النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
(١٥) - بَابُ بَيَانِ وُصُولِ ثَوَابِ الصَّدَقَةِ عَنِ الْمَيْتِ إِلَيْهِ - حديث رقم (٢٣٢٧)
((أربعين))، ويُروى ((ثلاثة صفوف، ويشفعون فيه إلا شُفِّعوا فيه))، أو قال: ((إلا
غُفِر له))، فالله تعالى يثيب هذا الساعي على سعيه الذي هو له، ويرحم ذلك
الميت بسعي هذا الحيّ لدعائه له، وصدقته عنه، وصيامه عنه، وحجه عنه.
وقد ثبت في ((الصحيح)) عن النبيّ وَيقر أنه قال: ((ما من رجل يدعو لأخيه
دعوةً إلا وكل الله به ملكاً كلما دعا لأخيه دعوةً قال الملك الموكل به: آمين
ولك بمثله))، فهذا من السعي الذي ينفع به المؤمن أخاه، يثيب الله هذا،
ويرحم هذا، ﴿وَأَنْ لَّيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلَّ مَا سَعَى
﴾ [النجم: ٣٩]، وليس كل ما
١٣٩
ينتفع به الميت أو الحيّ أو يرحم به يكون من سعيه، بل أطفال المؤمنين
يدخلون الجنة مع آبائهم بلا سعي، فالذي لم يجز إلا به أخصّ من كل انتفاع؛
لئلا يطلب الإنسان الثواب على غير عمله، وهو كالدَّين يوفيه الإنسان عن
غيره، فتبرأ ذمته، لكن ليس له ما وفى به الدَّين، وينبغي له أن يكون هو
الموفي له، والله أعلم. انتهى كلام شيخ الإسلام تَظُّهُ(١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ
جدّاً .
قال الجامع عفا الله عنه: الذي ظهر لي بعد النظر فيما سبق من أقوال
أهل العلم وأدلّتهم أن ما جاء النصّ بمشروعيّته، كالصدقة، والعتق، والحجّ،
والصوم، والدعاء فالحقّ أنه يصل إلى الميت؛ عملاً بالنصوص الكثيرة الواردة
بذلك، وأما ما لم يرد النصّ بمشروعيّته، كقراءة القرآن، ونحو ذلك، فلا ينبغي
قياسه على المشروع؛ لعدم ثبوته عن النبيّ بَّر، ولا عن السلف، فإنهم كانوا
أحرص الناس على الخير، ومع ذلك فلم يُنقل عنهم، فتبصّر بالإنصاف، وقد
تقدّم هذا التحقيق في ((شرح المقدّمة))(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٢٧] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ (ح)
وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ (ح) وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ
(١) ((مجموع الفتاوى)) ٣٠٦/٢٤ - ٣١٣.
(٢) راجع: ((قرّة عين المحتاج)) ٨٨/٢ - ٨٩.

٣٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
مُسْهِرٍ، حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ، كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ بِهَذَا
الْإِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثٍ أَبِي أُسَامَةَ: ((وَلَمْ تُوصٍ))، كَمَا قَالَ ابْنُ بِشْرٍ، وَلَمْ يَقُلُّ ذَلَِكَ
الْبَاقُونَ).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (يَحْتَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، تقدّم قريباً.
٣ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ) السعديّ المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩]
(ت٢٤٤) (خ م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٦/٢.
٤ - (الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى) بن أبي زُهير البغداديّ، أبو صالح الْقَنْطريّ، ثقةٌ
[١٠] (ت٢٣٢) خت م مد س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٩٤/٤٦.
٥ - (شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ) بن عبد الرحمن الأمويّ مولاهم البصريّ، ثم
الدمشقيّ، ثقةٌ، رُمي بالإرجاء، من كبار [٩] (ت١٨٩) (خ م د س ق) تقدم في
((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٤١٨/٣٤.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ) الضمير ليحيى القطّان، وأبي
أسامة، وعليّ بن مُسهر، وشُعِّيب بن إسحاق، كلّ هؤلاء الأربعة رووا عن
هشام بن عروة بسنده الماضي.
[تنبيه]: رواية يحيى بن سعيد القطّان، عن هشام، ساقها الإمام
أحمد تخذتُ في ((مسنده))، فقال:
(٢٣٧٣٠) - حدّثنا يحيى، قال: أخبرنا هشام، قال: أخبرني أبي، قال:
أخبرتني عائشة، أن رجلاً قال للنبيّ وَّهِ: إن أمي افتُلِتَتْ نفسُها، وأظنها لو
تكلمت تصدقت، فهل لها أجر إن أتصدق عنها؟ قال: ((نعم)). انتهى.
وأما رواية أبي أسامة، عن هشام، فساقها ابن ماجه تَكَّثُ في ((سننه))،
فقال :
(٢٧١٧) - حدّثنا إسحق بن منصور، حدّثنا أبو أسامة، عن هشام بن
عروة، عن أبيه، عن عائشة، أن رجلاً أتى النبي وَّر، فقال: إن أمي افتُلِتَتْ

٣٢٣
(١٦) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ كُلَّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ - حديث رقم (٢٣٢٨)
نفسُها، ولم توص، وإني أظنها لو تكلمت لتصدقت، فلها أجر إن تصدقت
عنها؟ ولي أجر؟ قال: ((نعم)). انتهى.
وأما رواية عليّ بن مسهر، عن هشام، فلم أر من ساقها، فليُنظر.
وأما رواية شعيب بن إسحاق، عن هشام، فساقها أبو نعيم في
((مستخرجه)) متابعةً، فقال (٨٤/٣):
(٢٢٥٤) - حدّثنا جعفر بن محمد، ثنا أبو حصين الوادعيّ، ثنا يحيى بن
عبد الحميد، ثنا عبد العزيز، عن هشام بن عروة، عن أبيه (ح) وثنا أبو بكر بن
مالك، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدّثني أبي، ثنا يحيى بن سعيد، ثنا
هشام، أخبرني أبي، أخبرتني عائشة، أن رجلاً قال (ح) وثنا محمد بن
إبراهيم، ثنا سعيد بن هشام، ثنا عبد الرحمن بن إبراهيم دُحَيم، ثنا شعيب بن
إسحاق، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: جاء رجل إلى
النبيّ وَّه، فقال: يا رسول الله إن أمي افتُلِتَت، وأظنها لو تكلمت لتصدقت،
فهل من أجر أن أتصدق عنها؟ فقال النبيّ وَلاير: ((نعم))، قال: لفظ
عبد العزيز(١). انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَّوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾
(١٦) - (بَابُ بَيَانِ أَنَّ كُلَّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٣٢٨] (١٠٠٥) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا
أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبَّدُ بْنُ الْعَوَّامِ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي مَالِكِ الْأَشْجَعِيِّ،
عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، فِي حَدِيثٍ قُتَيْبَةَ قَالَ: قَالَ نَبِيُّكُمْ وَّهِ، وَقَالَ
ابْنُ أَبِي شَيْئَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ قَالَ: ((كُلَّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ))).
(١) أي: هذا السياق سياق عبد العزيز، عن هشام، وأما الباقون فرووه بالمعنى.

