النص المفهرس
صفحات 61-80
٦١ (٤٠) - بَابُ بَيَانِ فَضْلِ غِنَى النَّفْسِ - حديث رقم (٢٤٢٠) (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٤١٩/٣٩] (١٠٥٠)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١١٥/٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان كراهة الحرص على الدنيا، والتكالب عليها. وَي ◌ُّه حيث كان يعتني ٢ - (ومنها): بيان فضل أبي موسى الأشعريّ بالدعوة إلى الله تعالى، والترغيب في الزهد في الدنيا، والإقبال على الآخرة. ٣ - (ومنها): بيان فضل البصرة حيث كان من أهلها علماء قرّاء لكتاب الله تعالى. ٤ - (ومنها): بيان جواز النسخ في كتاب الله تعالى، ووقوعه، وهو مجمع عليه بين المسلمين. ٥ - (ومنها): الإشارة إلى انقسام النَّسخ إلى الأقسام المذكورة، وقد استوفيت البحث في ذلك بما فيه الكفاية في ((التحفة المرضيّة))، و((شرحها)) في الأصول، فراجعه تستفد علوماً جمّة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . (٤٠) - (بَابُ بَيَانِ فَضْلٍ غِنَى النَّفْسِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٢٠] (١٠٥١) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ، وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ)). ٦٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة رجال هذا الإسناد: ستّةٌ : ١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو محمد بن عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت٢٣٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢. والباقون كلّهم تقدّموا قبل باب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف نَّلُهُ، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لما أسلفناه غير مرّة. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه زُهير، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من أبي الزناد، وسفيان كوفيّ، ثم مكيّ، وزُهیر نسائيّ، ثم بغداديّ، وابن نُمير كوفيّ. ٤ - (ومنها): أن هذا الإسناد أحد ما قيل فيه: إنه أصحّ أسانيد أبي هريرة , فرعيّة . ٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة ◌َُّه أحفظ من روى الحديث في عصره. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَبُهُ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ) - بفتح العين، والراء المهملتين، وبالضاد المعجمة -: متاع الدنيا، وحُطامها، من أيّ نوع كان، سُمِّي بذلك؛ لزواله، ومنه قوله تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الذُّنْيَا﴾، وفي الحديث: ((الدنيا عرضٌ حاضرٌ، يأكل منه البرّ والفاجر))، وأما العَرْض بإسكان الراء، فهو ما عدا النقد، والنقدُ هو الدراهم والدنانير، قاله أبو زيد، والأصمعيّ، وغيرهما، وقال أبو عبيد: العَرْض: المتاع الذي لا يدخله كيل ولا وزن، ولا يكون حيواناً ولا عقاراً. انتهى(١). وقال في ((الفتح)): وأما العَرَض فهو ما يُنتفَع به، من متاع الدنيا، ويُطلق (١) ((طرح التثريب)) ٤/ ٨٠. ٦٣ (٤٠) - بَابُ بَيَانِ فَضْلِ غِنَى النَّفْسِ - حديث رقم (٢٤٢٠) بالاشتراك على ما يقابل الجوهر، وعلى كل ما يَعْرِض للشخص، من مرض ونحوه. وقال أبو عبد الملك البونيّ فيما نقله ابن التين عنه قال: اتَّصَل بي عن شيخ من شيوخ القيروان أنه قال: العرض بتحريك الراء: الواحد من العُرُوض التي يُتَّجَر فيها، قال: وهو خطأ، فقد قال الله تعالى: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى﴾ الآية [الأعراف: ١٦٩]، ولا خلاف بين أهل اللغة في أنه ما يَعْرِض فيه، وليس هو أحد العروض التي يُتَّجَر فيها، بل واحدها عَرْض بالإسكان، وهو ما سوى النقدين. وقال أبو عبيد: العروض: الأمتعة، وهي ما سوى الحيوان والعقار، وما لا يدخله كيل ولا وزن، وهكذا حكاه عياض وغيره. وقال ابن فارس: العرض بالسكون: كلُّ ما كان من المال غير نقد، وجمعه عُرُوضٌ، وأما بالفتح فما يصيبه الإنسان من حظه في الدنيا، قال تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الذُّنْيَا﴾ الآية [الأنفال: ٦٧]، وقال: ﴿وَإِن يَأْتِمْ عَرَضٌ مِثْلُ يَأْخُذُوهُ﴾ الآية [الأعراف: ١٦٩]. انتهى (١). [تنبيه]: ((عن كثرة العرض)) ((عن)) هنا سببيّة، قاله في ((الفتح))، وقال في ((الطرح)): ((عن)) هنا يَحْتَمِل معناها أوجهاً: [أحدها]: أن تكون للتعليل، كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِّ ءَالِهَئِنَا عَن قَوْلِكَ﴾ [هود: ٥٣]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ أَسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن قَوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤]، أي ليس عِلّيّة الغنى وسببه كثرة العرض. [ثانيها]: أن تكون للظرفية، أي ليس الغنى في كثرة العرض. [ثالثها]: أنها بمعنى الباء، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنَطِقُ عَنِ الْمَوَ أي بالهوى، أي ليس الغنى بكثرة العرض. انتهى (٢). ٣ (وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ))) معنى الحديث: ليس الغنى الحقيقيّ المعتبر من كثرة المال، بل هو من استغناء النفس، وعدم الحرص على الدنيا، ولهذا (١) ((الفتح)) ١٤/ ٥٥٨ ((كتاب الرقاق)) رقم (٦٤٤٦). (٢) ((طرح