَان بن عُبيد الأنصاريّ
الصحابي ابن الصحابيّ، مات ﴿ه بالمدينة سنة ثلاث، أو أربع، أو خمس
وستين، وقيل: سنة أربع وسبعين (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٨٥.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رَُّهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له
البخاريّ في ((الصحيح)).
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى الصحابيّ، فمدنيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه أبا سعيد رظُله أحد المكثرين السبعة، روى (١١٧٠)
حديثاً .
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) سعد مالك بن سِنَان ◌ِ﴿َا أنه (قَالَ: بَعَثَ
عَلِيٍّ ◌َّهِ) ابن أبي طالب (وَهُوَ بِالْيَمَنِ) جملة في محلّ نصب على الحال، أي
حال كونه كائناً باليمن؛ لأن النبيّ وَلّ ولّاه قاضياً بها
(ِذَهَبَةٍ) قال النوويّ تَخْتُ: هكذا هو في جميع نُسخ بلادنا ((بذَهَبَة)) - بفتح
الذال ـ وكذا نقله القاضي عن جميع رُواة مسلم، وفي رواية ابن ماهان:
(بذُهيبة)) على التصغير. انتهى (١).
وبالتصغير وقع عند البخاريّ، قال الخطابيّ: إنما أنّها على نية القطعة
من الذهب، وقد يؤنث الذهب في بعض اللغات، وقال ابن الأثير: قيل: هي
تصغير ذهب، وأدخل الهاءَ فيها؛ لأن الذهب يؤنّث، والمؤنّث الثلاثيّ إذا صُغِّر
أُلْحِق في تصغيره الهاءُ، نحو فُريسة، وشُميسة، وقيل: هو تصغير ذَهَبة على نيّة
القطعة منها، فصغّرها على لفظها. انتهى(٢).
وقال الفيّوميّ تَّتُهُ: ((الذهب)): معروف، ويؤنَّث، فيقال: هي الذهب
الحمراء، ويقال: إن التأنيث لغة الحجاز، وبها نزل القرآن، وقد يؤنَّث بالهاء،
(١) ((شرح النوويّ)) ١٦١/٧.
(٢) ((النهاية)) ٢/ ١٧٣.

١٩٥
(٤٥) - بَابُ ذِكْرِ الْخَوَارِجِ، وَبَيَانِ صِفَاتِهِمْ - حديث رقم (٢٤٥١)
فيقال: ذهبةٌ، وقال الأزهريّ: الذهب مذكَّرٌ، ولا يجوز تأنيثه، إلا أن يُجْعَل
جمعاً لذَهَبَةٍ، والجمع: أَذْهابٌ، مثلُ سبب وأسباب، وذُهْبان، مثلُ رُغْفَان،
وأذهبته بالألف: مَوَّهْتُهُ بالذهب. انتهى(١).
[تنبيه]: هذه القصة غير القصة المتقدمة في غزوة حنين، ووَهِمَ مَن
خَلَطها بها، واختُلِف في هذه الذَّهَبَة، فقيل: كانت خمس الخمس، وفيه
نظرٌ، وقيل: من الخمس، وكان ذلك من خصائصه ◌َّر أنه يضعه في صنف
من الأصناف للمصلحة، وقيل: من أصل الغنيمة، وهو بعيدٌ، قاله في
((الفتح))(٢).
(في تُرْبَتِهَا) لغة في التراب؛ إذ فيها لغات، جمعتها بقولي:
مِنَّ اللُّغَاتِ مَا يَلِي فَانْتَفِعَا
اعْلَمْ بِأَنَّ لِلتُّرَابِ سُمِعًا
وَتَيْرَبُ وَتُرَبَاءُ أُدْرِجَا
تُرَابُ الثُّرْبَةُ وَالتَّرْبَاءُ جَا
كَذَا تَرِيبٌ مَعَهُ تَوْرَابُ
وَتَوْرَبٌ وَتَيْرَبٌ تَيْرَابُ
كَذَا بِتُرْبَانٍ بِغَيْرٍ مِرْيَةٍ
وَيُجْمَعُ الُّرَابُ بِالأَتْرِبَةِ
وفي رواية البخاريّ: ((لم تُحَصَّل من ترابها))، أي لم تُخَلَّص من تراب
المعدن، فكأنها كانت تِيْراً، وتخليصها بالسَّبْك.
