النص المفهرس
صفحات 381-400
٣٨١ (١٩) - بَابُ بَيَانِ قَبُولِ اللهِ وَ الصَّدَقَّةَ مِنَ الْكَسْبِ الطَّيِّبِ، وَتَرْبِيَتِهِ لَهَا -حديث رقم (٢٣٤٢) وأحوج ما يكون النتاج إلى التربية إذا كان فطيماً، فإذا أحسن القيام، والعناية به انتهى إلى حدّ الكمال، وكذلك عمل ابن آدم، لا سيّما الصدقة التي يُجاذبها الشحّ، ويتشبّث بها الهوى، ويقتفيها الرياء، ويكدّرها الطبع، فلا تكاد تخلص إلى الله تعالى إلا موسومة بنقائص، لا يجبرها إلا نظر الرحمن، فإذا تصدّق العبد من كسب طيّب، مستعدّاً للقبول، فُتِحَ دونها بابُ الرحمة، فلا يزال نظر الله يُكسبها نعت الكمال، ويوفيها حصّة الثواب حتى ينتهي بالتضعيف إلى نصاب تقع المناسبةُ بينه وبين ما قَدّم من العمل وقوعَ المناسبة بين التمرة والجبل، كذا قال التوريشتيّ(١). (أَوْ فَصِيلَهُ))) ((أو)» هنا للشكّ من الراوي، و((الفصيل)) - بالفتح -: ولد الناقة، سُمّي به؛ لأنه يُفصَل عن أمّه، فهو فعيل بمعنى مفعول، والجمع فُصلان، بضمّ الفاء، وكسرها، وقد يُجمع على فِصال، بالكسر، قاله في (المصباح)). ووقع في الرواية التالية: ((فَلُوّه، أو قَلُوصه))، وهي الناقة الفتيّة، وللترمذيّ: ((فلوّه، أو مُهْره))، ولعبد الرزّاق: ((مُهره، أو فَصيله))، وفي رواية البزّار: ((مهره، أو رَضيعه، أو فَصيله))، ولابن خزيمة: ((فلوّه، أو قال: فصيله))، وهذا يشعر بأن ((أو)) للشكّ، أفاده في ((الفتح)) (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ظبه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٣٤٢/١٩ و٢٣٤٣ و٢٣٤٤ و٢٣٤٥] (١٠١٤)، و(البخاريّ) في ((الزكاة)) (١٤١٠)، و(الترمذيّ) في ((الزكاة)) (٦٦١ و٦٦٢)، و(النسائيّ) في ((الزكاة)) (٢٥٢٥)، وفي ((الكبرى)) (٢٣٠٤)، و(ابن ماجه) في (الزكاة)) (١٨٤٢)، و((مالك) في ((الموطأ)) (٩٩٥/٢)، و(الشافعيّ) في ((مسنده)) (١) ((المرعاة)) ٣٢١/٦. (٢) ((الفتح)» ٤/ ٢٧. ٣٨٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة (٢٢١/١ -٢٢٢)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (١١٥٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٣١/٢ و٤١٨ و٤٣١ و٥٣٨)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٦٧٥)، و(ابن خزيمة) في («صحيحه)) (٢٤٢٥)، و(ابن حبّان) في («صحيحه)) (٢٧٠)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٩٠/٣)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٢٢٦/٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) ١٩٠/٤ - ١٩١)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (١٦٣١ و١٦٣٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): بيان الحثّ على الصدقة من الطيّب، وهو الحلال؛ لأن الله تعالى طيّب، لا يتقبل إلا طيّباً. ٢ - (ومنها): إثبات الوصف لله تعالى بأنه طيّب، قال القرطبيّ تَظْذّشُهُ: أي: منَزّه عن النقائص، والخبائث، فيكون بمعنى القدّوس، وقيل: طيّب الثناء، ومُستَلَذّ الأسماء عند العارفين بها، وعلى هذا فطيّبٌ من أسمائه الحسنى، ومعدود في جملتها المأخوذة من السنّة، كالجميل، والنظيف، على قول من رواه، ورآه. انتهى(١). ٣ - (ومنها): فضل الصدقة من المال الحلال، حيث إن الرحمن يتقبّلها بقبول حسنٍ. ٤ - (ومنها): إثبات صفة القبول الله تعالى على ما يليق بجلاله سبحانه، ولا يقال: إنه بمعنى الرضا والمثوبة؛ لأن هذا تفسير باللازم، ولا حاجة إلى العدول إلى التأويل؛ إذ ليس نصّ يدلّ عليه، بل القبول على ظاهره، ولا يلزم من إثباته تشبيه بالمخلوق؛ إذ القبول الثابت له تعالى غير القبول الثابت للمخلوق، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. ٥ - (ومنها): إثبات صفة اليمين لله تعالى على ما يليق بجلاله أيضاً، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٦ - (ومنها): إثبات الكفّ الله تعالى كذلك. ٧ - (ومنها): بيان فضل الله تعالى للمتصدّق من مال طيّب، حيث يربّيها (١) ((المفهم)) ٥٨/٣. ٣٨٣ (١٩) - بَابُ بَيَانِ قَبُولِ اللهِ وَ﴿َ الصَّدَقَةَ مِنَ الْكَسْبِ الطَّيِّبِ، وَتَرْبِيَتِهِلَهَا - حديث رقم (٢٣٤٢) له حتى تكون التمرة الواحدة من عِظَمِها مثل الجبل، كما قال تعالى: ﴿وَاَللَّهُ يَخَْصُّ بِرَحْمَتِهِ، مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة: ١٠٥]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في أقوال أهل العلم في آيات الصفات، وأحاديثها: (اعلم): أنّ الحق الذي دَرَجَ عليه الصحابة ﴿ه، والتابعون، ومن تبعهم بإحسان هو إثبات ما دلّت عليه آيات الصفات، وأحاديثها الصحيحة الثابتة عن رسول الله * على ظاهرها من غير تشبيه، ولا تمثيل، ولا تعطيل، ولا تأويل، بل على ما يليق بجلاله، كما قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. قال الإمام الترمذيّ كَّلُهُ في ((جامعه)) بعد أن أورد حديث الباب ما نصّه: وقد قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث، وما يشبه هذا من الروايات من الصفات، ونزول الربّ تبارك وتعالى، كلَّ ليلة إلى سماء الدنيا، قالوا: قد ثبتت الروايات في هذا، ويُؤمَن بها، ولا يُتَوَهَّم، ولا يقال: كيفَ. هكذا رُوي عن مالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك أنهم قالوا في هذه الأحاديث: أَمِرُّوها بلا (كيف))، وهكذا قول أهل العلم من أهل السنّة والجماعة. وأما الجهميّة، فأنكرت هذه الروايات، وقالوا: هذا تشبيه، وقد ذكر الله تبارك تعالى في غير موضع من كتابه اليد، والسمع، والبصر، فتأولت الجهميّة هذه الآيات، وفسّروها على غير ما فسّر به أهلُ العلم، وقالوا: إن الله لم يخلق آدم بيده، وقالوا: إنما معنى اليد القوّة. وقال إسحاق بن إبراهيم: إنما يكون التشبيه، إذا قال: يدٌ كيدٍ، أو مثلُ يدٍ، أو سمع كسمع، أو مثل سمع، فإذا قال: سمعٌ كسمع، أو مثلُ سمع، فهذا تشبيه، وأما إذا قال كما قال الله: يدٌ، وسمعٌ، وبصرٌ، ولا يقول: كيفَ، ولا يقول: مثلُ سمع، ولا كسمع، فهذا لا يكون تشبيهاً، وهو كما قال تبارك وتعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. انتهى كلام الترمذيّ كَُّهُ(١)، وهو كلام منوَّر، وبحثٌ محرَّر. (١) ((الجامع)) ٣٣١/٣ - ٣٣٢. ٣٨٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة وأخرج الإمام البيهقيّ تَخُّْ في ((السنن الكبرى)) - بعد أن أخرج حديث: ((ينزل ربنا رَك كل ليلة إلى سماء الدنيا ... )) الحديث - عن الوليد بن مسلم، أنه قال: سُئل الأوزاعيّ، ومالكٌ، وسفيان الثوريّ، والليث بن سعد، عن هذه الأحاديث التي جاءت في التشبيه؟ فقالوا: أَمِرُّوها كما جاءت بلا كيفيّة. وأخرج أيضاً عن أبي داود الطيالسيّ، أنه قال: كان سفيان الثوريّ، وشعبة، وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة، وشريك، وأبو عوانة لا يَحِدُّون، ولا يُشبّهون، ولا يمثّلون، يَرْؤُون الحديث، ولا يقولون: كيفَ، وإذا سئلوا أجابوا بالأثر. قال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: سمعت أبا محمد أحمد بن عبد الله المزنيّ، يقول: حديث النزول قد ثبت عن رسول الله وَيقر من وجوه صحيحة، وورد في التنزيل ما يصدّقه، وهو قوله تعالى: ﴿وَجَةَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا [الفجر: ٢٢]، والنزول، والمجيء صفتان منفيّتان عن الله تعالى من صَفًا طريق الحركة، والانتقال من حال إلى حال، بل هما صفتان من صفات الله تعالى، بلا تشبيه، جلّ الله تعالى عمّا تقول المعطّلة لصفاته، والمشبّهة بها علوّاً كبيراً. انتهى كلام البيهقيّ تَُّهُ(١)، وهو كلام منقّح، وبحثٌ مصحَّح. وقال الإمام المفسّر المحدّث البغويّ تَُّهُ في ((شرح السنّة)) بعد أن أخرج حديث النار، وفيه: ((حتى يضع ربّ العزّة قدمه))، وفي لفظ: ((رجله))، ما نصّه: قلت: والقدم، والرجل المذكوران في هذا الحديث من صفات الله رحمتك المنزّه عن التكييف والتشبيه، وكذلك كلّ ما جاء من هذا القبيل في الكتاب والسنّة، كاليد، والإصبع، والعين، والمجيء، والإتيان، فالإيمان بها فرض، والامتناع عن الخوض فيها واجبٌ، فالمهتدي من سلك فيها طريق التسليم، والخائض فيها زائغٌ، والمنكر معطّلٌ، والمكيّفُ مشبّهٌ، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. انتهى كلام البغويّ ◌َخْذُ(٢)، وهو بحثٌ نفيسٌ، وتحرير أنيسٌ. وقال الحافظ الذهبيّ كَّثُ في كتابه ((العلوّ للعليّ الغفّار)» بعد أن ذكر عدّة (١) ((السنن الكبرى)) ٣/٣،٢. (٢) ((شرح السنّة)) ٢٥٧/١٦ - ٢٥٨. ٣٨٥ (١٩) - بَابُ بَيَانِ قَبُولِ اللهِ وَ الصَّدَقَةَ مِنَ الْكَسْبِ الطَّيِّبِ، وَتَرْبِيَتِهِ لَهَا - حديث رقم (٢٣٤٢) آيات من آيات الاستواء والعلوّ، ما نصّه: فإن أحببت يا عبد الله الإنصاف، فَقِفْ مع نصوص القرآن والسنّة، ثم انظر ما قاله الصحابة، والتابعون، وأئمّة التفسير في هذه الآيات، وما حكوه من مذاهب السلف ... إلى أن قال: فإننا على اعتقادٍ صحيحٍ، وعقدٍ متينٍ من أن الله تعالى، تقدّس اسمه، لا مثل له، وأن إيماننا بما ثبت من نعوته كإيماننا بذاته المقدّسة، إذ الصفات تابعة للموصوف، فنعقل وجود الباري، ونميّز ذاته المقدّسة عن الأشباه، من غير أن نعقل الماهيّة، فكذلك القول في صفاته، نؤمن بها، ونتعقل وجودها، ونعلمها في الجملة من غير أن نتعقلها، أو نكيّفها، أو نمثّلها بصفات خلقه، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً. انتهى المقصود من كلام الحافظ الذهبيّ تَخَذّهُ(١)، وهو بحث محرّر، وتحقيق محبّر . وقال الحافظ تَخْتُ في ((الفتح)): قال شهاب الدين السهرورديّ في كتاب العقيدة له: أخبر الله في كتابه، وثبت عن رسوله وَلجر الاستواء، والنزول، والنفس، واليد، والعين، فلا يُتصرّف فيها بتشبيه، ولا تعطيل، إذ لولا إخبار الله، ورسوله ما تجاسر عقل أن يحوم حول ذلك الحمى. قال الطيبيّ: هذا هو المذهب المعتمد، وبه يقول السلف الصالح. وقال غيره: لم ينقل عن النبيّ وَّ، ولا عن أحد من أصحابه، من طريق صحيح التصريح بوجوب تأويل شيء من ذلك، ولا المنع من ذكره، ومن المحال أن يأمر الله نبيّه ◌ِ * بتبليغ ما أُنزل إليه من ربّه، ويُنْزِل عليه: ﴿اُلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآية [المائدة: ٣]، ثم يترك هذا الباب، فلا يميّز ما يجوز نسبته إليه مما لا يجوز، مع حضّه على التبليغ عنه بقوله: ((ليبلّغ الشاهد الغائب))، حتى نقلوا أقواله، وأفعاله، وأحواله، وصفاته، وما فُعل بحضرته، فدلّ على أنهم اتفقوا على الإيمان بها على الوجه الذي أراده الله منها، ووجب تنزيهه عن مشابهة المخلوقات بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، فمن أوجب خلاف ذلك بعدهم، فقد خالف سبيلهم، وبالله تعالى التوفيق. انتهى ما ذكره الحافظ في ((الفتح)) (٢)، وهو كلام في غاية (١) راجع: ((تحفة الأحوذيّ)) ٣٣١/٣. (٢) ((الفتح)) ٣٤٥/٤. ٣٨٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة التحقيق، والإنصاف، ولا تلتفت إلى ما سواه من التأويل والانحراف. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر من نصوص هؤلاء الأئمة الأعلام أن الحقّ هو إثبات صفات الله رحبت على ما جاءت به نصوص الكتاب، والسنّة الصحيحة، من غير تشبيه، ولا تمثيل، ولا تأويل، ولا تعطيل، بل على ما يليق بجلاله رب، وهذا هو الذي أجمع عليه السلف، ومن سار على طريقتهم، وسلك سبيلهم، من أهل العلم بالكتاب والسنّة. وأما ما نقله في ((الفتح)) عن المازريّ، والقاضي عياض، والزين ابن المنيّر، وغيرهم من تأويلهم حديث الباب بالتأويلات التي يأباها ظاهر النصّ، وتخالف ما كان عليه السلف، مما تقدم من إثباتهم الصفات كما وردت على المعنى اللائق به رَم، وعدم الخوض بالتأويل فأقوال لا يلتفت إليها؛ لكونها مما أحدثه المتأخّرون، مخالفين لهدي سلفهم الذي هو الحقّ الحقيق بالقبول والاتباعِ ﴿قَمَاذَا بَعْدَ أَلْحَقِّ إِلَّا الضَّلَلُ﴾ [يونس: ٣٢]، ولقد أحسن من قال: وَكُلُّ خَيْرٍ فِي اِنِّبَاعِ مَنْ سَلَفْ وَكُلُّ شَرِّ فِي ابْتِدَاعِ مَنْ خَلَفْ ﴿رَبَّنَاَ لَا تُرْ قُلُوبَنَا بَعَّدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنْكَ رَحْمَةٌ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَقَّابُ [آل عمران: ٨]، اللهمّ أرنا الحقّ حقّاً، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه، اللهمّ فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختلف فيه من الحقّ بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم آمين، آمين، آمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٣٤٣] ( ... ) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيَّ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهـ قَالَ: ((لَا يَتَصَدَّقُ أَحَدٌ بِتَمْرَةٍ(١)، مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، إِلَّا أَخَذَهَا اللهُ بِيَمِينِهِ، فَيُرَبِِّهَا، كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ، أَوْ قَلُوصَهُ، حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ، أَوْ أَعْظَمَ))). هذا الإسناد بعينه تقدّم في الباب الماضي. (١) وفي نسخة: ((تمرةً)). ٣٨٧ (١٩) - بَابُ بَيَانِ قَبُولِ اللهِ وَ الصَّدَقَةَ مِنَ الْكَسْبِ الطَّيِّبِ، وَتَرْبِيَتِهِ لَهَا -حديث رقم (٢٣٤٤) وقوله: (أَوْ قَلُوصَهُ) ((أو)) للشكّ من الراوي، و((الْقَلُوصُ)) بفتح اللام، وضمّ اللام، وهي الناقة الْفَتِيّة، ولا يُطلق على الذكر، قاله النوويّ كَُّهُ(١). وقال الفيّومِيّ كَّلُ: القَلُوص من الإبل بمنزلة الجارية من النساء، وهي الشابّة، والجمع قُلُصِّ بضمّتين، وقِلَاصٌ بالكسر، وقَلَائِصُ. انتهى (٢) . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه مستوفّى، وكذا بيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٣٤٤] ( .. ) - (وحَدَّثَنِي أَمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ، يَعْنِ ابْنَ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ (ح) وَحَدَّثَنِيهِ أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ الْأَوْدِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّقَتِي سُلَيْمَانُ، يَعْنِيَ ابْنَ بِلَالٍ، كِلَاهُمَا عَنْ سُهَيْلِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، فِي حَدِيثٍ رَوْحٍ: ((مِنَ الْكَسْبِ الطَّيِّبِ، فَضَعُهَا فِي حَقِّهَا))، وَفِي حَدِيثِ سُلَيْمَانَ: ((فَيَضَعُهَا فِي مَوْضِعِهَا))). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ) الْعَيشيّ، أبو بكر البصريّ، صدوقٌ [١٠] (ت٢٣١) (خ م س) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٢/٧. ٢ - (يَزِيدُ بْنَ زُرَيْع) العيشيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٢) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٧/ ١٣٢. ٣ - (رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ) التميميّ العَنبريّ، أبو غياث البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٦] (ت١٤١) (خ م د س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٧/ ١٣٢. ٤ - (أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ الْأَوْدِيُّ) أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ [١١]. روى عن أبيه وعمّه علي بن حكيم، وخالد بن مخلد، وغيرهم. وروى عنه البخاري، والمصنف، والنسائي، وابن ماجه وأبو حاتم، وابن خزيمة في «صحيحه)). قال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائي: ثقة، وقال ابن خراش: كان ثقة عدلاً. وقال العقيلي والبزار: ثقة. (١) ((شرح النوويّ)) ٩٩/٧ - ١٠٠. (٢) ((المصباح المنير)) ٥١٣/٢. ٣٨٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة قال مطيّن وغيره: مات في المحرم سنة (٢٦١)، وقيل غير ذلك. ٥ - (خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) الْقَطَوَانيّ، أبو الهيثم الكوفيّ، صدوقٌ يتشيّع، وله أفراد، من كبار [١٠] (ت٢١٣) أو بعدها (خ م كد ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٦٥/ ٣٦٧. ٦ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو أيوب المدنيّ، ثقة [٨] (ت١٧٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٠/١٤. و((سُهيلٌ)) ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية رَوْح بن القاسم، عن سُهيل هذه ساقها أبو نعيم تَخُّْ في ((مستخرجه)) (٩٠/٣) فقالَ: (٢٢٦٩) - وثناه محمد بن إسحاق، ثنا الحسين بن محمد الحرانيّ، ثنا الحسين بن يحيى الأرزيّ، ثنا أمية بن بسطام، ثنا يزيد بن زُريع، ثنا روح بن القاسم، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبيّ وَّ قال: ((إن العبد لا يتصدق بالتمرة من الكسب الطيب، فيضعها في حقها، فيقبلها الله بيمينه، ثم لا يبرح يربيها أحسن ما ربى أحدكم فَلُوّه، حتى يكون مثل الجبل العظيم)). وأما رواية سليمان بن بلال، فلم أر من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ◌َّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٣٤٥] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َهـ نَحْوَ حَدِيثٍ يَعْقُوبَ، عَنْ سُهَيْلٍ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن السرح، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) تقدّم في الباب الماضي أيضاً. ٣ - (هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ) المدنيّ، صدوقٌ له أوهام، ورُمي بالتشيّع، من كبار [٧] (ت١٦٠) أو قبلها (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٤٦٣/٨٧. ٤ - (زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ) العدويّ مولاهم المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ، يرسل [٣] (ت١٣٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٥٠/٣٦. ٣٨٩ (١٩) - بَابُ بَيَانِ قَبُولِ اللهِ وََّ الصَّدَقَةَ مِنَ الْكَسْبِ الطَّيِّبِ، وَتَرْبِيَتِهِ لَهَا - حديث رقم (٢٣٤٦) والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: رواية زيد بن أسلم، عن أبي صالح هذه ساقها أبو نعيم في ((مستخرجه)) (٩١/٣) فقال: (٢٢٧١) - حدّثنا أبو عمرو بن حمدان، ثنا الحسن بن سفيان، ثنا أحمد بن عيسى، ثنا ابن وهب، ثنا هشام بن سعد، حدّثني زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة (ح) وثنا أبو محمد بن حيان، ثنا محمد بن كريب، ثنا إبراهيم بن محمد بن الحسن، ثنا أحمد بن سعيد، ثنا ابن وهب، أنبأ هشام بن سعد، حدّثني زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أن رسول الله وَلّه قال: ((ما يَصَّدَّق أحد بصدقة، من كسب طيب، إلا يقبلها الله منه بيمينه، فَغَذَاها كما يَغْذُو أحدكم فَلُوّه، أو فَصِيله، حتى تكون التمرة مثل الجبل)). انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَكْتُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٣٤٦] (١٠١٥) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثْنَا فُضَيْلُ بْنُ مَرْزُوقٍ، حَدَّثَنِي عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي حَازِمِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ، لَا يَقْبَلُ(١) إِلَّ طَيِباً، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: ﴿يَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُواْ مِنَ الَِّبَتِ وَأَعْمَلُواْ صَِلِحًاً إِنِّى بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (@)﴾ [المؤمنون: ٥١]، وَقَالَ: ﴿بَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُوا مِن طَيْبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ، أَشْعَثَ، أَغْبَرَ، يَمُدُّ بَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (فُضَيْلُ بْنُ مَرْزُوقٍ) الأغرّ الرّقَاشِيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، صدوقٌ يَهِمُ، ورُمي بالتشيّع [٧] مات في حدود (١٦٠) (ي م ٤) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٤٣٠/٣٦. (١) وفي نسخة: ((ولا يقبل)). ٣٩٠ البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة ٢ - (عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ) الأنصاريّ الكوفيّ، ثقةٌ رُمي بالتشيّع [٤] (١١٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٤/٣٥. والباقون تقدّموا في الباب الماضي، و((أبو أسامة)): هو حماد بن أسامة، وأبو حازم: هو سلمان الأشجعيّ. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رَّتُهُ . ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى فُضيل بن مرزوق، فما أخرج له البخاريّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، إلا الصحابيّ، فمدنيّ. ٤ - (ومنها): أن شيخه أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة، وهم تسعة، وقد تقدّموا غير مرّة. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَبُهُ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيِ: (أَيُّهَا) بحذف حرف النداء؛ أي: يا أيها (النَّاسُ إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ) أي: منزه عن النقائص والعيوب، ومُتَّصِفٌ بالكمالات من النعوت. وقال الإمام ابن رجب تَّتُهُ: قوله وَ له: ((إن الله طيِّبٌ)) هذا قد جاء أيضاً من حديث سعد بن أبي وقاص ظه، عن النبيّ وَ﴿ قال: ((إن الله طيّب يحب الطيب، نظيفٌ يحب النظافة، جوادٌ يحبّ الجود)»، أخرجه الترمذيّ، وفي إسناده مقال(١)، والطيِّب هنا معناه: الطاهر، والمعنى أن الله رَتْ مُقَدَّسٌ منزهٌ عن النقائص والعيوب كلها، وهذا كما في قوله تعالى: ﴿وَالطَّيِّبَتُ لِلَّيِبِينَ وَاَلَطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَتِّ أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ الآية [النور: ٢٦]، والمراد المنزهون من أدناس الفواحش وأوضارها. انتهى (٢). (١) أخرجه الترمذيّ (٢٧٩٩) وفي إسناده خالد بن إلياس ضعّفوه. (٢) ((جامع العلوم والحكم)) ٢٥٨/١ - ٢٥٩. ٣٩١ (١٩) - بَابُ بَيَانِ قَبُولِ اللهِ وَ﴿َ الصَّدَقَةَ مِنَ الْكَسْبِ الطَّيِّبِ، وَتَرْبِيَتِهِ لَهَا -حديث رقم (٢٣٤٦) (لَا يَقْبَلُ) وفي نسخة: ((ولا يقبل)) بواو العطف (إِلَّا طَيِّباً) أي: لا يقبل من الصدقات ونحوها من الأعمال إلا طيباً أي: منزهاً عن العيوب الشرعية، والأغراض الفاسدة في النيّة. قال القاضي البيضاويّ كَّتُهُ: الطيِّب ضد الخبيث، فإذا وُصف به الله تعالى أُريد به أنه مُنَزَّه عن النقائص، مُقَدَّس عن الآفات والعيوب، وإذا وُصف به العبد مطلقاً أُريد به أنه المتَعَرِّي عن رذائل الأخلاق، وقبائح الأعمال، والمتحلِّي بأضداد ذلك، وإذا وُصف به الأموال أُريد به كونه حلالاً، من خيار الأموال. ومعنى الحديث أنه تعالى مُنَزَّه عن العيوب، فلا يَقْبَل، ولا ينبغي أن يُتَقَرَّب إليه إلا بما يناسبه في هذا المعنى، وهو خيار أموالكم الحلال، كما قال تعالى: ﴿لَنْ نَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِنَّا تُبُّونَ﴾ الآية [آل عمران: ٩٢]. انتهى (١). وقال الحافظ ابن رجب تَخْذُهُ: قوله: ((لا يقبل إلا طيباً) قد ورد معناه في حديث الصدقة، ولفظه: ((لا يتصدق أحدٌ بصدقة من كسب طيبٍ، ولا يقبل الله إلا طيباً))، متّفقٌ عليه، والمراد أنه تعالى لا يقبل من الصدقات إلا ما كان طيباً حلالاً . وقد قيل: إن المراد في هذا الحديث الذي نتكلم فيه الآن بقوله: ((لا يقبل إلا طيباً)) أعمّ من ذلك، وهو أنه لا يَقْبَل من الأعمال إلا ما كان طيباً طاهراً من المفسدات كلها، كالرياء، والعجب، ولا من الأموال إلا ما كان طيباً حلالاً، فإن الطيب يوصف به الأعمال، والأقوال، والاعتقادات، وكل هذه تنقسم إلی طیب وخبيث. وقد قيل: إنه يدخل في قوله تعالى: ﴿قُل لَّا يَسْتَوِى الْخَبِيثُ وَاُلَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ الآية [المائدة: ١٠٠]، هذا كله، وقد قسم الله تعالى الكلام إلى طيب وخبيث، فقال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ كَشَجَرَقِ طَيِّبَةٍ﴾ الآية [إبراهيم: ٢٤]، ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٦]، وقال تعالى: (١) راجع: ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٠٩٥/٧ - ٢٠٩٦. ٣٩٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّلِحُ يَرْفَعُهُ﴾ الآية [فاطر: ١٠]، ووصف الرسول 18 بأنه يحل الطيبات ويحرم الخبائث. وقد قيل: إنه يدخل في ذلك الأقوال، والأعمال، والاعتقادات أيضاً، ووصف الله تعالى المؤمنين بالطيب، بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ نَقَّهُمُ الْمَلَتِكَةُ طَيِِّينٌ﴾ الآية [النحل: ٣٢]، وإن الملائكة تقول عند الموت: ((اخرجي أيتها النفس الطيبة التي كانت في الجسد الطيب))، وإن الملائكة تسلم عليهم عند دخولهم الجنة، يقولون لهم: ﴿طِبْتُمْ﴾ [الزمر: ٧٣]، وقد ورد في الحديث أن المؤمن إذا زار أخاه في الله، تقول له الملائكة: ((طِبْتَ وطاب ممشاك، وتبوأت من الجنة منزلاً))(١). فالمؤمن كله طيّبٌ، قلبه، ولسانه، وجسده، بما يسكن في قلبه من الإيمان، وظهر على لسانه من الذكر، وعلى جوارحه من الأعمال الصالحة التي هي ثمرة الإيمان، وداخلة في اسمه، فهذه الطيبات كلها يقبلها الله رحبت . ومن أعظم ما يحصل به طيبةُ الأعمال للمؤمن طِيبُ مطعمه، وأن يكون من حلال، فبذلك یزکو عمله. قال: وفي هذا الحديث إشارةٌ إلى أنه لا يُقبَلُ العملُ، ولا يزكو إلا بأكل الحلال، وأن أكل الحرام يفسد العمل، ويمنع قبوله، فإنه قال بعد تقريره: ((إن الله لا يقبل إلا طيباً)): ((وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ الَِّبَتِ وَأَعْمَلُواْ صَلِحًا﴾ الآية [المؤمنون: ٥١]، وقال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ وَأَشْكُرُواْ لِلَّهِ إِن كُمْ [البقرة: ١٧٢])). إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ والمراد بهذا أن الرسل وأممهم مأمورون بالأكل من الطيبات التي هي الحلال، وبالعمل الصالح، فما كان الأكل حلالاً، فالعمل الصالح مقبول، فإذا كان الأكل غير حلال، فكيف يكون العمل مقبولاً؟ وما ذكره بعد ذلك من الدعاء، وأنه كيف يتقبل مع الحرام، فهو مثال لاستبعاد قبول الأعمال مع (١) رواه أحمد، والترمذيّ، وابن ماجه، وابن حبّان، وفي إسناده عيسى بن سِنان القسمليّ، وهو ضعيف. ٣٩٣ (١٩) - جَابُ بَيَانِ قَبُولِ اللهِوَ الصَّدَقَةَ مِنَ الْكَسْبِ الطَّيِّبِ، وَتَرْبِيَتِهِ لَهَا -حديث رقم (٢٣٤٦) التغذية بالحرام. انتهى(١). (وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ) ((ما)) موصولة، والمراد بها أكل الحلال، وتحسين الأموال (فَقَالَ) ابتداءً بما خَتَمَ به؛ رعايةً لتقديم المرسلين، وتقدمهم على المؤمنين وجوداً ورتبةً (﴿يَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ الَِّبَتِ وَأَعْمَلُواْ صَلِحَّاً إِنِّى بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥)﴾ [المؤمنون: ٥١]) قال القاري تَُّهُ: هذا النداء خطاب لجميع الأنبياء، لا على أنهم خوطبوا بذلك