التثريب)) ٤/ ٨٠ - ٨١. ٦٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة ترى كثيراً من المتموِّلين فقير النفس، مجتهداً في الزيادة، فهو لشدّة شَرَهِهِ، وشدّة حِرْصه على جمعه، كأنه فقيرٌ، وأما غنى النفس، فهو من باب الرضا بقضاء الله؛ لعلمه أن ما عند الله لا ينفد، قاله في ((العمدة))(١). وقال النوويّ كَّلُهُ: معنى الحديث: الغنى المحمود غنى النفس، وشِبَعُها، وقلّة حرصها، لا كثرة المال مع الحرص على الزيادة؛ لأن من كان طالباً للزيادة لم يستغن بما معه، فليس له غنى، وسبقه القاضي عياض تَّتُهُ إلى ذلك، ثم حَكَى عن الإمام المازريّ أنه قال: يَحْتَمِل أن يريد الغنى النافع، والذي يَكُفّ عن الحاجة، وليس ذلك على ظاهره؛ لأنه معلوم أن كثير المال غنيّ. انتھی. وحاصل هذا إثبات الغنى لغنيّ النفس، والمبالغة فيه، حتى ينفي الغنى عمن فقده، وإن كثر ماله، مع أنه غنيّ بالحقيقة، لكنه نُفِي لانتفاء ثمرته، فإنه وإن وجد الغنى بالمال مع الحرص، فهو غير محمود، ولا نافع، كما يُسَمَّى العالم الذي لا يعمل بعلمه جاهلاً؛ لانتفاء ثمرة العلم في حقه، والله أعلم(٢). وقال في ((الفتح)) عند قوله: ((إنما الغنى غنى النفس)) ما نصّه: في رواية الأعرج، عن أبي هريرة، عند أحمد وسعيد بن منصور وغيرهما: ((إنما الغنى في النفس))، وأصله في مسلم، ولابن حبان من حديث أبي ذرّ ◌َظُه: قال لي رسول الله قال: ((يا أبا ذرّ أترى كثرة المال هو الغنى؟)) قلت: نعم، قال: ((وترى قلة المال هو الفقر؟)) قلت: نعم يا رسول الله، قال: ((إنما الغنى غنى القلب، والفقر فقر القلب)). قال ابن بطال رَّتُهُ: معنى الحديث: ليس حقيقة الغنى كثرة المال؛ لأن كثيراً ممن وسّع الله عليه في المال، لا يقنع بما أُوتي، فهو يجتهد في الازدياد، ولا يبالي من أين يأتيه؟ فكأنه فقيرٌ؛ لشدة حرصه، وإنما حقيقة الغنى غنى النفس، وهو من استغنى بما أوتي، وقَنِعَ به، ورَضِي، ولم يَخْرِص على الازدياد، ولا ألح في الطلب، فكأنه غني. وقال القرطبيّ كَّلُ: معنى الحديث: إن الغِنَى النافعَ، أو العظيم، أو (١) ((عمدة القاري)) ٥٥/٢٣. (٢) ((طرح التثريب)) ٨١/٤. ٦٥ (٤٠) - بَابُ بَيَانِ فَضْلِ غِنَى النَّفْسِ - حديث رقم (٢٤٢٠) الممدوح، هو غِنَى النفس، وبيانه: أنه إذا استغنت نفسه كَفَّت عن المطامع، فَعَزَّت، وعَظُمت، وحصل لها من الحظوة والنزاهة والشرف والمدح أكثر من الغنى الذي يناله مَن يكون فقير النفس؛ لحرصه، فإنه يُوَرِّطه في رذائل الأمور، وخسائس الأفعال؛ لدناءة همته، وبخله، ويكثر من يذمُّه من الناس، ويَصْغُر قدره عندهم، فيكون أحقر من كل حقير، وأذل من كل ذليل. والحاصل أن المتصف بغنى النفس يكون قانعاً بما رزقه الله، لا يحرص على الازدياد لغير حاجة، ولا يُلِحّ في الطلب، ولا يُلْحِف في السؤال، بل يرضى بما قَسم الله له، فكأنه واجدٌ أبداً، والمتصف بفقر النفس على الضدّ منه؛ لكونه لا يقنع بما أُعطِي، بل هو أبداً في طلب الازدياد، من أيّ وجه أمكنه، ثم إذا فاته المطلوب حَزِن وأَسِف، فكأنه فقير من المال؛ لأنه لم يستغن بما أُعطِي، فكأنه ليس بغنيّ. ثم غِنَى النفس إنما ينشأ عن الرضا بقضاء الله تعالى، والتسليم لأمره؛ علماً بأن الذي عند الله خير وأبقى، فهو مُعْرِض عن الْحِرْص والطلب وما أحسن قول القائل [من الطويل]: غِنَى النَّفْسِ مَا يَكْفِيكَ مِنْ سَدِّ حَاجَةٍ فَإِنْ زَادَ شَيْئاً عَادَ ذَاكَ الْغِنَى فَقْرَا وقال الطيبيّ تَخّلُهُ: يمكن أن يراد بغنى النفس حصول الكمالات العلمية والعملية، وإلى ذلك أشار القائل [من الطويل]: وَمَنْ يُنْفِقِ السَّاعَاتِ فِي جَمْعِ مَالِهِ مَخَافَةَ فَقْرٍ فَالَّذِي فَعَلَ الْفَقْرُ أي ينبغي أن يُنفق أوقاته في الغنى الحقيقي، وهو تحصيل الكمالات، لا في جمع المال، فإنه لا يزداد بذلك إلا فقراً. انتهى. وهذا وإن كان يمكن أن يراد، لكن الذي تقدَّم أظهر في المراد، وإنما يحصل غنى النفس بغنى القلب، بأن يفتقر إلى ربه في جميع أموره، فيتحقق أنه المعطي المانع، فيرضى بقضائه، ويشكره على نعمائه، ويَفْزَع إليه في كشف ضَرَّائه، فينشأ عن افتقار القلب لربه غنى نفسه عن غير ربه تعالى، والغنى الوارد ﴾ [الضحى: ٨] يتنزل على غنى النفس، فإن الآية في قوله: ﴿وَوَجَدَكَ عَابِلًا فَأَغْفَ مكية، ولا يَخْفَى ما كان فيه النبيّ وَّه قبل أن تُفْتَح عليه خيبر وغيرها، من قلة ٦٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة المال، والله أعلم. انتهى ما في ((الفتح))(١)، وهو بحثٌ حسنٌ مفيدٌ جدّاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة وظ ◌ُبه هذا متفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٤٢٠/٤٠] (١٠٥١)، و(البخاريّ) في ((الرقاق)) (٦٤٤٦)، و(الترمذيّ) في ((الزهد)) (٢٣٧٣)، و(ابن ماجه) في ((الزهد)) (١٣٨٦١)، و(النسائيّ) في ((الرقاق)) من ((الكبرى)) (١١٧٨٦)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (١٠٦٣)، و(أحمد) في («مسنده)) (٢٤٣/٢)، و(أبو نعيم) في (مستخرجه)) (١١٥/٣)، و(ابن حبّان) في («صحيحه)) (٤٥٣/٢)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٢٠٣/٧)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (١٣٣/١١ و٤٧٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل القناعة، والحثّ عليها، والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. ٢ - (ومنها): بيان انقسام الغنى إلى قسمين: غنى قلبيّ، وغني ماليّ، ولا ينفع هذا إلا من كان عنده الأول. ٣ - (ومنها): أن فيه إشارةً إلى المعنى المراد بالحياة الطيّبة في قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْتَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْبِيَنَّهُ حَيَوَةً طَيِّبَةٌ﴾ الآية [النحل: ٩٧]، فليست الحياة الطيّبة بكثرة المال والجاه، وإنما هي بحياة القلب، وغناه بربّه، واطمئنانه بذكره، وعدم الالتفات إلى ما سواه إلا ما كان طاعة الله وَك، والله تعالى أعلم. ٤ - (ومنها): أن فيه بيان ما كان عليه السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان من الفهم الدقيق لمراد الشارع الحكيم، فلذا تقرأ في سيرهم وتراجمهم (١) ((الفتح)) ١٤ /٥٥٨ - ٥٥٩ ((كتاب الرقاق)) رقم (٦٤٤٦). ٦٧ (٤١) - بَابُ التَّحْذِيرِ مِنَ الاغْتِرَارِ بِزِينَةِ الدُّنْيَا، وَمَا يُبْسَطُ مِنْهَا - حديث رقم (٢٤٢١) شدّة حذرهم من الدنيا، والتقلّل منها، وزهدهم فيها؛ لعلمهم أن كثرتها يُفسد قلوبهم، ويورثهم فقراً أبديّاً، ومن فتح الله عليه منهم الدنيا تراه يبذلها، وينفقها في وجوه الخير، ولا يدّخر لنفسه، ولا لأهله إلا ما لا بدّ له منه، ولقد مات رسول الله ير ودرعه مرهون عند يهوديّ بسبب طعام أخذه لأهله، مع أن الله تعالى فتح عليه خيبر وغيرها من البلدان، ولكنه أنفق ذلك في سبيل الله تعالى، اللهم ارزقنا اتّباع سنّته، وأحينا، وأمتنا، وابعثنا عليها، واجعلنا من خيار أهلها أحياءً وأمواتاً، إنك سميعٌ قريب مجيب الدعوات، برحمتك يا أرحم الراحمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ . (٤١) - (بَابُ التَّحْذِيرِ مِنَ الاغْتِرَارِ بِزِينَةِ الدُّنْيَا، وَمَا يُبْسَطُ مِنْهَا) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٢١] (١٠٥٢) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَتَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ، قَالَ: حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ عِيَاضٍ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعْدٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: قَامَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ، فَخَطَبَ النَّاسَ، فَقَالَ: ((لَا وَاللهِ مَا أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ، إِلَّ مَا يُخْرِجُ اللهُ لَكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا))، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ؟ فَصَمَتَ رَسُولُ اللهِ وَّرِ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: ((كَيْفَ قُلْتَ؟)) قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ إِلَّى : (إِنَّ الْخَيْرَ لَا يَأْتِي إِلَّ بِخَيْرِ، أَوَ خَيْرٌ هُوَ؟ إِنَّ كُلَّ مَا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ يَقْتُلُ حَبَطاً، أَوْ يُلِمُّ، إِلَّ آكِلَةَ الْخَضِرِ، أَكَلَّتْ حَتَّى إِذَا امْتَلَأَتْ (١) خَاصِرَتَاهَا، اسْتَقْبَلَتِ الشَّمْسَ، ثَلَطَتْ، أَوْ بَالَتْ، ثُمَّ اجْتَرَّتْ، فَعَادَتْ، فَأَكَلَتْ، فَمَنْ يَأْخُذْ مَالاً بِحَقِّهِ، يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ يَأْخُذْ مَالاً بِغَيْرِ حَقِّهِ، فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ))). (١) وفي نسخة: ((حتى امتلأت)). ٦٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يَحْبَى بْنُ يَحْبَى) التميميّ، تقدّم قبل باب. ٢ - (اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ) الإمام الفقيه المصريّ، تقدّم قبل باب أيضاً. ٣ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل باب أيضاً. ٤ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ) واسم أبيه كيسان، أبو سَعْد المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] مات في حدود (١٢٠) أو قبلها، أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٥٠/٣٦. ٥ - (عِيَاضُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعْدٍ) بن أبي سَرْح القرشيّ العامريّ المكيّ، ثقةٌ [٣] (ت١٠٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٥٠/٣٦. ٦ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سنان بن عُبيد الأنصاريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﴿ما، مات سنة (٣ أو ٤ أو ٦٥) وقيل: (٧٤) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٨٥. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف نغللهُ، وله فيه شیخان فرّق بينهما. بالتحويل؛ لاختلافهما في كيفيّة التحمّل والأداء، وذلك أن الظاهر أن يحيى أخذه من الليث قراءة، ولذا قال: أخبرنا الليث بن سعد، ونسبه أيضاً إلى أبيه، وقتيبة أخذه سماعاً، ولذا قال: حدّثنا ليثٌ، ولم ينسبه إلى أبيه، وقد أسلفت هذا غير مرّة. ٢ - (ومنها): أن فيه قوله: ((وتقاربا في اللفظ))، وذلك إشارة إلى القاعدة المعروفة عند المحدّثين، وهي أنه إذا روى عن شيخين، فأكثر، واتفقا في المعنى دون اللفظ، فله جمعهما في الإسناد، ثم يسوق الحديث على لفظ أحدهما، فيقول: أخبرنا فلان وفلان، واللفظ لفلان، أو هذا لفظ فلان، قال، أو قالا: أخبرنا فلان، ونحوه من العبارات، فإن لم يخص، فقال: أخبرنا فلان وفلان، وتقاربا في اللفظ، قالا: حدّثنا فلان جاز على جواز الرواية بالمعنى، فإن لم يقل: تقاربا فلا بأس به، على جواز الرواية بالمعنى، وإن كان قد عيب به البخاريّ، أو غيره، قاله النوويّ في ((التقريب))(١). (١) راجع: ((التقريب)) مع شرحه ((التدريب)) ١١١/٢ - ١١٢. ٦٩ (٤١) - بَابُ التَّحْذِيرِ مِنَ الاغْتِرَارِ بِزِينَةِ الدُّنْيَا، وَمَا يُبْسَطُ مِنْهَا - حديث رقم (٢٤٢١) وإلى ذلك أشرت بقولي: مَعْنَى حَدِيثِهِمْ وَلَفْظُهُ اقْتَرَقْ وَلَوْ رَوَى عَنِ الشُّيُوخِ مَا اتَّفَقْ وَيُورِدُ الْمَتْنَ بِلَفْظِ وَاحِدٍ يَجُوزُ أَنْ يَجْمَعَهُمْ فِي السَّنَدِ مَعَ إِشَارَةِ للْمُرَادٍ جَازَ لَهْ مُبَيِّناً وَإِنْ يَكُنْ قَدْ أَجْمَلَهْ ((واتَّحَدَ الْمَعْنَى)) فَحَقِّقْ مَا رَأَوْا فَقَالَ ((قَدْ تَقَارَبُوا فِي اللَّفْظِ» أَوْ وَتَرْكُهُ (تَقَارَبَا)) فِي الْمَبْنَى وَكَانَ ذَا رِوَايَةً بِالْمَعْنَى مِثْلُ الْبُخَارِيِّ الإِمَامِ النَّبِهِ (١) لَا بَأْسَ كَالْمَاضِي وَإِنْ عِیبَ بِهِ ٣ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى يحيى، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من المقبريّ، والليث مصريّ، ويحيى نيسابوريّ، وقتيبة بَغْلانيّ. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. ٦ - (ومنها): أن فيه أبا سعيد الخدريّ رظُه صحابيّ ابن صحابيّ. وهو أحد المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثاً. شرح الحديث: ، (عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعْدٍ) القرشيّ العامريّ المكيّ (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ) ◌َظُهُ (يَقُولُ: قَامَ رَسُولُ اللهِ وَي) وفي الرواية الآتية من رواية عطاء بن يسار عن أبي سعيد ((قال: ((جلس رسول الله وَلجر على المنبر، وجلسنا حوله، فقال: إن مما أخاف عليكم ... )) (فَخَطَبَ النَّاسَ، فَقَالَ: ((لَا وَاللهِ مَا) نافية مؤكّدة لـ((لا)) فُصل بينهما بالقسم (أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ، إِلَّا مَا يُخْرِجُ) بضمّ أوله، من الإخراج (اللهُ لَكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا))) بيان لـ((ما)»، قال في ((اللسان)): وزَهْرة الدنيا - بفتح الزاي، وسكون الهاء، وفتحها -: حُسنها، وبَهْجتها، وغَضَارتها، وفي التنزيل العزيز: ﴿زَهْرَةَ الْحَيَّوَةِ الدُّنْيَا﴾ [طه: ١٣١]، قال أبو حاتم السجستانيّ: زَهَرة الدنيا - بالفتح -، وهي قراءة العامّة بالبصرة، قال: (١) بفتح، فكسر: كفرِحَ فهو فَرِحٌ. ((المصباح)). ٧٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة وزَهْرة هي قراءة أهل الحرمين، وأكثر الآثار على ذلك. انتهى(١). وقال في ((الفتح)): ((الزهرة)) - بفتح الزاي، وسكون الهاء -، وقد قُرئ في الشاذّ عن الحسن وغيره بفتح الهاء، فقيل: هما بمعنى، مثلُ جَهْرَة، وجَهَرَة، وقيل: بالتحريك جمع زاهر، كفاجر وفَجَرَة، والمراد بالزهرة الزينة، والبهجة، كما في الحديث، والزهرة مأخوذة من زَهْرة الشجر، وهو نَوْرُها - بفتح النون - والمراد ما فيها من أنواع المتاع، والعين، والثياب، والزرع، وغيرهما مما يفتخر الناس بحسنه مع قلّة البقاء. انتهى (٢). (فَقَالَ رَجُلٌ) قال الحافظ تَُّهُ: لم أقف على اسمه (يَا رَسُولَ اللهِ، أَيَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ؟) وفي رواية مالك التالية: ((وهل يأتي الخير بالشرّ؟))، وفي رواية هلال بن ميمونة الآتية: ((أوَ يأتي الخير بالشرّ؟)) بفتح واو ((أَوَ))، والهمزة للاستفهام، والواو عاطفة على مقدّر، أي أتصير النعمة عقوبة؟؛ لأن زهرة الدنيا نعمة من الله تعالى، فهل تعود هذه النعمة نقمةً؟، وهو استفهام استرشاد، لا إنكار، والباء في قوله: ((بالشرّ)» صلة ليأتي، أي هل يستجلب الخيرُ الشرّ؟(٣). وقال القرطبيّ كَُّهُ: قوله: ((وهل يأتي الخير بالشرّ؟)) سؤالُ مَنِ استبعد حصول شرّ من شيء سمّاه رسول الله وَ﴾ ((بركات))، وسمّاه خيراً في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدُ ﴾﴾ [العاديات: ٨] وشِبْهِهِ مما سُمّي المال فيه خيراً، فلما فَهِم ◌َّ من سؤاله هذا الاستبعاد أجابه جواب من بقي عنده اعتقاد أن الخير الذي هو المال قد يَعرِض له أن يحصل عنه شرّ، إذا تعدّى به حدّه، وأسرف فيه، ومنع من حقّه، ولذلك قال: ((أَوَ خيرٌ هو؟)) - بهمزة الاستفهام، وواو العطف الواقعة بعدها المفتوحة على الرواية الصحيحة - مُنكِراً على من توهّم أنه يحصل منه شرّ أصلاً، لا بالذات، ولا بالْعَرَض. انتهى(٤). وقال الطيبيّ كَّتُهُ: قوله: ((أوَ يأتي الخير بالشرّ؟)) الاستفهام فيه استرد منهم، ومن ثَمَّ حَمِدَ نَّ﴿ السائل، والباء في ((بالشرّ)) صلة ((يأتي))، يعني هل (١) لسان العرب في مادّة زهر. (٣) ((الفتح)) ٢٤/١٣. (٢) ((الفتح)) ٢٣/١٣ - ٢٤. (٤) المفهم ٩٦/٣. ٧١ (٤١) - بَابُ التَّحْذِيرِ مِنَ الاغْتِرَارِ بِزِينَةِ الدُّنْيَا، وَمَا يُبْسَطُ مِنْهَا - حديث رقم (٢٤٢١) يَستجلِب الخيرُ الشرَّ؟ وجوابه وَّهِ بـ«لا يأتي الخير بالشرّ)) معناه: لا يأتي الخير بالشرّ، ولكن قد يكون سبباً له، ومؤدّياً إليه، فإن الربيع قد يُنبت أحرار العُشب والكلأ فهي كلّها خير في نفسها، وإنما يأتي الشرّ من قِبَل الآكل، فمن آكلٍ مستلذّ مفرطٍ منهمك فيها بحيث تنتفخ فيه أضلاعه، وتمتلئ خاصرتاه، ولا يُقلع عنه، فيُهلكه سريعاً، ومن آكلٍ كذا فيُشرفه إلى الهلاك، ومن آكلٍ مسرف حتى تنتفخ خاصرتاه، لكنه يتوخّى إزالة ذلك، ويتحيّل في دفع مضرّتها حتى ينهضم ما أكل، ومن آكلٍ غير مفرط، ولا مسرف، يأكل منها ما يسُدّ جَوْعته، ولا يُسرف فيه حتی یحتاج إلی دفعه. الأول مثال الكافر، والثاني مثال المؤمن الظالم لنفسه المنهمك في المعاصي، والثالث مثال المقتصد، والرابع مثال السابق الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة. انتهى كلام الطيبيّ تَظُّ، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم. (فَصَمَتَ) أي سكت، يقال: صَمَتَ صَمْتاً، من باب نصر: إذا سكت، وصُمُوتاً، وصُمَاتاً، فهو صامت، وأصمته غيره، وربّما استُعمل الرباعيّ لازماً أيضاً (١). (رَسُولُ اللهِ وََّ) بالرفع على الفاعليّة (سَاعَةً) أي قدراً قليلاً من الزمن، وإنما سكت روَّ﴾ منتظراً للوحي، كما يدلّ عليه قوله في الرواية الثالثة: ((ورُئينا أنه يُنزَل عليه، فأفاق يمسح الرُّحَضَاء)) (ثُمَّ قَالَ) بَّهِ مستثبتاً لما قاله الرجل (كَيْفَ قُلْتَ؟)) قَالَ) الرجل (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((إِنَّ الْخَيْرَ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ) وفي رواية مالك التالية: ((قال: لا يأتي الخير إلا بالخير))، وكرّره ثلاث مرّات. قال في ((الفتح)): ويؤخذ منه أن الرزق ولو كَثُر فهو من جملة الخير، وإنما يَعرِض له الشرّ بعارض البخل به عمن يستحقّه، والإسراف في إنفاقه فيما لم يُشْرَع، وأنّ كلّ شيء قَضَى الله أن يكون خيراً، فلا يكون شرّاً، وبالعكس، ولكن يُخْشَى على من رُزِق الخير أن يَعرِض له في تصرّفه فيه ما يجلب له الشرّ. انتهى. (١) راجع: ((المصباح المنير)) ٣٤٦/١ - ٣٤٧. ٧٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة (أَوَ خَيْرٌ هُوَ؟) ووقع في مرسل سعيد المقبريّ، عند سعيد بن منصور: ((أو خيرٌ هو؟)) مكرّراً ثلاث مرّات، وهو استفهام إنكار، أي إن المال ليس خيراً حقيقيّاً، وإن سُمّي خيراً؛ لأن الخير الحقيقيّ هو ما يَعْرِض له من الإنفاق في الحقّ، كما أنّ الشرّ الحقيقيّ فيه ما يَعرِض له من الإمساك عن الحقّ، والإخراج في الباطل، وما ذُكر في الحديث بعد ذلك من قوله: ((وإن هذا المال خَضِرَةٌ حُلْوة)) كضرب المثل بهذه الجملة. انتهى(١). (إِنَّ كُلَّ مَا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ) - بفتح الراء، وكسر الموحّدة -: قيل: هو الفصل المشهور بالإنبات، وقيل: النهر الصغير المنفجر عن النهر الكبير. وقال القرطبيّ. الْجَدْوَل الذي يُسقَى به، والجمع أربعاء، والجدول: النهر الصغير الذي ينفجر من النهر الكبير. وقال في ((المصباح)): والرَّبِيع الجدولُ، وهو النهر الصغير، قال الجوهريّ: وجمع ربيع أَرْبِعَاءُ، وأَرْبِعَةٌ، مثلُ نصيبٍ، وأنصباءَ، وأنصبةٍ، وقال الفرّاء: يُجمع رَبيع الكلإِ، وربيع الشهور أَرْبِعَةً، ورَبيع الجدول أَرْبِعَاء، ويصغّر رَبيع على رُبَيِّعٍ، وبه سمّيت المرأة، ومنه الرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذ بن عَفْراء. انتهى. ويَحْتَمِلَ أن يكون معنى الربيع: المطر النازل في وقت الربيع، ففي ((اللسان)): والرَّبيع أيضاً المطر الذي يكون في الربيع. انتهى. [تنبيه]: لفظ هذه الرواية ((إن كلَّ ما يُنبت الربيع))، ولفظ الرواية التالية: ((إن كلّ ما أنبت الربيع))، هاتان الروايتان محمولاتان على الرواية الثالثة بلفظ: ((وإن مما يُنبت الربيع))، فتقدّر فيهما ((من))، فهو من باب: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَىْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥] ﴿وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَىْءٍ﴾ [النمل: ٢٣]، أفاده النوويّ تَخُّْ. انتهى(٢). وجعل في ((الفتح)) ((مِن)) في قوله: ((مما ينبت)) للتكثير، لا للتبعيض ليوافق رواية: «كلّ ما أنبت)). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذكره النوويّ من حمل رواية ((كلّ)) على رواية ((مما))، من كون المقصود هنا التبعيض أوضح مما قاله في (الفتح))، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم. (١) ((الفتح)) ٢٤/١٣. (٢) ((شرح مسلم)) ٧/ ١٤٤. ٧٣ (٤١) - بَابُ التَّحْذِيرِ مِنَ الاغْتِرَارِ بِزِينَةِ الدُّنْيَا، وَمَا يُبْسَطُ مِنْهَا - حديث رقم (٢٤٢١) وإسناد الإنبات إلى الربيع مجازيّ؛ إذ المنبت في الحقيقة هو الله تعالى، وهذا الكلام كلّه وقع كالمثل للدنيا، وقد وقع التصريح بذلك في مرسل سعيد المقبريّ(١) . (يَقْتُلُ حَبَطاً) - بفتح الحاء المهملة، والموحّدة، والطاء المهملة أيضاً -: هو انتفاخ البطن من كثرة الأكل، يقال: حَبِطَتِ الإبلُ تَحْبَطُ حَبَطاً، من باب تَعَبَ: إذا أصابت مَرْعَى طيّباً، فأمعنت في الأكل، حتى تنتفخ، فتموت، وذلك أن الربيع يُنبت أحرار العشب، فتستكثر منها الماشية (٢). قال في ((الفتح)): وروي بالخاء المعجمة، من التخبّط، وهو الاضطراب، والأول