(إِلَى رَسُولِ اللهِ ﴿) متعلّق بـابَبَعَثَ)) (فَقَسَمَهَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ بَيْنَ أَرْبَعَةٍ
نَفَرٍ) قال الفيّوميّ تَخْتُهُ: ((النفر)) - بفتحتين -: جماعة الرجال من ثلاثة إلى
عشرة. وقيل: إلى سبعة، ولا يقال: نفرٌ فيما زاد على العشرة. انتهى.
(الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ) بالجرّ بدل من ((أربعة))، أو من ((نفر))، أو عطف
بيان، ويجوز الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف: أي أحدهم الأقرع، والنصب
على أنه مفعول لفعل مقدّر، أي أعني.
و((الأقرع)) - بفتح الهمزة، وسكون القاف، وبالراء، وبالعين المهملة - ابن
حابس - بالحاء المهملة، وكسر الباء الموحّدة، وبالسين المهملة - ابن عقال بن
(١) ((المصباح المنير)) ٢١٠/١.
(٢) ((الفتح)) ٤٨٩/٩.

١٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
محمد بن سفيان بن مُجاشع المجاشعيّ الدارميّ أحدُ المؤلفة قلوبهم، وقد تقدّم
الكلام فيه مطوّلاً في شرح حديث رافع بن خَدِيج ◌َظُه الماضي.
وقوله: (الْحَنْظَلِيُ) نسبة إلى حنظل بن مالك بن زيد مناة بن تميم، زاد
في رواية للبخاريّ: ((ثم المجاشعيّ))، نسبة إلى مجاشع بن دام بن مالك بن
حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم.
[تنبيه]: وقع في رواية البخاريّ: ((وأقرع بن حابس))، بدون ((أل))، فقال
ابن مالك تَُّهُ: فيه شاهد على أن ذا الألف واللام من الأعلام الغالبة قد
يُنزعان عنه في غير نداء، ولا إضافة، ولا ضرورة، وقد حَكَى سيبويه عن
العرب: هذا يومُ اثنين مباركٌ، وقال: ومما جاء منه في الشعر قول مسكين
الدارميّ [من الطويل]:
وَنَابِغَةُ الْجَعْدِيُّ فِي الرَّمْلِ بَيْتُهُ
عَلَيْهِ صَفِيحٌ مِنْ رِجَامٍ مُوَضَّعٍ
وإلى القاعدة المذكورة أشار في ((الخلاصة)) بقوله:
وَقَدْ يَكُونُ عَلَماً بِالْغَلَبَهْ مُضَافٌ اوْ مَصْحُوبُ ((أَلْ)) كَالْعَقَبَهْ
أَوْجِبْ وَفِي غَيْرِهِمَا قَدْ تَنْحَذِفْ
وَحَذْفَ ((أَلْ)) زِي إِنْ تُنَادِ أَوْ تُضِفْ
(وَعُيَيْنَةُ بْنُ بَدْرٍ) كذا نُسِب لجدّه الأعلى، وهو عيينة بن حِصْن بن
حُذيفة بن بدر الفزاريّ.
وقال النوويّ تَّتُهُ: قوله: ((عيينة بن بدر الفزاريّ))، وكذا في الرواية التي
بعد هذه، روايةٍ قتيبة قال فيها: ((عيينة بن بدر))، وفي بعض النسخ في الثانية:
((عيينة بن حِصْن))، وفي معظمها: ((عيينة بن بدر))، ووقع في الرواية التي قبل
هذه، وهي الرواية التي فيها الشعر: ((عيينة بن حِصْن)) في جميع النسخ، وكله
صحيحٌ، فحصن أبوه، وبدر جد أبيه، فُنُسب تارة إلى أبيه، وتارة إلى جد أبيه؛
لشهرته، ولهذا نسبه إليه الشاعر في قوله:
فَمَا كَانَ بَدْرٌ وَلَا حَابِسٌ
وقد تقدّم الكلام فيه مطوّلاً في شرح حديث رافع بن خديج اته أيضاً.
وقوله: (الْفَزَارِيُ) بفتح الفاء، وتخفيف الزاي، وبالراء نسبة إلى فزارة
المذكورة في نسبه.
