النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
(١٣) - بَابُ بَيَانِ الأَمْرِ بِالابْتِدَاءِ فِي النَّفَقَّةِ بِالنَّفْسِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٣١٣)
ومنهم أسود المذكور. انتهى(١).
وقال أيضاً في (كتاب العتق)) ((باب بيع المدبّر)) ما حاصله: وقد اتفقت
طرق رواية عمرو بن دينار، عن جابر أيضاً على أن البيع وقع في حياة السيد،
إلا ما أخرجه الترمذيّ، من طريق ابن عيينة عنه، بلفظ: ((أن رجلاً من الأنصار
دَبّر غلاماً له، فمات، ولم يترك مالاً غيره)) الحديث، وقد أعلّه الشافعي بأنه
سمعه من ابن عيينة مراراً، لم يذكر قوله: ((فمات))، وكذلك رواه الأئمة:
أحمد، وإسحاق، وابن المدينيّ، والحميديّ، وابن أبي شيبة، عن ابن عيينة،
ووَجَّهَ البيهقي الرواية المذكورة، بأن أصلها: أن رجلاً من الأنصار، أعتق
مملوكه، إن حدث به حادث فمات، فدعا به النبيّ وَّر، فباعه من نعيم، كذلك
رواه مَطَرٌ الوراق، عن عمرو، قال البيهقي: فقوله: ((فمات)) من بقية الشرط:
أي: فمات من ذلك الحدث، وليس إخباراً عن أن المدبر مات، فحذف من
رواية ابن عيينة قوله: ((إن حدث به حدث))، فوقع الغلط بسبب ذلك، والله
أعلم. انتهى(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
(ثُمَّ قَالَ) وَِّ للرجل ((ابْدَأْ بِنَفْسِكَ، فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا) وفي رواية: ((إذا كان
أحدكم فقيراً، فليبدأ بنفسه)) (فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٍ فَلِأَهْلِكَ) أي: فهو لأهلك، فتنفقه
عليهم، وفي رواية ابن حبّان في ((صحيحه)): ((ابدأ بنفسك، فتصدّق عليها، ثمّ
على أبويك، ثمّ على قرابتك، ثمّ هكذا، ثمّ هكذا)) (فَإِنْ فَضَلَ عَنْ أَهْلِكَ شَيْءٌ
فَلِذِي قَرَابَتِكَ) أي: لأقربائك الذين ليسوا من أهلك (فَإِنْ فَضَلَ عَنْ ذِي قَرَابَتِكَ
شَيْءٌ فَهَكَذَا وَهَكَذَا) أي: تتصدّق به في وجوه الخير، كما بيّن المشار إليه بقوله
(يَقُولُ) أي: يشير وََّ، وفيه إطلاق القول على الإشارة، (فَبَيْنَ يَدَيْكَ، وَعَنْ
يَمِينِكَ، وَعَنْ شِمَالِكَ)، وهذا التفسير من بعض الرواة، ولم يتبيّن لي من هو؟،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه
التكلان .
(١) ((الفتح)) ١٧٣/٥ - ١٧٤ ((باب بيع المدبّر)) من ((كتاب البيوع)) رقم ٢٢٣٠.
(٢) ((الفتح)) ٤٧٢/٥ (باب بيع المدبّر)) من ((كتاب العتق)) رقم ٢٥٣٤.

٢٦٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر رَؤُه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٣١٣/١٣ و٢٣١٤] (٩٩٧)، وفي («الأيمان
والنذور)) (٣١٥٥)، و(البخاريّ) في ((البيوع)) (١٩٩٧)، و(أبو داود) في ((العتق))
(٣٤٤٥ و٣٤٤٦)، و(الترمذيّ) في ((البيوع)) (١١٤٠)، و(النسائيّ) في ((الزكاة))
(٢٥٤٦)، و((الكبرى)) (٢٣٢٦)، و((البيوع)) (٤٦٥٢ و٤٦٥٣)، و((الكبرى))
(٦٢٤٨ و٦٢٤٩ و٦٢٥٠)، و(ابن ماجه) في ((الأحكام)) (٢٥٠٤)،
و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٦٦٦٤)، و(أبو داود الطيالسيّ) في ((مسنده))
(١٧٤٨)، و(الشافعيّ) في ((مسنده)) (٦٨/٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٠١/٣
و٣٠٥ و٣٦٩)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٢٤٤٥ و٢٤٥٢)، و(ابن حبّان)
في (صحيحه)) (٣٣٣٩)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٨٠/٣)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (٣٠٩/١٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن أفضل الصدقة الصدقة على النفس، ثم الأهل، ثم
الأقرباء.
٢ - (ومنها): بيان مشروعيّة تدبير المملوك، قال القرطبيّ وغيره: اتَّفَقُوا
على مشروعية التدبير، واتفقوا على أنه من الثلث، غير الليث، وزفر، فإنهما
قالا: من رأس المال، واختلفوا هل هو عقد جائز، أو لازم؟ فمن قال: لازم
منع التصرف فيه، إلا بالعتق، ومن قال: جائز أجاز، وبالأول قال مالك،
والأوزاعي، والكوفيون، وبالثاني قال الشافعي، وأهل الحديث، وحجتهم
حديث الباب، ولأنه تعليق للعتق بصفة، انفرد السيد بها، فيتمكن من بيعه،
كمن عَلَّق عتقه بدخول الدار مثلاً، ولأن من أوصى بعتق شخص، جاز له بيعه
باتفاق، فيلحق به جواز بيع المدبر؛ لأنه في معنى الوصية، وقيّد الليث الجواز
بالحاجة، وإلا فيكره، وأجاب الأول بأنها قضية عين، لا عموم لها، فيُحْمَل
على بعض الصور، وهو اختصاص الجواز بما إذا كان عليه دين، وهو مشهور

