النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
(٣٨) - بَابُ بَيَانِ الأَمْرِ بِأَخْذِ الْمَالِ الَّذِي جَاءَ بِغَيْرِ سُؤَالٍ، ... إلخ - حديث رقم (٢٤٠٥)
(وَلَا سَائِل) أي غير طالب له، قال النوويّ كَّتُهُ: فيه النهي عن السؤال،
وقد اتفق العلماء على النهي عنه لغير الضرورة، واختلف في مسألة القادر على
الكسب، والأصحّ التحريم، وقيل: يباح بثلاثة شروط: أن لا يُذِلّ نفسه، ولا
يُلحّ في السؤال، ولا يؤذي المسؤول، فإن فُقد شرط من هذه الشروط، فهي
حرام بالاتفاق. انتهى، وسيأتي تمام البحث في هذه المسألة قريباً - إن شاء الله
تعالى -.
(فَخُذْهُ) أي وجوباً على ما قاله بعضهم؛ عملاً بظاهر الأمر، وهو
الأظهر، أو استحباباً على ما عليه الجمهور، كما سيأتي تحقيقه في المسألة
الرابعة - إن شاء الله تعالى -.
(وَمَا لَا فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ) مِن أَتْبع مخفّفاً، أي ما لم يُؤْتِك الله بالشرط
المذكور، فلا تجعل نفسك تابعةً له، ناظرةً إليه؛ لأجل أن يحصل عندك.
وقال النوويّ تَخّْثُهُ: معناه: ما لم يوجد فيه هذا الشرط لا تُعلّق النفس
به. انتھی.
وقال القرطبيّ تَخُّْ: أي لا تعلّقها، ولا تُطمعها في ذلك، فإذا فعلت
ذلك بها سکنت، ویئست. انتهى.
وفيه إشارة إلى أن الْمَدَار على عدم تعلّق النفس بالمال، لا على عدم
أخذه وردّه على المعطي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حدیث عمر
هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٤٠٥/٣٨ و٢٤٠٦ و٢٤٠٧ و ٢٤٠٨ و٢٤٠٩]
(١٠٤٥)، و(البخاريّ) في ((الزكاة)) (١٤٧٣) و((الأحكام)) (٧١٦٤)، و(أبو داود)
في ((الزكاة)) (١٦٤٧) و((الخراج)) (٢٩٤٤)، و(النسائيّ) في ((الزكاة)) (٢٦٠٤
و٢٦٠٥ و٢٥٠٦ و٢٦٠٧ و٢٦٠٨) وفي ((الكبرى)) (٢٣٨٥ و٢٣٨٦ و٢٣٨٧

٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
و٢٣٨٨ و٢٣٨٩)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٧/١ و٢١ و٩٩/٢)،
و(الحميديّ) في ((مسنده)) (١٢/١)، و(أحمد) في ((مسند العشرة)) (١٠١
و١٣٧)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٦٤٧)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٢)
١٣٥) و((مسند الشاميين)) (٨٤/١ و١٥٦/٤ و٢٣٤)، و(أبو نعيم) في
(مستخرجه)) (١١١/٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٨٣/٦ و١٨٤ و٣٥٤)
و((المعرفة)) (٢١/٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان حكم من رزقه الله تعالى مالاً من غير مسألة، والجمهور
على استحباب أخذه على تفصيل في المسألة، لكن القول بالوجوب هو
الأقرب؛ لأنه الذي تدلّ عليه ظواهر النصوص، كما سيأتي في المسألة التالية،
إن شاء الله تعالى.
٢ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ كَّلُ: هذا الحديث أصلٌ في أنّ كلّ مَن
عَمِلَ للمسلمين عملاً من أعمالهم العامّة، كالولاية، والقضاء، والْحِسْبة،
والإمامة، فأرزاقهم في بيت مال المسلمين، وأنهم يُعْطَون ذلك بحسب عملهم.
انتھی(١).
٣ - (ومنها): أن للإمام أن يعطي بعض رعيّته إذا رأى لذلك وجهاً، وإن
كان غيره أحوج إليه منه.
٤ - (ومنها): أن ردّ عطيّة الإمام ليس من الأدب، ولا سيّما من
الرسول وَّ؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَآ ءَانَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ الآية [الحشر: ٧].
٥ - (ومنها): أن فيه منقبةً لعمر بن الخطّاب ﴿ه، وبيانَ فضله، وزُهده،
وإيثاره، وكذا لابن السعديّ ◌َُّه، فقد طابق فعلُه فعلَه، كما سيأتي بعد
حدیث .
٦ - (ومنها): أنّ أخذ ما جاء من المال من غير سؤال، ولا إشراف نفس
أفضلُ من ردّه؛ لأن أخذه يكون أعون على العمل، وألزم للنصيحة؛ لأنه إذا لم
(١) ((المفهم)) ٩١/٣.