(وَعَلْقَمَةُ بَنُ عُلَاثَةَ) - بضم العين المهملة، وتخفيف اللَّام، وبالثاء المثلثة -

١٩٧
(٤٥) - بَابُ ذِكْرِ الْخَوَارِجِ، وَبَيَانِ صِفَاتِهِمْ - حديث رقم (٢٤٥١)
ابن عوف بن الأحوص بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، كان
من أشراف قومه حليماً عاقلاً، ولم يكن فيه ذلك الكرم، وارتدَّ لما رجع
رسول الله ولو إلى الطائف، ثم أسلم أيام الصديق تظله، وحسن إسلامه،
واستعمله عمر ◌ُبه على حُوران، فمات بها.
ووقع في رواية البخاريّ من طريق عبد الواحد بن زياد، عن عُمارة بن
القعقاع، عن ابن أبي نُعْم: ((إما علقمة، وإما عامر بن الطفيل)). فقال في
((الفتح)): وجزم في رواية سعيد بن مسروق بأنه علقمة بن عُلاثة العامريّ، ثم
أحد بني كلاب، وهو من أكابر بني عامر، وكان يتنازع الرياسة هو وعامر بن
الطفيل، وأسلم علقمة، فحسن إسلامه، واستعمله عمر على حَوْران، فمات بها
في خلافته، وذكرُ عامر بن الطفيل غلطٌ من عبد الواحد، فإنه كان مات قبل
ذلك. انتهى(١) .
وقوله: (الْعَامِرِيُّ) منسوب إلى عامر بن صعصعة بن مالك المذكور في نسبه.
(ثُمَّ أَحَدُ بَنِي كِلَابٍ) هو كلاب بن ربيعة المذكور في نسبه.
(وَزَيْدُ الْخَيْرِ) قال النوويّ تَخْلَمُهُ: كذا هو في جميع النسخ (الخير)) بالراء،
وفي الرواية التي بعدها ((زيد الخيل)) باللام، وكلاهما صحیح، يقال بالوجهين،
كان يقال له في الجاهلية: زيد الخيل؛ لكرائم الخيل التي كانت له، فسماه
رسول الله ◌َ في الإسلام: زيد الخير. انتهى(٢).
وهو: زيد الخيل بن مُهَلهل بن زيد بن منهب بن عبد رضا بن أفصى بن
المختلس بن ثوب بن كنانة بن مالك بن نابل بن عمرو بن الغوث بن طيّئ
الطائيّ، كان شاعراً خطيباً، شُجاعاً كريماً، قدم على رسول الله وَ ﴾ سنة تسع،
وسمّاه رسول الله وَ ل زيد الخير، وأقطع له أرضين في ناحيته، يكنى أبا منذر،
مات منصرفه من عند رسول الله وَل ـ، وقيل: في خلافة عمر څبه.
وقال في (الفتح)): وقيل له: زيد الخيل؛ لكرائم الخيل التي كانت له،
وسماه النبيّ ◌َ﴿ زيد الخير بالراء بدل اللام، وأثنى عليه، فأسلم، فحسن
إسلامه، ومات في حياة النبيّ ◌َّر. انتهى.
(١) ((الفتح)) ٣٩٥/٨.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٦١/٧.

١٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
وذكر في ((القاموس)) أن زيد الخير كان يُدعى زيد الخيل؛ لشجاعته،
فسمّاه ﴿ لَمَّا وَفَدَ زيد الخير؛ لأنه بمعناه، وأيضاً أزال توهّم أنه سُمّي به لما
اتّهمه كعب بن زهير من أخذ فرس له. انتهى(١).
(الطَّائِيُ) نسبة إلى طيّئ المذكور في نسبه، وهو من النسب الشواذّ؛ لأن
القاعدة أنه إذا نُسب إلى نحو طيّب، وطيّئ تُحذف الياء الثانية، فيقال: طَيْبِيّ،
وطَيْئِي، لكن ثبت عن العرب أنهم قالوا: طائيّ بإبدال الياء ألفاً، وإلى هذا
أشار في ((الخلاصة)) بقوله:
وَثَالِثٌ مِنْ نَحْوِ طَيِّبٍ حُذِفْ وَشَذَّ طَائِيٍّ مَقُولاً بِالأَلِفْ
(ثُمَّ أَحَدُ بَنِي نَبْهَانَ) - بفتح النون، وسكون الباء الموحّدة ــ ونبهان هو:
ابن أسودان بن عمرو بن الغوث بن طيء.