المعتمد. انتهى. (أَوْ يُلِمُّ) بضم أوله، وكسر ثانيه، من الإلمام، وهو القرب، أي يقارب القتل. (إِلَّا) - بكسر الهمزة، تشديد اللام - على الاستثناء، وهذا هو المشهور الذي قاله الجمهور، من أهل الحديث، واللغة، وغيرهم، قال القاضي عياض: ورواه بعضهم ((أَلَا)) بفتح الهمزة، وتخفيف اللام، على الاستفتاح(٣). (آكِلَةَ الْخَضِرِ) - بالمدّ، وكسر الكاف - بصيغة اسم الفاعل، منصوب على الاستثناء المتّصل، والمستثنى منه محذوف، أي يَقْتُلُ كلَّ آكلة، إلا آكلة الْخَضِر، ويَحْتَمِل أن يكون الاستثناء منقطعاً، بمعنى ((لكن))، و((آكلة)) مبتدأ محذوف الخبر، أي لكن آكلة الْخَضِر تنتفع بأكلها، فإنها تأخذ الكلأ على الوجه الذي ينبغي. وأما ما قاله بعضهم من أن الاستثناء مفرّغ في الإثبات، فضعيف؛ لأن الاستثناء المفرّغ لا يقع في الإثبات، إلا على رأي ضعيف، فتنبّه، والله تعالى أعلم. قال في ((الكاشف)): قال البيضاويّ: والاستثناء مفرّغ، و((آكلةَ)) منصوب على أنه مفعول ((يَقْتُلُ))، والأصل: إن مما يُنبت الربيع ما يَقْتُلُ آكله إلا آكل (١) راجع: ((الفتح)) ٢٥/١٣. (٣) (شرح مسلم للنوويّ)) ٧/ ١٤٣. (٢) ((الكاشف)) ٣٢٧٥/١٠ - ٣٢٧٦. ٧٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة الخَضِرِ على هذا الوجه، وإنما صحّ الاستثناء المفرَّغ من الْمُثْبَت؛ لقصد التعميم فيه، ونظيره: قرأت إلا يوم كذا. قال الطيبيّ: وعليه ظاهر كلام المظهر، والأظهر أن الاستثناء منقطع؛ لوقوعه في الكلام المثبت، وهو غير جائز عند صاحب ((الكشّاف)) إلا بالتأويل، ولأن ما يَقتُلُ حَبَطاً بعض ما يُنبت الربيع؛ لدلالة ((من)) التبعيضيّة عليه، والتقسيم في قوله: ((إلا آكلة الخَضِرِ))؛ لأن الخَضِر غير ما يَقتُلُ حَبَطاً، يشهد له ما في ((شرح السنّة)). انتهى(١). و((الخَضِرُ)) بفتح الخاء، والضاد المعجمتين، وكذا لأكثر رواة البخاريّ، وهو ضرب من الكلأ، يُعجب الماشية، وواحده خَضِرَة، وفي رواية الكشميهني: ((خُضْرَة)) بضمّ الخاء، وسكون الضاد، وزيادة الهاء في آخره، وفي رواية السرخسيّ: ((الخَضْرَاء)) بفتح أوّله، وسكون ثانيه، وبالمدّ، ولغيرهم: (خُضَر)) بضمّ أوله، وفتح ثانيه، جمع خُضْرَة، أفاده في ((الفتح)). وقال الطيبيّ كَظّفُ: ((الخضر)) بكسر الضاد: نوع من البقول ليس من أحرارها وجيّدها، وإنما ترعاه المواشي إذا لم تجد سواه، فلا تكثر من أكله، ولا تستمرئ به. انتھی(٢). وقوله: (أَكَلَتْ) حال بتقدير ((قد))، وفي رواية مالك التالية: ((فإنها تأكل))، وفي رواية هلال الثالثة: ((فإنها أَكَلَت)) (حَتَّى إِذَا امْتَلَأَتْ) وفي نسخة: ((حتى امتلأت))، وفي رواية مالك: ((حتى إذا امتدّت)) (خَاصِرَتَاهَا) تثنية خاصرة، بخاء معجمة، وصاد مهملة: وهما جانبا البطن، من الحيوان، وفي رواية الكشميهني: ((خاصرتها)) بالإفراد، والمعنى: حتى إذا شَبِعَت (اسْتَقْبَلَتِ) وفي رواية للبخاريّ: ((أتت)) (الشَّمْسَ) وفي رواية هلال: ((استقبلت عين الشمس))، وقوله: (ثَلَطَتْ) جواب الشرط، وفي رواية هلال: ((فثلطت)) بالفاء، وهو بمثلّثة، ولام مفتوحتين، ثم طاء، من باب ضَرَب، كما تفيده عبارة ((القاموس))، وضبطها ابن التين: بكسر اللام: أي ألقت ما في بطنها رقيقاً، وقال النوويّ: (١) ((الكاشف)) ٣٢٧٦/١٠. (٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٢٧٦/١٠. ٧٥ (٤١) - بَابُ التَّحْذِيرِ مِنَ الاغْتِرَارِ بِزِينَةِ الدُّنْيَا، وَمَا يُبْسَطُ مِنْهَا - حديث رقم (٢٤٢١) الثَّلْط(١)، وهو الرجيع الرقيق، وأكثر ما يقال للإبل، والبقر، والفيلة. انتهى. (أَوْ بَالَتْ) وفي رواية هلال: ((وبالت)) بالواو، وهي واضحة، ويَحْتَمِل أن تكون ((أو)) هنا بمعنى الواو، ويبعد كونها للشك (ثُمَّ اجْتَرَّتْ) بالجيم، أي استرفعت ما أدخلته في كَرْشها من العَلَف، فأعادت مَضْغَه، قال النوويّ: قال أهل اللغة: الجِرَّة بكسر الجيم: ما يُخرجه البعير من بطنه ليمضعه، ثمّ يبلعه، والقصع: شدّة المضغ. انتهى. (فَعَادَتْ) أي إلى الأكل، وفي رواية مالك: ((ثم عادت)) (فَأَكَلَتْ) وفي رواية هلال: ((ثُمَّ رَتَعَتْ)) يقال: رَتَعت الماشيةُ، من باب نفع، رُتُوعاً: رَعَت کیف شاءت. قاله في ((المصباح)). والمعنى: أنها إذا شبعت، فثقل عليها ما أكلت، تحيّلت في دفعه، بأن تجترّ، فيزداد نُعُومةً، ثم تستقبل الشمس، فتَحْمَى بها، فيسهل خروجه، فإذا خرج زال الانتفاخ، فسَلِمَت، وهذا بخلاف من لم تتمكّن من ذلك، فإن الانتفاخ يقتلها سريعاً. وقال الأشرف: في قوله: ((حتى امتدّت خاصرتاها استقبلت عين الشمس)) أن المقتصد المحمود العاقبة، وإن جاوز حدّ الاقتصاد في بعض الأحيان، وقرُب من الإسراف المذموم؛ لغلبة الشهوة المركوزة في الإنسان، وهو المعني بقوله: ((أكلت حتى امتدّت خاصرتاها))، لكنه يرجع عن قريب عن الحدّ المذموم، ولا يثبت عليه، بل يلتجئ إلى الدلائل النيِّرة، والبراهين الواضحة الدافعة للحرص المهلك القامعة له، وهو المدلول عليه بقوله: ((استَقْبَلتْ عين الشمس، وثَلَطَتْ، وبالت))، فحذف ما حذف في المرّة الثانية؛ لدلالة ما قبلها عليه، وفيه إشارة إلى أن المحمود العاقبة، وإن تكرّر منه الخروج عن حدّ الاقتصاد، والقرب من حدّ الإسراف مرّة بعد أولى، وثانية بعد أخرى؛ لغلبة الشهوة عليه، وقوّتها فيه، لكنه يمكن أن يبعد بمشيئة الله