٣٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل بابين.
٢ - (أَبُو عَوَانَةَ) وضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ البزّاز، ثقةٌ ثبتٌ
[٧] (ت٥ أو ١٧٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
٣ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً) تقدّم قبل باب.
٤ - (عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّام) بن عمر الكلابيّ مولاهم، أبو سهل الواسطيّ، ثقةٌ
[٨] (ت١٨٥) أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٣٩/٨٣.
٥ - (أَبُو مَالِكِ الْأَشْجَعِيُّ) سعد بن طارق الكوفيّ، ثقةٌ [٤] مات في
حدود (١٤٠) (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٠/٥.
٦ - (رِبْعِيُّ بْنُ حِرَاشٍ) - بكسر الحاء المهملة - العبسيّ، أبو مريم الكوفيّ،
ثقةٌ عابدٌ مخضرمٌ [٢] (ت١٠٠) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢.
٧ - (حُذَيْفَةُ) بن اليمان، واسم اليمان حُسيل، أو حِسْل العبسيّ، حليف
الأنصار الصحابيّ ابن الصحابيّ ﴿ه، مات سنة (٣٦) (ع) تقدّم في ((شرح
المقدّمة)) جـ٢ ص٤٥٧.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف تَّتُهُ، وله فيه إسنادان، فرّق
بينهما بالتحويل.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أبي بكر، فما أخرج
له الترمذيّ، وأبو مالك علّق له البخاريّ.
٣ - (ومنها): أن السند الثاني مسلسلٌ بالكوفيين.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه له من مشاهير الصحابة ﴿ه، وأعلمه
النبيّ وَّ بما كان وما يكون إلى أن تقوم الساعة، كما صحّ ذلك في ((صحيح
مسلم)) .
شرح الحديث :
(عَنْ خُذَيْفَةَ) بن اليمان ◌ِؤُهَا (فِي حَدِيثٍ قُتَيْبَةً) بن سعيد شيخه الأول

٣٢٥
(١٦) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ كُلَّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ - حديث رقم (٢٣٢٨)
(قَالَ نَبِيُّكُمْ وَِّ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) شيخه الثاني (عَنِ
(قَالَ) أي: حذيفة
النَّبِيِّ وَ﴿) غرض المصنّف تَخَذَتُ بهذا بيان اختلاف شيخيه في صيغتي الأداء،
فقتيبة قال في روايته: ((عن حذيفة قال: قال نبيّكم بَلٍ﴾))، وأما أبو بكر بن أبي
شيبة فقال في روايته: ((عن حُذيفة، عن النبيّ ◌َِ)) أنه (قَالَ: ((كُلُّ مَعْرُوفٍ
صَدَقَةٌ))) مبتدأ وخبره؛ أي: كلّ شيء عُرِف شرعاً بأنه من أعمال البرّ، فله حكم
الصدقة بالمال في الثواب، فلا ينبغي أن يحتقر الإنسان شيئاً من المعروف،
ولا أن يبخل به.
وقال ابن بطال تَخَّثُهُ: دل هذا الحديث على أن كل شيء يفعله المرء، أو
يقوله من الخير، يكتب له به صدقة، وقد فُسِّر ذلك في حديث أبي موسى
المذكور في الباب بعد أربعة أحاديث، وزاد عليه أن الإمساك عن الشر صدقة.
وقال الراغب الأصفهانيّ كَّقُ: المعروف اسم كُلِّ فعل يُعْرَف حسنهُ
بالشرع والعقل معاً، ويُطْلَق على الاقتصاد؛ لثبوت النهي عن السَّرَف.
وقال ابن أبي جمرة: يُطْلَق اسم المعروف على ما عُرِف بأدلة الشرع أنه
من أعمال البرّ، سواءٌ جرت به العادة أم لا؟، قال: والمراد بالصدقة الثواب،
فإن قارنته النية أُجِر صاحبه جزماً، وإلا ففيه احتمالٌ، قال: وفي هذا الكلام
إشارة إلى أن الصدقة لا تنحصر في الأمر المحسوس منه، فلا تختص بأهل
اليسار مثلاً، بل كل واحد قادرٌ على أن يفعلها في أكثر الأحوال بغير مشقة.
انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان،
وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث حذيفة
، هذا من أفراد المصنّف نَّتُهُ، وقد
مضى
أخرجه البخاريّ من حديث جابر ظُه، فقال في ((كتاب الأدب)) من
«صحیحه)) :
(٥٦٧٥) - حدّثنا عَلِيُّ بن عَيَّاشٍ، حدّثنا أبو غَسَّانَ، قال: حدّثني
(١) راجع: ((الفتح)) ١٠ / ٤٤٧.