(قَالَ: فَغَضِبَتْ قُرَيْشٌ) وفي رواية البخاريّ: ((فغضبت قريش، والأنصار))
(فَقَالُوا) وفي الرواية التالية: ((فقال رجل من أصحابه)) (أَيُعْطِي) الاستفهام
للإنكار، وفي نسخة (يُعطي)) بحذف همزة الاستفهام (صَنَادِيدَ نَجْدٍ) بالصاد
المهملة، والنون: جمع صِنْديد، وهم الأشراف، والعظماء، والرؤساء، وكلُّ
عظيم غالبٍ صِنْدِيدٌ، أفاده في ((النهاية))(٢).
وقال في ((القاموس)): ((الصِّنْدِدُ)) كزِبْرِج: السيّد الشجاع، كالصِّنْدِيد، أو
الحليم، أو الجواد، أو الشريف. انتهى (٣).
و (نَجْد)) - بفتح النون، وسكون الجيم - هو ما بين الحجاز إلى الشام،
إلى الْعُذيب، فالطائف من نجد، والمدينة من نجد، وأرض اليمامة والبحرين
إلى عمان إلى العروض، وقال ابن دريد: نجد بلد للعرب، وإنما سُمِّ نجداً؛
لعلوه عن انخفاض تهامة. انتهى (٤).
(وَيَدَعُنَا) أي يتركنا (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((إِنِّي إِنَّمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ) أي
إعطاء صناديد نجد (لِأَتَأَلَّفَهُمْ) من التألّف، وهو المداراة، والإيناس؛ ليثبتوا
(١) ((القاموس المحيط)) ٣٧٣/٣.
(٣) ((القاموس المحيط)) ٣٠٩/١.
(٢) ((النهاية)) ٥٥/٣.
(٤) ((عمدة القاري)) ٢٣٠/١٥.

١٩٩
(٤٥) - بَابُ ذِكْرِ الْخَوَارِجِ، وَبَيَانِ صِفَاتِهِمْ - حديث رقم (٢٤٥١)
على الإسلام رغبةً فيما يَصِل إليهم من المال، يعني أنه إنما أعطاهم ليستميل
قلوبهم بالإحسان والمودّة.
[فائدة]: ((المؤلّفة)) بصيغة اسم المفعول، و((قلوبُهُم)) بالرفع على أنه نائب
الفاعل: أي المستمالَةُ قلوبهم بالإحسان، والمودّة، وكان النبيّ ◌َّ يعطيهم من
الصدقات، وكانوا من أشراف العرب، فمنهم من كان يُعطيه دفعاً لأذاه، ومنهم
من كان يعطيه طَمَعاً في إسلامه، وإسلام أتباعه، ومنهم من كان يُعطيه ليَثْبُت
على إسلامه؛ لقرب عهده بالجاهليّة، قاله الفيّوميّ نَّثُهُ.
وقال العلّامة القرطبيّ تَخُّْهُ في ((تفسيره)): هم قوم كانوا في صدر الإسلام
ممن يُظهر الإسلام، يُتَألّفون بدفع سهم من الصدقة إليهم لضعف يقينهم، قال
الزهريّ: المؤلّفة مَن أسلم من يهوديّ، أو نصرانيّ، وإن كان غنياً.
وقال بعض المتأخّرين: اختُلِف في صفتهم؛ فقيل: هم صنف من الكفّار
يُعطَون ليتألّفوا على الإسلام، وكانوا لا يُسلمون بالقهر والسيف، ولكن
يسلمون بالعطاء والإحسان. وقيل: هم قوم أسلموا في الظاهر، ولم تستيقن
قلوبهم، فيُعْطَون ليتمكّن الإسلام في صدورهم. وقيل: هم قوم من عظماء
المشركين لهم أتباع يُعطون ليتألفوا أتباعهم على الإسلام. قال: وهذه الأقوال
متقاربة، والقصد بجميعها الإعطاءُ لمن لا يتمكّن إسلامه حقيقةً إلا بالعطاء؛
فكأنه ضربٌ من الجهاد، والمشركون ثلاثة أصنافٌ: صنف يرجع بإقامة
البرهان، وصنفٌ بالقهر، وصنفٌ بالإحسان، والإمام الناظر للمسلمين يستعمل
مع كلّ صنف ما يراه سبباً لنجاته، وتخليصه من الكفر. انتهى كلام
القرطبيّ كَذَتْهُ(١).
