النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
(٤٤) - بَابُ إِعْطَاءِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَمَنْ يُخَافُ عَلَى إِيمَانِهِ ... إلخ - حديث رقم (٢٤٣٢)
رَوَى عن أيوب، وابن عون، والْجُريريّ، ويونس بن عبيد، وبُرد بن
سِنَان، وغيرهم.
وروى عنه عفان، وإسحاق ابن راهويه، وعليّ ابن المدينيّ، وأبو الخطاب
زياد بن يحيى، وابنه صالح بن حاتم، ونصر بن عليّ الجهضميّ، وغيرهم.
قال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقةٌ، وكذا قال النسائيّ، وقال أبو
حاتم: لا بأس به، وقال العجليّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
قال البخاريّ، عن عمرو بن محمد: مات سنة (١٨٤).
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا
الكتاب حديثان فقط، برقم (١٠٥٨) و(١٩٦٢): ((من كان ذبح قبل الصلاة،
فليعد ... )).
٣ - (أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ) ابن أبي تميمة كيسان، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ
حجةٌ فقيهٌ عابدٌ [٥] (ت١٣١) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٠٥.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (قَدِمَتْ) بكسر الدال.
وقوله: (أَقْبِيَةٌ) جمع قباء، وهو فارسيّ معرّبٌ، وقيل: هو عربيّ،
واشتقاقه من الْقَبْوِ، وهو الضمّ والجمع، حكاه أبو الفرج الجوزيّ(١) عن شيخه
أبي منصور اللغويّ، قاله في ((المفهم))(٢).
وقوله: (أَبِي مَخْرَمَةُ) بالرفع بدل من ((أبي)).
وقوله: (أَنْ يُعْطِيَنَا مِنْهَا شَيْئاً) هكذا النسخ عندنا ((منها))، وهو واضح،
ووقع عند القرطبيّ بلفظ ((منه))، فقال: كذا وقع من رواية ((منه)) بضمير الواحد،
وكأنه عائد على نوع الأقبية في المعنى، ووقع في رواية أخرى: ((منها))، وهي
الظاهرة. انتهى (٣).
وقوله: (وَهُوَ يُرِبِهِ مَحَاسِنَهُ) جملة في محلّ نصب على الحال، كسابقه،
ولاحقه، قال في ((القاموس)): و((المحاسن)): المواضع الحسنة من البدن،
(١) هكذا النسخة، ولعله ((ابن الجوزيّ))، فليُحرّر.
(٢) ١٠٣/٣.
(٣) ((المفهم)) ١٠٢/٣.

١٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
الواحدة كمَفْعَد، أو لا واحد له. انتهى(١).
وقوله: (وَهُوَ يَقُولُ) جملة حاليّة أيضاً.
وقوله: ((خَبَأْتُ هَذَا لَكَ، خَبَأْتُ هَذَا لَكَ))) مكرّراً للتأكيد، يقال: خبأتُ
الشيءَ مهموزاً، من باب نَفَعَ: سترته، وخبّأته: حفظته، والتشديد للمبالغة
والتكثير(٢).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث
الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم
الوكيل.
[٢٤٣٣] (١٥٠) - (حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ،
قَالَا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ
شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ سَعْدٍ، أَنَّهُ أَعْطَى رَسُولُ اللهِنَّهِ رَهْطاً،
وَأَنَا جَالِسٌ فِيهِمْ، قَالَ: فَتَرَكَ رَسُولُ اللهِنَّهِ مِنْهُمْ رَجُلاً، لَمْ يُعْطِهِ، وَهُوَ أَعْجَبُهُمْ
إِلَيَّ، فَقُمْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَِّ، فَسَارَرْتُهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا لَكَ عَنْ فُلَاٍ؟
وَاللهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِناً، قَالَ: ((أَوْ مُسْلِماً))، فَسَكَثُّ قَلِيلاً، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ،
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟ فَوَاللهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِناً، قَالَ: ((أَوْ مُسْلِماً))،
فَسَكَتُ قَلِيلاً، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟
فَوَ اللهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِناً، قَالَ: (أَوْ مُسْلِماً))، قَالَ: ((إِنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ، وَغَيْرُهُ أَحَبُّ
إِلَيَّ مِنْهُ، خَشْيَةَ أَنْ يُكَبَّ فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ»، وَفِي حَدِيثِ الْحُلْوَانِيِّ تَكْرِيرُ
الْقَوْلِ مَرَّتَيْنِ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ) نزيل مكّة، أبو عليّ الْخَلال، ثقةٌ
حافظٌ، له تصانيف [١١] (ت٢٤٢) (خ م « ت ق) تقدم في ((المقدمة)) ٢٤/٤.
٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكِسّيّ، تقدّم قبل باب.
(١) ((القاموس المحيط)) ٢١٤/٤.
(٢) راجع: ((المصباح المنير)) ١٦٣/١.

١٢٣
(٤٤) - بَابُ إِعْطَاءِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَمَنْ يُخَافُ عَلَى إِيمَانِهِ ... إلخ - حديث رقم (٢٤٣٣)
٣ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف
الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ فاضلٌ، من صغار [٩] (ت٢٠٨)
(ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤١/٩.
٤ - (أَبُوهُ) هو: إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ بن إبراهيم عبد الرحمن بن عوف
الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة حجةٌ [٨] (ت١٨٥) (ع)
تقدم في ((الإيمان)) ١٤١/٩.
٥ - (صَالِحُ) بن كيسان المدنيّ، أبو محمد، أو أبو الحارث، ثقةٌ ثبتٌ
فقيه [٤] (ت بعد ١٣٠، وقيل: ١٤٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤١/٩.
٦ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الإمام الحجة المشهور، تقدّم قبل
باب.
٧ - (عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ) بن أبي وقّاص الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت١٠٤)
(ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٩/١٣.
٨ - (سَعْدُ) بن أبي وقّاص مالك بن وهيب بن عبد مناف بن زهرة بن
رصُه (٥٥) (ع) تقدم في
كلاب الزهريّ، أبو إسحاق، الصحابيّ الشهير، مات
((المقدمة)) ٦/ ٧١، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم
عن بعض: صالح، عن الزهريّ، عن عامر بن سعد، ورواية صالح عن الزهريّ
من رواية الأكابر عن الأصاغر؛ لأن صالحاً أكبر من الزهريّ.
شرح الحديث:
(عَنْ سَعْدٍ) بن أبي وقّاص ◌َظُهُ (أَنَّهُ) قال النوويّ دَخَُّ: هكذا هو في
النسخ، وهو صحيح، وتقديره: قال: أعطى، فحذف لفظة ((قال)). انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: ويَحْتَمِل أن يكون الضمير للشأن، تفسّره الجملة
بعده، أي أن الأمر والشأن (أَعْطَى رَسُولُ اللهِ نَِّ رَهْطاً) أي جماعة، وفي
الرواية المتقدّمة في ((كتاب الإيمان)): ((أن رسول الله وَّ﴾ أعطى رهطاً))، أي
عدداً من الرجال، من ثلاثة إلى عشرة (وَأَنَا جَالِسٌ فِيهِمْ) جملة حاليّة (قَالَ)
سعد (فَتَرََكَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ مِنْهُمْ رَجُلاً) هو: جُعَيل بن سُرَاقة الضَّمْريّ، سماه

١٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
الواقديّ في ((المغازي))، قاله في ((الفتح))(١). (لَمْ يُعْطِهِ، وَهُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ) أي
أفضلهم عندي (فَقُمْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ إِّهِ، فَسَارَرْتُهُ) أي كلّمته سرّاً، فيه التأدب
مع الكبار، وأنهم يُسَارُّون بما كان من باب التذكير لهم، والتنبيه، ونحوه، ولا
يُجاهَرُون به، فقد يكون في المجاهرة به مفسدة (٢).
(فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟) أي أيُّ شيء حملك على العدول
عن إعطاء فلان؟ إلى إعطاء غيره (وَاللهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِناً) قال النوويّ ◌َّتُهُ: هو
بفتح الهمزة، أي لأعمله، ولا يجوز ضمها، فيصيرَ بمعنى أظنه؛ لأنه قال بعد
ذلك: ((غَلَبِني ما أعلم منه))، ولأنه راجع النبيّ ◌َّ ثلاث مرّات، ولو لم يكن
جازماً باعتقاده لَمَا كرّر المراجعة. انتهى.
وقد تعقّبتُ قول النوويّ هذا في ((كتاب الإيمان))، فارجع إليه، وبالله
تعالى التوفيق.
(قَالَ) وَِّ ((أَوْ مُسْلِماً))) ((أَوْ)) هنا للإضراب، بمعنى ((بل))، قال
القرطبيّ كَّتُهُ: الرواية بسكون الواو، وقد غَلِطَ مَن فَتَحها، وأحال المعنى؛
لأن النبيّ وَّ﴿ لم يُرِد استفهامه، وإنما أشار له إلى القسم الآخر المختصّ
بالظاهر الذي يُمكن أن يُدرَكَ، فجاء بـ((أو)) التي للتقسيم والتنويع. انتهى(٣).
قَالَ سعد رَبُه (فَسَكَتُّ قَلِيلاً) نُصب على أنه صفة لمصدر محذوف: أي
سُكوتاً قليلاً (ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ) ((ما)) موصولة في محلّ رفع على الفاعليّة
بـ((غلبني)) (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟ فَوَ اللهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِناً، قَالَ:
(أَوْ مُسْلِماً))، فَسَكَتُ قَلِيلاً، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا لَكَ
عَنْ فُلَانٍ؟ فَوَ اللهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِناً، قَالَ: ((أَوْ مُسْلِماً)) قَالَ: ((إِنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ)
فيه حذف المفعول الثاني؛ للتعميم، أَيْ أَيَّ عَطاء كان (وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ)
جملة اسميّة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، أو المفعول (خَشْيَةَ)
منصوب على أنه مفعول لأجله لـ((أُعطي))، أي لأجل خشية أن يكبّه الله في
النار، فـ((خشيةَ)) مضاف إلى (أَنْ يُكَبَّ) و((أن)) مصدريّة، و((يُكبّ)) بالبناء
(١) ((الفتح)) ١٠٠/١ ((كتاب الإيمان)) رقم (٢٧).
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٤٩/٧.
(٣) ((المفهم)) ٣٦٦/١.

١٢٥
(٤٤) - بَابُ إِعْطَاءِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَمَنْ يُخَافُ عَلَى إِيمَانِهِ ... إلخ - حديث رقم (٢٤٣٣)
للمفعول، يقال: أكبّ الرجلُ يُكبّ، لازم، وكبّه الله يكبّه، من نصر، متعدّ،
وهو بناء غريب، جاء على خلاف العادة؛ إذ هي أن يكون الثلاثيّ لازماً،
والرباعيّ متعدّياً، وهنا بالعكس، فالثلاثيّ متعدّ، والرباعيّ لازم، وقد قدّمنا
تمام البحث فيه في ((كتاب الإيمان)) فارجع إليه.
(فِي النَّارِ) متعلّق بـ(يُكبّ))، وكذا قوله: (عَلَى وَجْهِهِ))) قال العينيّ ◌َُّهُ:
(خشية)) مضاف إلى ما بعده، ((وأن)) مصدريّة، والتقدير: لأجل خشية كبّ الله
إياه في النار.
قال النوويّ كَّلُهُ: معنى هذا الحديث أن سعداً رأى رسول الله وَله يعطي
ناساً، ويترك من هو أفضل منهم في الدين، وظَنَّ أن العطاء يكون بحسب
الفضائل في الدين، وظنّ أن النبيّ ◌َلو لم يعلم حال هذا الإنسان المتروك،
فأعلمه به، وحَلَف أنه يعلمه مؤمناً، فقال له النبيّ ◌َّهِ: ((أو مسلماً))، فلم يَفْهَم
منه النهي عن الشفاعة فيه مرّةً أخرى، فسكت، ثم رآه يعطي من هو دونه
بكثير، فغلبه ما يَعْلَم من حسن حال ذلك الإنسان، فقال: يا رسول الله ما لك
عن فلان؟ تذكيراً، وجَوَّز أن يكون النبيّ وَّ هَمَّ بعطائه من المرة الأولى، ثم
نسيه، فأراد تذكيره، وهكذا المرة الثالثة، إلى أن أعلمه النبيّ ◌َير أن العطاء
ليس هو على حسب الفضائل في الدين، فقال ◌َِّ: ((إني لأعطي الرجلَ، وغيره
أحبّ إليّ منه؛ مخافةَ أن يَكُبّه الله في النار))، معناه أني أعطي ناساً مؤلفةً في
إيمانهم ضعف، لو لم أعطهم كفروا، فيكبَّهم الله في النار، وأترك أقواماً هم
أحبّ إلي من الذين أعطيتهم، ولا أتركهم احتقاراً لهم، ولا لنقص دينهم، ولا
إهمالاً لجانبهم، بل أَكِلُهم إلى ما جعل الله في قلوبهم من النور، والإيمان
التامّ، وأَثِقُ بأنهم، لا يتزلزل إيمانهم؛ لكماله، وقد ثبت هذا المعنى في
(صحيح البخاريّ) عن عمرو بن تغلب ظ له أن رسول الله وسلّ أُتي بمال، أو
سبي، فقسمه، فأعطى رجالاً، وترك رجالاً، فبلغه أن الذين ترك عَتَبُوا،
فحمد الله تعالى، ثم أثنى عليه، ثم قال: ((أما بعد فوالله إني لأعطي الرجل،
وأدع الرجل، والذي أدع أحب إليّ من الذي أُعطي، ولكني أعطي أقواماً لِمَا
أرى في قلوبهم من الجزَع والهَلَع، وأكِل أقواماً إلى ما جعل الله في قلوبهم من
الغنى والخير، فيهم عمرو بن تغلب))، فوالله ما أُحِبّ أن لي بكلمة رسول الله وَلـ

١٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
حُمْرَ النَّعَم. انتهى(١).
وقوله: (وَفِي حَدِيثِ الْحُلْوَانِيِّ تَكْرِيرُ الْقَوْلِ مَرَّتَيْنٍ) يعني أن شيخه
الحسن بن عليّ الْحُلْوانيّ كرّر في روايته قول سعد ظُه: ((فقلت: يا رسول الله
ما لك عن فلان ... إلخ)).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وقد استوفيت شرحه،
وبيان مسائله في ((كتاب الإيمان)) برقم [٣٨٥ - ٣٨٨] (١٥٠) فارجع إليه،
تستفد علوماً جمّة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم
الوكيل.
[٢٤٣٤] ( ... ) - (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ (ح) وَحَدَّثَنِيِهِ زُهَيْرُ بْنُ
حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ (ح)
وَحَذَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أُخْبَرَنَا
مَعْمَرٌ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، عَلَى مَعْنَى حَدِيثٍ صَالِحٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ).
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر العَدَنيّ، ثم
المكيّ، ثقة [١٠] (ت٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٣١/٥.
٢ - (سُفْيَانٌ) بن عيينة، تقدّم قريباً.
٣ - (ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ) هو: محمد بن عبد الله بن مسلم بن عبيد الله بن
عبد الله بن شهاب الزهريّ المدنيّ، صدوقٌ، له أوهام [٦] (ت١٥٢) أو بعدها
(ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٥٢/٦٣.
٤ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم في الباب الماضي.
٥ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام، تقدّم قبل باب.
٦ - (مَعْمَرُ) بن راشد، تقدّم أيضاً قبل باب.
(١) ((شرح النوويّ)) ١٤٨/٧ - ١٤٩.

١٢٧
(٤٤) - بَابُ إِعْطَاءِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَمَنْ يُخَافُ عَلَى إِيمَانِهِ ... إلخ - حديث رقم (٢٤٣٥)
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (كُلَّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ) أي كلّ من سفيان بن عيينة، وابن أخي ابن
شهاب، ومعمر، رووا هذا الحديث عن الزهريّ.
[تنبيه]: رواية سفيان بن عيينة هذه قد تقدّمت للمصنّف في ((كتاب
الإيمان)) برقم [٣٨٥] (١٥٠)، وكذا رواية ابن أخي ابن شهاب تقدّمت برقم
(٣٨٦) (١٥٠).
وأما رواية معمر، فساقها أبو داود تَخَّثُ في ((سننه))، فقال:
(٤٦٨٥) - حدّثنا أحمد بن حنبل، حدّثنا عبد الرزاق (ح) وحدّثنا
إبراهيم بن بشار، حدّثنا سفيان، المعنى قالا: حدّثنا معمر، عن الزهريّ، عن
عامر بن سعد، عن أبيه، أن النبيّ ◌َ ل﴿ قَسَمَ بين المسلمين قَسْماً، فقلت: أعط
فلاناً، فإنه مؤمنٌ، قال: ((أو مسلم، إني لأعطي الرجل العطاء، وغيره أحب
إليّ منه؛ مخافة أن يُكَبَّ على وجهه)).
[تنبيه آخر]: ظاهر رواية المصنّف تَخْذَثُ هنا، وأصرح منها ما مرّ في
(كتاب الإيمان)) أن سفيان بن عيينة روى هذا الحديث عن الزهريّ، وليس
كذلك، بل إنما رواه عن معمر، عن الزهريّ؛ لأن معظم الروايات في
الجوامع، والمسانيد، عن ابن عيينة، عن معمر، عن الزهريّ بزيادة معمر
بينهما، وكذا حدّث به ابن أبي عمر، شيخُ المصنّف في ((مسنده)) عن ابن عيينة،
وكذا أخرجه أبو نعيم في ((مستخرجه)) من طريقه، وقد تقدّم تحقيق ذلك في
(كتاب الإيمان))، فراجعه تستفد علماً جَمّاً، وبالله تعالى التوفيق.
والحديث متّفقٌ عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢٤٣٥] ( .. ) - (حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ
إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِيٍ، عَنْ صَالِحِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ،

١٢٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سَعْدٍ، يُحَدِّثُ بِهَذَا الْحَدِيثِ (١)، يَعْنِي حَدِيثَ الزُّهْرِيِّ
الَّذِي ذَكَرْنَا، فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: فَضَرَبَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ بِيَدِهِ بَيْنَ عُنُقِي وَكَتِفِي، ثُمَّ
قَالَ: ((أَقِتَالاً أَنْ سَعْدُ، إِنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ) بن سعد بن أبي وقّاص الزهريّ، أبو
محمد المدنيّ، ثقةٌ حجةٌ [٤] (ت١٣٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٨٨/٧٢.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ) بن أبي وقّاص القرشيّ الزهريّ، أبو القاسم
المدنيّ، نزيل الكوفة، كان يُلقّب ظلّ الشيطان؛ لقصره، ثقةٌ [٣] (خ م مدت
س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٣٨٨/٧٢.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (ثُمَّ قَالَ: ((أَقِتَالاً) الهمزة للاستفهام الإنكاريّ، و((قتالاً)) بالتاء من
القتل، وهو مفعول مطلق لعامل محذوف، أي: أتقاتلني قتالاً .
وفي رواية البخاريّ: ((ثم قال: أَقْبِلْ أي سعد))، أمر من الإقبال، أو
القبول، قاله في ((الفتح))(٢).
وقوله: (أَنْ سَعْد) «أي)) حرف نداء، أي يا سعد.
والحديث متّفقٌ عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْتُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٤٣٦] (١٠٥٩) - (حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْبَى التُّجِبِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ
وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي(٣) يُونسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكِ، أَنَّ أُنَاساً مِنَ
الْأَنْصَارِ، قَالُوا يَوْمَ حُنَيْنِ حِينَ أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَمْوَالِ هَوَازِنَ مَا أَفَاءَ،
(١) وفي نسخة: ((يحدّث هذا الحديث)).
(٢) ((الفتح)) ٤٠١/٣ (كتاب الزكاة)) رقم (١٤٧٨).
(٣) وفي نسخة: ((أخبرنا)).