٣٢٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
﴿ّ، عن النبيّ وَّه قال: ((كُلُّ
محمد بن الْمُنْكَدِرِ، عن جَابِرٍ بن عبد اللهِ .
مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ)). انتهى.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٣٢٨/١٦] (١٠٠٥)، و(البخاريّ) في ((الأدب
المفرد)» (٢٣٣)، و(أبو داود) في ((الأدب)) (٤٩٤٧)، و(ابن أبي شيبة) في
((مصنّفه)) (٥٤٨/٨)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٨٣/٥ و٣٩٧ و٣٩٨ و٤٠٥)،
و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣٣٧٨)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٨٥/٣)،
وفي ((الحلية)) (١٩٤/٧)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٨٨/١)، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٢٩] (١٠٠٦) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ، حَدَّثَنَا
مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا وَاصِلٌ مَوْلَى أَبِي عُيَيْنَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عُقَيْلِ، عَنْ
يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ الدِّيلِيِّ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، أَنَّ نَاساً (١) مِنْ أَضْحَابٍ
النَّبِيِّ ◌َِّ قَالُوا لِلنَّبِيِّ وَّهِ: يَا رَسُولَ اللهِ ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالْأُجُورِ، يُصَلُّونَ كَمَا
نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ بِفُضُولٍ أَمْوَالِهِمْ، قَالَ: ((أَوَ لَيْسَ قَدْ
جَعَلَ اللهُ لَكُمْ مَا تَصَّدَّقُونَ؟ إِنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ
تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةً، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌّ عَنْ مُنْكَرٍ
صَدَقَةٌ، وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ))، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ أَيَأْتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ،
وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ: ((أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ، أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ؟،
فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ، كَانَ لَهُ أَجْراً)).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ) أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقةٌ
فاضلٌ [١٠] (ت٢٣١) (خ م د س) تقدم في ((الإيمان)) ٢٩٧/٤٧.
(١) وفي نسخة: (أناساً)).

٣٢٧
(١٦) - بَابُ بَيَانٍ أَنَّ كُلَّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ - حديث رقم (٢٣٢٩)
٢ - (مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ) الأزديّ الْمِعْوَليّ، أبو يحيى البصريّ، ثقةٌ، من
صغار [٦] (ت١٧٢) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٩٧/٤٧.
٣ - (وَاصِلٌ، مَوْلَى أَبِي عُيَيْنَةَ) البصريّ، صدوقٌ عابدٌ [٦] (بخ م د س)
تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٢٣٧/١٣.
٤ - (يَحْيَى بْنُ عُقَيْلِ) - بالتصغير - البصريّ، نزيل مَرْوَ، صدوقٌ [٣] (بخ
م د س ق) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٣/ ١٢٣٧.
٥ - (يَحْيَى بْنُ يَعْمَرَ) البصريّ، نزيل مرو، ثقةٌ فصيحٌ، يرسل [٣] مات
قبل المائة، أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١/ ١٠٢.
٦ - (أَبُو الْأَسْوَدِ الدِّيلِيُّ) ويقال: الدُّؤَليّ البصريّ، اسمه ظالم بن
عمرو بن سفيان، ويقال: عمرو بن ظالم، ويقال: بالتصغير فيهما، وقيل: غير
ذلك، ثقةٌ مخضرم فاضلٌ [٢] (ت٦٩) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٤/٢٩.
٧ - (أَبُو ذَرٍّ) الغفاريّ جُنْدُب بن جُنادة على الأصحّ الصحابيّ الشهير،
تقدّم إسلامه، وتأخّرت هجرته، فلم یشهد بدراً، مات
خلافة عثمان رظُه (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٤/٢٩.
ـه سنة (٣٢) في
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف رَّلُهُ.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين.
٣ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين، روى بعضهم، عن بعض:
يحيى بن عُقيل، عن يحيى بن يعمر، عن أبي الأسود، ورواية الأوَّلَين من رواية
الأقران؛ لأنهما من الطبقة الثالثة.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي ذَرٍّ) جُندُب بن جُنادة الغفاريّ ◌َظُهُ (أَنَّ نَاساً) وفي نسخة:
(أُناساً)) (مِنْ أَصْحَابِ النَّبِّ وَّهِ قَالُوا لِلنَِّّ وَّهِ: يَا رَسُولَ اللهِ ذَهَبَ أَهْلُ الدُّنُورِ
بِالْأُجُورِ) ((الدُّنُور)) بضمّ الدال: جمع دَثْر بفتحها، وهو المال الكثير (يُصَلُّونَ
كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ بِفُضُولٍ أَمْوَالِهِمْ، قَالَ: ((أَوَ لَيْسَ
قَدْ جَعَلَ اللهُ لَكُمْ مَا تَصَّدَّقُونَ؟) قال النوويّ تَخْتُ: الرواية فيه بتشديد الصاد

٣٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
والدال جميعاً، ويجوز في اللغة تخفيف الصاد. انتهى(١).
وقال القاضي عياضٌ كَثْلَتُهُ: يَحْتَمِل تسمية هذه الأشياء صدقةً أن لها أجراً
كما للصدقة أجرٌ، وأن هذه الطاعات تماثل الصدقات في الأجور، وسماها
صدقةً على طريق المقابلة، وتجنيس الكلام، أو يكون سمّاها من معناها، إذ
في اسم الصدقة ما يدلُّ على صدق إيمان العبد وصحّته، وقيل: معناه أنها
صدقة على نفسه؛ أي: بهذه الحسنات. انتهى (٢). وقال القرطبيّ تَخْذّتُهُ: مقصود
هذا الحديث أن أعمال الخير إذا حسُنت النّات فيها تنزّلت منزلة الصدقات في
الأجور، ولا سيّما في حقّ من لا يقدر على الصدقة، ويُفهَم منه أن الصدقة في
حقّ القادر عليها أفضل له من سائر الأعمال القاصرة على فاعلها. انتهى (٣).
(إِنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةً) قال النوويّ تَخْتُهُ: رويناه
بوجهين: رفع ((صدقةً))، ونصبه، فالرفع على الاستئناف، والنصب عطف على
((إنَّ بكل تسبيحة صدقةً)). انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: حاصل ما يوجّه به النصب أن يكون قوله: ((وكلِّ
تكبيرةٍ)) مجروراً عطفاً على ((بكلّ تسبيحة))، و((صدقةً)) منصوب عطفاً على
((صدقةً)) الأولى، فيكون من باب العطف على معمولي عاملين مختلفين؛ لأن
الواو نائب مَنَابَ ((إِنَّ)، والباءِ، وفيه الخلاف بين النحاة، كما هو معلوم في
محلّه، وقد لخّص اختلافهم شيخنا المناسيّ تَظُّْ في ((نظم المغني))، حيث قال:
عَظْفٌ فَجَائِزٌ لَدَى ذَوِي الْحَجَا
وَإِنْ عَلَى مَعْمُولَي الْعَامِلِ جَا
قَالَ ابْنُ مَالِكِ نَهَى كُلُّ السَّلَفْ
وَالْفَارِسِيْ جَوَازَهُ قَدْ أَخْرَجَا
أَخْفَشُهُمْ بِقِيلَ مَرْوِيّاً وَرَدْ
فَمَنْعُهُ أَشْهَرُ عِنْدَ الأَكْثَرِ
فَالأَشْهَرُ لِسِيبَوَيْهِ مَنْعُهُ مُقَرَّرُ
هِشَامُهُمْ أَيْضاً بِذَا الْمِنْهَاجِ
وَإِنْ لِعَامِلَيْنٍ فَالنَّاسُ اخْتَلَفْ
إِنْ لَمْ يَكُ الْمَجْرُورُ فِي الْمَعْطُوفِ جَا
أَيْ مُظْلَقاً عَنْ أُمَّةٍ مِنْهُمْ يُعَدْ
وَإِنْ يَكُ الْمَجْرُورُ مَعْ تَأْخُرٍ
وَإِنْ يَكُنْ مُقَدَّماً
كَذَا الْمُبَرِّدُ مَعَ السَّرَّاجِ
(٢) راجع: ((إكمال المعلم)) ٥٢٦/٣.
(١) ((شرح النوويّ)) ٧/ ٩١.
(٣) ((المفهم)) ٥١/٣.