(فَجَاءَ رَجُلٌ) هذا الرجل هو ذو الْخُويصرة التميميّ، كما سيأتي صريحاً
بعد أربعة أحاديث، وعند أبي داود اسمه نافع، ورجحه السهيليّ، وقيل: اسمه
حُرْقوص بن زهير السعديّ (كَثُّ اللُّحْيَةِ) بفتح الكاف، وتشديد الثاء المثلّثة:
أي كثير شعرها، غير مسبلة، وقال ابن الأثير: الكثاثة في اللحية أن تكون غير
رقيقة، ولا طويلة، ولكن فيها كثافة، يقال: رجل كَثّ اللحية، بفتح الكاف،
(١) ((الجامع لأحكام القرآن)) ١٧٨/٨ - ١٧٩.

٢٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
وقوم كُثِّ بالضم. انتهى(١).
(مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ) بشين معجمة، وفاء: أي بارزهما، و((الوجنتان)):
العظمان المشرِفان على الخدين(٢).
وقال النوويّ: ((الوجنة)): بفتح الواو، وضمّها، وكسرها، ويقال أيضاً:
أُجنة، وهي لحم الخدّ.
وقال الفيّوميّ: الوجنة من الإنسان ما ارتفع من لحم خدّه، والأشهر فتح
الواو، وحكي التثليث، والجمع وَجَنَات، مثلُ سَجْدة وسَجَدَات. انتهى.
وقال في ((اللسان)): الوجنة مثلّثةً، والوَجَنَة محرّكةً، والأُجْنة مثلثةً: ما
انحدر من الْمَحْجِرِ (٣)، ونَتَأَ من الوجه، وقيل: ما نتأ من لحم الخدّ بين
الصدغين، وكَنَفي الأنف. وقيل: هو فَرَقُ ما بين الخدّين والْمَدْمع من العظم
الشاخص في الوجه، إذا وضعت عليه يدك وجدت حجمه. وحكى اللحيانيّ:
إنه لحسن الوَجَنَات، كأنه جعل كلّ جزء منها وجنة، ثم جمع على هذا. انتهى.
وقال في ((العمدة)): قوله: ((مشرف الوجنتين)): أي غليظهما، ويقال: أي
ليس بسهل الخدّ، وقد أشرفت وجنتاه، أي عَلَتا، وأصله من الشرف، وهو
العلوّ، و((الوجنتان)): العظمان المشرفان على الخدّين، وقيل: لحم الخدّ، وكل
واحدة وجنة، فإذا عظمتا فهو موجنٌ، والوجنة مثلثة الواو، حكاها يعقوب،
وبالألف بدل الواو، فهذه أربع لغات، وقال ابن جني: أرى الرابعة على
البدل، وفي الجيم لغتان: فتحها، وكسرها، حكاهما في ((البارع)) عن كراع،
والإسكان هو الشائع، فصار ثلاث لغات في الجيم، وقال ثابت: هما فوق
الخدين إذا وضعت يدك، وجدت حجم العظم تحتها، وحجمه نتؤه، وقال أبو
حاتم: هو ما نتىء من لحم الخدين بين الصُّدْغين، وكنفي الأنف. انتهى(٤).
(١) ((النهاية)) ٤/ ١٥٢.
(٢) ((الفتح)) ٤٩٠/٩.
(٣) المحجِر مثال مجلس: ما ظهر من النقاب من الرجل والمرأة، من الْجَفْن الأسفل،
وقد يكون من الأعلى. وقال بعض العرب: هو ما دار بالعين من جميع الجوانب،
وبدا من البرقع، والجمع: المحاجر. اهـ. المصباح.
(٤) ((عمدة القاري)) ٢٣٠/١٥.