١٢٩
(٤٤) - بَابُ إِعْطَاءِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَمَنْ يُخَافُ عَلَى إِيمَانِهِ ... إلخ - حديث رقم (٢٤٣٦)
فَطَفِقَ رَسُولُ اللهِ وَِّ يُعْطِي رِجَالاً مِنْ قُرَيْشِ الْمِائَةَ مِنَ الْإِبِلِ، فَقَالُوا: يَغْفِرُ اللهُ
لِرَسُولِ اللهِ، يُعْطِي قُرَيْشاً، وَيَتْرُكُنَا، وَسُيُوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ، قَالَ أَنَسُ بْنُ
مَالِكِ: فَحُدِّثَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِلَّهِ مِنْ قَوْلِهِمْ، فَأَرْسَلَ إِلَى الْأَنْصَارِ، فَجَمَعَهُمْ فِي
قُبَّةٍ مِنْ أَدَمِ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا جَاءَهُمْ رَسُولُ اللهِ وَِّ، فَقَالَ: ((مَا حَدِيثٌ بَلَغَنِي
عَنْكُمْ؟)، فَقَّلَ لَهُ فُقَهَاءُ الْأَنْصَارِ: أَمَّا ذَوُو رَأْيِنَا(١) يَا رَسُولَ اللهِ، فَلَمْ يَقُولُوا شَيْئاً،
وَأَمَّا أُنَاسٌ مِنَّا حَدِيثَةٌ أَسْنَانُهُمْ، قَالُوا: يَغْفِرُ اللهُ لِرَسُولِهِ، يُعْطِي قُرَيْشاً، وَيَتْرُكُنَا،
وَسُيُوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ الهِ نَّهِ: (فَإِنِّي أُعْطِي رِجَالاً، حَدِيثِي عَهْدٍ
بِكُفْرٍ، أَتَأَلَّفُهُمْ، أَفَلَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالْأَمْوَالِ، وَتَرْجِعُونَ إِلَى رِ حَالِكُمْ
بِرَسُولِ اللهِ؟ فَوَاللهِ لَمَا تَنْقَلِبُونَ بِهِ خَيْرٌ مِمَّا يَنْقَلِبُونَ بِهِ))، فَقَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ الهِ،
قَدْ رَضِينَا، قَالَ: ((فَإِنَّكُمْ سَتَجِدُونَ أَثَرَةَ شَدِيدَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوُا اللهَ وَرَسُولَهُ،
فَإِنِّي عَلَى الْحَوْضِ))، قَالُوا: سَنَصْبِرُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى النُّجِيِيُّ) المصريّ، تقدّم قريباً.
٢ - (يُونسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم أيضاً قريباً.
والباقون ذُكروا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف وَّلُهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فتفرّد به هو
والنسائيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمصريين إلى يونس، والباقيان مدنيّان.
٤ - (ومنها): أن فيه أنساً ظُه من المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦)
حديثاً .
(١) وفي نسخة: ((أما ذوو آرائنا)).

١٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
شرح الحديث:
(أَنَّ أُنَاساً)
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ، أنه (أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكِ)
المراد بعض الأناس، وهم قومٌ حديثة أسنانهم، فلم يرسخ الإيمان في قلوبهم،
كما يدلّ عليه قولهم الآتي: ((فقال فقهاء الأنصار: أما ذوو رأينا يا رسول الله،
فلم يقولوا شيئاً، وأما أناس منّا حديثة أسنانهم قالوا: يغفر الله
لرسوله (آل ... )).
وقوله: (مِنَ الْأَنْصَارِ) جمع ناصر، أو نصير، واللام فيه للعهد، والمراد
أنصار رسول الله وَ* من الأوس والخزرج، وكانوا يعرفون قبل الإسلام بأبناء
قَيْلَةَ، وهي الأم التي تجمع القبيلتين، فسماهم النبيّ وَّرِ الأنصار، فصار عَلَماً
لهم، ونَزَلَ القرآن بمدحهم، وقد أُطلق على أولادهم، وحلفائهم ومواليهم،
وإنما فازوا بهذه المنقبة؛ لأجل إيوائهم النبيّ وَله، ونصرته، حيث تبوؤوا الدار
والإيمان، وجعلوه مُسْتَقَرّاً ومُتَوَظّناً لهم؛ لتمكنهم منه، واستقامتهم عليه، كما
جعلوا المدينة كذلك، فكان ذلك موجباً لمحبّتهم، فكانت محبّتهم علامة
الإيمان، وبغضهم علامة النفاق، فقد أخرج الشيخان عن أنس عظ اته، عن
النبيّ ◌َ﴿ أنه قال: ((آية الإيمان حبّ الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار))،
فسبحان من يختصّ برحمته من يشاء، اللهمّ اختصّنا بفضلك ورحمتك، وأنت
أرحم الراحمين.
(قَالُوا) مقول القول قوله الآتي: ((يغفر الله لرسول الله (وَ لات)، وما بينهما
اعتراض (يَوْمَ حُنَيْنِ) بصيغة التصغير، أي يوم غزوة حُنَين، وهو: وادٍ بين مكة
والطائف، وهو مذكّر منصرف، وقد يؤنث على معنى البقعة، وقصّة حنين أن
النبيّ ◌َ ﴿ فتح مكة في رمضان سنة ثمان، ثم خرج منها لقتال هوازن وثقيف،
وقد بقيت أيام من رمضان، فسار إلى حُنين، فلما التقى الجمعان انكشف
المسلمون، ثم أمدّهم الله بنصره، فعطفوا، وقاتلوا المشركين، فهزموهم،
وغَنِموا أموالهم وعيالهم، ثم صار المشركون إلى أوطاس، فمنهم من سار على
نَحْلة اليمانية، ومنهم من سلك الثنايا، وتبعت خيل رسول الله وَ له مَن سَلَك
نَخْلَة، ويقال: أقامِ بَّهِ عليها يوماً وليلةً، ثم صار إلى أوطاس، فاقتتلوا،
وانهزم المشركون إلى الطائف، وغَنِم المسلمون منها أيضاً أموالهم وعيالهم،