٢٦٣
(١٣) - بَابُ بَيَانِ الأَمْرِ بِالانْتِدَاءِ فِي النَّفَقَّةِ بِالنَّفْسِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٣١٣)
مذهب أحمد، والخلاف في مذهب مالك أيضاً، وأجاب بعض المالكية عن
الحديث، بأنه وَ ل، رَدَّ تصرف هذا الرجل؛ لكونه لم يكن له مال غيره،
فُيُسْتَدَلّ به على ردّ تصرف من تصدق بجميع ماله، واذَّعَى بعضهم أنه وَِّ، إنما
باع خدمة المدبر، لا رقبته، واحتَجَّ بما رواه ابن فضيل، عن عبد الملك بن
أبي سليمان، عن عطاء، عن جابر: أنه وَلّ قال: ((لا بأس ببيع خدمة المدبر))،
أخرجه الدارقطني، ورجال إسناده ثقات، إلا أنه اختُلف في وصله وإرساله،
ولو صحّ لم يكن فيه حجة، إذ لا دليل فيه على أن البيع الذي وقع في قصة
المدبر، الذي اشتراه نعيم بن النحّام، كان في منفعته، دون رقبته، قاله في
((الفتح))(١).
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يترجّح عندي قول من قال بجواز بيع
المدبّر للحاجة، كما هو ظاهر حديث الباب، وقد أشبعت البحث في هذا
في ((شرح النسائيّ)) في ((كتاب البيوع))، فراجعه تستفد(٢)، وبالله تعالى
التوفيق.
٣ - (ومنها): بيان أنّ الحقوق إذا تزاحمت قُدّم الأوكد، فالأوكد.
٤ - (ومنها): أن الأفضل في صدقة التطوّع أن ينوّعها في جهات الخير،
ووجوه البرّ، بحسب المصلحة، ولا ينحصر في جهة بعينها .
٥ - (ومنها): بيان أن الدَّين مقدّم على التبرّع بالتدبير.
٦ - (ومنها): أن للإمام أن يبيع أموال الناس بسبب ديونهم.
٧ - (ومنها): بيان أنه يُحْجَر على السفيه، ويُردّ عليه تصرّفه، وقد
اختَلَف العلماء في ذلك، وسيأتي البحث فيه مستوفَّى في ((كتاب البيوع)) عند
شرح حديث الرجل الذي كان يُخدَع في البيوع رقم (١٥٣٣) - إن شاء الله
تعالى -، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا
ونعم الوكيل.
(١) راجع: ((الفتح)) ١٧٤/٥ - ١٧٥.
(٢) راجع: ((ذخيرة العقبى في شرح المجتبى)) في ((كتاب البيوع)) ((باب بيع المدبّر)) رقم
(٨٤/ ٤٦٥٤).

٢٦٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٣١٤] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي(١) يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا
إِسْمَاعِيلُ، يَعْنِي ابْنَ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ رَجُلاً مِنَ
الْأَنْصَارِ، يُقَالُ لَهُ: أَبُو مَذْكُورٍ، أَعْتَقَ غُلَاماً لَهُ عَنْ دُبُرٍ، يُقَالُ لَهُ: يَعْقُوبُ، وَسَاقَ
الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ اللَّيْثِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ) أبو يوسف البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠]
(ت٢٥٢) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٠٩/٢٥.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنَ عُلَيَّةَ) هو: ابن إبراهيم بن مِقْسم الأسديّ مولاهم،
أبو بِشْر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٨] (ت١٩٣) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢.
٣ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة كيسان السختيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ
فقيه عابدٌ حجة [٥] (ت١٣١) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص ٣٠٥.
والباقیان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: رواية أيوب، عن أبي الزبير هذه ساقها النسائيّ في ((سننه))،
فقال :
(٤٦٥٣) - أخبرنا زياد بن أيوب، قال: حدّثنا إسماعيل، قال: حدّثنا
أيوب، عن أبي الزبير، عن جابر، أن رجلاً من الأنصار يقال له: أبو مذكور،
أعتق غلاماً له عن دبر، يقال له: يعقوب، لم يكن له مالٌ غيره، فدعا به
رسول الله وَ﴾، فقال: ((من يشتريه؟))، فاشتراه نعيم بن عبد الله بثمان مائة
درهم، فدفعها إليه، وقال: ((إذا كان أحدكم فقيراً فليبدأ بنفسه، فإن كان فضلاً
فعلى عياله، فإن كان فضلاً فعلى قرابته، أو على ذي رحمه، فإن كان فضلاً
فها هنا وها هنا)). انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَغْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(١) وفي نسخة: ((حدّثنا)).

٢٦٥
(١٤) - بَابُ الْحَضِّ عَلَى الصَّدَقَةِ، وَالنَّفَقَةِ عَلَى الْعِبَالِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٣١٥)
(١٤) - (بَابُ الْحَضِّ عَلَى الصَّدَقَةِ، وَالنَّفَقَةِ عَلَى الْعِيَالِ،
وَالأَقْرَبِينَ، وَلَوْ كَانُوا غَيْرَ مُسْلِمِينَ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٣١٥] (٩٩٨) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ
إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ، يَقُولُ: كَانَ أَبُو
طَلْحَةَ أَكْثَرَ أَنْصَارِيٍّ بِالْمَدِينَةِ مَالاً، وَكَانَ أَحَبُّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرَحَى، وَكَانَتْ
مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدِ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ وَلِ يَدْخُلُهَا، وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ، قَالَ
أَنَسٌ: فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿لَنْ ثَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]
قَامَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللهِنَّهِ، فَقَالَ: إِنَّ اللهَ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: ﴿لَنْ نَنَالُواْ الْبِرَّ
حَّى تُنفِقُواْ مِمَا تُحِبُّونَ﴾، وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرَحَى، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ للهِ، أَرْجُو بِرَّهَا
وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللهِ، فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللهِ حَيْثُ شِئْتَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ◌ِهِ: ((بَخْ،
ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحُ، قَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ فِيهَا، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا
فِي الْأَقْرَبِينَ))، فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ، وَبَنِي عَمِّهِ).
رجال الإسناد: أربعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، أبو زكريّاء النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ
[١٠] (ت٢٢٦) (خ م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣.
٢ - (مَالِكُ) بن أنس الأصبحيّ، أبو عبد الله المدنيّ الإمام الحجة الثبت
الشهير، إمام دار الهجرة [٧] (ت١٧٩) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ١ ص٣٧٨.
٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) الأنصاريّ، أبو يحيى المدنيّ،
ثقةٌ حجّةٌ [٤] (ت١٣٢) أو بعدها (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦٦٧/٣٠.
٤ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكِ) بن النضر الأنصاريّ الخزرجي، الخادم الشهير،
مات ضو ئه سنة (٢ أو ٩٣) وقد جاوز المائة (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢.