٣٢٩
(١٦) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ كُلَّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ - حديث رقم (٢٣٢٩)
كَذَا الْكِسَائِي بِالْجَوَازِ حَاجُوا (١)
وَالأَخْفَشُ الْفَرَّاءُ وَالزَّجَّاجُ
أَنْ يَلِيَ الْمَجْرُورُ لِلْعَاطِفَةِ
وَاشْتَرَطَ الأَعْلَمُ مَعْ جَمَاعَةٍ
مَعْ عَامِلٍ أَكْثَرَ مِنْ إِثْنَيْنِ(٢)
وَالْعَظْفُ مَمْنُوٌ بِغَيْرٍ مَيْنٍ
وإن أردت تفصيل معاني الأبيات، وتحقيق المسألة، فارجع إلى شرحي
المسمّى ((فتح القريب المجيب في شرح مُدْني الحبيب))(٣)، تزدد علماً، وبالله
تعالى التوفيق.
وإعراب قوله: (وَكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةً) كإعراب ما قبله.
(وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌّ عَنْ مُنْكَرٍ صَدَقَةٌ) قال الطيبيّ تَخْذُهُ: أسقط
المضاف هنا إما اعتماداً على السابق، ويدلّ عليه رواية الجرّ، أو قطعاً له عن
ذلك الحكم، وأن قليلاً من هذا النوع يقوم مقام تلك الأمور السابقة، فكيف
بالکثیر؟. انتهى(٤).
وقال النوويّ كَّلُ: فيه إشارة إلى ثبوت حكم الصدقة في كل فرد من
أفراد الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ولهذا نَكَّره، والثواب في الأمر
بالمعروف، والنهي عن المنكر أكثر منه في التسبيح والتحميد والتهليل؛ لأن
الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر فرض كفاية، وقد يتعين، ولا يُتَصَوَّرُ
وقوعه نفلاً، والتسبيح والتحميد والتهليل نوافل، ومعلوم أن أجر الفرض أكثر
من أجر النفل؛ لقوله ولك في الحديث القدسيّ: ((وما تقرب إليّ عبدي بشيء
أحبّ إليّ من أداء ما افترضت عليه))، رواه البخاريّ من رواية أبي هريرة
ونقل إمام الحرمين عن بعضهم أن ثواب الفرض يزيد على ثواب النافلة بسبعين
(٥)
درجة. انتهىّ
(وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ))) ((البُضْعُ)) بضمّ الموحّدة: الجماع، وأصله
الفرج، قال الأصمعيّ: يقال: ملك فلان بُضع فلانة: إذا ملك عَقْدَ نكاحها،
(١) بتخفيف الجيم للوزن.
(٢) بقطع الهمزة للوزن.
(٣) راجع: ١٧٧/٢ - ١٨١.
(٤) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٥٤٦/٥.
(٥) راجع: ((شرح النوويّ)) ٩٢/٧.

٣٣٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
وهو كناية عن موضع الْغَشَيان، والمباضعة: المباشرة، والاسم الْبُضع، وفيه
دليلٌ على أن النيّات الصادقات تَصْرِف المباحات إلى الطاعات، قاله
القرطبيّ كَذُهُ(١).
وقال النوويّ كَّلُ: ((الْبُضْعُ)) بضم الباء، يطلق على الجماع، ويطلق على
الفرج نفسِهِ، وكلاهما تصحّ إرادته هنا، وفي هذا دليل على أن المباحات تصير
طاعات بالنيات الصادقات، فالجماع يكون عبادةً إذا نوى به قضاء حقّ
الزوجة، ومعاشرتها بالمعروف الذي أمر الله تعالى به، أو طلب ولد صالح، أو
إعفاف نفسِهِ، أو إعفاف الزوجة، ومنعهما جميعاً من النظر إلى حرام، أو الفكر
فيه، أو الهمّ به، أو غير ذلك من المقاصد الصالحة. انتهى(٢).
وقال في ((المرعاة)): في إدخال ((في)) في قوله: ((وفي بضع أحدكم)) إشارة
إلى أن ذاته ليست صدقةً، بل ما تضمّنه من التحصين، وأداء حقّ الزوجة،
وطلب الولد الصالح، وأما الأمور المذكورة قبله فذواتها صدقة؛ لأنها أذكار
وقربات. انتهى بتصرّف(٣).
وقال الطيبيّ ◌َُّهُ: الباء في قوله: ((إن بكلّ تسبيحة صدقةً)) بمعنى ((في))،
وإنما أعيدت في قوله: ((وفي بضع أحدكم))؛ لأن هذا النوع من الصدقة أغرب
من الكلّ، حيث جُعل قضاء الشهوة بهذا الطريق مكاناً للصدقة، ومقرّها. انتهى
بتصرّف(٤).
(قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ أَيَأْتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ، وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟) قال
القرطبيّ ◌َّتُهُ: هذا استفهام من استَبْعَدَ حصولَ أجرٍ بفعل مُستلذٌ يحُثّ الطبع
عليه، وكأن هذا الاستبعاد إنما وقع من تصفّح الأكثر من الشريعة، وهو أن
الأجور إنما تحصُّل في العبادات الشاقّة على النفوس المخالفة لها، ثم إنه وَل
أجابهم على هذا بقياس العكس، فقال: ((أرأيتم لو وضعها في حرام ... إلخ))،
ونظمه: كما يأثم في ارتكاب الحرام يؤجر في فعل الحلال، وحاصله راجع
إلى إعطاء كلّ واحد من المتقابلين ما يُقابَل به الآخرُ من الذوات والأحكام،
(١) («المفهم)» ٥٢/٣.
(٣) راجع: ((المرعاة)) ٣٣٣/٦.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٧/ ٩٢.
(٤) راجع: ((الكاشف)) ١٥٤٧/٥.