١٣١
(٤٤) - بَابُ إِعْطَاءِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَمَنْ يُخَافُ عَلَى إِيمَانِهِ ... إلخ - حديث رقم (٢٤٣٦)
ثم صار إلى الطائف، فقاتلهم بقية شوال، فلما أَهَلّ ذو القعدة ترك القتال؛
لأنه شهرٌ حرامٌ، ورحل راجعاً، فنزل الْجِعْرانة، وأمر بحبس الغنائم بها، فلما
رجع من الطائف وصل إلى الجعرانة في خامس ذي القعدة، وإنما أخّر القسمة
رجاءً أن يُسلموا، وكانوا ستة آلاف نفس من النساء والأطفال، وكانت الإبل
أربعة وعشرين ألفاً، والغنم أربعين ألف شاة (١).
(حِينَ أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ) أي أعطاه غنائم الذين قاتلهم يوم حنين،
وأصل الفيء الردّ والرجوع، ومنه سُمّي الظل بعد الزوال فيئاً؛ لأنه رجع من
جانب إلى جانب، فكأن أموال الكفار سميت فيئاً؛ لأنها كانت في الأصل
للمؤمنين؛ إذ الإيمان هو الأصل، والكفر طارئ عليه، فإذا غلب الكفار على
شيء من المال، فهو بطريق التعدي، فإذا غَنِمَه المسلمون منهم، فكأنه رجع
إليهم ما كان لهم.
وقوله: (مِنْ أَمْوَالِ هَوَازِنَ) بيان مقدّم ل((ما)) في قوله: ((ما أفاء)).
و(هَوَازن)): اسم قبيلة من قيس، وهو هوازن بن سعد بن منصور بن
عكرمة بن خَصَفَةَ بن قيس عيلان، قال الأزهريّ: لا أدري ممّ اشتقاقه، والنسبة
إليه هَوَازنيّ؛ لأنه قد صار اسماً للحيّ، ولو قيل: هَوْزنيّ لكان وجهاً، قاله في
((التاج))(٢).
(مَا أَفَاءَ) ((ما)) موصولة، والعائد محذوف، أي الذي أفاءه، أي ردّه الله
عليه (فَطَفِقَ) أي شرع، وأخذ، وهو بكسر الفاء، وفتحها، يقال: طَفِقَ يفعل
كذا، كفَرِحَ وضَرَبَ طَفْقاً وطُفُوقاً: إذا واصل الفعل، وهو خاصّ بالإثبات، فلا
يقال: ما طَفِقَ، وطَفَقَ بمراده: ظَفِرَ، وأطفقه الله به، وطَفِقَ الموضعَ، كفرحَ:
لَزِمَه، قاله في ((القاموس)»(٣).
وقال القرطبيّ كَّلُ: قوله: ((فطَفِق ... إلخ)) أي جعل، وهي من أخوات
((كاد))، إلا أنها متّصلة بالفعل الذي هو خبرها، و((كاد)) مقاربة مفارقة. انتهى(٤).
(١) راجع: ((الفتح)) ٤٥٦/١٣ بزيادة من غيره.
(٢) ((تاج العروس من جواهر القاموس)) ٣٦٧/٩.
(٣) ((القاموس المحيط)) ٢٥٨/٣.
(٤) («المفهم)) ١٠٣/٣ - ١٠٤.

١٣٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
(رَسُولُ اللهِ وَهِ يُعْطِي رِجَالاً مِنْ قُرَيْشٍ) هِم المؤلّفة قلوبهم، وقد سَرَدَ أبو
الفضل بن طاهر في ((المبهات)) له أسماء المؤلِّفة، وهم: أبو سفيان بن حرب
(س)، وسهيل بن عمرو، وحُويطب بن عبد العزَّى (س)، وحكيم بن حِزَام،
وأبو السنابل بن بَعْكَك، وصفوان بن أمية، وعبد الرحمن بن يربوع، وهؤلاء
من قریش.
وعُيينة بن حِصْن الفزاريّ، والأقرع بن حابس التميميّ، وعمرو بن الأيهم
التميميّ (س)(١)، والعباس بن مِرداس السّلميّ (س)، ومالك بن عوف
النصريّ، والعلاء بن حارثة الثقفيّ، قال الحافظ: وفي ذكر الأخيرين نظرٌ،
فقيل: إنهما جاءا طائعين من الطائف إلى الجعرانة.
وذكر الواقديّ في المؤلفة (س) معاوية ويزيد ابني أبي سفيان، وأُسيد بن
حارثة، ومَخْرَمة بن نوفل (س) وسعيد بن يربوع (س) وقيس بن عديّ (س)
وعمرو بن وهب (س) وهشام بن عمرو.
وذكر ابن إسحاق مَن كُتب عليه السين، وزاد: النضر بن الحارث،
والحارث بن هشام، وجبير بن مطعم.
وممن ذكره فيهم أبو عُمر: سفيان بن عبد الأسد، والسائب بن أبي
السائب، ومطيع بن الأسود، وأبو جهم بن حُذيفة.
وذكر ابن الجوزيّ فيهم: زيد الخيل، وعلقمة بن عُلاثة، وحكيم بن
طلق بن سفيان بن أمية، وخالد بن قيس السهميّ، وعمير بن مِرداس، وذكر
غيرهم فيهم: قيس بن مخرمة، وأُحيحة بن أمية بن خلف، وابن أبي شَرِيق،
وحرملة بن هَوْذة، وخالد بن هَوْذة، وعكرمة بن عامر العبدريّ، وشيبة بن
عُمارة، وعمرو بن ورقة، ولبيد بن ربيعة، والمغيرة بن الحارث، وهشام بن
الوليد المخزوميّ، فهؤلاء زيادة على أربعين نفساً. انتهى كلام الحافظ كَذَتُهُ(٢)،
وهو بحث مفيدٌ.
وقوله: (الْمِائَةَ مِنَ الْإِبِلِ) بنصب ((المائةَ)) على أنه مفعول ثانٍ لـ((أَعْطَى))،
(١) هذه السين إشارة إلى أن ابن إسحاق ذكره في ((السيرة)) من المؤلّفة قلوبهم.
(٢) ((الفتح)) ٩/ ٤٥٧ (كتاب المغازي)) رقم (٤٣٣٠).

١٣٣
(٤٤) - بَابُ إِعْطَاءِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَمَنْ يُخَافُ عَلَى إِيمَانِهِ ... إلخ - حديث رقم (٢٤٣٦)
وقوله: (فَقَالُوا) تأكيد لـ((قالوا)) السابق أعاده لطول الفصل، فهو كقوله رَك:
﴿وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِنَبُ مِنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلىَ الَّذِينَ
كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُم مَا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِدَّم﴾ الآية [البقرة: ٨٩] أعاد (لَمَا))؛ لما
ذُكر، أي قال أناس من الأنصار (يَغْفِرُ اللهُ لِرَسُولِ اللهِ) وَلقر أي حيث أخطأ في
زعمهم، فأعطى قريشاً، وتركهم.
قال الطيبيّ تَخْذَلُهُ: قولهم: ((يغفر الله)) توطئة وتمهيد لما يَرِد بعده من
العِتاب كقوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ٤٣]. انتهى.
وقوله: (يُعْطِي قُرَيْشاً) جملة حاليّة من ((رسول الله))، أي حال كونه يُعطي
رجالاً من قريش (وَيَتْرُكُنَا) أي لا يُعطينا معهم، وقوله: (وَسُيُوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ
دِمَائِهِمْ) جملة حاليّة من الضمير المنصوب، وهو من المقلوب، والأصل:
ودماؤنا تقطر من سيوفنا، ويَحْتَمل أن تكون ((من)) بمعنى الباء الموحّدة، وبالغ
في جعل الدم قطّر السيوف، قاله في ((الفتح))(١).
وقال في ((المرقاة)): قولهم: ((وسيوفنا تقطر)) بضم الطاء، أي والحال أن
سيوفنا نحن معاشر الأنصار، تقطّر من دماء كفار قريش، بمحاربتنا إياهم حتى
يُسْلِموا .
وقال الطيبيّ: قولهم: ((وسيوفنا تقطر من دمائهم)) من باب قول العرب:
عَرَضْتُ الناقةَ على الحوض، وأنشد:
وَأَسْيَافُنَا يَقْطُرْنَ مِنْ نَجْدَةٍ دَمَا
لَنَا الْجَفَنَاتُ الْغُرُّ يَلْمَعْنَ بِالضُّحَى
ولا يبعد أن يكون التقدير: وسيوفنا باعتبار ما عليها تقطر من دمائهم،
وهو إشعار بقرب قتلهم كفار قريش، وإيماءٌ إلى أنهم أولى بزيادة البرّ، فالجملة
حالٌ مقررة لجهة الإشكال. انتهى(٢).
الَّهِ (فَحُدِّثَ) بضمّ الحاء، وتشديد الدال
(قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكِ)
المكسورة، مبنيّاً للمفعول، أي أُخبر (ذَلِكَ) أي ما قاله أناس من الأنصار:
((يغفر الله لرسول الله وَلجه ... إلخ)) (رَسُولُ اللهِ وََّ) وقوله: (مِنْ قَوْلِهِمْ) متعلّق
(١) ((الفتح)) ٨/ ٤٨٤ ((كتاب مناقب الأنصار)) رقم (٣٧٧٨).
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) ٣٥٧/١١.