٢٦٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ◌َُّ، وهو (١٤٧) من رباعيّات
الكتاب.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو
داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه أيضاً، فنيسابوريّ، وقد
دخل المدينة.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الراوي، عن عمّه، فإن أنساً عمّ لإسحاق.
٥ - (ومنها): أن أنساً ظ ◌ُه ذو مناقب جمّة، فهو خادم رسول الله وَطّت،
خدمه عشر سنين، ثم نال دعوته المباركة، فطال عمره، وكثر ماله، وأولاده
ـّ بالبصرة، وعمره جاوز المائة،
بسببها، وأنه آخر من مات من الصحابة
وهو أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثاً، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث :
(عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ)
(يَقُولُ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ) زيد بن سهل بن الأسود بن حَرَام الأنصاريّ النجّاريّ
الصحابيّ المشهور، من كبار الصحابة، شَهِدَ بدراً وما بعدها، مات ظاه سنة
(٣٤)، وقيل غير ذلك، تقدّمت ترجمته في ((الحيض)) ٧/ ٧٢٠. (أَكْثَرَ أَنْصَارِيٍّ)
أي: أكثر كلِّ واحد من الأنصار، والإضافة إلى المفرد النكرة عند إرادة
التفضيل سائغ، قاله في ((الفتح))(١)، وفي رواية البخاريّ: ((أكثر الأنصار))
(بِالْمَدِينَةِ مَالاً) نُصب على التمييز؛ أي: من حيث المال (وَكَانَ أَحَبُّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ
بَيْرَحَى) اختلفوا في ضبط هذه اللفظة على أوجه، قال القاضي عياض دَّثُ:
رَوَينا هذه اللفظة عن شيوخنا بفتح الراء وضمها، مع كسر الباء، وبفتح الباء
والراء، قال الباجيّ كَّلُهُ: قرأت هذه اللفظة على أبي ذرّ: ((الْبَيْرَحَى)) بفتح الراء
على كل حال، قال: وعليه أدركت أهل العلم والحفظ بالمشرق، وقال لي
(١) ((الفتح)) ٣٧٩/٥.

٢٦٧
(١٤) - بَابُ الْحَضِّ عَلَى الصَّدَقَةِ، وَالنَّفَقَةِ عَلَى الْعِيَالِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٣١٥)
الصُّوريّ: هي بالفتح، واتفقا على أن من رفع الراء، وألزمها حكم الإعراب
فقد أخطأ، قال: وبالرفع قرأناه على شيوخنا بالأندلس، وهذا الموضع يُعْرَف
بقصر بني جَدِيلة قبليّ المسجد، وذكر مسلم رواية حماد بن سلمة هذا الحرف
(بَرِيحَاء)) بفتح الباء وكسر الراء، وكذا سمعناه من أبي بحر، عن العذريّ،
والسمرقنديّ، وكان عند ابن سعيد، عن البحريّ، من رواية حماد ((بِيرَحاء))
بكسر الباء وفتح الراء، وضبطه الْحُمَيديّ من رواية حماد ((بَيْرَحَاء)) بفتح الباء
والراء، ووقع في كتاب أبي داود: ((جَعَلتُ أرضي بَارِيحًا لله))، وأكثر رواياتهم
في هذا الحرف بالقصر، ورويناه عن بعض شيوخنا بالوجهين، وبالمد، وجدته
بخط الأصيليّ، وهو حائط يُسَمَّى بهذا الاسم، وليس اسم بئر، والحديث يدل
عليه. انتهى آخر كلام القاضي تَُّ .
وقال في ((الفتح)): اختَلَفُوا في ضبطه على أوجه، جمعها ابن الأثير في
((النهاية))، فقال: يُرْوَى بفتح الباء الموحدة وبكسرها، وبفتح الراء وضمها،
وبالمد والقصر، فهذه ثمان لغات، وفي رواية حماد بن سلمة ((بَرِيحا)) بفتح أوله
وكسر الراء، وتقديمها على الياء آخر الحروف، وفي ((سنن أبي داود)):
((باريحا)) مثله، لكن بزيادة ألف.
وقال الباجيّ: أفصحها بفتح الباء وسكون الياء، وفتح الراء مقصوراً،
وكذا جزم به الصغانيّ، وقال إنه فَيْعَلَى من البراح، قال: ومن ذكره بكسر الباء
الموحدة، وظن أنها بئر من آبار المدينة، فقد صَحَّف. انتهى(١).
وقال القرطبيّ تَخْذُهُ: رُويت هذه اللفظة بكسر الباء الموحّدة، وبفتح الراء
وضمّها، وبمدّها وقصرها، فالنصب على أنه خبر ((كان))، وحينئذ يُرفع ((أحبُّ))
على أنه اسمها، ورفعُ ((بيرحى)) على أنه اسم ((كان))، وحينئذ يُنصب ((أحبَّ))
على أنه خبرها، فأما مدّ ((حاء)) وقصرها فلغتان، وهو حائط نخلٍ سُمّي بهذا
الاسم، بموضع يُعرف بقصر بني جديلة، وليس ببئر، ولذلك قال الباجيّ:
قرأت هذه اللفظة على أبي ذرّ الهرويّ بنصب الراء على كلّ حال، وعليه
أدركت أهل العلم والحفظ بالمشرق، وقال لي الصوري: بيرحاء بنصب الراء،
(١) ((الفتح)) ٣٠١/٤ - ٣٠٢.

