النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ (١٨) - بَابُ الْمُبَادَرَةِ بِالصَّدَقَةِ قَبْلَ أَنْ لَا يُوجَدَ مَنْ يَقْبَلُهَا - حديث رقم (٢٣٣٧) (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٣٣٧/١٨] (١٠١١)، و(البخاريّ) في ((الزكاة)) (١٤١١ و١٤٢٤)، و(النسائيّ) في ((الزكاة)) (٢٥٥٥)، وفي ((الكبرى)) (٢٣٣٦)، و(أبو داود الطيالسيّ) في («مسنده)) (١٧٤/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤/ ٣٠٦)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٨٨/٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): الحثّ على الصدقة، والمبادرة بأدائها إلى مستحقّها قبل أن لا يوجد من يقبلها، قال النوويّ رَّتُهُ: وفي هذا الحديث، والأحاديث بعده مما ورد في كثرة المال في آخر الزمان، وأن الإنسان لا يجد من يقبل صدقته الحثُّ على المبادرة بالصدقة، واغتنام إمكانها قبل تعذّرها، وقد صَرَّح بهذا المعنى بقوله: ﴿ في أول الحديث: ((تصدقوا، فيوشك الرجل ... )) إلى آخره، وسبب عدم قبولهم الصدقة في آخر الزمان كثرة الأموال، وظهور كنوز الأرض، ووضع البركات فيها، كما ثبت في ((الصحيح)) بعد هلاك يأجوج ومأجوج، وقلة آمالهم، وقرب الساعة، وعدم ادخارهم المال، وكثرة الصدقات، والله أعلم. انتھی(١). ٢ - (ومنها): استحباب المبادرة إلى الخير قبل فوات وقته. ٣ - (ومنها): أن فيه عَلَماً من أعلام النبوّة، حيث أخبر النبيّ وَّه بما سيقع في آخر الزمان. ٤ - (ومنها): أن فيه دلالةً على أن فتح الدنيا لا خير فيه؛ لأنه لو كان فيه خير لكان زمان النبيّ وَل﴿، وزمان أصحابه، والتابعين تُفتح فيه الدنيا أكثر من آخر الزمان، فدلّ على أنه من جملة الفِتَن التي تقع عند قرب الساعة، نسأل الله تعالى أن يجنّبنا الفتن، ما ظهر منها، وما بطن، إنه سميع قريبٌ مجيب الدعوات، وغافر السيّئات آمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. (١) ((شرح النوويّ)) ٩٦/٧. ٣٦٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢٣٣٨] (١٠١٢) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بَرَّادٍ الْأَشْعَرِيُّ، وَأَبُو كُرَيْب مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: ((لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ، يَطُوفُ الرَّجُلُ فِيهِ بِالصَّدَقَةِ مِنَ الذَّهَبِ، ثُمَّ لَا يَجِدُ أَحَداً بَأْخُذُهَا مِنْهُ، وَيُرَى الرَّجُلُ الْوَاحِدُ يَتْبَعُهُ أَرْبَعُونَ امْرَأَةً بَلُذْنَ بِهِ، مِنْ قِلَّةِ الرِّجَالِ، وَكَثْرَةِ النِّسَاءِ))، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ بَرَّادٍ: ((وَتَرَى الرَّجُلَ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ بَرَّادِ الْأَشْعَرِيُّ) أبو عامر الكوفيّ، صدوقٌ [١٠] (خت م) تقدم في ((المقدمة)) ٥١/٦. ٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) تقدّم قبل بابين. ٣ - (بُرَيْدُ) بن عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعريّ الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦/ ١٧١. والباقون تقدّموا قبل باب، وأبو أسامة اسمه حمّاد بن أُسامة. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف رََّثُ، وله فيه شيخان قَرَن بينهما؛ لاتحادهما في كيفيّة التحمل والأداء. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه عبد الله بن برّاد، فانفرد به هو، وعلّق له البخاريّ، وأما شيخه أبو كريب، فمن التسعة الذين اتّفق الجماعة في الرواية عنهم بلا واسطة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين من أوله إلى آخره. ٤ - (ومنها): أنه لا يوجد في (الصحيحين)) من اسمه بُريد إلا المذكور في هذا السند، وكنيته أبو بُردة مثل جدّه. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية الراوي، عن جدّه، عن أبيه، فأبو بردة جدّ لبريد بن عبد الله، وأبو موسى أبوه. ٣٦٣ (١٨) - بَابُ الْمُبَادَرَةِ بِالصَّدَقَةِ قَبْلَ أَنْ لَا يُوجَدَ مَنْ يَقْبَلُهَا - حديث رقم (٢٣٣٨) شرح الحديث: (عَنْ أَبِي بُرْدَةَ) - بضم الباء الموحدة، مصغّراً - اسمه عامر، وقيل: الحارث (عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيس الأشعريّ ◌َظُهُ (عَنِ النَّبِيِّ ◌ِ﴾) أنه (قَالَ: ((لَيَأْتِيَنَّ) اللام هي الموطّئة للقسم، و((يأتيَنّ)) مؤكّد بالنون الثقيلة، جواب للقسم المقدّر؛ أي: والله ليأتينّ (عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ، يَطُوفُ) أي: يدور (الرَّجُلُ فِيهِ) أي: في ذلك الزمان (بِالصَّدَقَةِ مِنَ الذَّهَبِ) خصّه بالذكر؛ مبالغةً في عدم مَن يَقْبَل الصدقة؛ لأن الذهب أعزّ المعدنيات، وأشرف الأموال، فإذا لم يوجد من يأخذ هذا، ففي غيره بالطريق الأولى. وقال النوويّ كَّتُهُ: قوله بَّه: (يطوف الرجل بصدقته من الذهب)) إنما هذا يتضمن التنبيه على ما سواه؛ لأنه إذا كان الذهب لا يقبله أحدٌ، فكيف الظن بغيره؟ . قال: وقوله: ((يطوف)) إشارة إلى أنه يتردد بها بين الناس، فلا يجد من يقبلها، فتحصل المبالغة والتنبيه على عدم قبول الصدقة بثلاثة أشياء: كونه يَعْرِضُها، ويطوف بها، وهي ذَهَبٌ. انتهى(١). (ثُمَّ لَا يَجِدُ أَحَداً يَأْخُذُهَا) أي: الصدقة (مِنْهُ، وَيُرَى الرَّجُلُ الْوَاحِدُ) ببناء الفعل للمفعول، وقوله: (يَتْبَعُهُ) جملة في محل النصب على الحال (أَرْبَعُونَ امْرَأَةً) قال الكرمانيّ كَُّ: التخصيص بعدد الأربعين لا يدلّ على نفي الزائد؛ أي: فلا ينافي رواية ((خمسين امرأة)) (يَلُذْنَ بِهِ) أي: يلتجئ إليه، ويرغبن فيه، وهو بضم اللام، وسكون الذال المعجمة: من لاذ يلوذ لَوْذاً، كقال يقول قولاً(٢): إذا التجأ به، وانضمّ إليه، واستغاث به، وذلك إما لكونهن نساءه وسراريّه، وقيل: من البنات والأخوات، وشِبْهِهِنّ من القرابات. وقال القرطبيّ كَُّ: معنى (يَلُذْن)) يستترن ويتحرّزن به، من الملاذِ الذي هو السترة، لا من اللذّة، وذلك إنما يكون لكثرة قتل الرجال في الملاحم، كما (١) ((شرح النووي)) ٩٦/٧. (٢) قال في ((القاموس)) (٣٥٨/١): اللَّوْذُ بالشيءٍ: الاستتار، والاحتصانُ به، كاللواذ مثلّثةً، واللياذِ، والْمُلاوذة، والإحاطةُ، كالإلاذة. انتهى. ٣٦٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة سيأتي في ((كتاب الفتن)). انتهى(١). (مِنْ قِلَّةِ الرِّجَالِ، وَكَثْرَةِ النِّسَاءِ))) وتكون قلة الرجال من اشتداد الفتن، وترادف الْمِحَن، فيقلّ الرجال. وقال النوويّ كَُّهُ: معنى ((يَلُذْنَ به)): أي: ينتمين إليه؛ ليقوم بحوائجهن، ويَذُبّ عنهن، كقبيلة بقي من رجالها واحدٌ فقط، وبقيت نساؤها، فَيَلُذْن بذلك الرجل؛ لِيَذُبّ عنهنّ، ويقوم بحوائجهنّ، ولا يطمع فيهنّ أحد بسببه، وأما سبب قلة الرجال وكثرة النساء، فهو الحروب والقتال الذي يقع في آخر الزمان، وتراكم الملاحم، كما قال ◌َله: ((ويكثُر الْهَرْج)): أي: القتل. (٢) انتھی (وَفِي رِوَايَةٍ) عبد الله (ابْنِ بَرَّادٍ) شيخه الأول ((وَتَرَى الرَّجُلَ))) بتاء الخطاب، والبناء للفاعل، ونصب ((الرجل)) على المفعوليّة، قال النوويّ تَخَّتُ: قوله: ((ويُرَى الرجل الواحدُ)) ثم قال: وفي رواية ابن براد: ((وتَرَى))، هكذا هو في جميع النسخ: الأول ((يُرَى)) بضم الياء المثناة تحتُ، والثاني بفتح المثناة فوقُ. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ ◌َُّّه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٣٣٨/١٨] (١٠١٢)، و(البخاريّ) في ((الزكاة)) (١٤١٤)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٨٨/٣)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٢٨٤/١٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): الحثّ على الاهتمام بالمبادرة في أداء الصدقة إلى مستحقّها، واغتنام إمكانها قبل تعذرها، وفي ((الصحيحين)) عن حارثة بن (١) ((المفهم)) ٥٦/٣ - ٥٧. (٢) ((شرح النووي)) ٧/ ٩٦ - ٩٧. ٣٦٥ (١٨) - بَابُ الْمُبَادَرَةِ بِالصَّدَقَةِ قَبْلَ أَنْ لَا يُوجَدَ مَنْ يَقْبَلُهَا - حديث رقم (٢٣٣٨) وهب ◌ُّه قال: سمعت رسول الله وَل﴾ يقول: ((تصدقوا، فيوشك الرجل يمشي بصدقته، فيقول الذي أعطيها: لو جئتنا بها بالأمس قبلتها، فأما الآن فلا حاجة لي بها، فلا يجد من يقبلها)). ٢ - (ومنها): أن فيه الإخبارَ بكثرة المال في آخر الزمان، وأن الإنسان لا يجد من يقبل صدقته، حتى يحصل له من ذلك همّ، قال النوويّ: وسبب عدم قبولهم الصدقة في آخر الزمان كثرة الأموال، وظهور كنوز الأرض، ووضع البركات فيها، كما ثبت في ((الصحيح)) بعد هلاك يأجوج ومأجوج، وقلة الناس وقلة آمالهم، وقرب الساعة، وعدم ادخارهم المال، وكثرة الصدقات. ٣ - (ومنها): أن فيه عَلَماً من أعلام النبوّة، حيث أخبر النبيّ وَّه بما يكون في آخر الزمان، وسيقع ذلك لا محالة، كما أخبر وَالر؛ لأن خبره وَله صدق مطابق للواقع، لا يتخلّف بوجه من الوجوه. ٤ - (ومنها): الإعلام بما يكون بعده ◌َله من كثرة الأموال، حتى لا يجد صاحب الصدقة من يقبلها، والظاهر أن ذلك بعد قتل عيسىلعلّلة الدجال وهلاك الكفّار، فإنه إذا نزل لا يجد أحد من الكفّار نفَسه إلا مات، ونفَسه ينتهي حيث ينتهي طَرْفه، كما سيأتي عند المصنّف في ((كتاب الفتن)) - إن شاء الله تعالى -، ففي ذلك الوقت لا يبقى بأرض الإسلام كافر، وتنزل إذ ذاك بركات السماء إلى الأرض، والناس إذ ذاك قليلون، لا يدّخرون شيئاً؛ لعلمهم بقرب الساعة، وتردّ الأرض إذ ذاك بركاتها، حتى تكفي الجماعة الرُّمانة الواحدة، وتلقي الأرض أفلاذ كبدها، وهو ما دفنته ملوك العجم، كسرى وغيره، أو ما خلقه الله تعالى في الأرض، ويكثر المال، حتى لا يتنافس فيه الناس. ٥ - (ومنها): أنه استنبط منه بعضهم أنه إذا لم يجد من يقبل صدقته فلا حرج عليه، وهو واضح الحكم والتعليلٍ؛ إذ لم يقع منه تقصير، ولا منع، لكن في استنباط ذلك من الحديث نظر؛ لأن غاية ما فيه الإخبار بأن هذا سيقع، أما كونه إذا وقع يكون صاحب المال مأثوماً أو غير مأثوم، فليس فيه تعرّض له، قاله في ((الطرح))(١). (١) ((طرح التثريب)) ٢٦/٤. ٣٦٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة ٦ - (ومنها): بيان أن الرجال سيقّون، وتكثر النساء، حتى يكون الأربعين امرأة، أو لخمسين القيّم الواحد، وسبب ذلك كثرة الفتن، فيكثر القتل في الرجال؛ لأنهم أهل الحرب دون النساء، قال في ((الفتح)): وقال أبو عبد الملك: هو إشارة إلى كثرة الفتوح، فتكثر السبايا، فيتخذ الرجل الواحد عدّة موطوءات. وتعقّبه الحافظ: فقال: وفيه نظر؛ لأنه صرّح بالقلة في حديث أبي موسى ربه - يعني: المذكور في الباب - فقال: ((من قلة الرجال، وكثرة النساء)»، والظاهر أنها علامة محضةٌ، لا لسبب آخر، بل يُقَدِّر الله في آخر الزمان أن يَقِلّ من يولد من الذكور، ويكثر من يولد من الإناث، وكون كثرة النساء من العلامات مناسبة لظهور الجهل، ورفع العلم. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج كَذَتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٣٣٩] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا (١) قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهـ قَالَ: ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكْثُرَ الْمَالُ، وَيَفِيضَ، حَتَّى يَخْرُجَ الرَّجُلُ بِزَكَاةِ مَالِهِ، فَلَا يَجِدُ أَحَداً يَقْبَلُهَا مِنْهُ، وَحَتَّى تَعُودَ أَرْضُ الْعَرَبِ مُرُوجاً وَأَنْهَاراً)). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قُتَيْيَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل باب. ٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ) - بتشديد التحتانيّة (٢) - المدنيّ نزيل الإسكندريّة، حليف بني زُهْرة، ثقةٌ [٨] [ت١٨١) (خ م د ت س) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٥/٣٥. ٣ - (سُهَيْلُ) بن أبي صالح، أبو يزيد المدنيّ، ثقةٌ [٦] (ت١٣٨) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤/ ١٦١. (١) وفي نسخة: ((حدّثنا)). (٢) بتشديد الياء التحتانيّة: منسوب إلى القارَة القبيلة المعروفة بجودة الرمي. ٣٦٧ (١٨) - بَابُ الْمُبَادَرَةِ بِالصَّدَقَةِ قَبْلَ أَنْ لَا يُوجَدَ مَنْ يَقْبَلُهَا - حديث رقم (٢٣٣٩) ٤ - (أَبُوهُ) أبو صالح ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (ت١٠١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢. ٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) بَعُْه تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢. لطائف هذا الإسناد : ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف رَّتُهُ. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى يعقوب، فما أخرج له ابن ما جه . ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنیین، سوی شیخه، فبغلانيّ، وقد دخل المدينة. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وفيه أبو هريرة بظلاله أحفظ من روى الحديث في دهره. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَبُهُ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ: ((لا) نافية، ولذا رفع الفعل بعدها (تَقُومُ السَّاعَةُ) أي: القيامة، قال ابن الأثير تَخْلَتُهُ: الساعة في الأصل تُطلَق على معنيين: [أحدهما]: أن تكون عبارةً عن جزء من أربعة وعشرين جزءاً، هي مجموع اليوم والليلة. [والثاني]: أن تكون عبارةً عن جزء قليل من النهار أو الليل، يقال: جلست عندك ساعةً من النهار؛ أي: وقتاً قليلاً منه، ثم استعير لاسم يوم القيامة، قال الزجاج: معنى الساعة في كل القرآن: الوقتُ الذي تقوم فيه القيامة، يريد أنها ساعةٌ خفيفةٌ يَحدُث فيها أمرٌ عظيمٌ، فلقلة الوقت الذي تقوم فيه سماها ساعةً، والله أعلم. انتهى كلام ابن الأثير تَخَذَتْهُ(١). (حَتَّى يَكْثُرَ الْمَالُ، وَبَفِیض) بفتح أوله، وکسر ثالثه، من فاض، من باب ضرب: أي: يكثر، يقال: فاض السيل يَفِيض فيضاً: كثُر وسال من شَفَة (١) ((النهاية في غريب الأثر)) ٤٢٢/٢. ٣٦٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة الوادي، وأفاض بالألف لغة، وفاض الإناء فَيْضاً: امتلأ، وأفاضه صاحبه، وفاض الماء والدم: قَطَرًا، وفاض كلُّ سائل: جَرَى، وفاض الخير كَثُر، وأفاضه الله كثَّره، قاله الفيّوميّ تَظَّهُ(١). وقال في ((الطرح)): قوله: ((ويفيض)) بفتح أوله، فسره أهل اللغة بأن معناه يكثر، وحينئذ فيشكل عطفه عليه في قوله: ((حتى يكثر فيكم المال، فیفیض))، والذي يظهر لي أن في الفيض زيادةً على الكثرة، ولذلك قال في ((المشارق)) في قوله: ((يفيض المال)) أي: يكثر حتى يَفْضُل منه بأيدي مُلاكه ما لا حاجة (٢) لهم به. انتھی(٢). (حَتَّى يَخْرُجَ الرَّجُلُ بِزَكَاةِ مَالِهِ) أي: ليدفعها لمستحقّها (فَلَا يَجِدُ أَحَداً يَقْبَلُهَا مِنْهُ) لاستغنائهم عنها (وَحَتَّى تَعُودَ أَرْضُ الْعَرَبِ) قال القرطبيّ تَُّهُ: أي: تنصرف دواعي العرب عن مقتضَى عاداتهم من انتجاع الغيث، والارتحال في المواطن للحروب والغارات، ومن نخوة النفوس العربيّة الكريمة الأبيّة إلى أن يتقاعدوا عن ذلك، فينشغلوا بغراسة الأرض، وعمارتها، وإجراء مياهها، كما شُوهد في كثير من بلادهم وأحوالهم. انتهى (٣). وقال النوويّ رَّتُهُ: معناه - والله أعلم - أنهم يتركونها، ويُعْرِضون عنها، فتبقى مُهْمَلةً لا تُزْرَع ولا تُسْقَى من مياهها، وذلك لقلة الرجال، وكثرة الحروب، وتراكم الفتن، وقرب الساعة، وقلة الآمال، وعدم الفراغ لذلك، والاهتمام به. انتهى (٤). قال الجامع عفا الله عنه: ما فسّر به النوويّ هذا الحديث من أن المراد به تعطيل