تعالى عن الحدّ المذموم الذي هو الإسراف، ويقرب من الاقتصاد الذي هو الحدّ المحمود. قال الطيبيّ كَّلُهُ: فعلى هذا الاستثناءُ متّصلٌ، لكن يجب التأويل في (١) الثّلْطُ - بفتح، فسكون -: رقيق سَلْح الفيل ونحوه. القاموس. ٧٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة المستثنى، والمعنى: أن من جملة ما يُنبت الربيع شيئاً يَقتُل آكله إلا الْخَضِرَ منه إذا اقتَصَدَ فيه آكله، ودَفَع ما يؤدّيه إلى الهلاك. انتهى (١). [تنبيه]: قال الأزهريّ تَخّلُهُ: وأما قول النبيّ وَله: ((وإن مما ينبت الربيع ما يَقتُلُ حَبَطاً، أو يُلمّ))، فإن أبا عُبيد فَسّر الْحَبَط، وترك من تفسير هذا الحديث أشياء، لا يستغني أهل العلم عن معرفتها، فذكرتُ الحديث على وجهه لأفسّر منه كلّ ما يُحتاج من تفسيره، ثمّ أورد الحديث بتمامه، ثم قال: وإنما تقصّيت رواية هذا الخبر؛ لأنه إذا بُتِرَ استَغْلَق معناه، وفيه مثلان: ضَرَب أحدَهما للْمُفْرِطِ في جمع الدنيا، مع منع ما جَمَع من حقّه، والمثل الآخر ضربه للمقتصد في جمع المال، وبذله في حقّه. فأما قوله وَله: ((وإن مما ينبت الربيع ما يقتل حَبَطاً))، فهو مثل الحريص، والْمُفْرِط في الجمع والمنع، وذلك أن الربيع يُنبت أحرار العُشْب التي تَحْلَوْلِيها(٢) الماشيةُ فتستكثر منها، حتى تَنتَفِخ بطونها، وتَهْلِكَ، كذلك الذي يجمع الدنيا، ويَحْرِص عليها، ويَشِحّ على ما جمع حتى يمنع ذا الحقّ حقّه منها يَهلِكُ في الآخرة بدخول النار، واستيجاب العذاب. وأما مثلُ المقتَصِدِ المحمود، فقوله وَّهِ: ((إلا آكلة الْخَضِرِ، فإنها أكلت، حتى إذا امتلأ خَواصرها استقبلت عين الشمس، فثَلَطت، وبالت، ثم رتعت))، وذلك أن الْخَضِرَ ليس من أحرار البقول التي تستكثر منها الماشيةُ، فتُهلكه أكلاً، ولكنّه من الْجَنْبَةُ(٣) التي تَرعاها بعد هَيْج العُشْب(٤)، ويُبْسه، قال: وأكثر ما رأيت العرب يجعلون الْخَضِرَ ما كان أخضَر من الْحَلِيّ(٥) الذي لم يَصفرٌ، (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٢٧٧/١٠. (٢) أي تجده حلواً . (٣) الْجَنْبةُ: عامّة الشجر التي تتربّلُ في الصيف. قاله في ((القاموس)). ومعنى تتربّل: أي تنبت. (٤) أي يبسه، فلايبسه)) عطف تفسير له. (٥) الْحَلِيّ كغَنيّ: نبات بعينه، وهو من خير مراتع أهل البادية للنعم، والخيل، وإذا ظهرت ثمرته، أشبه الزرع، إذا أسبل. أفاده في ((اللسان)). ٧٧ (٤١) - بَابُ التَّحْذِيرِ مِنَ الاغْتِرَارِ بِزِينَةِ الدُّنْيَا، وَمَا يُبْسَطُ مِنْهَا - حديث رقم (٢٤٢١) والماشيةُ ترتع منه شيئاً، فشيئاً، ولا تستكثر منه، فلا تَحْبَط بطونها عنه، قال: وقد ذكره طَرَفَة، فبيّن أنه من نبات الصيف في قوله: أَنْبَتَ الصَّيْفُ عَسَالِيجَ (٢) الْخَضِرْ كَبَنَاتِ الْمَخْرِ يَمْأَدْنَ(١) إِذَا فالْخَضِر من كلأ الصيف في القَيْظِ، وليس من أحرار بُقول الربيع، والنَّعَمُ لا تَسْتَوبله(٣)، ولا تحبط بُطونها عنه، قال: وبنات مَخْرٍ أيضاً، وهي سحائبُ يأتين قُبُلَ الصيف، قال: وأما الْخُضَارةُ، فهي من البقول الشِّتَويّة، وليست من الْجَنْبَة، فضرب النبيّ وَ﴿ آكلة الخضر مثلاً لمن يقتصد في أخذ الدنيا، وجَمْعِها، ولا يُسرف في قَمّها(٤) والحرص عليها، وأنه ينجو من وَبَالها، كما نَجَت آكلة الْخَضِر، ألا تراه قال: فإنها إذا أصابت من الخضر، استقبلت عين الشمس، فثلطت، وبالت، وإذا ثلطت، فقد ذهب حَبَطُها، وإنما تَحْبَط الماشية إذا لم تَثلِظُ، ولم تَبْل، وأُتُطِمت(٥) عليها بطونها، وقوله وهله: ((إلا آكلة الخضر)) معناه: لكن آكلة الخضر. وأما قوله وَله: ((إن هذا المال خَضِرَةٌ حُلْوَة)) ههنا الناعمةِ الْغَضّة، وحَثَّ على إعطاء المسكين، واليتيم منه، مع حلاوته، ورغبة الناس فيه؛ ليقيه الله تبارك وتعالى وَبَالَ نَعْمَتِها في دنياه وآخرته. انتهى كلام الأزهريّ تَقْذُّ(٦). (فَمَنْ يَأْخُذْ مَالاً بِحَقِّهِ) أي بأن اكتسبه من وجه حلال، وفي رواية مالك: ((إن هذا المال خَضِرةٌ حُلْوَةٌ))، وفي رواية هلال: ((وإن هذا المال خَضِرٌ حُلْوٌ))، ومعنى (خَضِرَةٌ)) بفتح، فكسر: أي كبقلةٍ خَضِرة في المنظر، ومعنى: ((حُلْوَةٌ)) بضمّ، فسكون: أي كفاكهة حُلْوة في الذَّوْق، فلكثرة ميل الطبع يأخذ الإنسان بكلّ وجه، فيؤدّيه ذلك إلى الوجه الذي لا ينبغي، فيهلك. (١) مأد النبات، كمنع: اهتزّ، وتروّى، وجرى فيه الماء. قاموس. (٢) جمع عُسْلُوج، قال في ((القاموس: الْعُسْلُجُ، والْعُسْلُوج: ما لان، واخضرّ من الْقُضْبان. انتهى. (٣) أي لا تشتهيه. (٥) بالبناء للمفعول: أي انتفخت بطونها . (٦) راجع: (لسان العرب)) في مادّة (حبط). (٤) أي جمعها . ٧٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة وقال الطيبيّ تَظّفُ: قوله: ((فمن أخذه بحقّه)) أي باحتياجه، وحلّه، ((ووضعه في حقّه)) بأن أخرج منه حقّه الواجب فيه شرعاً كالزكاة، فنعم المعين هو لصاحبه، يبلغ به الخير، وينجو به من الشرّ. قال الشيخ أبو حامد: مثال المال مثال الحيّة التي فيها ترياق نافع، وسمّ ناقعٌ، فإن أصابها المغرم الذي يعرف وجه الاحتراز عن شرّها، وطريق استخراج ترياقها النافع كانت نعمة عليه، وإن أصابها السواديّ الغبيّ، فهي عليه بلاء مُهلك. انتهى(١). (يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ) بالبناء