النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ (٤٢) - بَابُ فَضْلِ التَّعَنُّفِ، وَالصَّبْرِ، وَالْحَثِّ عَلَى ذَلِكَ - حديث رقم (٢٤٢٧) شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَبُهُ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ) أي زوجاته، ومن في نفقته، أو هم مؤمنو بني هاشم والمطلب (قُوتاً)) أي بُلْغَةً تَسُدّ رَمَقَهم، وتُمسك قُوَّتهم، بحيث لا تُرهقهم الفاقة، ولا يكون فيه فُضول يُفضي إلى تَرَقُّه وتَبَسُّط؛ ليسلموا من آفات الفقر والغنى(١). وسيأتي في ((كتاب الزهد والرقائق)) بلفظ: ((اللهم اجعل رزق آل محمد كفَافاً))، وهذه الرواية هي المعتمدة من حيث المعنى، فإن لفظ ((قوتاً)) صالح لأن يكون دعاء بطلب القوت في ذلك اليوم، وأن يكون طلب لهم القوت، بخلاف لفظ ((كَفَافاً))، فإنه يُعَيِّن الاحتمال الثاني، وهو الدلالة على الكفاف، أفاده في ((الفتح))(٢). وقال القرطبيّ ◌َخْتُهُ: معناه: ارزقهم ما يقوتهم، ويكفيهم، بحيث لا يشوّشهم الجهد، ولا ترهقهم الفاقة، ولا تُذلّهم المسألة والحاجة، ولا يكون أيضاً في ذلك فُضُول يُخرِج إلى الترفّه، والتبسّط في الدنيا، والركون إليها . انتھی(٣). وقال الطيبيّ ◌َخَّهُ: الكفاف: هو الذي لا يفضل عن الشيء، ويكون بقدر الحاجة إليه، قال: هذه الرواية - يعني رواية ((كفَافاً)) - مفسّرة للرواية الأولى؛ لأن القوت ما يُسَدّ به الرَّمَقُ، قيل: سُمّي قوتاً؛ لحصول القوّة منه، سَلَك ◌َله طريق الاقتصاد المحمود، فإن كثرة المال تُلهي، وقِلّته تُنسي، فما قلّ منه وكَفَى خير مما كَثُر وألهى. انتهى(٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة هذا متّفقٌ عليه. رضى عبّـ (١) راجع: ((التيسير بشرح الجامع الصغير)) (٢٠٦/١). (٢) ((الفتح)) ١٤/ ٥٩٤ ((كتاب الرقاق)) رقم (٦٤٦٨). (٣) ((المفهم)) ١٠٠/٣. (٤) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٢٧٩/١٠. ١٠٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٤٢٧/٤٢] (١٠٥٥) وسيعيده في ((الزهد والرقائق)) بعد رقم (٢٩٦٩)، و(البخاريّ) في ((الرقاق)) (٦٤٦٠)، و(الترمذيّ) في ((الزهد)) (٢٣٦١)، و(ابن ماجه) في ((الزهد)) (٤١٣٩)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) في ((الرقاق)) (١١٨٠٩)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١١٨/٣)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٨٤/٧)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٣٢/٢ و٤٤٦ و٤٨١)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٤٨٩/١٠)، و(إسحاق ابن راهويه) في (مسنده)) (٢١٩/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٥٠/٢ و٤٦/٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل الكفاف، وأخذ البلغة من الدنيا، والزهد فيما فوق ذلك؛ رغبةً في توفر نعيم الآخرة، وإيثاراً لما يبقى على ما يفنى، واقتداء بالنّبِيّ ◌َّ في ذلك. ٢ - (ومنها): بيان استحباب الدعاء بالكفاف؛ إذ به توجد السلامة من آفات الغنى والفقر جميعاً. ٣ - (ومنها): أنه يدلّ على زهد النبيّ وَ ﴿ في الدنيا، وعلى تقلّله منها، وهو حجة لمن قال: إن الكفاف أفضل من الفقر والغنى، قاله القرطبيّ ◌َظُّهُ(١). ٤ - (ومنها): ما قاله الطيبيّ نَّثُ: وفي دعاء النبيّ وَّه إرشاد لأمته كلَّ الإرشاد إلى أن الزيادة على الكفاف لا ينبغي أن يَتْعَب الرجل في طلبه؛ لأنه لا خير فيه، وحكم الكفاف يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، فمنهم من يعتاد قلّة الأكل، ويصبر على الأكل مرّة مدّة طويلة، فكفافه يكون بتلك المرّة، ومنهم من يعتاد الأكل في يوم مرّة، أو مرّتين، فكفافه يكون كذلك؛ لأنه إن ترك ذلك أضرّ بنفسه، ولم يَقْوَ على الطاعة، ومنهم من يكون كثير العيال، فكفافه ما يسدّ رَمَق عياله، ومنهم من يَقِلّ عياله، فلا يحتاج إلى طلب الزيادة، وكثرة الأشغال، فبهذا يتّضح أن قدر الكفاف غير مقدَّر، ومقداره غير معيّن، (١) ((المفهم)) ١٠٠/٣. ١٠٣ (٤٣) - بَابُ إِعْطَاءِ مَنْ سَأَلَ بِفُحْشٍ وَغِلْظَةٍ، وَتَحَمُّلِ جَفَائِهِ؛ لِجَهْلِهِ - حديث رقم (٢٤٢٨) إلا أن المحمود منه ما به القوّة على الطاعة(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . (٤٣) - (بَابُ إِعْطَاءِ مَنْ سَأَلَ بِفُحْشٍ وَغِلْظَةٍ، وَتَحَمُّلِ جَفَائِهِ؛ لِجَهْلِهِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٢٨] (١٠٥٦) - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ سَلْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَبِهِ: قَسَمَ رَسُولُ اللهِ وَهِ قَسْماً، فَقُلْتُ: وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ(٢) لَغَيْرُ هَؤُلَاءِ كَانَ أَحَقَّ بِهِ مِنْهُمْ، قَالَ: ((إِنَّهُمْ خَيَّرُونِي أَنْ يَسْأَلُونِي بِالْفُحْشِ، أَوْ يُتَخِّلُونِ، فَلَسْتُ بَِّاخِلٍ»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْئَةً) ٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ) ابن راهويه المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظ مجتهد [١٠] (ت٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥. ٤ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد الضبيّ الكوفيّ، نزيل الريّ، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت١٨٨) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠. ٥ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران، تقدّم في الباب الماضي. ٦ - (أَبُو وَائِلِ) شقيق بن سلمة الأسديّ الكوفيّ، ثقةٌ مخضرمٌ [٢] (ت٨٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٧. (١) راجع: ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٢٧٩/١٠. (٢) وفي نسخة: ((فقلت: يا رسول الله)). ١٠٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة ٧ - (سَلْمَانُ بْنُ رَبِيعَةَ) بن يزيد بن عَمْرو بن سَهْم بن ثعلبة الباهليّ، أبو عبد الله، وهو سلمان الخيل، يقال: إن له صحبةً، وكان قاضي الكوفة، ثقةٌ [٢]. رَوَى عن النبيّ بَّه، وعنه سُوَيد بن غَفَلَة، والصُّبَيّ بن مَعْبد، وأبو وائل، وأبو ميسرة، وأبو عثمان النَّهْديّ، وعِدّةٌ، وشَهِد فتوح الشام مع أبي أمامة، ثم سكن العراق، وولاه عمر قضاء الكوفة، ثم ولي غزو أرمينية في زمن عثمان، فقتل ببلنجر سنة خمس وعشرين، وقيل: (٢٩) وقيل: (٣٠) وقيل: (٣١)، ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل الكوفة، وقال: كان ثقةً قليل الحديث، وقال العجليّ: كوفيّ ثقةٌ، من كبار التابعين، وقال الآجريّ، عن أبي داود: رَوَى عن النبيّ وَّ، وما أقل ما رَوَى، وقال سلمة بن كُهيل، عن سُويد بن غَفَلة: وجدت سَوْطاً، فأخذته، فعاب عليّ زيد بن صُوْحَان وسلمان بن ربيعة، فذكرته لأبي، فقال: أحسنت، وأصبت السنة، وقال ابن عبد البرّ في (الاستيعاب)): ذكره أبو حاتم، والعُقيليّ في الصحابة، وإنما قيل له: سلمان الخيل؛ لأنه كان يَلِي الخيول في خلافة عمر، وهو أول من فرّق بين العِتَاق والْهَچِين(١) فيما قيل، ذكره ابن حبان في ((الثقات)) في التابعين، وقال: كان رجلاً صالحاً يحج كل سنة، وهو أول قاضٍ استُقْضِي بالكوفة. تفرّد به المصنّف، وليس في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ٨ - (عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) ظُه تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣. لطائف هذا الإسناد : ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف تَّلُهُ، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قَرَن بينهم؛ لاتحاد كيفية التحمّل والأداء، ثم فرّق؛ لاختلافهم فيها . ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، غير زُهير، وإسحاق، وعمر ـ . ٣ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض، ورواية الأخيرين من رواية الأقران. (١) هو ما ولدته بِرْذونة من حِصَان عربيّ. ((مصباح)) ٦٣٥/٢. ١٠٥ (٤٣) - بَابُ إِعْطَاءِ مَنْ سَأَلَ بِفُحْشٍ وَغِلْظَةٍ، وَتَحَمُّلِ جَفَائِهِ؛ لِجَهْلِهِ- حديث رقم (٢٤٢٨) شرح الحديث: (عَنْ سَلْمَانَ بْنٍ رَبِيعَةَ) الباهليّ أنه (قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ٥ قَسَمَ رَسُولُ اللهِ ﴿ قَسْماً) قال القرطبيّ تَخْتُهُ: كذا رويناه بفتح القاف، وهو المصدر، ومعناه: فَعَلَ النبيّ ◌َ﴿ فِعْلَ القَسْم، والْقِسْمُ بالكسر: الحظّ والنصيب، وهو غير مراد هنا، فإنه وَّ﴿ لم يَقسِم نَصيب أحد، وإنما فَعَل الْقَسْم في المقسوم. انتهى(١). وقال ابن الجوزيّ كَثّثهُ: القسم بفتح القاف مصدر قسمت، وبكسرها : الحظّ والنصيب، يقال: هذا قسمك وهذا قسمي. انتهى(٢). (فَقُلْتُ: وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ) وفي نسخة: ((فقلت: يا رسول الله)) (لَغَيْرُ هَؤُلَاءِ) اللام هي الموطّئة للقسم، أي والله لغير هؤلاء الذين قسمت لهم (كَانَ أَحَقَّ بِهِ) أي بالمال المقسوم (مِنْهُمْ، قَالَ) بَرِ ((إِنَّهُمْ خَيَّرُونِي أَنْ يَسْأَلُونِي بِالْفُحْشِ) بضمّ، فسكون، يقال: فَحَشَ الشيءُ فُحْشاً، مثلُ قَبُحَ قُبْحاً وزناً ومعنَى، وفي لغة من باب قَتَلَ، وهو فاحشٌ، وكلُّ شيء جاوز الحدّ فهو فاحشٌ، ومنه غَبْنٌ فاحشٌ: إذا جاوزت الزيادة ما يُعْتاد مثلُهُ، وأفحش الرجل: أتى بالفُحْش، وهو القول السيّئُ، وجاء بالفحشاء مثله، قاله الفيّوميّ كَذُ(٣). وقال ابن الجوزيّ تَخْلَثُ: الفحش: الزائد في الخروج عن حدّ الصواب، وكلُّ شيء جاوز قدره فهو فاحش، ويُشْبِه أن يكون هؤلاء الذين أعطاهم من المؤلفة قلوبهم. انتهى (٤). (أَوْ يُبَخِّلُونِي) بضم أوله، وتشديد الخاء المعجمة: أي ينسبوني إلى البخل، يقال: بَخِل بَخْلاً، وبُخْلاً، من بابي تَعِبَ وقَرُبَ، والاسم الْبَخْلُ بالفتح، وِزانُ فَلْسٍ، فهو بخيلٌ، والجمع بُخَلاء، ورجلٌ باخلٌ، أي ذو بَخْل، والْبُخْلُ في الشرع: منع الواجب، وعند العرب: منع السائل مما يَفْضُل عنده، وأبخلته بالألف: وجدته بخيلاً(٥). (١) ((المفهم)) ٣/ ١٠٠. (٣) ((المصباح المنير)) ٤٦٣/٢. (٥) ((المصباح المنير)) ٣٨/١. (٢) ((كشف المشكل)) ١٥٥/١ - ١٥٦. (٤) (كشف المشكل)) ١٥٥/١ - ١٥٦. ١٠٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة وقال في ((القاموس)): الْبُخْلُ، والْبُخُولُ بضمّهما، وكجَبَل، ونَجْمٍ، وعُنُقِ: ضدُّ الكَرَم، بَخِلَ كفَرِحَ، وكَرُمَ بُخْلاً بالضمّ، والتحريك، فهو