الأراضي، وعدم عمارتها مما لا يخفى بعده، بل الظاهر ما فسّر به القرطبيّ في كلامه المذكور آنفاً؛ لأنه الذي يقتضيه ظاهر سياق الحديث. وحاصله أن المراد إقبال العرب على استثمار أراضيها، وإحيائها، بإجراء الأنهار، وغرس الأشجار، وزرع الحبوب، وتركها ارتحالها وتنقّلاتها من مكان إلى مكان؛ طلباً للكلأ، على ما هو المعتاد لها، فإن هذا هو المطابق للواقع، (١) ((المصباح المنير)) ٤٨٥/٢. (٣) ((المفهم)) ٣/ ٥٧. (٢) ((طرح التثريب)) ٢٦/٤. (٤) ((شرح مسلم)) ٧/ ٩٧. ٣٦٩ (١٨) - بَابُ الْمُبَادَرَةِ بِالصَّدَقَةِ قَبْلَ أَنْ لَا يُوجَدَ مَنْ يَقْبَلُهَا - حديث رقم (٢٣٤٠) كما هو مشاهدٌ اليومَ في المملكة العربيّة السعوديّة، وغيرها من البلاد العربيّة، ففيه عَلَم من أعلام النبوّة حيث وقع ما أخبر به النبيّ وَّ، كما أخبر، والله تعالى أعلم. (مُرُوجاً) بضمّ الميم: جمع مَرْج بفتح فسكون، كفلس وفُلُوس: وهي أرض ذات نبات ومَرْعَى، قاله الفيّوميّ، وقال ابن الأثير: ((الْمَرْج)): الأرض الواسعة ذات نبات كثير، تَمْرُج فيه الدوابّ؛ أي: تُخلّى تَسْرَحُ مُختلطةً، كيف (١) شاءت. انتهى(١). (وَأَنْهَاراً))) بالفتح: جمع نَهَر بفتحتين، كسَبَبٍ وأسباب، وهو الماء الجاري المتّسع، ويقال فيه: نَهْرٌ بفتح، فسكون، فعلى هذا يُجمَع على نُهُر بضمّتين، وأَنْهُر، قاله الفيّوميّ(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رضيبه هذا من أفراد المصنّف ◌َخَذُّهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٣٣٩/١٨ و٢٣٤٠] (١٠١٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢/ ٣٧٠ و٤١٧)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٦٨١ و٦٧٠٠)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٨٩/٣)، و((الحلية)) (١٤١/٧)، وفوائده تعلم مما سبق، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٣٤٠] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ، حَذَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي يُونُسَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَِّ قَالَ: (لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمُ الْمَالُ، فَيَفِيضَ، حَتَّى يُهِمَّ رَبَّ الْمَالِ مَنْ يَقْبَلُهُ مِنْهُ صَدَقَةً، وَيُدْعَى إِلَيْهِ الرَّجُلُ، فَيَقُولُ: لَا أَرَبَ لِي فِيهِ))). (١) ((النهاية)) ٣١٥/٤. (٢) ((المصباح المنير)) ٢/ ٦٢٧. ٣٧٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السَّرْح المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٥٠) (م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣. ٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظ عابدٌ [٩] (ت١٩٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣. ٣ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بْنِ يعقوب الأنصاريّ مولاهم المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه [٧] (ت قبل ١٥٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٩/١٦. ٤ - (أَبُو يُونُسَ) سُليم بن جُبير الدوسيّ المصريّ، مولى أبي هريرة، ثقةٌ [٣] (ت١٢٣) (بخ م د ت) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٠/٣٤. ((أبو هريرة)) ذُكر قبله. وقوله: (حَتَّى يُهِمَّ رَبَّ الْمَالِ إلخ) قال النوويّ تَخْلُّ: ضبطوه بوجهين: أجودهما، وأشهرهما ((يُهِمّ)) بضم الياء، وكسر الهاء، ويكون ((ربَّ المال)) منصوباً مفعولاً، والفاعلُ ((مَنْ))، وتقديره: يُحْزِنُه، ويَهْتَمّ له. والثاني: ((يَهُمّ)) بفتح الياء، وضم الهاء، ويكون ((ربُّ المال)) مرفوعاً فاعلاً، وتقديره: يَهُمّ ربُّ المال من يقبل صدقته؛ أي: يقصده، قال أهل اللغة: يقال: أهمه: إذا أحزنه، وهَمَّهُ: إذا أذابه، ومنه قولهم: هَمَّكَ ما أَهمَّك؛ أي: أذابك الشيءُ الذي أحزنك، فأذهب شحمك، وعلى الوجه الثاني هو من هَمَّ به إذا قَصَدَهُ. انتهى كلام النوويّ كَذُهُ(١). قال الجامع عفا الله عنه: ظاهر كلام النوويّ أن همّ ثلاثيّاً لا يأتي بمعنى ((أحزن))، وإنما هو بمعنى ((قصد)) فقط، وليس كذلك، فقد ذكر أهل اللغة أنه يأتي بمعنى أحزن، قال الفيّوميّ تَُّهُ: والْهَمّ الحزن، وأهمّني الأمر بالألف: أقلقني، وهَمّني هَمّاً، من باب قَتَل مثلُهُ. انتهى(٢). وقال المجدّ تَذَتُهُ: ((الْهَمّ)): الْحُزن، جمعه هُمُومٌ، وما هَمَّ به في نفسه، وهَمَّهُ الأمر هَمّاً: ومَهَمَّةً: حَزَنَهُ، كأهمّه، فاهتمّ. انتهى (٣). (١) ((شرح النوويّ)) ٧/ ٩٧. (٣) ((القاموس المحيط)) ٤/ ١٩٢. (٢) ((المصباح المنير)) ٦٤١/٢. ٣٧١ (١٨) - بَابُ الْمُبَادَرَةِ بِالصَّدَقَةِ قَبْلَ أَنْ لَا يُوجَدَ مَنْ يَقْبَلُهَا - حديث رقم (٢٣٤١) وقوله: (وَيُدْعَى إِلَيْهِ الرَّجُلُ) ببناء الفعل للمفعول، والضمير المجرور للصدقة، بتأويل المال. وقوله: (لَا أَرَبَ لِي فِيهِ) بفتحتين، ويقال فيه: الإِرْبةُ بالكسر، والْمَأْرُبةُ بفتح الراء، وضمّها: الحاجة، والجمع المآرب، والأَرَبُ في الأصل مصدرٌ، من باب تَعِبَ، يقال: أَرِبَ الرجلُ إلى الشيء: إذا احتاج إليه، فهو آربٌ، على فاعلٍ، والإِرْبُ بالكسر يُستعمل في الحاجة، وفي