٣٣١
(١٦) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ كُلَّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ - حديث رقم (٢٣٢٩)
وقد اختَلَف الأصوليّون في هذا النوع من القياس، هل يُعمل به أم لا؟ على
قولين، وهذا الحديث حجة لصحّة العمل بهذا النوع. انتهى كلام
القرطبيّ كَذفهُ(١).
(قَالَ) وَِّ ((أَرَأَيْتُمْ) أي: أخبروني (لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامِ، أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا
وِزْرٌ؟) قال الطيبيّ تَخْتُ: أقحم همزة الاستفهام على سبيل التقرير بين (لو))
وجوابها تأكيداً للاستخبار في قوله: ((أرأيتم)). انتهى (٢). (فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا
فِي الْحَلَالِ، كَانَ لَهُ أَجْراً))) قال النوويّ تَخْذُهُ: ضبطنا ((أجراً)) بالنصب والرفع،
وهما ظاهران. انتهى.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي ذرّ به هذا من أفراد المصنّف ◌َُّهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٣٢٩/١٦] (١٠٠٦) وقد تقدّم بسياق آخر
مختصراً في ((كتاب صلاة المسافرين وقصرها)) برقم [١٦٧١] (٧٢٠)، و(أبو
داود) في ((الأدب)) (٥٢٤٣ و٥٢٤٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٦٧/٥ و١٦٨)،
و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٨٣٨)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢١٢١)، و(أبو
نعيم) في ((مستخرجه)) (١٦٢٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن كلّ نوع من المعروف صدقةٌ.
٢ - (ومنها): بيان فضيلة التسبيح، وسائر الأذكار، والأمر بالمعروف،
والنهي عن المنكر، وإحضار النية في المباحات.
٣ - (ومنها): ذكر العالم دليلاً لبعض المسائل التي تَخْفَى.
٤ - (ومنها): تنبيه المفتي على مختصر الأدلة.
(١) («المفهم)) ٥٢/٣.
(٢) «المفهم)) ١٥٤٧/٣.

٣٣٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
٥ - (ومنها): جواز سؤال المستفتي عن بعض ما يَخْفَى من الدليل، إذا
عَلِم من حال المسئول أنه لا يَكْرَه ذلك، ولم يكن فيه سوء أدب.
٦ - (ومنها): جواز القياس، وهو مذهب العلماء كافّةً، ولم يخالف فيه
إلا أهل الظاهر، وذكر ابن تيميّة كَثُ أن هذا من بِدَعهم، قال النوويّ ◌َّفُ:
وأما المنقول عن التابعين ونحوهم من ذمّ القياس فليس المراد به القياس الذي
يعتمده الفقهاء المجتهدون، وهذا القياس المذكور في الحديث هو من قياس
العكس، واختَلَف الأصوليون في العمل به وهذا الحديث دليل لمن عمل به،
وهو الأصح. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّهُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢٣٣٠] (١٠٠٧) - (حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ
الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ، يَعْنِ ابْنَ سَلَّام، عَنْ زَيْدٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَّام
يَقُولُ: حَدَّثَنِي عُّبْدُ اللهِ بْنُ فَرُوخَ، أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةً تَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِهِ قَالَ:
(إِنَّهُ خُلِقَ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْ بَنِي آدَمَ عَلَى سِتِّينَ وَثَلَاثٍ مِائَةٍ مَفْصِلٍ، فَمَنْ كَبَّرَ اللهَ،
وَحَمِدَ اللهَ، وَهَلَّلَ اللهَ، وَسَبَّحَ اللهَ، وَاسْتَغْفَرَ اللهَ، وَعَزَلَ حَجَراً عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ،
أَوْ شَوْكَةً، أَوْ عَظْماً، عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ، وَأَمَرَ بِمَعْرُونٍ، أَوْ نَهَى عَنْ مُنْكَرٍ، عَدَدَ
تِلْكَ السِِّّينَ وَالثَّلَاثِ مِائَةِ السُّلَامَى، فَإِنَّهُ يَمْشِي يَوْمَئِذٍ وَقَدْ زَحْزَحَ نَفْسَهُ عَنِ
النَّارِ))، قَالَ أَبُو تَوْبَةَ: وَرُبَّمَا قَالَ(١): ((يُمْسِي))).
رجال الإسناد: سبعة:
١ - (حَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْحُلْوَانِيُّ) نزيل مكة، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف [١١]
(ت٢٤٢) (خ م د ت ق) تقدم في ((المقدمة)) ٢٤/٤.
٢ - (أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِع) الحلبيّ، نزيل طَرَسُوس، ثقةٌ حجةٌ عابدٌ
[١٠] (ت٢٤١) (خ م د س ق) تقدّمُ في ((الحيض)) ٧/ ٧٢٢.
-
(١) وفي نسخة: ((وربما قالت)).