٢٣
(٣٨) - بَابُ بَيَانِ الأَمْرِ بِأَخْذِ الْمَالِ الَّذِي جَاءَ بِغَيْرِ سُؤَالٍ، ... إلخ - حديث رقم (٢٤٠٥)
يأخذ كان عند نفسه متطوّعاً بالعمل، فقد لا يجدّ جدّ من أخذ، ركوناً إلى أنه
غير ملتزم، بخلاف الذي يأخذ، فإنه يكون مستشعراً بأن العمل واجبٌ عليه،
فیجدّ جدَّه فيه.
٧ - (ومنها): أن التصدّق بالمال بعد قبضه أفضل من التصدّق قبله؛ لأن
الإنسان إذا دخل المال في يده يكون أحرص عليه، فإذا تصدّق به طيّبةً نفسه،
كان أدلّ على حبه للخير، وقوة إيمانه، بخلاف ما إذا تصدّق قبل قبضه، فإن
النفس لا تطمع إليه كثيراً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم أخذ الشخص ما
جاءه من المال، من غير مسألة، ولا إشراف، وفي عطيّة السلطان:
قال النوويّ دَُّهُ: اختَلَفَ العلماء فيمن جاءه مالٌ، هل يجب قبوله، أم
يُندبُ؟ على ثلاثة مذاهب، حكاها أبو جعفر محمد بن جرير الطبريّ،
وآخرون، والصحيح المشهور الذي عليه الجمهور أنه يستحبّ في غير عطيّة
السلطان، أما عطيّة السلطان، فحرّمها قوم، وأباحها قوم، وكرهها قوم،
والصحيح أنه إن غلب الحرام فيما في يد السلطان حرمت، وكذا إن أَعطَى من
لا يستحقّ، وإن لم يغلب الحرام، فمباٌ، إن لم يكن في القابض مانع يمنعه
من استحقاق الأخذ، وقالت طائفة: الأخذ واجبٌ من السلطان وغيره.
وقال آخرون: هو مندوبٌ في عطيّة السلطان، دون غيره، والله أعلم.
انتهى كلام النوويّ(١).
وقال الحافظ: والتحقيق في المسألة أن من عُلِمَ كون ماله حلالاً، فلا
تردّ عطيّته، ومن عُلم كون ماله حراماً، فتحرم عطيّته، ومن شُكّ فيه،
فالاحتياط ردّه، وهو الورع، ومن أباحه أَخَذَ بالأصل.
قال ابن المنذر: واحتجّ من رخّص فيه بأن الله تعالى قال في اليهود:
﴿سَنَّعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّلُونَ لِلِسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢]، وقد رهن الشارع درعه عند
يهوديّ، مع علمه بذلك، وكذلك أَخَذَ الجزية منهم مع العلم بأن أكثر أموالهم
من ثمن الخمر والخنزير، والمعاملات الفاسدة. انتهى(٢).
(١) (شرح صحيح مسلم)) ٧/ ١٣٥.
(٢) راجع: ((الفتح)) ١٥/ ١٠١.

٢٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
قال الجامع عفا الله عنه: أرجح الأقوال عندي في مسألة القبول القولُ
بالوجوب؛ لظواهر النصوص، إذ هي بصيغة الأمر، ولا صارف له إلى الندب،
وما ادّعاه بعضهم من الإجماع على الندب غير صحيح؛ لما عرفت من
الخلاف .
وأما عطيّة السلطان، فالتفصيل الذي ذكره الحافظ تَُّ، هو الصواب،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في حكم أخذ الراتب لمن يقوم بمصالح المسلمين:
قال الإمام البخاريّ كَُّ في ((صحيحه)): ((باب رزق(١) الحاكم،
والعاملين عليها، وكان شُرَيح القاضي يأخذ على القضاء أجراً، وقالت
عائشة ◌ّا: يأكل الوصيّ بقدر عُمالته، وأكل أبو بكر، وعمر، ثم أورد حديث
عمر ربه المذكور في الباب محتجّاً به على جواز ذلك.
قال الطبريّ كَّتُهُ: في حديث عمر الدليل الواضح على أن لمن شُغِل
بشيء من أعمال المسلمين أَخْذَ الرزق على عمله ذلك، كالولاة، والقضاة،
وجُبَاة الفيء، وعُمّال الصدقة، وشبههم؛ لإعطاء رسول الله بَّهُ عمر العُمَالةَ
علی عمله.
وذكر ابن المنذر أن زيد بن ثابت ه، كان يأخذ الأجر على القضاء.
واحتجّ أبو عبيد في جواز ذلك بما فرض الله للعاملين على الصدقة،
وجعل لهم منها حقّاً؛ لقيامهم، وسعيهم فيها.
وقال ابن المنذر: وحديث ابن السعديّ حجة في جواز أرزاق القضاة من
وجهها .
وقال النوويّ: في هذا الحديث جواز أخذ العوض على أعمال المسلمين،
سواء كانت لدين، أو لدنيا، كالقضاء، والحسبة، وغيرهما. انتهى (٢).
(١) الرزق: ما يرتّبه الإمام من بيت المال لمن يقوم بمصالح المسلمين. وقال
المطرّزيّ: الرزق ما يخرجه الإمام كلّ شهر للمرتزقة من بيت المال، والعطاء ما
يُخرجه كلّ عام. ذكره في ((الفتح)) ١٥/ ٥١.
(٢) ((شرح مسلم)) ١٣٨/٧.

٢٥
(٣٨) - بَابُ بَيَانِ الأَمْرِ بِأَخْذِ الْمَالِ الَّذِي جَاءَ بِغَيْرِ سُؤَالٍ، ... إلخ - حديث رقم (٢٤٠٦)
وقال الطبريّ: ذهب الجمهور إلى جواز أخذ القاضي الأجرة على
الحكم؛ لكونه يشغله الحكم عن القيام بمصالحه، غير أن طائفة من السلف
کرهت ذلك، ولم يحرّموه مع ذلك.
وقال أبو عليّ الكرابيسيّ: لا بأس للقاضي أن يأخذ الرزق على القضاء
عند أهل العلم قاطبةً، من الصحابة، ومن بعدهم، وهو قول فقهاء الأمصار،
لا أعلم بينهم اختلافاً، وقد كره ذلك قوم، منهم مسروق، ولا أعلم أحداً منهم
حرّمه.
وقال المهلّب: وجه الكراهة أنه في الأصل محمول على الاحتساب؛
لقوله تعالى: ﴿قُل لَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الأنعام: ٩٠]، فأرادوا أن يجري
الأمر على الأصل الذي وضعه الله لنبيّه وَّهِ، ولئلا يدخل فيه من لا يستحقّه،
فيتحيّل على أموال الناس.
وقال غيره: أخذ الرزق على القضاء، إذا كانت جهة الأخذ من الحلال
جائز إجماعاً، ومن تركه إنما تركه تورُّعاً، وأما إذا كانت هناك شبهة، فالأولى
الترك جزماً، ويحرم إذا كان المال يؤخذ لبيت المال من غير وجهه، واختُلِف
إذا كان الغالب حراماً، وأما من غير بيت المال ففي جواز الأخذ من
المتحاكمين خلاف، ومن أجازه شرط فيه شروطاً، لا بدّ منها.
قال الحافظ: وقد جرّ القول بالجواز إلى إلغاء الشروط، وفشا ذلك في
هذه الأعصار بحيث تعذّر إزالة ذلك، والله المستعان. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: الحاصل أن أخذ الراتب على العمل جائزٌ
مطلقاً، على الوجه الذي سبق تقريره آنفاً، ولا ينافي ذلك إخلاص العمل لله
تعالى، كما اتّضح ذلك من حديث عمر ◌ُّه المذكور في الباب، فتبصّر، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤٠٦] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي
عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ
(١) راجع: ((الفتح)) ١٥/ ٥١ - ٥٦.