العضو، والجمعُ آرابٌ، مثلُ حِمْلَ وأحمال، وفي الحديث: ((وكان أملككم لإِرْبِهِ))؛ أي: لنفسه عن الوقوع في الشهوة، قاله الفيّوميّ ◌َخْذِفُهُ(١). وذكر في ((القاموس)) من معنى الإِرْب بالكسر الحاجةَ، كالإرْبة بالكسر، والضمّ، والأَرَبِ محرّكَةً، والْمَأْرِبة مثلّثة الراء (٢). وقوله: (لَّا أَرَبَ لِي فِيهِ) أي: لا حاجة لي في المال بمعنى الصدقة. والحديث من أفراد المصنّف تَخُّْ، وقد سبق تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٣٤١] (١٠١٣) - (وَحَدَّثَنَا وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الرِّفَاعِيُّ، وَاللَّفْظُ لِوَاصِلٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي حَازِمِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَّ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((تَقِيُ الْأَرْضُ أَقْلَاذَ كَبِدِهَا، أَمْثَالَ الْأُسْطُوَانِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، فَيَجِيءُ الْقَاتِلُ، فَيَقُولُ: فِي هَذَا قَتَلْتُ، وَيَجِيءُ الْقَاطِعُ، فَيَقُولُ: فِي هَذَا قَطَعْتُ رَحِمِي، وَيَجِيءُ السَّارِقُ، فَيَقُولُ: فِي هَذَا قُطِعَتْ يَدِي، ثُمَّ يَدَعُونَهُ، فَلَا يَأْخُذُونَ مِنْهُ شَيْئاً)). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى) بن هلال الأسديّ، أبو القاسم، أو أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٤) (م ٤) تقدم في ((الطهارة)) ٥٨٧/١٢. (١) ((المصباح المنير)) ١/ ١١. (٢) راجع: ((القاموس)) ٣٦/١. ٣٧٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الرِّفَاعِيُّ) هو: محمد بن یزید بن محمد بن کثیر بن رِفَاعة بن سَمَاعة العِجْليّ، أبو هشام الرِّفاعيّ الكوفيّ، قاضي المدائن، ليس بالقويّ، من صغار [١٠]. روى عن عبد الله بن إدريس، وعبد الله بن نمير، وحفص بن غياث، وأبي أسامة، ومحمد بن فضيل، وأبي بكر بن عياش، ومعاذ بن هشام، وسعيد بن عامر الضبعيّ، وغيرهم. وروى عنه مسلم، والترمذيّ، وابن ماجه، وعثمان بن خُرّزاذ، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وابن أبي خيثمة، وأحمد بن عليّ الأَبّار، وابن أبي الدنيا، وابن خزيمة، وغيرهم. وذكر ابن عديّ أن البخاريّ روى عنه (١)، قال ابن محرز: سألت ابن معين، فقال: ما أرى به بأساً، وقال العجليّ: کوفيّ لا بأس به، صاحب قرآن، قرأ على سُلَيم، وولي قضاء المدائن، وقال البخاريّ: رأيتهم مجتمعين على ضعفه، وقال النسائيّ: ضعيف، وقال الحسين بن إدريس: سمعت عثمان بن أبي شيبة يقول: أبو هشام الرفاعيّ رجل حسن الخلق، قارىء للقرآن، قال: ثم سألت عثمان وحدي عن أبي هشام الرفاعيّ، فقال: لا تخبر هؤلاء، إنه يَسْرِق حديث غيره فيرويه، قلت: أعلى وجه التدليس، أو على وجه الكذب؟، فقال: كيف يكون تدليساً، وهو يقول: حدَّثنا؟، وقال ابن عقدة، عن محمد بن عبد الله الحضرميّ: أَلْقَيتُ على ابن نُمير حديثاً، فقال: أَلْقِه على أهل الكوفة كلِّهم، ولا تُلْقِه على أبي هشام فيسرقه، وقال أبو حاتم الرازيّ: سألت ابن نمير عنه، فقال: كان أضعفنا طلباً، وأكثرنا غرائب، وقال ابن عديّ: سمعت عبدان يقول: كنا مع أبي بكر بن أبي شيبة في جنازة، فأقبل أبو هشام، فقلت: يا أبا بكر ما تقول فيه؟ فقال: انظر إليه، ما أحسن خضابه؟ (١) قال في ((تهذيب التهذيب)) (٧٣٥/٣): وما نقله المزيّ عن ابن عديّ أنه ذكره في شيوخ البخاريّ، هو كما قال، لكن ابن عديّ قال: استشهد به البخاريّ، وقد بَيَّن المزيّ بعدُ أنه غلطٌ من ابن عديّ، وأن الذي روى عنه البخاريّ إنما هو محمد بن يزيد الحزاميّ الكوفيّ، وقد فرّق البخاريّ وغيره بينه وبين أبي هشام، فالله تعالى أعلم. انتهى. ٣٧٣ (١٨) - بَابُ الْمُبَادَرَةِ بِالصَّدَقَةِ قَبْلَ أَنْ لَا يُوجَدَ مَنْ يَقْبَلُهَا - حديث رقم (٢٣٤١) وقال أحمد بن عليّ الآبار: سألوا عبد الله بن عمر، يعني: ابن أبان، عن أبي هشام، فلم يعجبه، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه، فقال: ضعيف، يتكلمون فيه، هو مثل مسروق بن المرزبان، وقال طلحة بن محمد بن جعفر: استُقضي أبو هشام الرفاعي في سنة اثنتين وأربعين، وهو رجل من أهل القرآن والعلم والفقه والحديث، قرأ علينا ابن صاعد أكثر كتابه في القراءات، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: يخطىء ويخالف، وقال الْبَرْقانيّ: ثقةٌ، أمرني الدارقطنيّ أن أخرج حديثه في الصحيح. قلت: وقال أبو عمرو الدانيّ: أخذ القراءات عن جماعة، وله عنهم شذوذ كثير، فارق فيه أصحابه، قال ابن عديّ: أُنكِر على أبي هشام أحاديثُ عن ابن إدريس، وأبي بكر، وغيرهما مما يطول ذكره، وقال الدارقطنيّ: تكلم فيه أهل بلده، وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالقويّ عندهم، وقال مسلمة: لا بأس به. قال ابن حبان: مات سنة ثمان وأربعين ومائتين في سلخ شعبان، وقال طلحة بن محمد: مات سنة تسع، وقال الخطيب: الأول أصحّ. روى عنه المصنّف، والترمذيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (١٠١٣)، وحديث (١٥٧): ((لا تذهب الدنيا حتى يمرّ الرجل على القبر، فيتمرّغ عليه ... )). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن مما سبق أن الأكثرين على تضعيف أبي هاشم الرفاعي، فيُعتذر عن المصنّف في روايته عنه بأنه إنما روى عنه حديثين فقط متابعة، فقد روى عنه هنا مع واصل بن عبد الأعلى، وأبي كريب، وروى عنه (١٥٧) حديث: ((لا تذهب الدنيا حتى يمرّ الرجل على القبر، فيتمرّغ عليه ... )) مع عبد الله بن عمر بن محمد بن أبان بن صالح مُشكدانة، فتنبه. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ) بن غزوان الضبيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، صدوقٌ رُمي بالتشيّع [٩] (ت١٩٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٥٨/٦٣. ٤ - (أَبُوهُ) فُضَيل بن غَزْوان بن جرير الضّيّ مولاهم، أبو الفضل الكوفيّ، ثقةٌ، من كبار [٧] مات بعد سنة (١٤٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٠٥/٧٨. ٥ - (أَبُو حَازِمِ) سلمان الأشجعيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٣] (ت١٠٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤٢/٩. ٣٧٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة والباقيان ذُكرا في الباب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف نَّلُ، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم؛ لاتفاقهم في التحمّل والأداء. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: واصل، والرفاعيّ، كما أسلفت آنفاً، وأما أبو كُريب فمن شيوخ الجماعة بلا واسطة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين. شرح الحديث : (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َبُهُ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: («تَقِيُ) مضارع قاء؛ أي: تلقي (الْأَرْضُ أَفْلَاذَ كَبِدِهَا) - بفتح الهمز -: جمع الْفِلْذة، وهي القطعة المقطوعة طولاً، وسُمِّي ما في الأرض كَبِداً تشبيهاً بالكبد التي في بطن البعير؛ لأنها أحبّ ما هو مُخَبَّأ فيها، كما أن الكبد أطيب ما في بطن الجزور، وأحبه إلى العرب، وإنما قلنا في بطن البعير؛ لأن ابن الأعرابيّ قال: الْفِلْذ لا يكون إلا للبعير، فالمعنى تُظْهِر كنوزها وتخرجها من بطونها إلى ظهورها، قاله في ((المرقاة))(١) . وقال في ((المشارق)): قيل: معادنها، وقيل: كنوزها، وما خُبِئ فيها، وكَبِدها بطونها، وعَبَّر عمّا تُخرجه من ذلك بفِلْذَةِ الكَبِد، وهي القطعة منه. (٢) انتھی(٢). وقال الفيّوميّ: الْفِلْذة: بالذال المعجمة: القِطعة من الشيء، والجمع فِلَذٌ، مثلُ سِدْرة وسِدَر، وفَلَذْتُ له من الشيء فَلْذاً، من باب ضرب: قطعتُ. انتھی(٣). وقال ابن السِّكِّيت: الْفِلْذ: القطعة من كَبِد البعير، وقال غيره: هي القطعة من اللحم، ومعنى الحديث التشبيه: أي: تُخْرِج ما في جوفها من الْقِطَع (١) ((مرقاة المفاتيح)) ٨٠/١٠. (٣) ((المصباح المنير)) ٤٨١/٢. (٢) (مشارق الأنوار)) ٣٣٣/١. ٣٧٥ (١٨) - بَابُ الْمُبَادَرَةِ بِالصَّدَقَةِ قَبْلَ أَنْ لَا يُوجَدَ مَنْ يَقْبَلُهَا - حديث رقم (٢٣٤١) المدفونة فيها(١). وقال الطيبيّ: قوله: ((أفلاذ كبدها)) استعارة مكنيّة مستلزمة للتخييليّة، شَبَّهَ الأرضَ بالحيوان، ثم خيّل لها ما يُلازم الحيوان من الكبد، فأضاف إليها الكبد على التخييليّة؛ لتكون قرينة مانعةً من إرادة الحقيقية، ثم فرّع على الاستعارة القيء ترشيحاً. انتهى(٢). (أَمْثَالَ الْأُسْطُوَانِ) بضم الهمزة والطاء، وهو جمع أَسْطوانة، وهي السارية، والعمود، وشَبّهَهُ بالأسطوان؛ لِعِظِمه وكثرته(٣). وقال القاري: وفي نسخة صحيحة - يعني: نسخة ((المشكاة)) - ((الأسطوانة))، فهي واحدة، والأوّل جنس، وهو الأنسب بجمع الأمثال. انتهى. وقوله: (مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ) بيان لـ((أفلاذ كبدها))، وقال القاضي البيضاويّ: معناه: أن الأرضَ تُلقي من بطنها ما فيه من الكنوز، وقيل: ما رسخ فيها من العروق المعدنيّة، ويدلّ عليه قوله: ((أمثال الأسطوان))، وشبّهها بأفلاذ الكبد؛ لأنها أحبّ ما هو مخبّأ فيها، كما أن الكبد أطيب ما في بطن الجزور، وأحبّه إلى العرب، وشبّهها بأفلاذ الكبد هيئةً وشكلاً، كأنها قطعة الكبد المقطوعة طولاً. انتهى (٤). قال القاريّ: ولعل الحديث فيه إشارة إلى قوله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ [الزلزلة: ١، ٢](٥). زِلْزَالَهَا ﴾ وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَنْقَالَهَا (فَيَجِيءُ الْقَاتِلُ) أي: قاتل النفس ظلماً (فَيَقُولُ: فِي هَذَا) أي: في طلب هذا الغرض، ولأجل تحصيل هذا المقصود، قال الطيبيّ تَظّفُ: المشار إليه ليس عين ما قيل فيه، بل هو من جنسه، فيكون في الكلام تشبيهٌ، نحو قوله تعالى: ﴿هَذَا الَّذِىِ رُزِقْنَا مِن قَبْلٌ﴾ الآية [البقرة: ٢٥](٦). (١) ((شرح النوويّ)) ٩٨/٧. (٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٤٣٩/١١. (٣) ((شرح النووي)) ٩٨/٧. (٤) راجع: ((الكاشف)) ٣٤٣٨/١١ - ٣٤٣٩. (٥) ((المرقاة)) ١٠/ ٨٠. (٦) ((الكاشف)) ٣٤٣٩/١١. ٣٧٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة (قَتَلْتُ) أي: من قلت من النفس (وَيَجِيءُ الْقَاطِعُ) أي: قاطع الرحم (فَيَقُولُ: فِي هَذَا قَطَعْتُ) بالبناء للفاعل (رَحِمِي، وَيَجِيءُ السَّارِقُ، فَيَقُولُ: فِي هَذَا قُطِعَتْ يَدِي) بصيغة المجهول، قال القاري تَخَُّهُ: ولو رُوِيّ معلوماً لكان له وجهٌ؛ أي: تسببتُ لقطع يدي (ثُمَّ يَدَعُونَهُ) بفتح أوله وثانيه: أي: يتركون ما قاءت الأرض، من الكنز، أو المعدن (فَلَا يَأْخُذُونَ مِنْهُ شَيْئاً)) أي: لعدم رغبتهم في جمع المال، حيث إن الساعة اقتربت، وانقطعت الآمال في البقاء في الدنيا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة به هذا من أفراد المصنّف ◌َظّتُهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٣٤١/١٨] (١٠١٣)، و(الترمذيّ) في ((الفتن)) (٢٢٠٨)، و(أبو يعلى) في («مسنده)) (٣٢/١١)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٨٩/٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٦٩٧)، وفوائد الحديث تُعلم مما سبق، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصَْحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أَنِبُ﴾ (١٩) - (بَابُ بَيَانِ قَبُولِ اللهِ تَرٌ الصَّدَقَةَ مِنَ الْكَسْبِ الطَّيِّبِ، وَتَرْبِيَتِهِ لَهَا) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٣٤٢] (١٠١٤) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ◌ِ: ((مَا تَصَدَّقَ أَحَدٌ بِصَدَقَةٍ مِنْ طَيِّبٍ، وَلَا يَقْبَلُ اللهُ إِلَّ الطَّيِّبَ، إِلَّا أَخَذَهَا الرَّحْمَنُ بِيَمِينِهِ، وَإِنْ كَانَتْ تَمْرَةً، فَتَرْبُو فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ، حَتَّى تَكُونَ أَعْظَمَ مِنَ الْجَبَلِ، كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ، أَوْ فَصِيلَهُ»). ٣٧٧ (١٩) - بَابُ بَيَانِ قَبُولِ اللهِ وَ الصَّدَقَةَ مِنَ الْكَسْبِ الطَّيِّبِ، وَتَرْبِيَتِهِ لَهَا -حديث رقم (٢٣٤٢) رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٤٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥٠/٦. ٢ - (لَيْثُ) بن سعد بن عبد الرحمن الْفَهْميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمام مشهور [٧] (ت١٧٥) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤١٢. ٣ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ) كيسان الْمَقْبريّ، أبو سعد المدنيّ، ثقةٌ [٣] مات في حدود (١٢٠) أو قبلها، أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٥٠/٣٦. ٤ - (سَعِيدٍ بْنِ يَسَارٍ) أبو الْحُبَاب المدنيّ، ثقةٌ متقنٌ [٣] (ت١١٧) أو قبلها بسنة (ع) تقدم في ((صلاة المسافرين)) ١٦١٤/٥. ٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) تَُّه تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ◌َذَلُهُ. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين غير شيخه فبغلانيّ، والليث فمصريّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة ﴿له رأس المكثرين من الرواية، روى (٥٣٧٤) حديثاً، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ◌ِ: (عَنْ سَعِيدٍ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ لَه ((مَا) نافيةٌ (تَصَدَّقَ أَحَدٌ) قال الراغب الأصفهانيّ كَّتُهُ: الصدقة ما يُخرجه الإنسان من ماله على وجه القربة، كالزكاة، لكن الصدقة في الأصل تقال للمتطوَّع به، والزكاة للواجب، وقيل: يُسمّى الواجب صدقةً إذا تحرّى صاحبه الصدق في فعله. انتهى(١) . (بِصَدَقَةٍ) الباء يكثر زيادتها بعد ((ما)) النافية، و((ليس))، و((كان)) المنفيّة بـ((لم))، كما قال ابن مالك في ((الخلاصة)): (١) ((مفردات ألفاظ القرآن)) ص ٤٨٠. ٣٧٨ البحر المحيط الثجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة وَبَعْدَ ((لَا)) وَنَفْي ((كَانَ)) قَدْ يُجَرْ وَبَعْدَ ((مَا)) وَ(لَيْسَ)) جَرَّ الْبَا الْخَبَرْ وقوله: (مِنْ طَيِّبٍ) أي: حلالٍ، وقد يطلق الطيّب على المستلَّذّ بالطبع، والمراد هنا هو الحلال. وفي رواية الشيخين: ((مَن تصدّق بِعَدْل تمرة من كسب طيّب)): أي: بقيمتها؛ لأنه بالفتح: المثل، وبالكسر: الِحْمل بكسر المهملة، هذا قول الجمهور، وقال الفرّاء: بالفتح: المثل من غير جنسه، وبالكسر من جنسه، وقيل: بالفتح مثله في القيمة، وبالكسر في النظر، وأنكر البصريّون هذه التفرقة، وقال الكسائيّ: هما بمعنى، كما أنّ لفظ المثل لا يختلف، وضُبط في هذه الرواية للأكثر بالفتح. انتهى(١). وقوله: ((من كسب طيّب)) أي: صناعة، أو تجارة، أو زراعة، أو غيرها، ولو إرثاً، أو هبة، قال الحافظ تَظّتُهُ: معنى الكسب: المكسوبُ، والمراد به ما هو أعمّ من تعاطي التكسّب، أو حصول المكسوب بغير تعاط، كالميراث، وكأنه ذكر الكسب؛ لكونه الغالب في تحصيل المال، والمراد بالطيّب الحلال؛ لأنه صفة الكسب. وقال القرطبيّ كَّلهُ: والكسب الطيّب في هذا الحديث الحلال، وهذا كقوله تعالى: ﴿أَنْفِقُواْ مِن طَيِبَتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧] وقوله: ﴿كُلُواْ مِنْ طَيَِّتِ مَا رَزَقْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٧] وغيره، وأصل الطيّب المستلَذّ بالطبع، ثمّ أُطلق على المطلق بالشرع. انتهى(٢). وقال الطيبيّ تَكْثُ: قوله: ((من كسب طيّب)) صفة مميّزة لـ((عدل