٢٦٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
قال: وبالرفع قرأناه على شيوخنا الأندلسيين، وقد رَوَى هذا الحرف في مسلم
حمّاد بن سلمة بَرِيحا بكسر الراء وفتح الباء. انتهى(١).
(وَكَانَتْ) أي: بيرحى (مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدِ) أي: في مقابلته، وقال النوويّ:
وهذا الموضع يُعْرَف بقصر بني جَدِيلة بفتح الجيم وكسر الدال المهملة، قبليّ
المسجد، وفي ((التلويح)): هو موضع بقرب المسجد يُعْرَف بقصر بني حُدَيلة
وضبطها بالكتابة بضم الحاء المهملة، وفتح الدال، قال في ((العمدة)): الصواب
بالجیم. انتھی(٢).
(وَكَانَ رَسُولُ اللهِ وَهِ يَدْخُلُهَا) أي: بيرحى (وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا) أي:
في بيرحى (طَيِّبٍ) بالجرّ صفة لـ((ماء)) (قَالَ أَنَسٌ) ◌َظُه (فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ:
﴿لَنْ تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾) قال ابن عباس ﴿ها في رواية أبي صالح:
لن تنالوا ما عند الله من ثوابه في الجنة، حتى تنفقوا مما تحبون من الصدقة؛
أي: بعض ما تحبون من الأموال، وقال الضحاك: يعني: لن تدخلوا الجنة
حتى تنفقوا مما تحبون، يعني: تخرجون زكاة أموالكم طَيِّةً بها أنفسكم، وفي
رواية عن ابن عباس ظه: هذه الآية منسوخة نسختها آية الزكاة، وقوله: ﴿وَمَا
ثُنفِقُواْ مِن شَىْءٍ﴾ [آل عمران: ٩٢] يعني: الصدقة وصلة الرحم ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بٍ
عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٩٢] أي: ما يخفى عليه، فَيُثيبكم عليه(٣).
(قَامَ أَبُو طَلْحَةَ) رَبُه (إِلَى رَسُولِ اللهِ وَ) متعلّق بحال محذوف؛ أي:
قام حال كونه منتهياً إليه نَّهِ (فَقَالَ: إِنَّ اللهَ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ) قال النوويّ ◌َُّهُ :
فيه دلالة للمذهب الصحيح، وقولِ الجمهور: إنه يجوز أن يقال: إن الله تعالى
يقول، كما يقال: إن الله قال، وقال مُطَرِّف بن عبد الله بن الشِّخِّير التابعيّ، لا
يقال: الله يقول، وإنما يقال: قال الله، أو الله قال، ولا يُسْتَعْمَل مضارعاً،
وهذا غلطٌ، والصواب جوازه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ
يَهْدِى السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٤]، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة باستعمال
ذلك، وقد أشرت إلى طرف منها في ((كتاب الأذكار))، وكأن مَن كَرِهه ظَنَّ أنه
(١) ((المفهم)) ٤١/٣.
(٣) راجع: ((عمدة القاري)) ٩/ ٤٢.
(٢) ((عمدة القاري)) ٩/ ٤٢.

٢٦٩
(١٤) - بَابُ الْحَضِّ عَلَى الصَّدَقَةِ، وَالنَّفَقَةِ عَلَى الْعِيَالِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٣١٥)
يقتضي استئناف القول، وقول الله تعالى قديم، وهذا ظَنُّ عجيبٌ، فإن المعنى
مفهومٌ، ولا لبس فيه، وفي هذا الحديث استحباب الإنفاق مما يُحَبّ،
ومشاورة أهل العلم والفضل في كيفية الصدقات، ووجوه الطاعات وغيرها.
انتھی(١).
(﴿لَنْ تَنَالُواْ الْبِرَّ حَقَّى تُنفِقُواْ مِمَا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي
إِلَيَّ بَيْرَحَى، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ للهِ، أَرْجُو بِرَّهَا) أي: خيرها، والْبِرّ - بالكسر -: اسم
جامعٌ لأنواع الخيرات والطاعات، ويقال: أرجو ثواب برّها (وَذُخْرَهَا) أي:
أُقدّمها، فأدّخرها (عِنْدَ اللهِ) رَمَت؛ لأجدها عنده (فَضَعْهَا بَا رَسُولَ اللهِ حَيْثُ
شِئْتَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: (بَخْ) قال في ((القاموس)): (بَخْ)) كقَدْ: أي: عَظُمَ
الأمرُ، وفَخُمَ، تقال وحدها، وتُكرّر بَخ بَحْ الأول منوّنٌ، والثاني مُسكّنٌ، وقل
في الإفراد: بَخْ ساكنةً، وبَخِ مكسورةً، وبخٍ منوّنةً، وبخٌ منوّنةً مضمومةً،
ويقال: بَخْ بَخْ مُسكّنين، وبَخَ بَخِ منوّنين، وبَجِّ بِخِّ مشدّدين: كلمةٌ تقال عند
الرضا والإعجاب بالشيء، أو الفخر والمدح. انتهى (٢).
وقال في ((العمدة)): قوله: ((بخ)) هذه كلمة تقال عند المدح والرضى
بالشيء، وتُكَرَّر للمبالغة، فإن وُصِلَتْ خُفّفَتْ، ونُوِّنتْ، وربما شُدِّدت كالاسم،
ويقال بإسكان الخاء وتنوينها مكسورةً، وقال القاضي: حُكِي بالكسر بلا تنوين،
ورُوي بالرفع، فإذا كُرِّرت فالاختيار تحريك الأول منوناً، وإسكان الثاني، وقال
ابن دُريد: معناه تعظيم الأمر، وتفخيمه، وسُكّنت الخاء فيه كسكون اللام في
(هل))، و(بل))، ومن نوّنه شبّهه بالأصوات، كـلاصَهْ))، و((مَوْ))، وفي ((الواعي)):
قال الأحمر: في ((بخ)) أربع لغات: الجزم، والخفض، والتشديد، والتخفيف،
وقال ابن بطال: هي كلمةُ إعجاب، وقال ابن التين: هي كلمة تقولها العرب
عند المدح والْمَحْمَدَة، وقال القزاز: هي كلمة يقولها المفتخر عند ذكر الشيء
العظيم، وكلها متقاربة في المعنى. انتهى(٣).
(ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ) بالباء الموحدة؛ أي: يربح فيه صاحبه
(١) ((شرح النوويّ)) ٨٤/٧ - ٨٥.
(٣) ((عمدة القاري)) ٤٢/٩ - ٤٣.
(٢) ((القاموس المحيط)) ٢٥٦/١.

٢٧٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
في الآخرة، ومعناه ذو ربح كلابِنٍ، وتامِرٍ؛ أي: ذو لبن وذو تمر، كما قال
النابغة :
وَلَيْلِ أُقَاسِيهِ بَطِيءِ الْكَواكِبِ(١)
كِلِينِي لِهَمِّ يَا أُمَيْمَةُ نَاصِبٍ
وقال ابن قرقول: وروي بالياء المثناة من تحتُ من الرواح، يعني: يروح
عليه أجره.
وقال ابن بطال: والمعنى أن مسافته قريبة، وذلك أنفس الأموال، وقيل:
معناه يروح بالأجر ويغدو به، واكتفى بالرواح عن الغدوّ؛ لعلم السامع،
ويقال: معناه أنه مال رائح، يعني: من شأنه الرواح؛ أي: الذهاب والفوات،
فإذا ذهب في الخير فهو أولى.
وقال القاضي: وهي رواية يحيى بن يحيى وجماعة، ورواية أبي مصعب
وغيره بالباء الموحدة.
وقال ابن قرقول: بل الذي رويناه ليحيى بالباء المفردة، وهو ما في
مسلم.
وفي ((التلويح)): يحيى الذي أشار إليه ابن قرقول يحيى الليثيّ المغربيّ،
ويحيى الذي في البخاريّ هو النيسابوريّ.
وقال أبو العباس الواني في كتابه ((أطراف الموطأ)): في رواية يحيى
الأندلسيّ بالباء الموحدة، قال: وتابعه روح بن عبادة وغيره، وقال يحيى بن
يحيى النيسابوريّ، وإسماعيل، وابن وهب، وغيرهم: (رائح)) بالهمزة، من
الروح، وشكّ القعنبيّ فيه، وقال الإسماعيليّ: من قال: (رابح)) بالباء فقد
صَخَّف. انتهى(٢).
(قَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ فِيهَا) قال في ((العمدة)»: بَوَّب عليه البخاريّ في
((الوكالة)): ((بابٌ إذا قال الرجل لوكيله: ضعه حيث أراك الله، وقال الوكيل:
قد سمعت))، وقال المهلَّب: دل على قبوله وَ﴿ ما جَعَل إليه أبو طلحة، ثم رَدَّ
الوضع فيها إلى أبي طلحة بعد مشورته عليه فيمن يضعها. انتهى.
(فِي أَقَارِبِهِ)
(وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الْأَقْرَبِينَ))، فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ)
(١) راجع: ((المفهم)) ٤٢/٣.
(٢) ((عمدة القاري)) ٤٣/٩.

٢٧١
(١٤) - بَابُ الْحَضِّ عَلَى الصَّدَقَةِ، وَالنَّفَقَةِ عَلَى الْعِيَالِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٣١٥)
(الأقارب)) جمع الأقرب، وقالت الفقهاء: لو قال: وقفت على قرابتي يتناول
الواحد، ويقال: هم قرابتي، وهو قرابتي، وفي ((الفصيح)): ذو قرابتي للواحد،
وذو قرابتي للاثنين، وذو قرابتي للجمع، والقرابة والْقُرْبَى في الرحم، وفي
((الصحاح)): والقرابةُ: القربى في الرحم، وهو في الأصل مصدرٌ، تقول: بيني
وبينه قرابةٌ، وقُرْبٌ، وقُرْبَى، ومَقْربة، ومقربة، وقُرْبة، وقُرُبة، بضم الراء، وهو
قربى، وذو قرابتي، وهم أقربائي، وأقاربي، والعامة تقول: هو قرابتي، وهم
قراباتي. انتھی.
وقوله: (وَبَنِي عَمِّهِ) من عطف الخاصّ على العامّ، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك نظُّبه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٣١٥/١٤ و٢٣١٦] (٩٩٨)، و(البخاريّ) في
(الزكاة)) (١٤٦١)، و((الوكالة)) (٢٣١٨)، و((الوصايا)) (٢٧٥٢ و٢٧٦٩)،
و((التفسير)) (٤٥٥٤)، و((الأشربة)) (٥٦١١)، و(الترمذيّ) في ((التفسير)) (٢٩٩٧)،
و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (١١٠٦٦)، و(مالك) في ((الموظّأ)) (٩٩٥/٢)،
و(أحمد) في ((مسنده)) (١٤١/٣ و٢٥٦)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٣٩٠/٢)،
و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٢٤٥٥)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣٣٤٠)،
و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٨١/٣)، و(الحاكم) في ((مستدركه)) (٦٩٢/١)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٦٤/٦ - ١٦٥)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة))
(١٦٨٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن الصدقة على الأقارب أفضل من الأجانب، إذا كانوا
محتاجين.
٢ - (ومنها): بيان أن القرابة يُرْعَى حقّها في صلة الأرحام، وإن لم
يجتمعوا إلا في أب بعيد؛ لأن النبيّ ◌َّلهو أمر أبا طلحة أن يجعل صدقته في