٢٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
الْعَطَاءَ، فَيَقُولُ لَهُ عُمَرُ: أَعْطِهِ
رَسُولَ اللهِ ﴿ كَانَ يُعْطِي عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ
يَا رَسُولَ اللهِ أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ◌ِ: ((خُذْهُ، فَتَمَوَّلْهُ، أَوْ تَصَدَّقْ
بِهِ، وَمَا جَاءَ مِنْ هَذَا الْمَالِ، وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ، وَلَا سَائِلِ، فَخُذْهُ، وَمَا لَا فَلَا
تُشْبِئْهُ نَفْسَكَ))، قَالَ سَالِمٌ: فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ، كَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَسْأَلُ أَحَداً شَيْئاً، وَلَا
يَرُدُّ شَيْئاً أُعْطِيَهُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن السَّرْح المصريّ، تقدّم قبل باب.
٢ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الحافظ المصريّ، تقدّم قبل باب
أيضاً.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (فَتَمَوَّلْهُ) أي اتّخذه مالاً .
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبله، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٤٠٧] (.) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ عَمْرٌو:
وَحَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ بِمِثْلِ ذَلِكَ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ بَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ السَّعْدِيِّ،
رضُ، عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلِ).
عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ) بن سعيد بن ثُمامة الْكِنديّ الصحابيّ الصغير،
مات سنة (٩١) وقيل: قبل ذلك (ع) تقدم في ((صلاة المسافرين)) ١٧١٢/١٧.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ السَّعْدِيِّ) القرشيّ العامريّ، واسم أبيه عمرو. وقيل:
قُدامة، وقيل: عبد الله بن وقدان بن عبد شمس بن عبد وُدّ بن نصر بن مالك بن
حِسْل بن عامر بن لؤيّ العامريّ، أبو محمد، ويقال له: السعديّ؛ لأنه كان
مسترضعاً في بني سعد، وقال فيه بعضهم: ابن الساعديّ، سكن الأردنّ.

٢٧
(٣٨) - بَابُ بَيَانِ الأَمْرِ بِأَخْذِ الْمَالِ الَّذِي جَاءَ بِغَيْرِ سُؤَالٍ، ... إلخ - حديث رقم (٢٤٠٧)
رَوَى عن النبيّ ◌ََّ، وعن عمر بن الخطّاب حديث الْعُمَالة، وعن
محمد بن حبيب المصريّ، إن كان محفوظاً. وروى عنه حُويطب بن
عبد الْعُزّى، والسائب بن يزيد، وعبد الله بن مُحيريز، ومالك بن يُخامِر، وأبو
إدريس، وبُسْر بن سعيد، وحسّان بن الضمريّ.
قال الواقديّ: توفّي سنة (٥٤)، وقال ابن حبّان: مات في خلافة عمر،
قال ابن عساكر: لا أراه محفوظاً .
أخرج له الجماعة، سوى الترمذيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا
الحديث فقط، وأعاده بعده.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (قَالَ عَمْرٌو) معناه: قال: قال عمرو، فحُذف كتابة ((قال))، ولا بُدَّ
للقارئ من النطق بـ((قال)) مرتين، وإنما حَذَفُوا إحداهما في الكتاب اختصاراً،
قاله النوويّ نَُّهُ .
وقوله: (قَالَ عَمْرُو: وَحَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ) قال النوويّ كَُّ: هكذا هو في
النسخ ((وحدثني)) بالواو، وهو صحيحٌ مَلِيحٌ، ومعناه أن عمراً حَدَّث عن ابن شهاب
بأحاديث عَطَفَ بعضَها على بعض، فسمعها ابنُ وهب كذلك، فلما أراد ابن وهب
رواية غير الأول أَتَى بالواو العاطفة؛ لأنه سَمِعَ غير الأول من عمرو معطوفاً
بالواو، فَأَتَى به كما سمعه، وقد سبق بيان هذه المسألة في أول الكتاب. انتهى(١).
وقوله: (بِمِثْلِ ذَلِكَ) أي بمثل حديث ابن شهاب الماضي عن سالم بن
عبد الله، عن أبيه، يعني أن ابن شهاب حدّث عمرو بن الحارث بهذا الحديث
من طريقين: طريق سالم، عن أبيه، وطريق السائب بن يزيد، عن حويطب بن
عبد العزّى (٢)، عن عبد الله بن السعديّ، عن عمر ﴿ه، والطريق الثاني أنزل
من الأول بثلاث وسائط؛ لأن الأول وصل فيه ابن شهاب إلى النبيّ وَل من
بواسطتين، والثاني وصل فيه بأربع وسائط: السائب، وحُويطب، وابن
ـجّ، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
السعديّ، وعمر
(١) ((شرح النوويّ)) ١٣٥/٧.
(٢) وهذا سقط من سند المصنّف، وقد سبق أن الصواب إثباته، فتنبّه.

٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
[تنبيهات]:
[التنبيه الأول]: وقع للإمام مسلم تَخْتُ في هذا الإسناد خطأ، حيث قال:
عن السائب بن يزيد، عن عبد الله بن السعديّ، عن عمر بن الخطّاب
عَبْه ،
فأسقط حويطباً .
قال النوويّ في ((شرحه)): واعلم أن هذا الحديث مما استُدرك على
مسلم، قال القاضي عياض: قال أبو عليّ بن السكن: بين السائب بن يزيد،
وعبد الله بن السعديّ رجلٌ، وهو حُويطب بن عبد العزّى، قال النسائيّ: لم
يسمعه السائب من ابن السعديّ، بل إنما رواه عن حويطب عنه، وقال غيره:
هو محفوظ من طريق عمرو بن الحارث، رواه أصحاب شُعيب، والزبيديّ،
وغيرهما، عن الزهريّ، قال: أخبرني السائب بن يزيد أن حويطباً أخبره أن
عبد الله بن السعديّ أخبره، أن عمر أخبره، وكذلك رواه يونس بن عبد الأعلى،
عن ابن وهب. انتهى كلام القاضي دَّثُ .
قال: وقد رواه النسائيّ في ((سننه)) كما ذُكِر عن ابن عيينة، عن الزهريّ،
عن السائب، عن حويطب، عن ابن السعديّ، عن عمر
ـه .
قال: ورويناه عن الحافظ عبد القادر الرُّهَاويّ في كتابه ((الرباعيّات))،
قال: وقد رواه هكذا عن الزهريّ: محمدُ بن الوليد الزبيديّ، وشعيب بن أبي
حمزة الحمصيّان، وعُقيل بن خالد، ويونس بن يزيد الأيليان، وعمرو بن
الحارث المصريّ، والْحَكَم بن نافع الحمصيّ، ثم ذكر طرقهم بأسانيدها مطوّلةً
مطرّقة، كلهم عن الزهريّ، عن السائب، عن حُويطب، عن ابن السعديّ، عن
عمر، وكذا رواه البخاريّ من طريق شعيب.
قال عبد القادر: ورواه النعمان بن راشد، عن الزهريّ، فأسقط حويطباً .
ورواه معمر، عن الزهريّ، واختُلف عنه فيه، فرواه عنه سفيان بن عيينة،
وموسى بن أعين، كما رواه الجماعة، عن الزهريّ، ورواه ابن المبارك، عن
معمر، فأسقط حويطباً، كما رواه النعمان بن راشد، عن الزهريّ، ورواه
عبد الرزّاق، عن معمر، فأسقط حويطباً، وابن السعديّ.
ثم ذكر الحافظ عبد القادر طرقهم كذلك، قال: فهذا ما انتهى من طرق
هذا الحديث، قال: والصحيح ما اتفق عليه الجماعة - يعني عن الزهريّ، عن

٢٩
(٣٨) - بَابُ بَيَانِ الأَمْرِ بِأَخْذِ الْمَالِ الَّذِي جَاءَ بِغَيْرِ سُؤَالٍ، ... إلخ - حديث رقم (٢٤٠٧)
السائب، عن حويطب، عن ابن السعديّ، عن عمر. انتهى كلام
النوويّ كَذَتْهُ(١).
قال الحافظ: ومقتضاه أن يكون سقوط حويطب من رواية مسلم وَهَماً
منه، أو من شيخه، وإلا فذِكْرُه ثابت من رواية غيره كما تقدّم، والله أعلم.
انتھی(٢).
[التنبيه الثاني]: هذا الإسناد اجتمع فيه أربعة من الصحابة، يروي بعضهم
عن بعض: السائب، وحُويطب، وابن السعديّ، وعمر ظه، وقد ذكر بعضهم
السند المذكور في بيتين، فقال:
مِنَ الصَّحَابَةِ فِيهِ عَنْهُمْ ظَهَرَا
وَفِي الْعُمَالَةِ إِسْنَادٌ بِأَرْبَعَةٍ
بدُ اللهِ حَدَّثَهُ بِذَاكَ عَنْ عُمَرَا(٣)
السَّائِبُ بْنُ یَزِيدَ عَنْ حُوَیْطِبٍ عَبْ
وقد جاءت جملة من الأحاديث، فيها أربعةٌ صحابيّون يروي بعضهم عن
بعض، وأربعةٌ تابعيّون يروي بعضهم عن بعض(٤).
[التنبيه الثالث]: ((حُويطب بن عبد العزّى)) بن أبي قيس بن عبد وُدّ بن
نصر بن مالك بن حِسْل بن عامر بن لؤيّ العامريّ، أبو محمد، ويقال: أبو
الأصبغ، مكيّ من مسلمة الفتح، وشهد حُنيناً، وكان من المؤلّفة، وجدّد
أنصاب الحرم في عهد عمر.
روى عن عبد الله بن السعديّ. وعنه السائب بن يزيد، وابنه أبو سفيان بن
حُويطب، وعبد الله بن بُريدة، وغيرهم، قال الدُّوريّ، عن ابن معين: لا أحفظ
عنه، عن النبيّ ◌َ﴿ شيئاً ثابتاً، وقال الزبير بن بكّار: هو الذي افتدت أمه
يمينه، وقال أحمد: بلغني عن الشافعيّ، قال: كان حويطب حَميد الإسلام(٥).
وقال الواقديّ: حدثنا عبد الرحمن بن عبد العزيز، حدّثنا عبد الله بن أبي
بكر بن حزم: وكان حويطب يقول: انصرفت من صلح الحديبية، وأنا مستيقن
أن محمداً وَلّ سيظهر، فذكر قصّة طويلة.
(١) ((شرح صحيح مسلم)) ١٣٦/٧ - ١٣٧.
(٣) ((الفتح)) ٥٤/١٥ - ٥٥.
(٥) راجع: ((تهذيب التهذيب)) ١/ ٥٠٧.
(٢) ((الفتح)) ٥٥/١٥.
(٤) ((شرح النوويّ)) ١٣٦/٧.

٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
وروى ابن سعد في ((الطبقات)) من طريق المنذر بن جَهم وغيره، عن
حويطب، قال: لما دخل رسول الله وَل﴿ مكّة خِفْتُ خوفاً شديداً، فذكر قصّة
طويلة، فَفَرَّقْتُ أهلي بحيث يأمنون، وانتهيت إلى حائط عوف، فأقمت فيه،
فإذا بأبي ذرّ، وكانت لي به معرفة - والمعرفة أبداً نافعة - فسلّمت عليه،
فذكرت له، فقال: اجمع عيالك، وأنت آمن، وذهب إلى رسول الله وَلته،
فأخبره، فاطمأننتُ، فقال لي أبو ذرّ: حتى متى يا أبا محمد؟ قد سُبِقتَ،
وفاتك خير كثير، ورسول الله صل ﴿ أبرّ الناس، وأحلم الناس، وشرفه شرفك،
وعزّه عزّك، فقلت: أنا أخرج معك، فقال: إذا رأيته، فقل: السلام عليك أيها
النبيّ ورحمة الله، فقلتها، فقال: ((وعليك السلام))، فتشهدتُ، فسُرّ بذلك،
وقال: ((الحمد لله الذي هداك))، قال: واستقرضني مالاً، فأقرضته أربعين ألفاً،
وشهدتُ معه حُنيناً، وأعطاني من الغنائم، ثم قدم حُويطب المدينة، فنزلها إلى
أن مات، وباع داره بمكة من معاوية بأربعين ألف دينار، فاستكثرها بعض
الناس، فقال حويطب: وما هي لمن عنده خمس من العيال؟. وروى
عبد الرزاق من طريق أبي نَجِيح، عن حويطب: أن امرأة جذبت أمتها، وقد
عاذت منها بالبيت، فشُلّت يدها، فلقد جاء الإسلام، وإن يدها شلّاء.
ورواه الطبرانيّ من وجه آخر من طريق ابن أبي نَجيح، عن أبيه، عن
حُويطب، لكن قال: إن العائذة امرأة، وإن الذي جذبها زوجها(١).
قال الواقديّ: كان قد بلغ عشرين ومائة سنة، ستين في الإسلام، وستين
في الجاهليّة، قال خليفة: مات سنة (٥٤).
وذكر في ((الفتح)) أنه كان من أعيان قريش، وأسلم في االفتح، وكان
حَمِيد الإسلام، وكانت وفاته بالمدينة سنة (٥٤) من الهجرة، وهو ابن مائة
وعشرين سنة، وهو ممن أُطلق عليه أنه عاش ستين في الجاهليّة، وستين في
الإسلام تجوّزاً، ولا يتمّ ذلك تحقيقاً؛ لأنه إن أريد بزمان الإسلام أول البعثة،
فيكون عاش سبعاً وستين، أو الهجرة، فيكون عاش فيه أربعاً وخمسين، أو
زمن إسلامه هو، فيكون ستّاً وأربعين، والأول أقرب إلى الإطلاق على طريقة
(١) راجع: ((الإصابة)) ٣٠٤/٢ - ٣٠٥.

٣١
(٣٨) - بَابُ بَيَانِ الأَمْرِ بِأَخْذِ الْمَالِ الَّذِي جَاءَ بِغَيْرِ سُؤَالٍ، ... إلخ - حديث رقم (٢٤٠٨)
جبر الكسر تارةً، وإلغائه أخرى. انتهى (١).
روى له الشيخان، والنسائيّ حديث الباب فقط، وهو الذي اجتمع فيه
أربعة من الصحابة، ثم سقط ذكرُ حُويطب من كتاب مسلم في جميع النسخ،
قاله في ((تهذيب التهذيب))(٢).
[التنبيه الرابع]: رواية عَبْدِ اللهِ بْنِ السَّعْدِيِّ هذه ساقها الإمام البخاريّ ◌َخْشُهُ
في ((صحیحه))، فقال:
(٧١٦٤) - حدّثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيبٌ، عن الزهريّ، أخبرني
السائب بن يزيد ابن أخت نَمِر، أن حُوَيطب بن عبد الْعُزَّى أخبره، أن عبد الله بن
السعدي أخبره، أنه قَدِمَ على عمر في خلافته، فقال له عمر: ألم أُحَدَّث أنك
تَلِي من أعمال الناس أعمالاً، فإذا أُعطيت الْعُمَالة كرهتها؟ فقلت: بلى، فقال
عمر: فما تريد إلى ذلك؟ قلت: إن لي أَفراساً، وأعبداً، وأنا بخير، وأريد أن
تكون عُمَالتي صدقة على المسلمين، قال عمر: لا تفعل، فإني كنت أردتُ
الذي أردتَ، فكان رسول الله ◌َي يعطيني العطاء، فأقول: أعطه أفقر إليه مني،
حتى أعطاني مَرَّةً مالاً، فقلت: أعطه أفقر إليه مني، فقال النبيّ وَّر: ((خذه،
فتمؤَّله، وتصدَّق به، فما جاءك من هذا المال، وأنت غير مُشْرِف ولا سائل
فخذه، وإلا فلا تتبعه نفسك)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤٠٨] ( ... ) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَنْ بُكَيْرٍ، عَنْ
بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ السَّاعِدِيِّ الْمَالِكِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: اسْتَعْمَلَنِي عُمَرُ بْنُ
الْخَطَّابِ رَهُ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنْهَا، وَأَدَّيْتُهَا إِلَيْهِ، أَمَرَ لِي بِعُمَالَةٍ،
فَقُلْتُ: إِنَّمَا عَمِلْتُ لِلَّهِ، وَأَجْرِي عَلَى اللهِ، فَقَالَ: ((خُذْ مَا أُعْطِيتَ، فَإِنِّي عَمِلْتُ
عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ وََّ، فَعَمَّلَنِي، فَقُلْتُ مِثْلَ قَوْلِكَ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وَّ:
((إِذَا أُعْطِيتَ شَيْئاً مِنْ غَيْرِ أَنْ تَسْأَلَ فَكُلْ، وَتَصَدَّقْ))).
(١) راجع: ((الفتح)) ١٥/ ٥٢.
(٢) ((تهذيب التهذيب)) ٥٠٧/١.

٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (لَيْثُ) بن سعد، تقدّم قبل باب.
٣ - (بُكَيْرُ) بن عبد الله بن الأشجّ المخزوميّ مولاهم، أبو عبد الله، أو أبو
يوسف المدنيّ، نزيل مصر، ثقةٌ [٥] (ت١٢٠) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٥٥٤/٤.
٤ - (بُسْرُ بْنُ سَعِيدٍ) العابد المدنيّ، مولى ابن الحضرميّ، ثقةٌ جليل [٢]
(ت١٠٠) (ع) تقدم في ((الصلاة) ١٠٠١/٣١.
والباقون ذكروا قبله.
وقوله: (عَنِ ابْنِ السَّاعِدِيِّ) هكذا وقع في هذا الإسناد ((عن ابن
الساعديّ)) عند المصنّف، من طريق الليث، عن بُكير بن الأشجّ، وخالفه
عمرو بن الحارث، عن بكير، في الإسناد التالي، فقال: ((عن ابن السعديّ))،
وهو المحفوظ، كما سبق تحقيقه، فتنبه.
قال النوويّ تَخْدَثُ: وإنما قيل له ابن السعديّ؛ لأن أباه استُرْضِع في بني
سعد بن بكر بن هَوَازن، صَحِبَ ابن السعديّ رسول الله وَّ قديماً، وقال:
وَفَدت في نفر من بني سعد بن بكر إلى رسول الله وَّةٍ، سَكَن الشام، رَوَى عنه
السائب بن يزيد، وروى عنه جماعات من كبار التابعين. انتهى (١).
وقوله: (الْمَالِكِيّ) نسبة إلى مالك بن حِسْل بن عامر بن لُؤَيّ.
وقوله: (بِعُمَالَةٍ) بضمّ العين المهملة، وتخفيف الميم: هي المال الذي
يُعطاه العامل على عمله.
وقوله: (فَعَمَّلَنِي) بتشديد الميم: أي أعطاني أُجرة عَمَلي.
وقوله: (فَكُلْ، وَتَصَدَّقْ) فيه دليلٌ على أنه حلالٌ طيّبٌ، يصلح للأكل،
والتصدّق، وغيرهما، فأما ما لا يكون كذلك فلا يصلح لشيء من ذلك، كما
(٢)
تقدّم(٢).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قريباً، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(١) (شرح النوويّ)) ١٣٦/٧.
(٢) ((المفهم)) ٩١/٣.