١٣٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
بحال من اسم الإشارة، أي حال كونه من جملة مقولهم (فَأَرْسَلَ إِلَى الْأَنْصَارِ)
ببناء الفعل للفاعل، أي أرسل النبيّ ◌َلِّ رسولاً ليجتمعوا عنده (فَجَمَعَهُمْ) ذلك
الرسول، أو أمر ◌َّهُ بجمعهم (فِي قُبَّةٍ) أي خيمة (مِنْ أَدَم) بفتحتين، أي من
جلد (فَلَمَّا اجْتَمَعُوا جَاءَهُمْ رَسُولُ اللهِ وَِّ، فَقَالَ: ((مَا حَدِيثٌ) أي أَيُّ شيءٍ خبر
عظيم (بَلَغَنِي عَنْكُمْ؟))، فَقَالَ لَهُ فُقَهَاءُ الْأَنْصَارِ) أي علماؤهم (أَمَّا ذَوُو رَأْيِنَا) أي
أصحاب عقولنا وفهومنا، وفي بعض النسخ: ((أما ذوو آرائنا)) بالجمع (يَا
رَسُولَ اللهِ، فَلَمْ يَقُولُوا شَيْئاً) أي مما بلغك (وَأَمَّا أَنَاسٌ) أي جماعة (مِنَّا حَدِيثَةٌ
أَسْنَاتُهُمْ) أي جديدةٌ أسنانهم، جمع سِنّ، بمعنى العمر، والمراد منهم الشبان
(قَالُوا: يَغْفِرُ اللهُ لِرَسُولِهِ) وَّةِ (يُعْطِي قُرَيْشاً، وَيَتْرُكُنَا، وَسُيُوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ،
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((فَإِنِّي أُعْطِي رِجَالاً) حذف المفعول الثاني، أي من هذا
المال (حَدِيثِي عَهْدٍ بِكُفْرٍ) أي قريبي زمن بكونهم كفّاراً (أَتَأَلَفُهُمْ) جملة حاليّة،
أي حال كوني تألّفاً لهم، أي طالباً إلفتهم بالإسلام بإعطاء المال، لا لكونهم
من قريش، أو لغرض آخر من الأحوال.
(أَفَلَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ) أي غيركم من المتألَّفة قلوبهم (بِالْأَمْوَالِ)
أي بالغنائم التي أُعطوها (وَتَرْجِعُونَ إِلَى رِحَالِكُمْ) بكسر الراء: جمع رَحْل،
بفتح، فسكون: أي منازلكم في المدينة (بِرَسُولِ اللهِ) وَّ﴿ِ (فَوَ اللهِ لَمَا) بفتح
اللام، وهي الموّئة للقسم، و((ما)) موصولة، أي للّذي (تَنْقَلِبُونَ بِهِ) أي
ترجعون به إلى رحالكم، وهو رسول الله وَّه (خَيْرٌ مِمَّا يَنْقَلِبُونَ بِهِ))) أي من
المال؛ لأنه عرض الحياة الدنيا الفانية، ورسول الله وَ ل﴿ ذُخر وكنز عظيم يبقى
في الدنيا والآخرة (فَقَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ) أي بلى إن الذي ننقلب به خير
من الذين ينقلبون به (قَدْ رَضِينًا) أي رضينا بك عِوَضاً من المال، وفيه تأكيد لما
فُهِم من ((بلى))، وما أحسن من قال، وأجاد في المقال [من الوافر]:
لَنَا عِلْمٌ وَلِلأَعْدَاءِ مَالُ
رَضِينَا قِسْمَةَ الْجَبَّارِ فِینَا
وَإِنَّ الْعِلْمَ يَبْقَى لَا يَزَالُ (١)
فَإِنَّ الْمَالَ يَفْنَى عَنْ قَرِيبٍ
(قَالَ) ◌َِّ ((فَإِنَّكُمْ سَتَجِدُونَ أَثَرَةَ شَدِيدَةً) ((الأَثَرَةُ)) - بضم الهمزة، وسكون
(١) راجع: ((مرقاة المفاتيح)) ٣٥٩/١١.