٢٧٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
الأقربين، فجعلها في أُبَيّ بن كعب، وحسان بن ثابت، وإنما يجتمعان معه في
الجدّ السابع.
٣ - (ومنها): أن منقطع الآخر في الوقف يُصْرَف لأقرب الناس إلى
الواقف.
٤ - (ومنها): بيان أن الوقف لا يَحتاج في انعقاده إلى قبول الموقوف
عليه .
٥ - (ومنها): أن بعض المالكيّة استَدَلَّ به على صحة الصدقة المطلقة،
وهي التي لم يُعَيّن مصرفها، ثم يُعَيِّنها المتصدق لمن يريد.
٦ - (ومنها): أنه استُدِلّ به للجمهور في أن من أوصى أن يُفَرَّق ثلث ماله
حيث أرى الله الوصيَّ صحّت وصيته، ويُفَرِّقه الوصيّ في سبل الخير، ولا يأكل
منه شيئاً، ولا يعطي منه وارثاً للميت، وخالف في ذلك أبو ثور، وفاقاً للحنفية
في الأول دون الثاني.
٧ - (ومنها): جواز التصدق من الحيّ في غير مرض الموت بأكثر من
ثلث ماله؛ لأنه وَّهُ لم يَستفصِل أبا طلحة عن قدر ما تَصَدَّق به، وقال لسعد بن
أبي وقاص حظّه: ((الثلثُ كثير)).
٨ - (ومنها): تقديم الأقرب من الأقارب على غيرهم.
٩ - (ومنها): جواز إضافة حب المال إلى الرجل الفاضل العالم، ولا
نقص عليه في ذلك، وقد أخبر تعالى عن الإنسان ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدُ
[العاديات: ٨]، والخير هنا المال اتفاقاً.
١٠ - (ومنها): جواز اتخاذ الحوائط والبساتين، ودخول أهل الفضل
والعلم فيها، والاستظلال بظلها، والأكل من ثمرها، والراحة والتنزه فيها، وقد
يكون ذلك مستحبّاً يَترتب عليه الأجر إذا قصد به إجمام النفس من تعب
العبادة، وتنشيطها للطاعة.
١١ - (ومنها): جواز كسب العقار، وإباحة الشرب من دار الصَّدِيق، ولو
لم يكن حاضراً إذا علم طيب نفسه.
١٢ - (ومنها): إباحة استعذاب الماء، وتفضيل بعضه على بعض.
١٣ - (ومنها): التمسك بالعموم؛ لأن أبا طلحة فَهِمَ من قوله تعالى: ﴿َن

٢٧٣
(١٤) - بَابُ الْحَضِّ عَلَى الصَّدَقَةِ، وَالنَّفَقَةِ عَلَى الْعِيَالِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٣١٥)
ثَنَالُواْ أَلْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] تناوُلَ ذلك جميع أفراده، فلم
يَقِف حتى يَرِدَ عليه البيان عن شيء بعينه، بل بادر إلى إنفاق ما يحبه، وأقره
النبيّ نَّو على ذلك.
١٤ - (ومنها): أنه استُدِلّ به لما ذَهَب إليه مالك من أن الصدقة تصحّ
بالقول من قَبْل القبض، فإن كانت لمعيّن استَحَقَّ المطالبة بقبضها، وإن كانت
لجهة عامّة خرجت عن ملك القائل، وكان للإمام صرفه في سبيل الصدقة،
وكل هذا ما إذا لم يظهر مراد المتصدِّق، فإن ظهر اتَّبع.
١٥ - (ومنها): جواز تولي المتصدِّق قَسْمَ صدقته.
١٦ - (ومنها): جواز أخذ الغني من صدقة التطوع، إذا حصل له بغير
مسألة.
١٧ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على مشروعية الحبس والوقف خلافاً لمن
منع ذلك، وأبطله، قيل: ولا حجة فيه؛ لاحتمال أن تكون صدقة أبي طلحة
تمليكاً، كما هو ظاهر سياق بعض الروايات، فقد روي أن حسّان باع نصيبه
من معاوية ها بمائة ألف درهم، فقيل له: أتبيع صدقة أبي طلحة؟ فقال: ألا
أبيع صاعاً من تمر بصاع من دراهم؟.
١٨ - (ومنها): جواز زيادة الصدقة في التطوع على قدر نصاب الزكاة،
خلافاً لمن قيّدها به.
١٩ - (ومنها): بيان فضيلة لأبي طلحة ه؛ لأن الآية تضمنت الحثّ
على الإنفاق من المحبوب، فترقى هو إلى إنفاق أحب المحبوب، فصوَّب
النبيّ وَ﴿ رأيه، وشكر فعله، ثم أمره أن يَخُصّ بها أهله، وكَنَى عن رضاه
بذلك بقوله: ((بخ)).
٢٠ - (ومنها): بيان أن الوقف يَتِمّ بقول الواقف: جعلتُ هذا وقفاً.
٢١ - (ومنها): صحّة الوكالة؛ لقوله: ((ضعه حيث شئت)).
٢٢ - (ومنها): إطلاق لفظ الصدقة بمعنى الوقف.
٢٣ - (ومنها): أن الصدقة على الجهة العامة لا تحتاج إلى قبولِ مُعَيَّن،
بل للإمام قبولها منه، ووضعها فيما يراه، كما في قصة أبي طلحة
٢٤ - (ومنها): أنه لا يعتبر في القرابة مَن يجمعه والواقفَ أبٌ معينٌ، لا