٣٣٣
(١٦) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ كُلَّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ - حديث رقم (٢٣٣٠)
٣ - (مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَام) بتشديد اللام، أبو سلّام الدمشقيّ، وكان يسكن
حِمْصَ، ثقةٌ [٧] مات في حدود (١٧٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٠٩/٤٩.
٤ - (زَيْدٌ) بن سلّام بن أبي سلّام الدمشقيّ، ثقةٌ [٦] (بخ م ٤) تقدم في
((الطهارة)) ٥٤٠/١.
٥ - (أَبُو سَلَّام) ممطور الأسود الْحَبَشيّ الدمشقيّ، ثقةٌ يرسل [٣] (بخ م
٤) تقدم في ((الطهارةً)) ١/ ٥٤٠.
٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ فَرُّوخَ) القُرشيّ التيميّ مولى عائشة ﴿ُّ المدنيّ، نزيل
الشام، ثقةٌ [٣].
رَوَى عن عائشة، وأبي هريرة، وروى عنه شداد بن عمار، وأبو سلام
الحبشيّ، ومبارك بن أبي حمزة الزبيريّ، وغيرهم.
قال أبو حاتم: مجهول، وقال العجليّ: شاميّ تابعيّ، ثقةٌ. روى له مسلم
حديثين وأخرج أبو داود أحدهما وهو أنا سيد ولد آدم والآخر في الذكر بعدد المفاصل
أخرج له المصنّف، وأبو داود، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا
برقم (١٠٠٧)، وحديث (٢٢٧٨): ((أنا سيّد ولد آدم يوم القيامة ... )).
٧ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ◌ُّا، تقدّمت في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣١٥.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف نَّلُهُ.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالدمشقيين، سوى شيخه، فحلوانيّ، ثم مكيّ،
وأبي توبة، فحلبيّ، ثم طَرَسُوسيّ، وعائشة ◌ُّا، فمدنيّة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث، والسماع، إلا في موضع.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الراوي، عن أخيه، عن أبيهما .
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: أبو سلّام، عن ابن فرّوخ،
وهو من رواية الأقران.
شرح الحديث:
عن عَبْدِ اللهِ بْنِ فَرُوخَ (أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ) ﴿َا (تَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَلـ
قَالَ: ((إِنَّهُ) الضمير للشأن؛ أي: إن الأمر والشأن (خُلِقَ كُلَّ إِنْسَانٍ) ببناء الفعل

٣٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
للمفعول (مِنْ بَنِي آدَمَ) بيان لإفادة التعميم (عَلَى سِتِّينَ وَثَلَاثٍ مِائَةٍ مَفْصِل)
بالإضافة، وهو بفتح الميم، وكسر الصاد: مُلتقى العظمين في البدن، وقاَّل
الفيّوميّ تَخْذُهُ: الْمَفْصِلُ وزانُ مسجد أحد مفاصل الأعضاء. انتهى. وقال
القرطبيّ تَخْشُهُ: المفاصل هي العظام التي ينفصل بعضها من بعض. انتهى(١).
(فَمَنْ كَبَّرَ اللهَ) أي: عظّمه، أو قال: الله أكبر، قاله القاري (وَحَمِدَ اللهَ،
وَهَلَّلَ اللهَ) أي: وحّده، أو قال: لا إله إلا الله (وَسَبَّحَ اللَ) أي: نزّهه عما لا
يليق به من الصفات، أو قال: سبحان الله (وَاسْتَغْفَرَ اللهَ، وَعَزَلَ حَجَراً) من باب
ضرب: أي: نحّاه، وأزاله (عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ، أَوْ شَوْكَةً، أَوْ عَظْماً) (أو)) للتنويع
(عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ، وَأَمَرَ) بصيغة الماضي، وكذا ما بعده (بِمَعْرُوفٍ، أَوْ نَهَى عَنْ
مُنْكَرٍ، عَدَدَ تِلْكَ السِّئِّينَ) أي: بعددها، فهو منصوب بنزع الخافض كتعلّق
بالأذكار وما بعدها، أو بفعل مقدّر، يعني: من فعل الخيرات المذكورة ونحوها
عدد تلك الستين (وَالثَّلاثِ مِائَةٍ) بإضافة ((ثلاث)) إلى ((مائة)) مع تعريف الأول،
وتنكير الثاني، والمعروف لأهل العربيّة عكسه، وهو تنكير الأول، وتعريف
الثاني.
وأجيب بأن الألف واللام زائدتان، فلا اعتداد بدخولهما، قال
الطيبيّ تَخْذَلُهُ: ولو ذهب إلى أن التعريف بعد الإضافة كما في الخمسة عشر بعد
التركيب لكان وجهاً حسناً، وقيل: ((مائةً)) منصوب على التمييز على قول بعض
أهل العربيّة(٢).
وقال القرطبيّ تَخُّْ: قوله: ((والثلاثمائةِ السُّلامَى)) كذا وقعت الرواية،
وصوابه في العربيّة ((ثلاثمائةٍ السُّلامَى))؛ لأنه لا يُجمع بين الألف واللام
والإضافة إلا في الإضافة غير المحضة بشرط دخول الألف واللام على
المضاف والمضاف إليه. انتهى(٣) .
وقوله: (السُّلَامَى) بدل من ((الثلاثمائة والستّين))، وهو بضمّ السين
(١) ((المفهم)) ٥٣/٣.
(٣) ((المفهم)) ٣/ ٥٣.
(٢) ((الكاشف)) ١٥٤٥/٥ - ١٥٤٦.