تمرة))؛ ليمتاز الكسب الخبيث الحرام. انتهى(٣). (وَلَا يَقْبَلُ اللهُ إِلَّ الطَّيِّبَ) جملة معترضةٌ بين الشرط والجزاء لتقرير ما قبله، وفيه دليل على أن الحلال مقبول. وقال الطيبيّ تَخْتُ: هذه الجملة معترضة واردة على سبيل الحصر بين الشرط والجزاء تأكيداً، وتقريراً للمطلوب من النفقة، ولَمّا قيّد الكسب بالطيّب أتبعه اليمين؛ لمناسبةٍ بينهما في الشرف، (١) ((الفتح)) ٢٦/٤. (٣) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٥٤٠/٥. (٢) ((المفهم)) ٥٨/٣ - ٥٩. ٣٧٩ (١٩) - بَابُ بَيَانِ قَبُولِ اللهِ وَ﴿َ الصَّدَقَةَ مِنَ الْكَسْبِ الطَّيِّبِ، وَتَرْبِيَتِهِلَهَا -حديث رقم (٢٣٤٢) ومن ثَمَّ كانت يده وَّ لطهوره. انتهى(١). وقال السنديّ تَخْلَثُ: هذه الجملة معترضة لبيان أنه لا ثواب في غير الطيّب، لا أن ثوابه دون هذا الثواب؛ إذ قد يتوهّم من التقييد أنه شرط لهذا الثواب بخصوصه، لا لمطلق الثواب، فمطلق الثواب يكون بدونه أيضاً، فِذُكِرَت هذه الجملة دفعاً لهذا التوهّم. ومعنى عَدَم قبوله أنه لا يُثيب عليه، ولا یرضی به. انتهى(٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: ((ومعنى عدم القبول إلخ)) فيه نظر؛ لأن هذا لازم لمعنى القبول، لا أنه مَعنَى القبول، والصواب أن القبول على ظاهر معناه على الوجه اللائق بالله مت، كما يدلّ عليه قوله: ((إلا أخذها الرحمن إلخ))، كما سيأتي بيانه قريباً. وقال القرطبيّ تَخُّْ: وإنما لا يقبل الله الصدقة من المال الحرام؛ لأنه غير مملوك للمتصدّق، وهو ممنوعٌ من التصرّف فيه، والتصدّق به تصرّف فيه، فلو قُبلت منه لزم أن يكون مأموراً به منهيّاً عنه من وجه واحد، وهو محال، ولأن أكل الحرام يفسد القلوب، فتُحرَم الرّقّة، والإخلاص، فلا تقبل الأعمال، وإشارة الحديث إلى أنه لم يُقبل؛ لأنه ليس بطيّب، فانتفت المناسبة بينه وبين الطيّب بذاته. انتهى. (إِلَّا أَخَذَهَا الرَّحْمَنُ بِيَمِينِهِ) فيه إثبات اليمين لله ومك، على ما يليق بجلاله، وهذا المذهب الحقّ الذي عليه سلف هذه الأمة، وسيأتي تمام الكلام عليه في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -. (وَإِنْ كَانَتْ تَمْرَةً) قال السنديّ ◌َخْتُهُ: و((إن)) وصليّةٌ؛ أي: ولو كانت الصدقة شيئاً حقيراً. انتهى. (فَتَرْبُو) أي: تزيد تلك الصدقة (فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ) فيه إثبات الكفّ لله تعالى أيضاً على ما يليق بجلاله ◌َ (حَتَّى تَكُونَ) تلك الصدقة القليلة (أَعْظَمَ مِنَ الْجَبَلِ) أي: في الثقل، وفي الرواية التالية: ((حتى تكون مثل الجبل أو أعظم))، وفي رواية ابن جرير: ((حتى يُوَافَى بها يوم (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٥٤٠/٥. (٢) ((شرح السنديّ)) ٥٧/٥. ٣٨٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة القيامة، وهي أعظم من أحد))، يعني: التمرة، ولفظ الترمذيّ: ((حتى إن اللقمة لتصير مثل أحد))، وتصديق ذلك في كتاب الله رَك: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ، وَيَأْخُذُ الصَّدَقَتِ﴾ الآية [التوبة: ١٠٤]، وقوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ، وَيَأْخُذُ الصَّدَقَتِ﴾ الآية [التوبة: ١٠٤]، وقوله: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرَّبَواْ وَيُرْبِىِ الضَّدَقَتِ﴾ الآية [البقرة: ٢٧٦]، وفي رواية ابن جرير التصريح بأن تلاوة الآية من كلام أبي هريرة، وزاد في رواية عبد الرزّاق: ((فتصدّقوا)). قال الحافظ تَّلُ: والظاهر أن المراد بعِظَمِها أن عينها تعظم لتَثقُلَ في الميزان، ويَحْتَمِل أن يكون ذلك مُعَبَّراً به عن ثوابها. انتهى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الاحتمال الأول هو الصواب، وأما الثاني، فيُبعِده سياق الحديث، فتبصّر، والله تعالى أعلم. (كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ) هذا التشبيه متعلّق بمحذوف: أي: يربيها الرحمن تربية، مثلَ تربية أحدكم إلخ، ويدلّ عليه رواية الشيخين، وغيرهما بلفظ: ((ثم يُربّيها لصاحبها، كما يربّي أحدكم إلخ)) (فَلُوَّهُ) - بفتح الفاء، وضمّ اللام، وفتح الواو المشدّدة -: أي: مُهْرَهُ، وهو بضمّ، فسكون: وَلَدُ الفرس، حين يُفْلَى؛ أي: يُفْطَم، وقيل: هو كلّ فَطِيم، من ذوات حافر، والجمع أفلاء، كعدُوّ وأعداء، والأنثى فَلُوَّةٌ بالهاء، والْفِلْوُ وزان حِمْل لغة فيه، وقال أبو زيد: إذا فتحت الفاء شدّدت الواو، وإذا کسرتها سگّنت اللام، کچِرْوٍ. وقال الطيبيّ كَُّ: وضَرَبَ المثل بالفُلُوّ الذي هو من كرائم النتاج، وأنه يُقتلى؛ أي: يُفطَم، وأنه أقبل للتربية من سائر النتاج؛ لأن الكسب الطيّب من أفضل أكساب الإنسان، وأنه أقبل للمزيد والمضاعفة، والخبيث الذي هو الحرام على عكسه، قال الله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الْرِبَأْ وَيُرْبِىِ الضَّدَقَتِ﴾ الآية [البقرة: ٢٧٦]. انتهى (٢). وقال في ((المرعاة)): وضرب المثلَ بالفُلُوّ؛ لأنه يزيد زيادة بيّنة، فإن صاحب النتاج لا يزال يتعاهده، ويتولّى تربيته، ولأن الصدقة نتاج عمله، (١) ((الفتح)) ٢٧/٤ - ٢٨. (٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٥٤٠/٥.