١٣٥
(٤٤) - بَابُ إِعْطَاءِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَمَنْ يُخَافُ عَلَى إِيمَانِهِ ... إلخ - حديث رقم (٢٤٣٦)
الثاء المثلثة، وبفتحتين - وهو اسم من آثر يؤثر إيثاراً: إذا أعطى، قال ابن
الأثير كَذَلُهُ: أراد أنه يُؤْثَر عليكم، فيُفَضَّل غيركم من نصيبه من الفيء، ويُرْوَى
إِثْرةً - بكسر أوله، مع الإسكان - وهو الانفراد بالشيء المشترَك دون من يشاركه
فيه، قاله في ((العمدة))(١).
وقال في ((الفتح)): والمعنى أنه يُستأثر عليهم بما لهم فيه اشتراك في
الاستحقاق، وقال أبو عبيد: معناه يُفَضَّل نفسه عليكم في الفيء، وقيل: المراد
بالأثرة الشِّدّة، ويرده سياق الحديث وسببه. انتهى(٢).
وقال القرطبيّ كَُّ: قوله: ((أثرة شديدة)) رُوي عن العذريّ، والطبريّ،
وهي روايتنا ((أَثَرَةً)) بفتح الهمزة والثاء، قال أبو عبيد: أي يُستأثَر عليكم،
فيُفَضِّل غيركم نفسَهُ عليكم في الفيء، والأثرة: اسم من آثر يُؤثر إيثاراً، قال
الأعشى:
ـعَدْلٍ وَوَلَّى الْمَلَامَةَ الرَّجُلَا
اسْتَأْثَرَ اللهُ بِالْبَقَاءِ وبِالْـ
قال: وسمعت الأزهريّ يقول: الأثرة: الاستئثار، والجمع الأَثَر، وعند
أبي بحر في هذا الحرف بضمّ الهمزة، وسكون الثاء، وأصل الأُثْرة: الفضلُ،
قال أبو عبيد: يقال: له عليّ أَثْرةٌ، أي فضلٌ، ومعناه قريبٌ من الأول، وقُيّد
عن عليّ أبي الحسين بن سراج بالوجهين. انتهى(٣).
(فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوُا اللهَ) وَ (وَرَسُولَهُ) أَّةِ، أي يوم القيمة (فَإِنِّي عَلَى
الْحَوْضِ))) أي اصبروا حتى تموتوا، فإنكم ستجدونني عند الحوض، فيَحْصُل
لكم الانتصاف ممن ظلمكم، والثواب الجزيل على الصبر (قَالُوا: سَنَصْبِرُ) أي
على ما يلقانا من الإيثار علينا، ويواجهنا من المكروه، وسيأتي في الرواية
التالية قول أنس ﴿به في آخر الحديث: ((فلم نَصْبِر))، وفي رواية: ((فلم
يَصْبِروا))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان،
وعليه التكلان.
(١) ((عمدة القاري)) ٣٠٩/١٧.
(٣) ((المفهم)) ١٠٤/٣ - ١٠٥.
(٢) ((الفتح)) ٩/ ٤٦٣.

١٣٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ظُه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٤٣٦/٤٤ و٢٤٣٧ و ٢٤٣٨ و ٢٤٣٩ و٢٤٤٠
و٢٤٤١ و٢٤٤٢] (١٠٥٩)، و(البخاريّ) في ((فرض الخمس)) (٣١٤٧) و((مناقب
الأنصار)) (٣٧٧٨) و((المغازي)) (٤٣٣١ و٤٣٣٢ و٤٣٣٣ و٤٣٣٤ و٤٣٣٧)
و((اللباس)) (٥٨٦٠) و((التوحيد)) (٧٤٤١)، و(الترمذيّ) في ((المناقب)) (٣٩٠)،
و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٨٨/٥)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٩٩٠٨)،
و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّقه)) (٥٢٢/١٤)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (١٢٠١)،
و(أحمد) في ((مسنده)) (١٥٧/٣ - ١٥٨ و١٦٩ و١٧٢ و١٨٨ و٢٠١ و٢٤٦
و٢٤٩ و٢٧٥ و٢٧٩ - ٢٨٠)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٣٥٩٤)، و(أبو نعيم)
في ((مستخرجه)) (١٢٢/٣ - ١٢٥)، وفي («الحلية)) (٨٤/٣)، و(ابن حبّان) في
((صحيحه)) (٤٧٦٩)، و(الطبرانيّ) في ((مسند الشاميين)) (١٥٣/٤)، و(البيهقيّ)
في ((الكبرى)) (٣٣٧/٦ - ٣٣٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده(١):
١ - (منها): بيان إعطاء المؤلّفة قلوبهم من الغنائم.
٢ - (ومنها): بيان إقامة الحجة على الخصم، وإفحامه بالحقّ عند الحاجة
إليه .
٣ - (ومنها): بيان حسن أدب الأنصار ﴿ في تركهم المماراة،
والمبالغة في الحياء، وبيان أن الذي نُقِل عنهم إنما كان عن شُبّانهم، لا عن
شيوخهم و کھولهم.
٤ - (ومنها): أن فيه مناقبَ عظيمةً للأنصار .
لِمَا اشتمل من ثناء
الرسول ◌َ البالغ عليهم.
(١) المراد فوائد الحديث بسياقاته المختلفة، لا خصوص سياق المتن المذكور هنا، بل
يشمل كلّ ما ذُكر في الباب، وغيره، فتنبّه.

١٣٧
(٤٤) - بَابُ إِعْطَاءِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَمَنْ يُخَافُ عَلَى إِيمَانِهِ ... إلخ - حديث رقم (٢٤٣٧)
٥ - (ومنها): بيان أن الكبير ينبه الصغير على ما يَغْفُل عنه، ويوضِّح له
وجه الشبهة؛ ليرجع إلى الحقّ.
٦ - (ومنها): أن فيه المعاتبةَ، واستعطافَ المعاتب، وإعتابه عن عَتْبِهِ
بإقامة حجةٍ مَن عَتَبَ عليه، والاعتذار، والاعتراف.
٧ - (ومنها): أن فيه علماً من أعلام النبوة؛ لقوله ويتليفون: ((ستلقون بعدي
أَثَرَةً))، فكان كما قال.
٨ - (ومنها): وفيه أن للإمام تفضيلَ بعض الناس على بعض في مصارف
الفیء.
٩ - (ومنها): أن للإمام أيضاً أن يُعْطِي الغنيّ من الفيء للمصلحة.
١٠ - (ومنها): أن مَن طَلَب حقه من الدنيا لا عَتْبَ عليه في ذلك.
١١ - (ومنها): مشروعية الخطبة عند الأمر الذي يَحْدُث، سواءٌ كان
خاصّاً أم عاماً.
١٢ - (ومنها): جواز تخصيص بعض المخاطبين في الخطبة.
١٣ - (ومنها): تسلية من فاته شيء من الدنيا بما حَصَل له من ثواب
الآخرة، والحضّ على طلب الهداية والألفة والغنى، وأن المنة لله رغبت
ورسوله وج على الإطلاق.
١٤ - (ومنها): تقديم جانب الآخرة على الدنيا، والصبر عما فات منها؛
ليُدَّخَر ذلك لصاحبه في الآخرة، والآخرة خير وأبقى، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ◌َّتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢٤٣٧] ( ... ) - (حَدَّثَنَا حَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا
يَعْقُوبُ، وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِيٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ،
حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكِ، أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مَا أَفَاءَ، مِنْ أَمْوَالِ
هَوَازِنَ، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: فَلَمْ نَصْبِرْ، وَقَالَ: فَأَمَّا
أُنَاسٌ حَدِيثَةٌ أَسْتَانُهُمْ).