٢٧٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
رابع ولا غيره؛ لأن أُبَيّاً إنما يجتمع مع أبي طلحة في الأب السابع.
٢٥ - (ومنها): أنه لا يجب تقديم القريب على القريب الأبعد؛ لأن
حساناً وأخاه أقرب إلى أبي طلحة من أُبَيّ ونُبَيط، ومع ذلك فقد أشرك معهما
أُبيّاً ونُبَيط بن جابر.
٢٦ - (ومنها): أنه لا يجب الاستيعاب؛ لأن بني حرام الذي اجتمع فيه
أبو طلحة وحسان كانوا بالمدينة كثيراً فضلاً عن عمرو بن مالك الذي يجمع أبا
طلحة وأُبَّاً(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا
ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٣١٦] ( ... ) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ
سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتَّ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿لَن نَنَالُواْ أَلْبِرَّ حَتَّى
تُنفِقُواْ مِمَا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] قَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَرَى رَبَّنَا يَسْأَلُنَا مِنْ أَمْوَالِنَا،
فَأُشْهِدَُكَ يَا رَسُولَ اللهِ، أَنّي قَدْ جَعَلْتُ أَرْضِي بَرِيحًا للهِ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّمْ:
((اجْعَلْهَا فِي قَرَابَتِكَ))، قَالَ: فَجَعَلَهَا فِي حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ، وَأَبِّ بْنِ كَعْبٍ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون السمين البغداديّ، صدوقٌ فاضلٌ، ربما
وَهِمَ [١٠] (ت٢٣٥) (م د) تقدم في ((الإيمان)) ١/ ١٠٤.
٢ - (بَهْزُ) بن أسد العمّيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] مات بعد
المائتين أو قبلها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٢/٣.
٣ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقةٌ عابد، أثبت الناس
في ثابتٌ، وتغيّر بآخرة، من كبار [٨] (ت١٦٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٠.
٤ - (ثَابِتُ) بن أسلم الْبُنانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] مات
سنة بضع و(١٢٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٠.
(١) راجع: ((الفتح)) ١١/٧ - ١٢ ((كتاب الوصايا)) رقم (٢٧٦٩).

٢٧٥
(١٤) - بَابُ الْحَضِّ عَلَى الصَّدَقَةِ، وَالنَّفَقَةِ عَلَى الْعِيَالِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٣١٦)
و((أنسٌ)) تُهُ ذُكر قبله.
وقوله: (﴿لَنْ نَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِنَّا تُحُّونَ﴾) قال الحسن: لن تكونوا
أبراراً حتى تبذُلوا كبير أموالكم، وقال أبو بكر الورّاق: لن تنالوا بِرّي بكم حتى
تَبَرُّوا إخوانكم، وقال ابن عبّاس ﴿هما: هو الجنّة، وقال مجاهد: ثواب البرّ(١).
وقوله: (قَدْ جَعَلْتُ أَرْضِي بَرِيحًا للهِ) أي: جعلتها وقفاً لله تعالى،
((وبَرِيحًا)) في هذه الرواية بفتح الموحّدة، وكسر الراء، وتقديمها على الياء
التحتانيّة الساكنة، ثم حاء مهملة، وظاهر النسخ التي بين يديّ أنها مقصورة،
وظاهر ما في ((الفتح)) أنها ممدودة، حيث قال بعد نحو ما مرّ من ضبطها :
ورَجّح هذا صاحب ((الفائق))، وقال: هي وزن فعلاء، من البراح، وهي الأرض
الظاهرة المنكشفة. انتهى (٢).
وقوله: (فَجَعَلَهَا فِي حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ، وَأُبَّيِّ بْنِ كَعْبٍ) وتقدّم في الرواية
السابقة: ((فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمّه))، وفي رواية للبخاريّ: قال
أبو طلحة: أفعل ذلك يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة ... إلخ.
فقوله: ((أَفْعَلُ)) بضم اللام على أنه قول أبي طلحة، وقوله: ((فقسمها أبو
طلحة)) فيه تعيين أحد الاحتمالين في رواية غيره حيث وقع فيها ((أفعل
فقسمها))، فإنه احتمل الأول، واحتمل أن يكون ((افْعَلْ)) صيغة أمر، وفاعلُ
قسمها النبيّ وَّر، وانتفى هذا الاحتمال الثاني بهذه الرواية، وذكر ابن عبد البرّ
أن إسماعيل القاضي رواه عن القعنبيّ، عن مالك، فقال في روايته: ((فقسمها
رسول الله ◌َي في أقاربه وبني عمه))؛ أي: أقارب أبي طلحة، قال ابن عبد البرّ:
إضافة القَسْم إلى رسول الله بِّه، وإن كان سائغاً شائعاً في لسان العرب على
معنى أنه الآمر به، لكن أكثر الرواة لم يقولوا ذلك، والصواب رواية من قال:
((فقسمها أبو طلحة)). انتهى(٣). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(١) ((المفهم)) ٤١/٣.
(٢) ((الفتح)) ٩/٧ ((كتاب الوصايا)) رقم (٢٧٦٩).
(٣) راجع: ((الفتح)) ٧/ ١٠.