٣٣٥
(١٦) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ كُلَّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ - حديث رقم (٢٣٣٠)
المهملة، وتخفيف اللام، وهو المفصل، وجمعه سُلامَيات بفتح الميم،
وتخفيف الياء، قال النوويّ كَذَتُهُ(١).
وقال الفيّوميّ كَلَقُ: السُّلامَى أُنثى، قال الخليل: هي عظام الأصابع،
وزاد الزجّاج على ذلك، فقال: وتُسمَّى الْقَصَبَ أيضاً، وقال قُطْرُبٌ:
السُّلامَيَاتُ: عروقُ ظاهر الكفّ والقدم. انتهى(٢).
وقال ابن الأثير تَّتُ: السُّلامَى: جمع سُلاميةٍ، وهي الأنملة من أنامل
الأصابع، وقيل: واحده وجمعه سواءٌ، ويُجمع على سُلامَيَاتٍ، وهي التي بين
كل مَفْصِلين من أصابع الإنسان، وقيل: السلامَى كلُّ عظم مُجَوَّفٍ من صغار
العظام، والمعنى: على كلّ عظم من عظام ابن آدم صدقٌ، وقيل: إن آخر ما
يبقى فيه المخّ من البعير إذا عَجِفَ السُّلامَى والعينُ، قال أبو عُبيد: هو عظمٌ
یکون في فِرْسِنِ البعير. انتهى(٣).
وقال القرطبيّ كَّلُهُ: ومقصود هذا الحديث أن العظام التي في الإنسان
هي أصل وجوده، وبها حصول منافعه؛ إذ لا تتأتّى الحركاتُ والسكناتُ إلا
بها، والأعصابُ رباطات، واللحوم والجلود حافظاتٌ وممكِّناتٌ، فهي إذاً
أعظم نِعَم الله تعالى على الإنسان، وحقُّ الْمُنْعَم عليه أن يقابل كلَّ نعمة منها
بشكر يخَصّها، وهو أن يُعطي صدقةً كما أعطي منفعةً، لكن الله تعالى لَطَفَ
وخَفَّفَ بأن جعل التسبيحة الواحدة كالعطيّة، وكذلك التحميدةُ، وغيرها من
أعمال البرّ وأقواله، وإن قلّ مقدارها، وأَتَمَّ تَمَامَ الفضل أن اكتَفَى من ذلك كلّه
بركعتين في الضحى، على ما مرّ، وقد نبّهنا على سرّ ذلك في ((باب صلاة
الضحى)). انتھی(٤).
قال الجامع عفا الله عنه: أشار بقوله: ((بركعتين في الضحى)) إلى ما تقدّم
للمصنّف في ((باب صلاة الضحى))(٥)، عن أبي ذرّ، عن النبيّ ◌َّ أنه قال:
(١) (شرح النوويّ)) ٩٣/٧.
(٣) ((النهاية)) ٣٩٦/٢.
(٥) تقدّم برقم [١٥/ ١٦٧١] (٧٢٠).
(٢) ((المصباح المنير)) ٢٨٧/٢.
(٤) ((المفهم)) ٥٣/٣.

٣٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
((يُصْبِح على كل سُلامَى من أحدكم صدقةٌ، فكل تسبيحة صدقةٌ، وكل تحميدة
صدقةٌ، وكل تهليلة صدقةٌ، وكل تكبيرة صدقةٌ، وأمر بالمعروف صدقةٌ، ونهيّ
عن المنكر صدقةٌ، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى)).
(فَإِنَّهُ يَمْشِي يَوْمَئِذٍ) أي: وقتَ إذ فَعَلَ ذلك (وَقَدْ زَحْزَحَ نَفْسَهُ) أي:
باعدها، ونَحّاها (عَنِ النَّارِ))، قَالَ أَبُو تَوْبَةً) الربيع بن نافع شيخه الثاني في
روايته: (وَرُبَّمَا قَالَ) وفي نسخة: ((قالت)) والضمير لعائشة رُؤُّا (يُمْسِي) غرض
المصنّف تَّثُ بهذا بيان اختلاف شيخيه في كلمة ((يمشي))، فقال الحسن
الحلوانيّ: ((يمشي) بفتح أوله، وبالشين المعجمة، من المشي، وهو الذهاب،
وقال أبو توبة: ((يُمسي)) بضمّ أوله، وبالسين المهملة، من الإمساء، وهو
الدخول في وقت المساء.
وقال النوويّ كَّتُهُ: ووقع لأكثر رواة ((كتاب مسلم)) الأول ((يَمْشِي)) بفتح
الياء، وبالشين المعجمة، والثاني بضمها، وبالسين المهملة، ولبعضهم عكسه،
وكلاهما صحيح، وأما قوله بعده في رواية الدارميّ، وقال: ((إنه يُمْسِي))
فبالمهملة لا غير. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ؤها هذا من أفراد المصنّف تَظُّهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٣٣٠/١٦ و٢٣٣١ و٢٣٣٢] (١٠٠٧)، و(أبو
نعيم) في ((مستخرجه)) (٨٦/٣)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٢٠٩/٦)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٨٨/٤)، وأما فوائده فقد تقدّمت في الحديث
الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم
الوكيل.
(١) (شرح النوويّ)) ٩٣/٧ - ٩٤.

٣٣٧
(١٦) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ كُلَّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ - حديث رقم (٢٣٣١ - ٢٣٣٢)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْذَثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٣٣١] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا
يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ، أَخْبَرَنِي أَخِي زَيْدٌ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ
قَالَ: ((أَوْ أَمَرَ بِمَعْرُوفٍ))، وَقَالَ: ((فَإِنَّهُ يُمْسِي يَوْمَئِذٍ))).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) أبو محمد السَّمَرْقَنْديّ الحافظ
الثقةُ الفاضل المتقن [١١] (ت٢٥٥) (م د ت) تقدم في ((المقدمة) ٢٩/٥.
٢ - (يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ) البصريّ، نزيل تِنِّيس، ثقةٌ [٩] (ت٢٠٨) (خ م د
ت س) تقدم في ((الحيض)) ٧٢٣/٧.
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: رواية يحيى بن حسّان، عن معاوية بن سلّام هذه لم أر من
ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَذَتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٣٢] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعِ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ
كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، يَعْنِي ابْنَ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى،ً عَنْ زَيْدِ بْنِ سَلَامِ، عَنْ جَدِّهِ
أَبِي سَلََّم، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ فَرُّوخَ، أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ تَّقُولُ: قَالَ
رَسُولُ اللهِّ وَِّ: ((خُلِقَ كُلَّ إِنْسَانٍ ... ))، بِنَحْوِ حَدِيثٍ مُعَاوِيَةَ، عَنْ زَيْدٍ، وَقَالَ:
((فَإِنَّهُ يَمْشِي يَوْمَئِذٍ))).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعِ الْعَبْدِيُّ) هو: محمد بن أحمد بن نافع العبديّ
البصريّ، تقدّم قبل باب.
٢ - (يَحْيَى بْنُ كَثِيرٍ) بن دِرْهَم الْعَنْبَريّ مولاهم، أبو غسّان البصريّ،
خراسانيّ الأصل، ثقةٌ [٩].
.