٣٣
(٣٨) - بَابُ بَيَانِ الأَمْرِ بِأَخْذِ الْمَالِ الَّذِي جَاءَ بِغَيْرِ سُؤَالٍ، ... إلخ - حديث رقم (٢٤٠٩)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢٤٠٩] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ،
أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ بُكَيْرِ ابْنِ الْأَشَجِّ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ
عَلَى الصَّدَقَةِ، بِمِثْلِ حَدِيثٍ
السَّعْدِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: اسْتَعْمَلَنِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ
اللَّيْثِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ) أبو جعفر، نزيل مصر، ثقةٌ فاضلٌ [١٠]
(ت٢٥٣) (م د س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٥/٢٩.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ اللَّيْثِ) أي حدّث عمرو بن الحارث، عن بكير ابن
الأشجّ بمثل ما حدّث به الليث بن سعد، عنه.
[تنبيه]: رواية عمرو بن الحارث، عن بُكير ابن الأشجّ هذه ساقها أبو
نعيم تَظْتُهُ في ((مستخرجه)) (١١٢/٣) فقال:
(٢٣٣٢) - حدّثنا محمد بن إبراهيم، ثنا محمد بن الحسن، ثنا حرملة بن
يحيى، أخبرني ابن وهب، أخبرني عمرو، عن بُكير ابن الأشج، عن
بُسْر(١) بن سعيد، عن ابن السَّعديّ، قال: استَعْمَلني عمر بن الخطاب على
الصدقة، فلما أدّيتها إليه أعطاني عُمَالتي، فقلت: إنما عَمِلتُ الله، وأجري
على الله، فقال: خذ ما أعطيتك، فإني عَمِلتُ على عهد رسول الله وَّهِ،
فَعَمَّلَني، فقلت مثل ما قلت، فقال لي رسول الله وَّ: ((إذا أُعطيتَ شيئاً من
غير أن تَسْأَل فَكُلْ، وتصدّق)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(١) وقع في النسخة ((بشر)) بالشين المعجمة، وهو تصحيف، فتنبّه.

٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
(٣٩) - (بَابُ كَرَاهِيَةِ الْحِرْصِ عَلَى الدُّنْيَا)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخَّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٤١٠] (١٠٤٦) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ
أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ وَهِ قَالَ: ((قَلْبُ الشَّبْخ
شَابٌّ عَلَى حُبِّ اثْتَتَيْنٍ: حُبِّ الْعَيْشِ، وَالْمَالِ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠]
(ت٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢.
٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) الإمام الحجة الثبت الفقيه الكوفيّ، ثم المكيّ، من
كبار [٨] (ت١٩٨) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ١ ص ٣٨٣.
٣ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان المدنيّ، ثقةٌ فقيه [٥] (ت١٣٠) أو
بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٠/٥.
٤ - (الْأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز المدنيّ، ثقة ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت١١٧)
(ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٩٢/٢٣.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ◌َعُْ تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رَُّهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له
الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فنسائيّ، ثم بغداديّ،
وسفيان، فمكيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة
٥ - (ومنها): أنه أحد ما قيل فيه: إنه أصحّ أسانيد أبي هريرة

٣٥
(٣٩) - بَابُ كَرَاهِيَةِ الْحِرْصِ عَلَى الدُّنْيَا - حديث رقم (٢٤١٠)
شرح الحديث:
(يَبْلُغُ بِهِ) أي بهذا الحديث (النَّبِيِّ وَّ﴾ يعني أنه
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َظُ
رفعه إلى النبيّ وَّر، وقد تقدّم غير مرّة أن هذه الصيغة من صِيَغ الرفع حكماً،
وإنما عدل التابعيّ، عن التصريح بقول الصحابيّ: ((قال رسول الله وَّ﴾)) أو نحو
ذلك؛ لتردّده في الصيغة، هل هي ((قال رسول الله وَ﴾)، أو ((عن
رسول الله (وَ﴾﴾، أو نحو ذلك؟ مع كونه متيقّناً رفعه، فأتى بصيغة تَحْتَمِل
الجميع، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) أي النبيّ بَّهِ ((قَلْبُ الشَّيْخِ شَابٌ) أي قويّ نَشِطٌ (عَلَى حُبِّ اثْتَتَيْنِ)
إنما أنّثه مع قوله: ((حبّ العيش والمالَ)) بتأويله بخصلتين، أي كائن على حب
خصلتين، والمراد استمراره على ذلك، ودوامه عليه، وأن حبه لهاتين الخصلتين
لم ينقطع عنه بشيخوخته، وقوله: (حُبِّ الْعَيْشِ، وَالْمَالِ))) يجوز فيه الجرّ على
البدليّة، والرفع على أنه خبر لمحذوف، أي هو العيش والمال، والنصب
مفعولاً لفعل مقدّر، أي أعني حبّ العيش والمال.
وقوله: ((حبّ العيش)) هو بمعنى قوله في الرواية التالية: ((طول الحياة))،
أي طول العمر، وقوله: ((والمال)) هو بمعنى قوله في الرواية التالية أيضاً:
((وحبّ المال))، يعني أنه يحبّ جمعه، ومنعه.
قال النوويّ كَُّهُ: هذا مجاز، واستعارة، ومعناه: أن قلب الشيخ كاملُ
الحب للمال، محتكم في ذلك كاحتكام قوّة الشاب في شبابه، هذا صوابه،
وقيل في تفسيره غير هذا مما لا يُرتضى. انتهى(١).
وقال في ((الطرح)): وقيل: وصفه بكونه شابّاً؛ لوجود هذين الأمرين فيه
اللذين هما في الشباب أكثر، وبهم أليق؛ للرجاء في طول أعمارهم، ودوام
استمتاعهم ولذاتهم في الدنيا، وحب الدنيا هو كثرة المال، وطول الأمل هو
طول الحياة المذكوران في الرواية الأخرى، وكذا حب العيش المذكور في
رواية مسلم هو طول الحياة، وقوله في رواية البخاريّ من حديث أنس: ((وتكبر
معه اثنتان)) المراد كبرهما في المعنى، وقوّتهما، وعدم ضعفهما، فهو بمعنى
(١) ((شرح النوويّ)) ١٣٨/٧.

٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
قوله في رواية مسلم: ((وتَشِبّ منه اثنتان))، وبذلك يندفع قول القائل: كونهما
تشبّان منافٍ لكبرهما؛ لأن المراد بكبرهما قوّتهما، وذلك موافق لشبابهما،
وليس المراد كِبَراً يؤدي إلى الهرم والضعف، والله أعلم. انتهى(١).
وقال في ((الفتح)) عند قوله: ((لا يزال قلب الكبير شابّاً في اثنتين: في
حب الدنيا، وطول الأمل)): المراد بالأمل هنا محبة طول العمر، فسّره حديث
أنس الذي بعده في آخر الباب، وسمّاه شابّاً؛ إشارةً إلى قوّة استحكام حبه
للمال، أو هو من باب المشاكلة والمطابقة.
وقال أيضاً بعد نقل قول النوويّ: ((هذا صوابه، وقيل في تفسيره غير
هذا، مما لا يرتضى)) ما نصّه: وكأنه أشار إلى قول عياض: هذا الحديث فيه
من المطابقة، وبديع الكلام الغاية، وذلك أن الشيخ من شأنه أن تكون آماله،
وحرصه على الدنيا قد بَلِيَت على بلاء جسمه، إذا انقضى عمره، ولم يبق له إلا
انتظار الموت، فلما كان الأمر بضدّه ◌ُمَّ، قال: والتعبير بالشابّ إشارة إلى كثرة
الحرص، ويُعْد الأمل الذي هو في الشباب أكثر، وبهم أليق؛ لكثرة الرجاء
عادةً عندهم في طول أعمارهم، ودوام استمتاعهم، ولذاتهم في الدنيا.
انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان،
وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة
طُه عنه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٤١٠/٣٩ و٢٤١١] (١٠٤٦)، و(البخاريّ) في
((الرقاق)) (٦٤٢٠)، و(الترمذيّ) في ((الزهد)) (٢٣٣٨)، و(ابن ماجه) في ((الزهد))
(٤٢٣٣)، و(أحمد) في («مسنده)) (٣٥٨/٢ و٣٩٤ و٤٤٣ و٤٤٧)، و(ابن حبّان)
في ((صحيحه)) (٣٢١٩)، و(الحاكم) في ((مستدركه)) (٣٢٨/٤)، و(أبو نعيم) في
(١) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ٤/ ٨٢.
(٢) («الفتح» ٢٤٠/١١.

٣٧
(٣٩) - بَابُ كَرَاهِيَةِ الْحِرْصِ عَلَى الدُّنْيَا - حديث رقم (٢٤١٠)
(مستخرجه)) (١١٢/٣ - ١١٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٦٨/٣)، و(البغويّ)
في ((شرح السنّة)) (٤٠٨٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان ما جُبل عليه الإنسان، وهو حبّ العيش والمال.
٢ - (ومنها): بيان ذمّ طول الأمل، والحرص على جمع المال، وذلك
يقتضي فضل الصدقة للغني، والتعفف للفقير، قاله وليّ الدين تَخْذُهُ(١).
٣ - (منها): بيان فضل الزهد في الدنيا .
٤ - (ومنها): ما قاله المازريّ ◌َُّهُ: فيه إشارة إلى أن الإرادة في القلب؛
خلافاً لمن رأى أنه في الرأس. انتهى.
٥ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ كَُّ: أحاديث الباب كلّها متواردة على
الإخبار عمّا جُبِل الإنسان عليه، من حبّ المال، والحرص على البقاء في
الدنيا، وعلى أن ذينك ليسا بمحمودين، بل هما مذمومان، ويُحقّق الذمّ في
ذلك قوله ◌َله: ((ويتوب الله على من تاب))، وقد نصّ الله تعالى على ذمّ ذلك
في قوله: ﴿وَلَنَجِدَتَّهُمْ أَخْرَصََ النَّاسِ عَلَى حَيَوْقٍ﴾ الآية [البقرة: ٩٦]، وغيره مما في
معناه، وقوله وَحجر: ((ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء
على المال والشرف لدينه))(٢). انتهى(٣).
وقال غيره: الحكمة في التخصيص بهذين الأمرين أن أحب الأشياء إلى
ابن آدم نفسه، فهو راغب في بقائها، فأحب لذلك طول العمر، وأحب المال؛
لأنه من أعظم الأسباب في دوام الصحة التي ينشأ عنها غالباً طولُ العمر،
فكلما أحسّ بقرب نفاد ذلك اشتدّ حبه له، ورغبته في دوامه، قاله في
((الفتح)) (٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا
ونعم الوكيل.
(١) ((طرح التثريب)) ٨٢/٤.
(٢) حديث صحيح أخرجه أحمد، والترمذيّ، وقال: حديث حسنٌ صحيحٌ، وهو كما
قال.
(٣) ((المفهم)) ٩٢/٣.
(٤) ((الفتح)) ٢٤٠/١١.