١٣٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد تقدّم بعينه قبل ثلاثة أحاديث.
وقوله: (وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ) فاعل ((اقتصّ)) ضمير صالح بن كيسان.
[تنبيه]: رواية صالح بن كيسان، عن ابن شهاب هذه ساقها النسائيّ تَخّْتُهُ
في ((الكبرى)) (٨٨/٥) فقال:
(٨٣٣٥) - أخبرنا عبيد الله بن سعد بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن
سعد، قال: أنا عمي، قال: أنا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، قال:
حدّثني أنس بن مالك، أنه قال: لَمّا أفاء الله على رسوله ما أفاء، من أموال
هوازن، طَفِقَ رسول الله وَّهُ يُعْطِي رجلاً من قريش المائة من الإبل، فقال رجل
من الأنصار: يغفر الله لرسول الله وَلقر يعطي قريشاً، ويتركنا، وسيوفنا تقطر من
دمائهم، قال أنس: فبلغ ذلك رسول الله وَلتر، فأرسل إلى الأنصار، فجَمَعهم
في قبة من أدم، ولم يَدَع معهم أحداً، فلما اجتمعوا قال: ((ما حديث بلغني
عنكم؟)) قال فقهاء الأنصار: أما ذوو الرأي منّا، فلم يقولوا شيئاً، وإنما أناس
حديثة أسنانهم، فقال(١): يغفر الله لرسول الله وجل﴿ يعطي قريشاً، ويتركنا،
وسيوفنا تقطر من دمائهم، فقال رسول الله وَله: «إني لأعطي رجالاً حديثٌ
عهدُهُم بالكفر، فأتألفهم، أفلا ترضون أن يذهب الناس بالأموال، وترجعون
إلى رحالكم برسول الله وَ *، فوالله لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به))، قالوا:
بلى يا رسول الله قد رضينا، فقال لهم: ((إنكم ستلقون بعدي أَثَرَةً شديدةً،
فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله على الحوض))، قال أنس: فلم نصبر، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤٣٨] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ،
حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَمِّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكِ، وَسَاقَ
الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: قَالَ أَنَسُ: قَالُوا: نَصْبِرُ، كَرِوَايَةٍ يُونُسَ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ).
(١) هكذا النسخة، والظاهر: ((فقالوا)).

١٣٩
(٤٤) - بَابُ إِعْطَاءِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَمَنْ يُخَافُ عَلَى إِيمَانِهِ ... إلخ - حديث رقم (٢٤٣٩)
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد تقدّم بعينه قبل حديثين.
وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ) فاعل ((ساق)) ضمير ابن أخي ابن شهاب،
واسمه محمد بن عبد الله بن مسلم.
[تنبيه]: رواية ابن أخي ابن شهاب، عن عمّه هذه ساقها أبو يعلى ◌َُّهُ
في ((مسنده)) (٢٨٢/٦) فقال:
(٣٥٩٤) - حدّثنا أبو خيثمة، حدّثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن أخي
الزهريّ، عن عمه، قال: أخبرني أنس بن مالك، أن ناساً من الأنصار، قالوا
يوم حنين حين أفاء الله على رسوله، من أموال هوازن ما أفاء، فطفق
رسول الله * يعطي رجالاً من قريش المائة من الإبل، قالوا: يغفر الله
لرسول الله، يعطي قريشاً، ويتركنا، وسيوفنا تقطر من دمائهم، قال أنس:
فحُدِّث رسول الله وَ ﴿ بمقالتهم، فأرسل رسول الله وَلو إلى الأنصار، فجمعهم
في قبة من أدم، ولم يَدْعُ معهم أحداً غيرهم، فلما اجتمعوا جاءهم
رسول الله وَ﴿، فقال: ((ما حديثٌ بلغني عنكم؟))، فقال له فقهاء الأنصار: أما
ذوو رأينا يا رسول الله، فلم يقولوا شيئاً، وأما ناس منّا حديثةٌ أسنانهم،
فقالوا: يغفر الله لرسول الله، أيعطي قريشاً، ويتركنا، وسيوفنا تقطر من دمائهم؟
فقال رسول الله صل: ((فإني أعطي رجالاً حديثي عهد بكفر، أتألفهم، أفلا
ترضون أن يذهب الناس بالأموال، وترجعون إلى رحالكم برسول الله، فوالله
لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به))، قالوا: بلى يا رسول الله، قد رضينا، قال
لهم: «فإنكم ستجدون بعدي أثرةً شديدةً، فأبصروا حتى تلقوا الله ورسوله،
فإني على الحوض))، قال أنس: قالوا: نعم.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم
الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٤٣٩] ( .. ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ

١٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
مَالِكِ، قَالَ: جَمَعَ رَسُولُ اللهِ الْأَنْصَارَ، فَقَالَ: ((أَفِيكُمْ أَحَدٌ مِنْ غَيْرِكُمْ؟»
فَقَالُوا: لَا، إِلَّ ابْنُ أُخْتٍ لَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((إِنَّ ابْنَ أُخْتِ الْقَوْمِ مِنْهُمْ))،
فَقَالَ: ((إِنَّ قُرَيْشاً حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ وَمُصِيبَةٍ، وَإِنِّي أَرَدْتُ أَنْ أَجْبُرَهُمْ،
وَأَتََّلَّفَهُمْ، أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَرْجِعَ النَّاسُ بِالدُّنْيَا، وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللهِ إِلَى بُيُوتِكُمْ؟
لَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِياً، وَسَلَكَ الْأَنْصَارُ شِعْباً، لَسَلَكْتُ شِعْبَ الْأَنْصَارِ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمد المعروف ببندار، تقدم أيضاً قبل ثلاثة
أبواب.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غندر، تقدم أيضاً قبل ثلاثة أبواب.
٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدم أيضاً قبل ثلاثة أبواب.
٥ - (قَتَادَةَ) بن دِعامة، تقّدم أيضاً قبل ثلاثة أبواب.
و((أنس بن مالك» ض ◌ُه ذُكر قبله.
وقوله: ((أَفِيكُمْ أَحَدٌ مِنْ غَيْرِكُمْ؟))) أي غير الأنصار.
كما أخرجه
،
وقوله: (إِلََّ ابْنُ أُخْتٍ لَنَا) هو النعمان بن مُقَرِّن الْمُزَنِيّ
أحمد، من طريق شعبة، عن معاوية بن قُرّة في حديث أنس ظُه هذا، ووقع
ذلك في قصة أخرى، كما أخرجه الطبرانيّ، من حديث عُتْبة بن غَزْوان .
أن النبيّ وَّر قال يوماً لقريش: ((هل فيكم من ليس منكم؟)) قالوا: لا، إلا ابن
أختنا عُتبة بن غَزْوان، فقال: ((ابن أخت القوم منهم))، وله من حديث عمرو بن
عوف عَُّه، أن النبيّ وَل﴿ دخل بيته، قال: ((ادخلوا عليّ، ولا يدخل عليّ إلا
قرشيّ))، فقال: ((هل معكم أحد غيركم؟)) قالوا: معنا ابن الأخت، والمولى،
قال: ((حليف القوم منهم، ومولى القوم منهم))، وأخرج أحمد نحوه، من
حديث أبي موسى ربه، والطبرانيّ نحوه من حديث أبي سعيد ﴿به، قاله في
((الفتح)(١).
(١) ((الفتح)) ١٨٢/٨ ((كتاب المناقب)) رقم (٣٥٢٨).