دَفْعَةً واحدةً؛ لأنهم أُرسلوا في أزمنة مختلفة، على أن كلّاً منهم خوطب به في زمانه، ويمكن أن يكون هذا النداء يوم الميثاق؛ لخصوص الأنبياء، أو باعتبار أنه تعالى ليس عنده صباح ولا مساء، وفيه تنبيهُ نبيهٌ على أن إباحة الطيبات شرع قديم، واعتراض على الرّهبانية في رفضهم اللذات، وإماءٌ إلى أن أكل الطيب مُورث للعمل الصالح، وهو ما يتقرب به إلى الله تعالى. انتهى (٢). (وَقَالَ) رَتْ (﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُوا﴾) الأمر للإباحة، أو للوجوب، كما لو أشرف على الهلاك، أو للندب، كموافقة الضيف، والاستعانة به على الطاعة (﴿مِن طَيِبَتِ مَا رَزَقْتَكُمْ﴾) أي: حلالاته، أو مستلذاته، وتتمته: ﴿وَأَشْكُرُواْ لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢]. وفيه إشارة إلى أن الله تعالى خَلَق الأشياء كلها لعبيده، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِ اُلْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ الآية [البقرة: ٢٩]، وأنه خلق عبيده لمعرفته وعبادته، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَاَلْإِنسَ إِلَّ لِيَعْبُدُونِ (49) مَآ أُرِيدُ [الذاريات: ٥٦، ٥٧]. ٥٧ مِنْهُم مِّن رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (ثُمَّ ذَكَرَ) النبيّ نَ ◌ّهِ (الرَّجُلَ) بالنصب على المفعولية، قال القاريّ تَخْتُ: وفي نسخة(٣) بالرفع على أنه مبتدأ، وما بعده خبره، والجملة في محل النصب على المفعولية . قال الطيبيّ تَظُّ: قوله: ((ثم ذَكَرَ الرجلَ)) يريد الراوي أن رسول الله وَه عَقَّب كلامه بذكر الرجل الموصوف؛ استبعاداً أن الله تعالى يقبل دعاء آكل (١) ((جامع العلوم)) ٢٥٩/١ - ٢٦٠. (٣) يعني: نسخة ((المشكاة)). (٢) ((مرقاة المفاتيح)) ٦/٦. ٣٩٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة الحرام؛ لبغضه الحرام، وبُعد مناسبته عن جنابه الأقدس، فأوقع فعله على ((الرجل)) ونصبه، ولو حَكَى لفظ الرسول وَ له رفع ((الرجل)) بالابتداء والخبرُ ((يُطِيل))، ونحوه أنشد في ((الكشّاف)): أَحَقَّ الْخَيْلِ بِالرَّكْضِ الْمُعَارِ وَجَدْنَا فِي كِتَابٍ بَنِي تَمِیم فإن قوله: ((أحقَّ الخيل)) إن رُفِع كان على الحكاية، وإن نُصب كان مفعولاً [((وَجَدَ)). قال: وقوله: ((أشعث، وأغبر)) حالان مترادفان من فاعل ((يَمُدّ)) أي: يمد يديه قائلاً: يا رب، وقوله: ((ومطعمه، ومشربه، وملبسه، وغُذِي)) حال من فاعل ((قائلاً))، وكلُّ هذه الحالات دالّة على غاية استحقاق الداعي للإجابة، ودلّت تلك الخيبة على أن الصارف قويّ، والحاجز مانع شديدٌ. انتهى(١). وتعقّبه القاري في قوله: ((وكل هذه الحالات ... إلخ)) بأنه توسع؛ لخروج مطعمه إلخ، فإنها حالات دالة على استحقاق الداعي عدم الإجابة، كما قال: ((فَأَنَّى يُستجاب له))(٢). (يُطِيلُ السَّفَرَ) أي: زمانه، ويُكثر مباشرته، في العبادات، كالحجّ، والعمرة، والجهاد، وتعلم العلم، وسائر وجوه الخيرات. فجملة: ((يُطيل السفر)) محلها نصب صفة لـ((الرجل))؛ لأن المعرّف بـ((أل)) الجنسيّة بمنزلة النكرة، كقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥]، وكقوله [من الوافر]: وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي فَمَضَيْتُ ثُمَّتَ قُلْتُ لَا يَعْنِينِي وقوله: (أَشْعَثَ أَغْبَرَ) حالان متداخلان، أو مترادفان من فاعل ((يُطيل))، وما يتلوهما من الأحوال كلّها متداخلات، فقوله: (يَمُدُّ) بفتح أوله، وضم ثالثه، من المدّ ثلاثيّاً حال من ضمير ((أشعث)) (يَدَيْهِ) أي: حال كونه ماداً یدیه، رافعاً لهما (إِلَى السَّمَاءِ) وقوله: (يَا رَبِّ، يَا رَبِّ) مكرّراً، حال من فاعل ((يُمُدّ))؛ أي: يُمُدّ يديه قائلاً: يا ربّ يا ربّ. (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢٠٩٦/٧. (٢) ((المرقاة)) ٦/٦. ٣٩٥ (١٩) - بَابُ بَيَانِ قَبُولِ اللهِ وَ الصَّدَقَةَ مِنَ الْكَسْبِ الطَّيِبِ، وَتَرْبِيَتِهِ لَهَا -حديث رقم (٢٣٤٦) وفيه إشارة إلى أن الدعاء بلفظ الرب مؤثِّر في الإجابة؛ لإيذانه بالاعتراف بأن وجوده فائض عن تربيته، وإحسانه، وجوده، وامتنانه ولذا حُكي عن بعضهم أنه قال: مَن حَزَبَهُ أمر، فقال خمس مرات: ربنا، نجّاه الله مما يخاف، وأعطاه ما أراد؛ لأن الله تعالى حَكَى في ((آل عمران)) عن أولي الألباب أنهم قالوا: ربنا خمس مرّات، فقال تعالى: ﴿فَأَسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾ الآية [آل عمران: ١٩٥](١) . (وَمَطْعَمُهُ) مصدر ميميّ بمعنى مفعول، أو اسم مكان، أو زمان طعامه، وهو مبتدأ خبره قوله: (حَرَامٌ) والجملة حالٌ من فاعل ((قائلاً))، وكذا قوله: (وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ) - بضم الغين، وكسر الذال المعجمة المخففة - كذا ضبطه النوويّ تَخْتُ، قال القاري كلُّ: وفي نسخ (المصابيح)) وقعت مُقَيَّدةً بالتشديد، كذا ذكره الطيبيّ نَظُّ، وهو كذلك في بعض نسخ ((المشكاة)). والمعنى رُبِّي بالحرام؛ أي: من صغره إلى كبره، قال الأشرف ◌َُّهُ: ذكر قوله: ((وغُذِيَ بالحرام)) بعد قوله: ((ومطعمه حرام))، إما لأنه لا يلزم من كون المطعم حراماً التغذية به، وإما تنبيهاً به على استواء حالتيه، أعني كونه منفِقاً في حال كبره، ومنفَقاً عليه في حال صغره، في وصول الحرام إلى باطنه، فأشار بقوله: ((ومطعمه حرام)) إلى حال كبره، وبقوله: ((وغُذِي بالحرام)) إلى حال صغره، وهذا دالّ على أن لا ترتيب في الواو. وذهب المظهر تَّثُ إلى الوجه الثاني، ورجح الطيبيّ ◌َُّهُ الوجه الأوّل، قال القاري: ولا مانع من الجمع، فيكون إشارةً إلى أن عدم إجابة الدعوة إنما هو لكونه مُصِرّاً على تلبّس الحرام، والله تعالى أعلم. (فَأَنَّى) أي: فكيف، أو فمن أين (يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟))) والاستفهام لاستبعاد الاستجابة، قال الطيبيّ كَّتُهُ: قوله: ((لذلك)) يحتمل أن تكون الإشارة إلى الرجل، كما قال تعالى: ﴿فَأَسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ الآية [الأنبياء: ٨٤]، والمعنى كيف يستجاب لذلك الرجل المتلبّس بتلك المحرّمات؟ ويحتَمِل أن تكون إلى كون (١) راجع: ((المرقاة)) ٦/٦. ٣٩٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة مطعمه ومشربه وملبسه وغذائه حراماً، والمعنى أنى يُستجاب له لما ذُكر من تلبّسه بالمحرّمات. وقال الأشرف تَخَّتُهُ: وفيه إيذان بأن حِلّ المطعم والمشرب مما تتوقف عليه إجابة الدعاء، ولذا قيل: إن للدعاء جناحين: أكل الحلال، وصدق المقال(١). وقال ابن رجب تَّثُهُ: معنى ((فَأَنَّى يُستجاب لذلك)): كيف يستجاب له؟ فهو استفهام وقع على وجه التعجب والاستبعاد، وليس صريحاً في استحالة الاستجابة، ومنعها بالكلية(٢). وقال التوربشتيّ كَّلُهُ: أراد بالرجل الحاجّ الذي أثّر فيه السفر، وأخذ منه الجهد، وأصابه الشعث، وعلاه الغبرة، فطَفِقَ يدعو الله على هذه الحالة، وعنده أنهما من مظانّ الإجابة، فلا يستجاب له، ولا يعبأ ببؤسه وشَقَائه؛ لأنه متلبِّس بالحرام، صارف النفقة من غير حلها . قال الطيبيّ كَّثُهُ: فإذا كان حال الحاجّ الذي هو في سبيل الله هذا، فما بال غيره؟ وفي معناه أمر المجاهد في سبيل الله؛ لقوله وَلاير: ((طوبى لعبد أخذ بعِنَان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرة قدماه)). انتهى(٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﴿به هذا من أفراد المصنّف ◌َّتُهُ. [تنبيه]: هذا الحديث صحيح، كما هو صنيع المصنّف ◌َذَلُهُ، ورجاله ثقات، رجال الشيخين، غير فضيل بن مرزوق، فإنه من رجال مسلم، والأكثرون على توثيقه، فقد وثّقه سفيان الثوريّ، وابن معين، في أصحّ الروايات عنه، والعجليّ، ويعقوب بن سُفيان، وابن خراش، وقال أحمد: لا أعلم إلا خيراً، وقال البخاريّ: مقارب الحديث، ووثّقه مسلم، حيث احتجّ به (١) راجع: ((الكاشف)) ٢٠٩٧/٧. (٣) ((الكاشف)) ٢٠٩٧/٧. (٢) ((جامع العلوم والحكم)) ٢٧٥/١. ٣٩٧ (١٩) - بَابُ بَيَانٍ قَبُولِ اللهِ وَ الصَّدَقَةَ مِنَ الْكَسْبِ الطَّيِّبِ، وَتَرْبِيَتِهِلَهَا -حديث رقم (٢٣٤٦) في (صحيحه))، وقال ابن عديّ: أرجو أنه لا بأس به، وقال ابن رجب: وفضيل بن مرزوق ثقةٌ وسطّ، خرَّج له مسلم دون البخاريّ(١). وإنما ضعّفه النسائيّ، وذكره ابن حبّان في ((الثقات))، وفي ((المجروحين))، وقال أبو حاتم: صدوقٌ صالح الحديث يَهِمُ كثيراً، يُكتب حديثه، ولا يُحتجّ به. قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الأكثرين على توثيق فضيل بن مرزوق، ومن أغرب ما يُرى أن بعض من كتب في هامش ((صحيح مسلم))(٢) أشار إلى الطعن في صحّة هذا الحديث، حيث قال: أخرجه مسلم، والبخاريّ في ((جزء رفع اليدين))، والترمذيّ، وأحمد، من طريق فُضيل بن مرزوق، وهو ضعيف، ثم ذكر قول من ضعّفه، فقط، ولم يذكر أحداً ممن وثّقه، وهذا عجيب، وجراءة على ((صحيح مسلم)). والحقّ أن الحديث صحيحٌ، كما هو رأي المصنّف؛ لأن الأكثرين على توثيق فضيل، فتبصّر، والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٣٤٦/١٩] (١٠١٥)، و(البخاريّ) في ((جزء رفع اليدين)) (٩١)، و(الترمذيّ) في ((التفسير)) (٢٩٨٩)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٢٠/٥)، و(أحمد) في («مسنده)) (٣٢٨/٢)، و(إسحاق ابن راهويه) في ((مسنده)) (٢٤١/١)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٣٨٩/٢)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٩١/٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٤٦/٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان قبول الصدقة من الكسب الطيّب. ٢ - (ومنها): بيان الحثّ على كسب الحلال، واجتناب الحرام. ٣ - (ومنها): بيان أن الصدقة من المال الحرام غير مقبولة، وكذا الصلاة في الثوب المغصوب أو المسروق، والحجّ بالمال الحرام، وغير ذلك من (١) ((جامع العلوم والحكم)) ٢٥٨/١. (٢) هو الشيخ مسلّم بن محمود بن عثمان الأثريّ. انظر تخريجه لـ: ((صحيح مسلم)) ١٥٩/٢. ٣٩٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة العبادات التي تؤدّى بالمال الحرام، وسيأتي تفصيل ذلك في المسألة الخامسة - إن شاء الله تعالى -. ٤ - (ومنها): بيان أنه لا يُقبل العمل، ولا يزكو إلا بأكل الحلال، وأن أكل الحرام يفسد العمل، ويمنع قبوله. ٥ - (ومنها): بيان أن الله تعالى فضّل المؤمنين، ورفع قدرهم حيث خاطبهم بما خاطب به المرسلين، وأمرهم بما أمرهم به، فقال تعالى: ﴿يَأَيُّها الرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ الَّتِبَتِ وَأَعْمَلُواْ صَلِحًا﴾ الآية [المؤمنون: ٥١]، وقال: ﴿يَأَيُّهَا اَلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ وَأَشْكُرُواْ لِلَّهِ إِن كُمْ إِيَّاهُ [البقرة: ١٧٢]. تَعْبُدُونَ (لا) ٦ - (ومنها): بيان أن الدعاء محجوب عمن يأكل الحرام. ٧ - (ومنها): الإشارة إلى أهمّ آداب الدعاء، حيث قال: ((ثم ذكر الرجل يطيل السفر إلخ)) على ما يأتي بيانه في المسألة السادسة - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في الحجّ بالمال الحرام، وكذا الصلاة، والصدقة، ونحوها: قال الإمام ابن رجب تَّتُ: قد اختَلَف العلماء في حَجّ مَن حج بمال حرام، ومن صلى في ثوب حرام، هل يسقط عنه فرض الصلاة والحج بذلك؟ وفيه عن الإمام أحمد تَخْذِفُ روايتان، وهذه الأحاديث المذكورة تدلّ على أنه لا يتقبل العمل مع مباشرة الحرام، لكن القبول قد يراد به الرضا بالعمل، ومدح فاعله، والثناء عليه بين الملائكة، والمباهاة به، وقد يراد به حصول الثواب، والأجر عليه، وقد يراد به سقوط الفرض به من الذمة، فإن كان المراد ههنا القبول بالمعنى الأول، أو الثاني لم يمنع ذلك من سقوط الفرض به من الذمة، كما ورد أنه لا تُقْبَل صلاة الآبق، ولا المرأة التي زوجها عليها ساخطٌ، ولا من أتى كاهناً، ولا من شرب خمراً أربعين يوماً، والمراد - والله أعلم - نفي القبول بالمعنى الأول، أو الثاني، وهو المراد - والله أعلم - من قوله ريّ: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اَللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧]، ولهذا كانت هذه الآية يشتد منها خوف السلف على نفوسهم، فخافوا أن لا يكونوا من المتقين الذين يتقبل الله منهم. ٣٩٩ (١٩) - بَابُ بَيَانِ قَبُولِ اللهِ وَ الصَّدَقَةَ مِنَ الْكَسْبِ الطَّيِّبِ، وَتَرْبِيَتِهِلَهَا -حديث رقم (٢٣٤٦) قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((نفي القبول إلخ)) وعندي أن نفي القبول بمعنى سقوط الفرض هو الأقرب؛ لأنه الموافق لظواهر النصوص، ولا يعدل عن ظواهرها إلا لدليل، فتبصّر، والله تعالى أعلم قال: وسئل أحمد عن معنى ﴿اَلْمُتَّقِينَ﴾ فيها، فقال: يتقي الأشياء فلا يقع فيما لا يحل. وقال أبو عبد الله النباجيّ الزاهد تَخَّلهُ: خمس خصال بها تمام العمل: الإيمان بمعرفة الله ريَّ، ومعرفة الحقّ، وإخلاص العمل لله، والعمل على السنة، وأكل الحلال، فإن فقدت واحدة لم يرتفع العمل، وذلك إذا عرفت الله وَ، ولم تعرف الحقّ لم تنتفع، وإذا عرفت الحقّ ولم تعرف الله لم تنتفع، وإن عرفت الله وعرفت الحقّ، ولم تخلص العمل لم تنتفع، وإن عرفت الله، وعرفت الحقّ، وأخلصت العمل، ولم يكن على السنة لم تنتفع، وإن تمّت الأربع، ولم يكن الأكل من حلال لم تنتفع (١). وقال وهب بن الورد: لو قمت مقام هذه السارية، لم ينفعك شيء حتى تنظر ما يدخل في بطنك، حلال أم حرام؟ (٢). وأما الصدقة بالمال الحرام فغير مقبولة، كما في ((صحيح مسلم)) عن ابن عمر ﴿هَا، عن النبيّ وَلِ﴾: ((لا يقبل الله صلاةً بغير ظُهُور، ولا صدقةً من غُلول))، وفي ((الصحيحين)) عن أبي هريرة ◌َظُه، عن النبيّ وَّ قال: ((ما تصدق عبد بصدقة من مال طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، إلا أخذها الرحمن بيمينه ... ))، وذكر الحديث. وفي «مسند الإمام أحمد)) نَّثُ عن ابن مسعود ظُه، عن النبيّ وَّ قال: ((لا يكتسب عبد مالاً من حرام، فينفق منه، فيبارَك فيه، ولا يتصدق به فيتقبل منه، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار، إن الله لا يمحو السيئ بالسيئ، ولكن يمحو السيئ بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث))(٣). ويروى من حديث دَرّاج، عن ابن حجيرة، عن أبي هريرة نظراُه، عن (١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) ٣١٠/٩. (٣) في سنده الصبّاح بن محمد ضعيف. (٢) ((الحلية)) ١٥٤/٨. ٤٠٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة النبيّ وَ﴿ قال: ((من كسب مالاً حراماً، فتصدق به، لم يكن له فيه أجرٌ، وكان إصرُهُ عليه))، خرَّجه ابن حبان في ((صحيحه)) (١)، ورواه بعضهم موقوفاً على أبي هريرة چيپه . وفي مراسيل القاسم بن مُخَيمرة، قال رسول الله وَ له: ((من أصاب مالاً من مأثم، فوصل به رحمه، وتصدق به، أو أنفقه في سبيل الله، جمع الله ذلك جمیعاً، ثم قذف به في نار جهنم). ورُوي عن أبي الدرداء، ويزيد بن ميسرة أنهما جعلا مَثَلَ من أصاب مالاً من غير حِلُّه، فتصدق به مثلَ من أخذ مال يتيم، وكسا به أرملةً. وسئل ابن عباس ﴿ّ عمن كان على عمل، فكان يظلم، ويأخذ الحرام، ثم تاب، فهو يحجّ، ويُعتق، ويتصدق منه، فقال: إن الخبيث لا يكفر الخبيث، وكذا قال ابن مسعود ظه: إن الخبيث لا يكفر الخبيث، ولكن الطيب يكفر الخبيث، وقال الحسن: أيها المتصدق على المسكين ترحمه ارحم من قد ظلمت. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق من أقوال أهل العلم وأدلّتهم أن الطاعة التي أدّيت بمال الحرام لا تُقبل، وأن الذي يظهر ترجيح القول بأنها لا تُسقط الفرض؛ لظواهر النصوص، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في أقوال أهل العلم فيمن تصدّق بالمال الحرام: قال الإمام ابن رجب تَخّْلهُ: (اعلم): أن الصدقة بالمال الحرام تقع على و جھین : [أحدهما]: أن يتصدق به الخائن، أو الغاصب، ونحوهما عن نفسه، فهذا هو المراد من هذه الأحاديث أنه لا يتقبل منه، يعني: أنه لا يؤجر عليه، بل يأثم بتصرفاته في مال غيره بغير إذنه، ولا يحصل للمالك بذلك أجر؛ لعدم قصده ونيّته، كذا قال جماعة من العلماء، منهم ابن عقيل من الحنابلة. وفي كتاب عبد الرزاق من رواية زيد بن الأخنس الخزاعي، أنه سأل (١) برقم (٣٣٦٨) وإسناده حسن.