٣٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَذَتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤١١] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ،
عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ
رَسُولَ اللهِ ﴿ قَالَ: ((قَلْبُ الشَّيْخِ شَابٌّ عَلَى حُبِّ اثْنَتَيْنٍ: طُولُ الْحَيَاةِ، وَحُبُّ
الْمَالِ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) المخزوميّ المدنيّ الإمام الحجة الفقيه، من کبار
[٣] (ت٩٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٧١/٦.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي، وما قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبله، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٤١٢] (١٠٤٧) - (وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ،
وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، قَالَ يَحْتَى: أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ،
عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((يَهْرَمُ ابْنُ آدَمَ، وَتَشِبُّ مِنْهُ اثْتَتَانِ: الْحِرْصُ
عَلَى الْمَالِ، وَالْحِرْصُ عَلَى الْعُمُرٍ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَحْبَى بْنُ يَحْبَى) التميمي تقدّم قبل باب.
٢ - (سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ) بن شعبة، أبو عثمان الْخُرَاسانيّ، نزيل مكة، ثقةٌ
مصنّف، كان لا يرجع عما في كتابه؛ لشدّة وُثُوقه به [١٠] (ت٢٢٧) أو بعدها
(ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٣٨/٦١.
٣ - (قُتَيْيَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٤ - (أَبُو عَوَانَةَ) وضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ البزّاز، ثقةٌ ثبتٌ
[٧] (ت٥ أو ١٧٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.

٣٩
(٣٩) - بَابُ كَرَاهِيَةِ الْحِرْصِ عَلَى الدُّنْيَا - حديث رقم (٢٤١٢)
٥ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السَّدُوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ،
مدلّسٌ، من كبار [٤] (ت١١٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٠.
٦ - (أَنَسُ) بن مالك بن النضر الأنصاريّ النجّاريّ الصحابيّ الخادم
المشهور، مات سنة (٢ أو٩٣) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف تَُّهُ، وهو
(١٥٠) من رباعيّات الكتاب.
وقوله: ((يَهْرَمُ ابْنُ آدَمَ) بفتح حرف المضارعة، والراء، يقال: هَرِمَ
هَرَماً، من باب تَعِبَ، فهو هَرِمٌ: كَبِرَ، وضَعُفَ، وشُيُوخٌ هَرْمَى، مثلُ زَمِنٍ
وزَمْنَى، وامرأةٌ هَرِمةٌ، ونسوة هَرْمَى، وهَرِمَاتٌ أيضاً، والْمَهْرَمةُ مثلُ الْهَرَم،
ومنه قولهم: تركُ العَشَاء مَهْرَمةٌ، ويعدّى بالهمزة، فيقال: أهرمه: إذا أضعفه،
قاله الفيّوميّ ◌َّهُ(١).
وقوله: (وَتَشِبُّ) بفتح أوله، وكسر ثالثه، يقال: شَبَّ الصبيّ يَشِبّ، من
باب ضَرَبَ شَبَاباً، وشَبِيبةً، وهو شابٌ، وذلك سنّ قبل الكُهُولة، وقومٌ شُبّان،
مثلُ فارس وفُرْسان، والأنثى شابّة، وجمعها شوابُ، مثلُ دابّة ودوابٌ(٢).
وقوله: (الْنَتَانِ) تقدّم أنه إنما أنّث ((اثنتان)) مع كون ((الحرص)) مذكّراً
بتأويله بخصلتان.
وفي رواية البخاريّ: ((يكبر ابن آدم، ويكبر معه اثنان: حب المال،
وطول العمر)).
وقال في ((العمدة)): قوله: ((يَكْبَرُ)) بفتح الباء الموحدة، أي يطعن في
السن، قوله: ((ويَكْبُرُ معه)) بضم الباء، أي يَعْظُم، ولو صحت الرواية في الكلمة
الثانية بالفتح، فالتوفيق بينه وبين الحديث السابق الذي ذكر فيه الشباب، أن
المراد بالشباب الزيادة في القوّة، وبالْكِبَر الزيادة في العدد، فذاك باعتبار
الكيف، وهذا باعتبار الكمّ، قالوا: التخصيص بهذين الأمرين، هو أن أحب
الأشياء إلى ابن آدم نَفْسُهُ، فأحب بقاءها، وهو العمر، وسبب بقائها، هو
المالُ، فإذا أحسّ بقرب الرحيل قَوِيَ حبه لذلك، كما قيل:
(١) ((المصباح المنير)) ٦٣٧/٢.
(٢) ((المصباح المنير)) ٣٠٢/١.

٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
وَالْكَرَى عِنْدَ الصَّبَاحِ يَطِيبُ(١)
وقال في ((الفتح)): قوله: ((يَكْبَرُ)) بفتح الموحدة، أي يطعن في السنّ،
وقوله: ((ويَكْبُر معه)) بضم الموحدة، أي يَعْظُم، ويجوز الفتح، ويجوز الضم في
الأول؛ تعبيراً عن الكثرة، وهي كثرة عدد السنين بالعِظَم. انتهى، وتمام شرح
الحديث يُعلم مما سبق، وفيه مسألتان:
(المسألة الأولى): حديث أنس به هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٤١٢/٣٩ و٢٤١٣ و٢٤١٤] (١٠٤٧)،
و(البخاريّ) في ((الرقاق)) (٦٤٢١)، و(الترمذيّ) في ((صفة القيامة)) (٢٤٥٥)
و((الزهد)» (٤٢٣٤)، و(ابن ماجه) في ((الزهد)) (٤٢٣٤)، و(الطيالسيّ) في
(«مسنده)) (٢٠٠٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٩٢/٣ و٢٥٦)، و(أبو نعيم) في
(مستخرجه)) (١١٣/٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣٢٢٩)، و(أبو يعلى) في
(مسنده)) (٢٨٥٧)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٦٨/٣)، و(البغويّ) في ((شرح
السنّة)) (٤٠٨٧)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَغُّْ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤١٣] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي(٢) أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى،
قَالَا: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ نَبِيَّ اللهِ نَّهِ قَالَ
بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ) مالك بن عبد الواحد البصريّ، ثقةٌ [١٠]
(ت٢٣٠) (م د) تقدم في ((الإيمان)) ٨/ ١٣٧.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) الْعَنَزِيّ، أبو موسى البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠]
(ت٢٥٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢.
(١) راجع: ((عمدة القاري)) ٣٦/٢٣.
(٢) وفي نسخة: ((حدّثنا)).
.