٣٣٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
رَوَى عن عثمان بن سعد الكاتب، ومعاذ وعمر ابني العلاء، وسَلْم بن
جعفر البكري، وإسماعيل بن سليمان الكحال، وشعبة وعبد الله بن أبي كثير،
وعلي بن المبارك الْهُنَائِيّ، وجماعة.
وروى عنه ابنه الحسن، وعمرو بن عليّ، وأبو موسى، وبُنْدارٌ، ومحمد بن
مَعْمَر الْبَحْرانيّ، وعبد الله بن الهيثم العبديّ، وعباس العنبريّ، وأبو بكر بن
نافع العبديّ، وغيرهم.
قال عباس العنبريّ: كان ثقةً، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال
النسائيّ: ليس به بأسٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
قال البخاريّ: مات بعد المائتين، وقال ابن أبي عاصم: مات سنة ست
ومائتين.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا برقم
(١٠٠٧)، وحديث (١٢٤٠): ((من شاء أن يجعلها عمرةً، فليجعلها ... ))،
و(١٩٧٧): ((إذا رأيتم هلال ذي الحجة، وأراد أحدكم أن يضحي ... )).
٣ - (عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ) الْهُنَائِيّ البصريّ، ثقةٌ، كان له عن يحيى بن أبي
كثير كتابان، أحدهما سماع، والآخر إرسالٌ، فحديث الكوفيين عنه فيه شيءٌ،
من كبار [٧] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤١٧/٧٩.
٤ - (يَحْيَى) بن أبي كثير الطائيّ مولاهم، أبو نصر اليمامي، بصريّ
الأصل، ثقةٌ ثبتٌ، يدلّس ويرسل [٥] (ت١٣٢) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة))
جـ٢ ص٤٢٤.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (فَإِنَّهُ يَمْشِي يَوْمَئِذٍ) هنا ((يَمشي)) بفتح أوله، وبالشين المعجمة، لا
غیر، كما أسلفنا تحقيقه.
[تنبيه]: رواية يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلّام هذه لم أر من ساقها
بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا ونعم الوكيل.

٣٣٩
(١٦) - بَابُ بَيَانِ أَنَّ كُلَّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ - حديث رقم (٢٣٣٣)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٣٣٣] (١٠٠٨) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ
شُعْبَةَ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِّ نَّهِ قَالَ: ((عَلَى كُلِّ
مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ)، قِيلَ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: ((يَعْتَمِلُ بِيَدَيْهِ، فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ،
وَيَتَصَدَّقُ))، قَالَ: قِيلَ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ؟ قَالَ: ((يُعِينُ ذَا الْحَاجَةِ الْمَلْهُوفَ))،
قَالَ: قِيلَ لَهُ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ؟ قَالَ: ((يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ، أَوِ الْخَيْرِ))، قَالَ:
أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ؟ قَالَ: ((يُمْسِكُ عَنِ الشَّرِّ، فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ(١))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ) ذُكر في أول الباب.
٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم قبل باب.
٤ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ) بن أبي موسى الأشعريّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٥].
رَوَى عن أبيه، وأنس بن مالك، وأبي وائل، وأبي بكر بن حفص بن
عمر بن سعد، ورِبْعيّ بن حِرَاش.
وروى عنه قتادة، وأبو إسحاق الشيبانيّ، وشعبة، وزيد بن أبي أُنيسة،
وزكرياء بن أبي زائدة، ومسعر، وأبو عوانة، وغيرهم.
قال الميمونيّ، عن أحمد بن حنبل: بَخِ ثبتٌ في الحديث، وقال ابن
معين، والنسائيّ، والعجليّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صدوق ثقةٌ، وذكره ابن
حبان في ((الثقات))، وقال ابن أبي حاتم في ((المراسيل)): لم يسمع ابنُ أبي بردة
من ابن عمر شيئاً، إنما يروي عن أبيه، عنه، وروايته عن جدِّه منقطعةٌ، لم
يسمع منه شيئاً.
وقال الصَّرِيفِينيّ: مات سنة (١٦٨)، قال الحافظ: كذا بخط مُغْلطاي،
ولعلّه وثلاثین بدل وستین. انتهى.
(١) وفي نسخة: ((فإنها له صدقةٌ)).

٣٤٠
البحر المحيط النجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط، برقم (١٠٠٨)
و(١٧٣٣) وكرّره أربع مرّات، و(٢٣٠٩) و(٢٥٣١) و(٢٧٣٤) و(٢٧٦٧).
٥ - (أَبُوهُ) أبو بُردة بن أبي موسى الأشعريّ، قيل: اسمه عامر، وقيل:
الحارث، ثقةٌ [٣] (ت١٠٤) وقيل غير ذلك، وقد جاوز الثمانين (ع) تقدم في
((الإيمان)» ١٦/ ١٧١.
٦ - (جَدُّهُ) أبو موسى الأشعريّ، عبد الله بن قيس بن سُليم بن حضّار
الصحابيّ الشهير، مات رَظُله سنة (٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦/ ١٧١.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف ◌َّلُهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له
الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، سوى شعبة، فبصريّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعي، عن تابعي، والله
تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ سَعِيدٍ بْنٍ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ) أبي بردة (عَنْ جَدِّهِ) أبي موسى
الأشعريّ تَّتُهُ (عَنِ النَّبِيِّ ◌َّهِ) أنه (قَالَ: ((عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ))) جملة من
مبتدأ مؤخّر، وخبر مقدّم، والمعنى أن الصدقة كائنة علَّ كلّ مسلم، ومثله
المسلمة؛ لأن النساء شقائق الرجل، والمراد على سبيل الاستحباب المتأكّد،
أو على ما هو أعمّ من ذلك، والعبارة صالحة للإيجاب، والاستحباب، كقوله:
((على المسلم ستّ خصال ... ))، فذكر منها ما هو مستحبّ اتفاقاً، وزاد أبو
هريرة في حديثه تقييد ذلك بكلّ يوم.
وقال القرطبيّ تَُّ: قوله: ((على كلّ مسلم صدقةٌ)) هو هنا مطلقٌ، وقد
قيّده في حديث أبي هريرة ◌َظُّه بقوله: ((في كلّ يوم))، وظاهر هذا اللفظ
الوجوب، لكن خفّفه الله تعالى، حيث جَعَل ما خفّ من المندوبات مُسقطاً له؛