للمفعول، أي يجعل الله تعالى البركة في ذلك المال، وفي رواية مالك: ((فَنِعْم المعونة هو))، وفي رواية هلال: ((إن هذا المال خَضِرٌ حُلْوٌ، ونعم صاحب المسلم هو لمن أعطى منه المسكين، والیتیم، وابن السبيل)) . (وَمَنْ يَأْخُذْ مَالاً بِغَيْرِ حَقِّهِ) بأن أخذه ظلماً، أو اكتسبه من وجه حرام، أو من غير احتياج إليه، ولم يخرج منه حقه الواجب (فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ») يعني أنه كلما نال منه شيئاً ازدادت رغبته، واستَقَلَّ ما في يده، ونظر إلى ما فوقه فينافسه. وقال الطيبيّ تَُّ: قوله: ((كالذي يأكل ولا يشبع)) ذُكر في مقابلة قوله: ((فنعم المعونة هو))، ومعناه أن أخذ المال بغير حقّه بأن جمعه من الحرام، ومن غير احتياج إليه، ولم يخرج منه حقه الواجب فيه، فيكون ذلك وبالاً عليه، لا معونة له، فيصير كالداء العضال الذي يُهلك صاحبه، وهو الحرص الباعث على من به جوع الكلب، فإن مصيره إلى الهلاك. انتهى. زاد في رواية هلال: ((ويكون عليه شهيداً يوم القيامة))، أي يكون ذلك المال حجة عليه، يشهد يوم القيامة على حرصه وإسرافه، وكونه أنفقه فيما لا يرضاه الله تعالى، ولم يؤدّ حقه، وهذه هي الفضيحة الكبرى، وذلك الخزي العظيم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٢٧٨/١٠. ٧٩ (٤١) - بَابُ التَّحْذِيرِ مِنَ الاغْتِرَارِ بِزِينَةِ الدُّنْيَا، وَمَا يُبْسَطُ مِنْهَا - حديث رقم (٢٤٢١) مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ هذا متّفق عليه . إنّه (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٤٢١/٤١ و٢٤٢٢ و٢٤٢٣] (١٠٥٢)، و(البخاريّ) في ((الجمعة)) (٩٢٢) و((الزكاة)) (١٤٦٥) و((الجهاد)) (٢٨٤٢) و((الرقاق)) (٦٤٢٧)، و(الترمذيّ) في ((الزهد)) (٦٠٨/٥)، و(النسائيّ) في (الزكاة)) (٢٥٨١) وفي ((الكبرى)) (٢٣٦٢)، و(ابن ماجه) في ((الفتن)) (٣٩٩٥)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٢٩٠/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢١/٣ و٩١)، و(أبو يعلى) في («مسنده)) (٤٥٤/٢)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٥/٣ - ١٦)، و(البيهقيّ) (١٩٨/٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده(١): ١ - (منها): بيان استحباب جلوس الإمام على المنبر عند الموعظة في غير خطبة الجمعة، ونحوها . ٢ - (ومنها): بيان استحباب جلوس الناس حول الإمام؛ ليمكنهم السماع لموعظته . ٣ - (ومنها): التحذير من المنافسة في الدنيا. ٤ - (ومنها): استفهام العالم عمّا يُشكل، وطلب الدليل لدفع المعارضة. ٥ - (ومنها): تسمية المال خيراً، ويؤيّده قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ ﴾﴾ [العاديات: ٨]، وقوله تعالى: ﴿إِن تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠]. لَشَدِيدٌ ٦ - (ومنها): ضرب المثل بالحكمة، وإن وقع في اللفظ ذكر ما يُستَهْجَن، كالبول والغائط، فإن ذلك يُغتفر لما يترتّب على ذكره من المعاني اللائقة بالمقام. ٧ - (ومنها): أنه * كان ينتظر الوحي عند إرادة الجواب عما يُسأل عنه، وهذا على ما ظنّه الصحابة ﴿ه، ويَحْتَمِل أن يكون سكوته ليأتي بالعبارة (١) المراد فوائده المستفادة من طرقه المختلفة المشار إليها في الشرح، لا خصوص السياق المذكور، فتنبّه. ٨٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة الوجيزة الجامعة المفهمة، وقد عدّ ابن دُريد هذا الحديث، وهو قوله: ((إنّ مما يُنبت الربيع يقتل حبطاً، أو يُلمّ)) من الكلام المفرد الوجيز الذي لم يُسبق وَلـ إلى معناه، وكلّ من وقع شيء منه في كلامه، فإنما أخذه منه. قاله في ((الفتح)). ٨ - (ومنها): ما كان النبيّ ◌َل﴿ يلقاه من شدّة الوحي من العناء، حتى يتصبّب منه العرق، وقد ثبت في ((الصحيحين)) من حديث عائشة ﴿يَا، أنها قالت: ((إن الحارث بن هشام ظه سأل رسول الله وَ﴾، فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله وَله: ((أحياناً يأتيني مثل صلصلة الْجَرَس، وهو أشدّه عليّ، فيُفْصَم عنّي، وقد وَعَيتُ منه ما قال، وأحياناً يمثّل لي الملك رجلاً، فيكلّمني، فأعي ما يقول، قالت عائشة ﴿قا: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيُقْصَم عنه، وإن جبينه، ليتفصّد عَرَقاً)). ٩ - (ومنها): أنه يستفاد منه ترك الْعَجَلة في الجواب، إذا كان يحتاج إلى التأمّل. ١٠ - (ومنها): لوم من ◌ُظُنّ به تعنّتٌ في السؤال، وحَمْدُ من أجاد فيه. ١١ - (ومنها): ما قيل: إن فيه تفضيلَ الغنيّ على الفقير. قال الحافظ تَّتُهُ: ولا حجة فيه؛ لأنه لا يمكن التمسّك به لمن لم يرجّح أحدهما على الآخر، والعجب أنّ النوويّ قال: فيه حجة لمن رجّح الغنيّ على الفقير، وكان قبل ذلك شرح قوله: ((لا يأتي الخير إلا بالخير)) على أن المراد أن الخير الحقيقيّ لا يأتي إلا بالخير، لكن هذه الزهرة ليست خيراً حقيقياً؛ لما فيها من الفتنة، والمنافسة، والاشتغال عن كمال الإقبال على الآخرة، قال الحافظ: فعلى هذا يكون حجّة لمن يفضّل الفقر على الغنى، والتحقيق أن لا حجّة فيه لأحد القولين. انتهى(١). ١٢ - (ومنها): الحضّ على إعطاء المسكين، واليتيم، وابن السبيل. ١٣ - (ومنها): أن المكتسب للمال من غير حلّه لا يُبارَك له فيه؛ لتشبيهه بالذي يأكل، ولا يشبع. (١) ((الفتح)) ٢٧/١٣.