باخلٌ، من بُخَّلِ، كرَُّع، وبَخِيلٌ من بُخَلاء، ورجلٌ بَخَلٌ محرَّكةً وصفٌ بالمصدر، وبَخَالٌ كسَحَابٍ، وشَدَّادٍ، ومُعَظِّم، وأبخله: وجده بَخِيلًا، وبَخَّلَهُ تبخيلاً: رماه به. انتهى(١). (فَلَسْتُ بِبَاخِلِ))) قال النوويّ تَُّهُ: معناه أنهم أَلَخُوا في المسألة؛ لضعف إيمانهم، وألجأوني بمقتضى حالهم إلى السؤال بالفُحْش، أو نِسْبتي إلى البخل، ولست بباخل، ولا ينبغي احتمال واحد من الأمرين، ففيه مداراة أهل الجهالة والقسوة، وتألَّفهم إذا كان فيهم مصلحة، وجواز دفع المال إليهم لهذه المصلحة. انتهى. وقال القرطبيّ ◌َّهُ: معناه: أنهم ألحّوا عليه في المسألة، واشتّوا في السؤال، وقصدوا بذلك أحد شیئین: إما أن يَصِلُوا إلى ما طَلَبُوه، أو يَنسُبُوه إلى البخل، فاختار النبيّ وَلِّ ما يَقتضيه كَرَمه، من إعطائهم ما سألوه، وصبرِه على جفوتهم، فسَلِمَ من نسبة البخل إليه؛ إذ لا يليق به، وحَلُم عنهم كي يتألّفهم، وكان عمر ◌َُّهُ عَتَبَ عليه في ذلك؛ نظراً إلى أنّ أهل الدين، والْغَنَاء فيه أحقّ بالمعونة منهم، وهذا هو الذي ظهر لسعد بن أبي وقّاص ظُه، فأعلمهما النبيّ وَّه بمصالح أُخَر لم تخطُر لهما، هي أولى مما ظهر لهما. انتهى (٢). مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عمر بن الخطّاب ظُه هذا من أفراد المصنّف تَذْتُهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٤٢٨/٤٣] (١٠٥٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٥/١)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١١٨/٣)، والله تعالى أعلم. (١) ((القاموس المحيط)) ٣٣٣/٣. (٢) راجع: ((المفهم)) ١٠١/٣. ١٠٧ (٤٣) - بَابُ إِعْطَاءِ مَنْ سَأَ بِفُحْشٍ وَغِلْظَةٍ، وَتَحَمُّلِ جَفَائِهِ؛ لِجَهْلِهِ- حديث رقم (٢٤٢٩) (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان جواز إعطاء من سأل بفحش وغلظة، وتحمّل ذلك منه. ٢ - (منها): بيان جواز الإعطاء لحفظ العِرْض. ٣ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ ◌َ ﴿ من شدّة التحمّل الأذى المنافقين، وضعفاء الإيمان، وكثرة عفوه وصفحه عنهم؛ امتثالاً لأمر الله رحي له [الأعراف: ١٩٩]. بقوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضِ عَنِ الْجَهِلِينَ ٤ - (ومنها): مداراة أهل الجهالة والقسوة، وتألّفهم إذا كان في ذلك مصلحة، وجواز دفع المال إليهم لهذه المصلحة(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢٤٢٩] (١٠٥٧) - (حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ الرَّازِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكَأَ (ح) وَحَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، وَاللَّفْظُ لَهُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللهِ نَّهِ، وَعَلَيْهِ رِدَاءٌ نَجْرَانِيٌّ، غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ، فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ، فَجَبَذَهُ بِرِدَائِهِ جَبْلَةً شَدِيدَةً، نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةٍ عُنُقِ رَسُولِ اللهِ وَّهِ، وَقَدْ أَثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَةُ الرِّدَاءِ، مِنْ شِدَّةٍ جَبْذَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللهِ الَّذِي عِنْدَكَ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ وَ﴾ فَضَحِكَ، ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ). رجال هذا الإسناد : ١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ الرَّازِيُّ) أبو يحيى العبديّ، كوفيّ الأصل، ثقةٌ فاضلٌ [٩]. رَوَى عن مالك، وابن أبي ذئب، وحَرِيز بن عثمان، وحنظلة بن أبي (١) ((شرح النوويّ)) ١٤٦/٧. ١٠٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة سفيان، وأفلح بن حميد، وداود بن قيس الفَرّاء، وأبي جعفر الرازيّ، وغيرهم. ورَوَى عنه قتيبة، وعمرو الناقد، وأحمد بن حنبل، وأبو خيثمة، والحسن بن مكرم البزار، آخر أصحابه، وابن نُمَير، وأبو كريب، وغيرهم، وروى عنه محمد بن بِشْر العبديّ، وهو من أقرانه. قال أبو أسامة: كنا نستسقي به، وأثنى عليه أحمد، وقال أبو مسعود: يقال: كان من الأبدال، وقال محمد بن سعيد الأصبهانيّ: ثنا إسحاق بن سليمان، وكان ثقةً، وقال أبو الأزهر: كان من خيار المسلمين، وقال العجليّ: ثقةٌ رجل صالحٌ، وقال أبو حاتم: صدوقٌ لا بأس به، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن قانع: صالح، ووثقه ابن نمير، وقال الحاكم: ثقةٌ، وقال ابن وضاح الأندلسيّ: ثقةٌ ثبتٌ في الحديث، متعبدٌ كبيرٌ، وقال الخليلي في ((الإرشاد)): ثقةٌ، وذكره ابن حبان في الطبقة الرابعة من ((الثقات))، وأرخه سنة مائتين، وقال محمد بن سعد: كان ثقةً، له فضل في نفسه وورع، مات بالري سنة (١٩٩)، وقال أبو الحسين بن قانع: مات سنة (٢٠٠). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، برقم (١٠٥٧) و(١٢١١) و(٢٠٨٥) وبعد حديث (٢٦٧٢) وفي حديث (٢٩٠٥). ٣ - (يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى) الصَّدَفيّ، أبو موسى المصريّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت٢٦٤) وله (٩٦) سنةً (م س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٣٩٣/٧٥. ٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) تقدّم قبل بابين. ٥ - (مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) إمام دار الهجرة، تقدّم قبل باب. ٦ - (إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) الأنصاريّ، أبو يحيى المدنيّ، ثقةٌ حجةٌ [٤] (ت١٣٢) أو بعدها (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦٦٧/٣٠. ٧ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكِ) رُْبه، تقدّم قريباً. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رَّثُهُ، وله فيه إسنادان فرّق بينهما بالتحويل؛ لما أسلفناه غير مرّة. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج ١٠٩ (٤٣) - بَابُ إِعْطَاءِ مَنْ سَأَلَ بِفُحْشٍ وَغِلْظَةٍ، وَتَحَمُّلِ جَفَائِهِ؛ لِجَهْلِهِ - حديث رقم (٢٤٢٩) له الترمذيّ، وابن ماجه، والثاني ما أخرج له البخاريّ، وأبو داود، والترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من مالك. ٤ - (ومنها): أن أنساً ظالله أحد المكثرين السبعة، وآخر من مات من الصحابة بالبصرة، وقد جاوز عمره المائة. شرح الحديث : (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ) رَبِهِ، أنه (قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي) وفي رواية الأوزاعيّ: ((أدخل المسجد)) (مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ، وَعَلَيْهِ رِدَاءٌ) جملة حاليّة، والرداء بالكسر والمدّ: ما يُرْتدى به، مذكَّرٌ، ولا يجوز تأنيثه، والتثنية رداءان بالهمز، وربّما قُلبت الهمزة واواً، فقيل: رداوان، والجمع أرديةٌ، مثل سِلاح وأسلحة(١). وفي رواية البخاريّ: ((وعليه بُرْد))، والْبُرْد - بضم الباء الموحدة - نوع من الثياب معروف، والجمع أَبْرادٌ، وبُرُودٌ. (نَجْرَانِيٌّ) بالنون المفتوحة، وسكون الجيم، وبالراء: نسبة إلى نَجْران بلد معروفٌ بين الحجاز واليمن، قاله في (الفتح)). وقال الفيّوميّ كَّلُهُ: ونجران: بلد من بلاد هَمْدَانَ من اليمن، قال الطبريّ: سُمِّيَت باسم بانيها نجران بن زيد بن يَشْجُب بن يَعْرُب بن قَحْطان. انتهى(٢). (غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ) أي الطرف، وفي رواية الأوزاعيّ: ((الصَّنِفَة)) بفتح الصاد المهملة، وكسر النون، بعدها فاء، وهي طرف الثوب مما يلي طُرَّته(٣). (فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ) أي لحقه من ورائه، زاد همّام: ((من أهل البادية))، وفي رواية الأوزاعيّ: ((فجاء أعرابيّ من خلفه))، وهذا الأعرابيّ: لا يُعرف اسمه، كما قاله صاحب ((التنبيه))(٤). (فَجَبَذَهُ) أي جبذ الأعرابيّ النبيّ ◌ِّ، وهو بفتح الجيم، والموحّدة، بعدها ذال معجمةٌ، وفي رواية الأوزاعيّ: ((فجذب))، وهو بمعنى ((جبذ))، قاله في ((الفتح))، وقال الفيّوميّ كَُّ: جبذه جَبْذاً، من باب ضرب، مثلُ جذبه جذباً، قيل: مقلوب منه، لغةٌ تميميّةٌ، وأنكره ابن السّرّاج، (١) راجع: ((المصباح)) ٢٢٥/١. (٢) ((المصباح)) ٥٩٤/٢. (٣) ((الفتح)) ٦٦٥/١٣ ((كتاب الأدب)) رقم (٦٠٨٨). (٤) (تنبيه المعلم)) ص١٩٣. ١١٠ البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة وقال: ليس أحدهما مأخوذاً من الآخر؛ لأن كلَّ واحد متصرّف في نفسه. انتهى(١). (بِرِدَائِهِ جَبْذَةٌ شَدِيدَةً) وفي الرواية الآتية: «ثم جبذه إليه جبذةً، رجع نبيّ الله وَ﴿ في نحر الأعرابيّ)). قال أنس رَله: (نَظَرْتُ) وفي رواية البخاريّ: ((فنظرتُ)) بالفاء (إِلَى صَفْحَةٍ عُنُقِ رَسُولِ اللهِ وَ ﴿) كذا هو بلفظ ((عُنُق)) عند جميع الرواة عن مالك، وكذا في رواية الأوزاعيّ، ووقع عند البخاريّ بلفظ ((عاتق)). والصفحة - بالفتح وبالهاء، وبدونها - من كلّ شيءٍ جانبه، والجمع: صفحات، مثلُ سجدة وسَجَدَات. و((الْعُنُقِ)): الرقبة، وهو مذكّرٌ، ويؤنّثه أهل الحجاز، فيقولون: هي العنُقُ، والنون مضمومة؛ للإتباع في لغة الحجاز، وساكنة في لغة تميم، والجمع أعناق(٢). و((العاتق)): ما بين المنكب والعُنُق، وهو موضع الرداء، ويذكّر ويؤنّث، والجمع عواتق(٣). وقوله: (وَقَدْ أَثَّرَتْ بِهَا) أي في صفحة عنقه بَّ، فالباء بمعنى ((في)) (حَاشِيَةُ الرِّدَاءِ) جملة حاليّة، وفي رواية همّام: ((فجاذبه حتى انشقّ البُرد، وحتى بقيت حاشيته في عُنُق رسول الله وَّ))، قال في ((الفتح)): وزاد أن ذلك وقع من الأعرابيّ لَمّا وَصَل النبيّ وَّهِ إلى حجرته، ويُجْمَع بأنه لقيه خارج المسجد، فأدركه لَمّا كاد يدخل، فكلمه، أو مسك بثوبه لما دخل، فلما كاد يدخل الحجرة خَشِي أن يفوته فجبذه. انتهى (٤). (مِنْ شِدَّةٍ جَبْذَتِهِ، ثُمَّ قَالَ) الأعرابيّ (يَا مُحَمَّدُ مُرْ لِي) وفي رواية الأوزاعيّ: ((أعطنا))، أي مُرْ وكلاءك بأن يعطوا لي، أو مر بالعطاء لأجلي (مِنْ مَالِ اللهِ الَّذِي عِنْدَكَ) أي من غير صنيع لك في إعطائك، كما صرح في رواية، حيث قال: ((لا من مالك، ولا من مال أبيك))، قيل: المراد به مال الزكاة، فإنه كان يُصرَف بعضه إلى المؤلفة(٥). (١) ((المصباح المنير)) ٨٩/١. (٣) ((المصباح)) ٣٩٢/٢. (٥) ((مرقاة المفاتيح)) ٤٧٩/١٠. (٢) ((المصباح)) ٤٣٢/٢. (٤) ((الفتح)) ٦٦٦/١٣. ١١١ (٤٣) - بَابُ إِعْطَاءِ مَنْ سَأَلَ بِفُحْشٍ وَغِلْظَةٍ، وَتَحَمُّلِ جَفَائِهِ؛ لِجَهْلِهِ-حديث رقم (٢٤٢٩) (فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ وَهِ، فَضَحِكَ) وفي رواية الأوزاعيّ: ((فتبسّم، ثم قال: مُرُوا له)) (ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ) وفي رواية همّام: ((وأمر له بشيء)»، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك رضي (المسألة الثانية): في تخريجه: ، هذا متفقٌ عليه. أخرجه (المصنّف) هنا [٢٤٢٩/٤٣ و٢٤٣٠] (١٠٥٧)، و(البخاريّ) في ((الخمس)) (٣١٤٩) و(اللباس)) (٥٨٠٩) و((الأدب)) (٦٠٨٨)، و(ابن ماجه) في (اللباس)) (٣٥٥٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٠٣/٣ و١٥٣ و٢١٠ و٢٢٤)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٢١٤/١)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١١٩/٣)، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قال الدارقطنيّ كَّلُهُ: لم أر هذا الحديث عند أحد من رواة ((الموطأ)) إلا عند يحيى بن بكير، ومَعْن بن عيسى، ورواه جماعة من رواة ((الموطأ)) عن مالك، لكن خارج ((الموطأ))، وزاد ابن عبد البر أنه رواه في ((الموطأ)) أيضاً مصعب بن عبد الله الزبيريّ، وسليمان بن صُرَد. قال الحافظ تَخْلُهُ: ولم يخرجه البخاريّ إلا من رواية مالك، وأخرجه مسلم أيضاً من رواية الأوزاعيّ، ومن رواية همام، ومن رواية عكرمة بن عمار، كلهم عن إسحاق بن أبي طلحة، وساقه على لفظ مالك، وبَيَّن بعض لفظ غيره. انتهى(١). (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان جواز إعطاء من سأل بفُحش وغِلظة. ٢ - (ومنها): بيان حلمه وَل﴾، وصبره على الأذى في النفس والمال، والتجاوز على جفاء من يريد تألَّفه على الإسلام، وليتأسى به الولاة بعده في خلقه الجميل، من الصفح، والإغضاء، والدفع بالتي هي أحسن. قال القرطبيّ تَخُّْ: يدلّ الحديث على ما وصف الله تعالى به نبيّه وَلّ أنه (١) ((الفتح)) ٦٦٥/١٣ ((كتاب الأدب)) رقم (٦٠٨٨). ١١٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة على خلق عظيم، وأنه رؤوف رحيم، فإن هذا الجفاء العظيم الذي صدر من هذا الأعرابيّ لا يصبر عليه، ولا يحلُم عنه مع القدرة عليه إلا مثله وَّ، ثم ضحكه عند هذه الجبذة الشديدة التي انشقّ البرد لها، وتأثّر عنقه بسببها حتى انفلت عن وجهته، ورجع إلى نحر الأعرابيّ دليلٌ على أن الذي تمّ له من مقام الصبر والحلم ما تمّ لأحد، وهذا نظير صبره وَ *، وحلمه يوم أُحد حيث كُسِرت رَبَاعيته، وشُجّ في وجهه، وهو في هذا الحال يقول: ((اللهم اغفر القومي، فإنهم لا يعلمون))، ◌َّ وشرّف وكرّم. انتهى(١). وأخرج أبو داود، والنسائيّ، واللفظ له، عن أبي هريرة ظُه قال: كنا نقعد مع رسول الله رقم18 في المسجد، فإذا قام قمنا، فقام يوماً، وقمنا معه، حتى لَمّا بلغ وسط المسجد أدركه رجل، فجبذ بردائه من ورائه، وكان رداؤه خَشِناً، فحَمَّر رقبته، فقال: يا محمد احمل لي على بعيريَّ هذين، فإنك لا تَحْمِل من مالك، ولا من مال أبيك، فقال رسول الله موص له: ((لا، وأستغفر الله، لا أحمل لك حتى تُقِيدني مما جبذت برقبتي))، فقال الأعرابيّ: لا والله لا أُقيدك، فقال رسول الله ﴿ ﴿ ذلك ثلاث مرات، كلُّ ذلك يقول: لا والله لا أقيدك، فلما سمعنا قول الأعرابيّ أقبلنا إليه سِرَاعاً، فالتفت إلينا رسول الله وَله فقال: ((عَزَمتُ على من سمع كلامي أن لا يَبْرح مقامه حتى آذن له))، فقال رسول الله وَ لرجل من القوم: ((يا فلان احمل له على بعيرٍ شعيراً، وعلى بعير تمراً))، ثم قال رسول الله وَلاير: ((انصرفوا))، وفي سنده هلال بن أبي هلال المدنيّ وثّقه ابن حبّان، وقال الذهبيّ: لا يُعرف. ٣ - (ومنها): أن قوله: ((غليظ الحاشية)) يدلّ على إيثار النبيّ وَلّ من الدنيا، والتبلّغ منها بما أمكن من اللباس، والمطعم، وغيره، وأنه لم يكن بالذي يترقّه في الدنيا، ولا يتوسّع فيها. ٤ - (ومنها): بيان جفاء الأعراب، وغلظة طبيعتهم، فهم كما أخبر الله تعالى بقوله: ﴿اَلْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَافًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنَزَلَ اللَّهُ (١) («المفهم)) ١٠١/٣ - ١٠٢. ١١٣ (٤٣) - بَابُ إِعْطَاءِ مَنْ سَأَلَ بِفُحْشٍ وَغِلْظَةٍ، وَتَحَمُّلِ جَفَائِهِ؛ لِجَهْلِهِ - حديث رقم (٢٤٣٠) عَلَى رَسُولِهِ﴾ الآية [التوبة: ٩٧]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢٤٣٠] ( .. ) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدٍ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ (ح) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ (ح) وَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، كُلُّهُمْ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، عَنِ النَّبِيِّ وَّهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَفِي حَدِيثٍ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ مِنَ الزِّيَادَةِ: قَالَ: ثُمَّ جَبَذَهُ إِلَيْهِ جَبْذَةً، رَجَعَ نَبِيُّ اللهِ وَّهِ فِي نَحْرِ الْأَعْرَابِيِّ، وَفِي حَدِيثِ هَمَّامٍ: فَجَاذَبَهُ حَتَّى انْشَقَّ الْبُرْدُ، وَحَتَّى بَقِيَتْ حَاشِيَتُهُ فِي عُنُقِ رَسُولِ اللهِ وََّ) . رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ) العنبريّ مولاهم، أبو سهل البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت٢٠٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٨٢/٦. ٣ - (هَمَّامُ) بن يحيى العوذيّ البصريّ، ثقةٌ [٧] (ت٤ أو ١٦٥) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٠. ٤ - (عُمَرُ بْنُ يُونُسَ) بن القاسم الحنفيّ، أبو حفص اليماميّ، ثقةٌ [٩] (ت٢٠٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٥/١٢. ٥ - (عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ) العجليّ، أبو عمّار اليماميّ، بصريّ الأصل، ثقة إلا في روايته عن يحيى بن أبي كثير، فمضطرب [٥] مات قبيل (١٦٠) (خت م س ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٥/١٢. ٦ - (سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ) الْمِسْمَعيّ النيسابوريّ، نزيل مكة، ثقةٌ، من كبار [١١] مات سنة بضع (٢٤٠) (م ٤) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٦٠. ٧ - (أَبُو الْمُغِيرَةِ) عبد القدّوس بن الحجّاجِ الْخَولانيّ الحمصيّ، ثقةٌ [٩] (ت ٢١٢) (ع) تقدم في ((صلاة المسافرين)) ١٧٧٤/٢٦. ١١٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة ٨ - (الْأَوْزَاعِيُّ) عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، أبو عمرو الفقيه، ثقةٌ جليلٌ [٧] (ت١٥٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (كُلُّهُمْ إلخ)) أي كلّ هؤلاء الثلاثة: همّام، وعكرمة، والأوزاعيّ رووا عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ. وقوله: (رَجَعَ نَبِيُّ اللهِ نَّهِ فِي نَحْرِ الْأَعْرَابِيِّ) النحر: أعلى الصدر، أو وقع ◌َّ﴿ على صدر الأعرابيّ من شدة جبذته، قال الطيبيّ تَخُّْهُ: أي استَقْبَل نَحْرَهُ استقبالاً تامّاً، وهو معنى قوله: ((وإذا التَفَتَ التفت معاً» (١)، وهذا يدل على أنه لم يتغير، ولم يتأثر من سوء أدبه. وقوله: (فَجَاذَبَهُ) هو بمعنى جبذه في الرواية السابقة. وقوله: (وَحَتَّى بَقِيَتْ حَاشِيَتُهُ فِي عُنُقِ رَسُولِ اللهِ وَلِّ) قال القاضي عياض رَّتُهُ: يَحْتَمِل أنه على ظاهره، وأن الحاشية انقطعت، وبقيت في العنق، ويَحْتَمِل أن يكون معناه: بقي أثرها؛ لقوله في الرواية الأخرى: ((أَثَّرَت بها حاشية الرداء)). انتهى(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَغْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾. (٤٤) - (بَابُ إِعْطَاءِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَمَنْ يُخَافُ عَلَى إِيمَانِهِ إِنْ لَمْ يُعْطَ، وَتَصَبُّرِ مَنْ قَوِيَ إِيمَانُهُ) وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج تَّهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٣١] (١٠٥٨) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، أَنَّهُ قَالَ: قَسَمَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ أَقْبِيَةً، وَلَمْ يُعْطِ (١) أشار به إلى ما أخرجه أحمد، والترمذيّ عن عليّ حديث ضعيف، قال الترمذيّ تقذفُ: ليس إسناده بمتّصل. في حديثه الطويل، وهو (٢) ((إكمال المعلم)) ٣/ ٥٩٥. ١١٥ (٤٤) - بَابُ إِعْطَاءِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَمَنْ يُخَافُ عَلَى إِيمَانِهِ ... إلخ - حديث رقم (٢٤٣١) مَخْرَمَةَ شَيْئاً، فَقَالَ مَخْرَمَةُ: يَا بُنَيَّ انْطَلِقْ بِنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، قَالَ: ادْخُلْ، فَادْعُهُ لِي، قَالَ: فَدَعَوْتُهُ لَهُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ، وَعَلَيْهِ قَبَاءٌ مِنْهَا، فَقَالَ: ((خَبَأْتُ هَذَا لَكَ))، قَالَ: فَنَظَرَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: رَضِيَ مَخْرَمَةُ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل باب. ٢ - (لَيْثُ) بن سعد الإمام المصريّ المشهور، تقدّم قبل بابين. ٣ - (ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة زُهير بن عبد الله التيميّ المكيّ، ثقةٌ فقيه فاضلٌ، أدرك ثلاثين صحابيّاً [٣] (ت١١٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٢/٤. ٤ - (الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ) بن نوفل الزهريّ، أبو عبد الرحمن الصحابيّ ابن الصحابيّ ﴿ّ، مات سنة (٦٤) (ع) تقدم في ((الحيض)) ١٨/ ٧٧٩. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف نَّثُ، وهو (١٥٢) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أن صحابيّه ابنُ صحابيّ . شرح الحديث : (عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) وفي رواية أحمد، عن أبي النضر هاشم، عن الليث، حدّثني عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة (عَنِ الْمِسْوَرِ) بكسر الميم، وإسكان السين المهملة، وفتح الواو (ابْنِ مَخْرَمَةَ) بفتح الميمين، بينهما خاء معجمة ساكنة. [تنبيه]: قوله: ((عن المسور بن مَخْرَمة إلخ)): هكذا أسنده الليث بن سعد، وتابعه حاتم بن وردان، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة، كما في الرواية التالية، وأرسله حماد بن زيد، كما عند البخاريّ في ((الخمس))، وتابعه ابن عليّة، كما عنده أيضاً في ((الأدب))، كلاهما عن أيوب، عن ابن أبي مليكة، أن ١١٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة النبيّ وَّ، وقد رجّح الإمام البخاري الموصول؛ لحفظ من وصله، أفاده في ((الفتح))(١) . (أَنَّهُ قَالَ: قَسَمَ رَسُولُ اللهِ وَّ﴾) وفي رواية حاتم التالية: ((قَدِمت على النبيّ وَ﴿ أقبية))، وفي رواية حماد: ((أهديت للنبيّ وَّ أقبية، من ديباج مُزرُورة بالذهب، فقسمها في ناس من أصحابه)) (أَقْبِيَةً) جمع قَبَاءٍ، قال الفيّوميّ: الْقَبْوُ: معروف، والجمع أَقْبَاءٌ، والْقَبَاءُ ممدوداً عربيّ، والجمع: أقبيةٌ، وكأنه مشتقّ من قَبَوتُ الحرف أَقبوه قَبْواً: إذا ضممته. انتهى(٢). (وَلَمْ يُعْطِ مَخْرَمَةَ شَيْئاً) أي في حال تلك القسمة، وإلا فقد وقع في رواية حماد بن زيد، عند البخاريّ متصلاً بقوله: ((من أصحابه، وعَزَل منها واحداً لمخرمة» . [تنبيه]: مخرمة هذا والد المسور ﴿ هو ابن نوفل الزهري، كان من رؤساء قريش، ومن العارفين بالنسب، وأنصاب الحرم، وتأخر إسلامه إلى الفتح، وشهد حُنيناً، وأعطي من تلك الغنيمة مع المؤلفة، ومات سنة أربع وخمسين، وهو ابن مائة وخمس عشرة سنة، ذكره ابن سعد، قاله في ((الفتح))(٣). وقال في ((الإصابة)): مخرمة بن نوفل بن أُهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب، أبو صفوان، وأبو المسور الزهري، أمه رُقيقة بنت أبي صيفي بن هاشم بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب، وهو والد المسور بن مخرمة الصحابي المشهور، قال الزبير بن بكار: كان من مسلمة الفتح، وكانت له سنّ عالية، وعلم بالنسب، فكان يؤخذ عنه النسب. وزاد ابن سعد: وكان عالِماً بأنصاب الحرم، فبعثه عمر، هو وسعيد بن يربوع، وأزهر بن عبد عوف، وحويطب بن عبد العزى، فجددوها، وذكر أن عثمان بعثهم أيضاً، وأخرج الزبير بن بكار، من حديث ابن عباس: أن جبريل علَّ أَرى إبراهيم عليّا، أنصاب الحرم، فنصبها، ثم جددها إسماعيل علا، ثم جددها قصي بن كلاب، ثم جددها (١) راجع: ((الفتح)) ٦/ ٣٥٣ ((كتاب فرض الخمس))، و٤٤٤/١١ ((كتاب اللباس)). (٣) راجع: ((الفتح)) ٤٤٤/١١. (٢) ((المصباح المنير)) ٤٨٩/٢. ١١٧ (٤٤) - بَابُ إِعْطَاءِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَمَنْ يُخَافُ عَلَى إِيمَانِهِ ... إلخ - حديث رقم (٢٤٣١) النبيّ وَّة، ثم بعث عمر الأربعة المذكورين، فجدّدوها، وفي سنده عبد العزيز بن عمران، وفيه ضعف. انتهى المقصود من ((الإصابة)) (١) . (فَقَالَ مَخْرَمَةُ: يَا بُنَيَّ) بضم أوله: تصغير ((ابن)) (انْطَلِقْ بِنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ وََّ) وفي رواية حاتم: ((عسى أن يُعطينا منها شيئاً)) فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، قَالَ: (ادْخُلْ، فَادْعُهُ لِي) وفي رواية حاتم: ((فقام أبي على الباب، فتكلم، فعرف النبيّ ◌َ﴾ صوته))، قال ابن التين: لعل خروج النبيّ وَّر، عند سماع صوت مخرمة، صادف دخول المسور إليه. (قَالَ: فَدَعَوْتُهُ لَّهُ) أي دعوت النبيّ ◌َّهِ لأجل أبي (فَخَرَجَ إِلَيْهِ) أي إلى مخرمة (وَعَلَيْهِ قَبَاءٌ مِنْهَا) جملة حالية، أي والحال أن على النبيّ وَّ قباء من تلك الأقبية. ثم إن ظاهره استعمالُ الحرير، قيل: ويجوز أن يكون قبل النهي، ويَحْتَمِل أن يكون المراد أنه نشره على أكتافه؛ ليراه مخرمة كُلَّه، ولم يقصد لبسه، ولا يتعين - كما قال الحافظ - كونه على أكتافه، بل يكفي أن يكون منشوراً على يديه، فيكون قوله: ((عليه)) من إطلاق الكل على البعض، وقد وقع في رواية حاتم: ((فخرج، ومعه قباء، وهو يريه محاسنه))، وفي رواية حماد: «فتلقاه به، واستقبله بأزراره)). (فَقَالَ) وَهِ من باب التألّف ((خَبَأْتُ هَذَا لَكَ))) وفي رواية حاتم، تكراره مرّتين، زاد في رواية حماد: ((يا أبا المسور)»، هكذا دعاه أبا المسور، وكأنه على سبيل التأنيس له ذكر ولده الذي جاء صُحْبَتَهُ، وإلا فكنيته في الأصل أبو صفوان، وهو أکبر أولاده، ذكر ذلك ابن سعد. (قَالَ: فَنَظَرَ إِلَيْهِ) وفي رواية البخاريّ: ((فنظر إليه مخرمة)) (فَقَالَ: رَضِيَ مَخْرَمَةُ) قال في ((الفتح)): زاد في رواية هاشم: ((فأعطاه إياه))، وجزم الداوديّ أن قوله: ((رضي مخرمة)) من كلام النبيّ وَ﴿ على جهة الاستفهام: أي هل رضيت؟ وقال ابن التين: يَحْتَمِل أن يكون من قول مخرمة، قال الحافظ: وهو المتبادر للذهن، وزاد حماد في آخر الحديث: ((وكان في خُلُقه شِدَّة))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. (١) ((الإصابة)) ٥٠/٦. ١١٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث المسور بن مخرمة نظُّبه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٤٣١/٤٤ و٢٤٣٢] (١٠٥٨)، و(البخاريّ) في ((الهبة)) (٢٥٩٩) و((الشهادات)) (٢٦٥٧) و((فرض الخمس)) (٣١٢٧) و((اللباس)) (٥٨٠٠) و((الأدب)) (٦١٣٢)، و(أبو داود) في ((اللباس)) (٤٠٢٨)، و(الترمذيّ) في ((الأدب)) (٢٨١٨)، و(النسائيّ) في ((الزينة)) (٥٣٢٦) و((الكبرى)) (٩٦٦٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٤٨١٧ و٤٨١٨)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٣/ ٦٠١)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٢٠/٣)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٣٨/٦ و٢٥٥/٨)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (١٨٢/١٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان جواز إعطاء المؤلّفة قلوبهم، ومن يُخاف على إيمانه إن لم يُعط . ٢ - (ومنها): استئلاف من كان سيّئ الأخلاق بالعطية، والكلام الطيب، كما فعل النبيّ وَّير مع مخرمة، حيث كان في خلقه شدّة. ٣ - (ومنها): بيان جواز لبس الأقبية. ٤ - (ومنها): أن فيه الاكتفاءَ في الهبة بالقبض. ٥ - (ومنها): أن البخاريّ ظُه استدلّ به على جواز شهادة الأعمى؛ لأن النبيّ وََّ، عَرَف صوت مخرمة، فاعتمد على معرفته به، وخرج إليه، ومعه القباء الذي خبأه له. ٦ - (ومنها): أن بعض المالكية استنبط منه جواز الشهادة على الخط، وتُعُقّب بأن الخطوط تشتبه أكثر مما تشتبه الأصوات. ٧ - (ومنها): أن فيه ردّاً على من زعم أن المسور لا صحبة له. قاله في ((الفتح))(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) ((الفتح)) ٢٧٧/١٣ - ٢٧٨ (كتاب اللباس)) رقم (٥٨٠٠). ٠ ١١٩ (٤٤) - بَابُ إِعْطَاءِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَمَنْ يُخَافُ عَلَى إِيمَانِهِ ... إلخ - حديث رقم (٢٤٣٢) (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم دفع الزكاة للمؤلّفة قلوبهم : قال العلّامة القرطبيّ تَّلُ في ((تفسيره)): اختلف العلماء في بقائهم، فقال عمر، والحسن، والشعبيّ، وغيرهم: انقطع هذا الصنف بعزّ الإسلام، وظهوره، وهذا مشهور مذهب مالك، وأصحاب الرأي، قال بعض علماء الحنفيّة: لما أعزّ الله الإسلام، وأهله، وقطع دابر الكافرين - لعنهم الله - اجتمعت الصحابة ﴿م أجمعين في خلافة أبي بكر ظُه على سقوط سهمهم. وقال جماعة من العلماء: هم باقون؛ لأن الإمام ربما احتاج أن يستألف على الإسلام. وإنما قطعهم عمر لما رأى من إعزاز الدين، قال يونس: سألت الزهريّ عنهم؟ فقال: لا أعلم نسخاً في ذلك. قال أبو جعفر النحّاس: فعلى هذا الحكمُ فيهم ثابتٌ، فإن كان أحد يُحتاج إلى تألّفه، ويُخاف أن تَلحَق المسلمين منه آفةٌ، أو يُرجى أن يحسن إسلامه بعدُ دُفع إليه. قال القاضي عبد الوهّاب: إن احتيج إليهم في بعض الأوقات أعطوا من الصدقة. وقال القاضي ابن العربيّ: الذي عندي أنه إن قوي الإسلام زالوا، وإن احتيج إليهم أُعطُوا سهمهم، كما كان رسول الله وَّر يعطيهم، فإن في ((الصحيح)): ((بدأ الإسلام غريباً، وسيعود كما بدأ)). انتهى كلام القرطبيّ تَظّهُ(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن هذا الذي قاله ابن العربيّ تَظْتُهُ هو الأرجح. وحاصله: أن نصيب المؤلّفة قلوبهم باقٍ على حسب الحاجة، فحيث وُجدت حاجة إلى تأليفهم، أُعطوا، وإلا فلا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٣٢] ( ... ) - (حَدَّثَنَا(٢) أَبُو الْخَطَّابِ زِيَادُ بْنُ يَحْيَى الْحَسَّانِيُّ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ وَرْدَانَ أَبُو صَالِحٍ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، (١) راجع: ((جامع الأحكام)) ١٨١/٨. (٢) وفي نسخة: ((وحدّثني)). ١٢٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، قَالَ: قَدِمَتْ عَلَى النَّبِّ وَ أَقْبِيَةٌ، فَقَالَ لِي أَبِي مَخْرَمَةُ: انْطَلِقْ بِنَا إِلَيْهِ عَسَى أَنْ يُعْطِيَنَا مِنْهَا شَيْئاً، قَالَ: فَقَامَ أَبِي عَلَى الْبَابِ، فَتَكَلَّمَ، فَعَرَفَ النَِّّ وَّهِ صَوْتَهُ، فَخَرَجَ وَمَعَهُ قَبَاءٌ، وَهُوَ يُرِيهِ مَحَاسِنَهُ، وَهُوَ يَقُولُ: ((خَبَأْتُ هَذَا لَكَ، خَبَأْتُ هَذَا لَكَ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو الْخَطَّابِ زِيَادُ بْنُ يَحْيَى الْحَسَّانِيُّ) النُّكْريّ - بضمّ النون - البصريّ، ثقةٌ [١٠]. رَوَى عن معتمر بن سليمان، وحاتم بن وَرْدان، وبشر بن المفضل، وأبي داود الطيالسيّ، وعبد الوهاب الثقفيّ، ومحمد بن سواد، ومالك بن سُعير بن الْخِمْس، وأزهر بن سعد السمان. ورَوَى عنه الجماعة، وأبو حاتم، وابن خزيمة، وإبراهيم بن أبي طالب، وحسين بن محمد الْقَبَّانيّ، وابن جرير، وابن أبي الدنيا، وابن أبي داود، وأبو عروبة، وابن صاعد، وغيرهم. قال أبو حاتم، والنسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: مات سنة أربع وخمسين ومائتين. روى عنه الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث، برقم (١٠٥٨) و(١٤٠٩) و(١٩٦٢) و(٢٦٨٨). [تنبيه]: زياد بن يحيى هذا أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وقد نظمتهم بقولي: ذَرُو الأُصُولِ السِّنَّةِ الْوُعَاةُ اشْتَرَكَ الأَئِمَّةُ الْهُدَاةُ الْحَافِظِينَ النَّاقِدِينَ الْبَرَرَهُ فِي تِسْعَةٍ مِنَ الشُّيُوخِ الْمَهَرَهُ نَصْرٌ وَيَعْقُوبُ وعَمْرٌو السَّرِي أُولَئِكَ الأَشَجُّ وَابْنُ مَعْمَرٍ ابْنُ الْمُثَنَّى وَزِيَادٌ يُحْتَذَى وَابْنُ الْعَلَاءِ وَابْنُ بَشَّارٍ كَذَا ٢ - (حَاتِمُ بْنُ وَرْدَانَ أَبُو صَالِح) هو: حاتم بن وَرْدان بن مروان السَّعْديّ، أبو صالح البصريّ، إمام مسجدً أيوب، ثقةٌ [٨].