٢٧٦
البحر المحيط النجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢٣١٧] (٩٩٩) - (حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ،
أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، عَنْ بُكَيْرٍ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ، أَنَّهَا أَعْتَقَتْ
وَلِيدَةً فِي زَمَانِ رَسُولِ اللهِ نَّهِ، فَذَكَرَتْ ذَلَِّكَ لِرَسُولِ اللهِ نَّهِ، فَقَالَ: ((لَوْ أَعْطَيْتِهَا
أَخْوَالَكِ، كَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِكِ»».
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيَّلِيُّ) تقدّم قريباً.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله، تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (عَمْرُو) بن الحارث بن يعقوب الأنصاريّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٤ - (بُكَيْرُ) بن عبد الله بن الأشجّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٥ - (كُرَيْبُ) بن أبي مسلم الهاشميّ مولاهم، أبو رِشْدِين المدنيّ، مولى
ابن عبّاس، ثقةٌ [٣] (ت٩٨) (ع) تقدم في ((الحيض)) ٦٨٨/٢.
٦ - (مَيْمُونَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ) الهلاليّة، أم المؤمنين ◌ًَّا، قيل: اسمها بَرّة،
فسمّاها النبيّ ◌َّ﴾ ميمونة، تزوّجها بسَرِفَ سنة سبع من الهجرة، وماتت بها سنة
(٥١) على الصحيح (ع) تقدمت في ((الحيض)) ١/ ٦٨٧.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َّلهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له
البخاريّ والترمذيّ.
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، ونصفه الثاني
بالمدنیین.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
(عَنْ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ) مِّنَا (أَنَّهَا أَعْتَقَتْ وَلِيدَةً) أي: جاريةً، في
شرح الحديث:

٢٧٧
(١٤) - بَابُ الْحَضِّ عَلَى الصَّدَقَةِ، وَالنَّفَقَةِ عَلَى الْعِيَالِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٣١٧)
رواية النسائيّ من طريق عطاء بن يسار، عن ميمونة، أنها كانت لها جاريةٌ
سوداءٌ، قال الحافظ تَّلُهُ: ولم أقف على اسم هذه الجارية، وبَيَّن النسائيّ من
طريق أخرى، عن الهلالية زوج النبيّ بَّر، وهي ميمونة، في أصل هذه الحادثة
أنها كانت سألت النبيّ وَل﴿ خادماً، فأعطاها خادماً، فأعتقتها (فِي زَمَانِ
رَسُولِ اللهِ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ وَهِ، فَقَالَ) بَّهِ ((لَوْ أَعْطَيْتِهَا أَخْوَالَكِ)
وفي رواية البخاريّ: أَمَا أنك(١)، وأخوالها كانوا من بني هلال أيضاً، واسم
أمها هند بنت عوف بن زُهير بن الحارث، ذكرها ابن سعد (كَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِكِ»)
قال النوويّ كَخُّهُ: وهكذا وقعت هذه اللفظة في ((صحيح مسلم)): ((أخوالك))
باللام، ووقعت في رواية غير الأصيليّ في البخاريّ، وفي رواية الأصيليّ:
((أخواتك)) بالتاء، قال القاضي: ولعله أصحّ بدليل رواية مالك في ((الموطأ)):
((أعطيتها أُخْتَك)).
وتعقّبه النوويّ، فقال: الجميع صحيحٌ، ولا تعارض، وقد قال وَّ ذلك
كله. انتهى. وهو تعقّب جيّدٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ميمونة ﴿ّا هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٣١٧/١٤] (٩٩٩)، و(البخاريّ) في ((الهبة))
(٢٥٩٢ و٢٥٩٤)، و(أبو داود) في (سننه)) (١٦٩٠)، و(النسائيّ) في ((العتق)) من
(«الكبرى» (٤٩٣١)، و(أحمد) في («مسنده)) (٣٣٢/٦)، و(ابن خزيمة) في
((صحيحه)) (٢٤٣٤)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٣٣٤٣)، و(الطبرانيّ) في
((الكبير)) (١٠٦٧/٢٣)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٨٢/٣)، و(البيهقيّ) في
(«الكبرى» (١٧٩/٤)، و(البغويّ) في («شرح السنّة)) (١٦٧٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(١) قوله: ((أَمَا)) بتخفيف الميم، و((أَنّك)) بفتح الهمزة.

٢٧٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
١ - (منها): الاعتناء بأقارب الأم؛ إكراماً بحقها، وهو زيادة في برّها.
٢ - (ومنها): جواز تبرّع المرأة بما لها بغير إذن زوجها.
٣ - (ومنها): بيان أن المرأة ليس عليها استثمار زوجها في التبرّع بمالها،
إذا كانت رشيدة؛ لأن ميمونة ◌ُها أعتقت قبل أن تستأمر النبيّ وَلّ، فلم
يستدرك ذلك عليها، بل أرشدها إلى ما هو الأولى، فلو كان لا ينفُذُ لها
تصرّف في مالها لأبطله.
٤ - (ومنها): بيان فضيلة صلة الأرحام، والإحسان إلى الأقارب، وأنه
أفضل من العتق، قال في ((الفتح)): قال ابن بطال تَّثُ: فيه أن هبة ذي الرحم
أفضل من العتق، ويؤيِّده ما رواه الترمذيّ، والنسائيّ، وأحمد، وصححه ابن
خزيمة، وابن حبان، من حديث سلمان بن عامر الضبيّ ظُبه مرفوعاً: ((الصدقة
على المسكين صدقةٌ، وعلى ذي الرحم صدقة وصلةٌ))، لكن لا يلزم من ذلك
أن تكون هبة ذي الرحم أفضل مطلقاً؛ لاحتمال أن يكون المسكين محتاجاً،
ونفعه بذلك متعدِّياً، والآخر بالعكس، وقد وقع في رواية النسائيّ: ((فقال: أفلا
فَدَيتِ بها بنت أخيك من رِعاية الغنم))، فبَيَّن الوجه في الأولوية المذكورة، وهو
احتياج قرابتها إلى مَن يخدمها، وليس في الحديث أيضاً حجة على أن صلة
الرحم أفضل من العتق؛ لأنها واقعة عين، والحقّ أن ذلك يختلف باختلاف
الأحوال، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم
الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣١٨] (١٠٠٠) - (حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَخْوَصِ، عَنِ
الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللهِ،
قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: (تَصَدَّقْنَ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ، وَلَوْ مِنْ حُلِيُّكُنَّ))، قَالَتْ:
فَرَجَعْتُ إِلَى عَبْدِ اللهِ، فَقُلْتُ: إِنَّكَ رَجُلٌ خَفِيفُ ذَاتِ الْبَدِ، وَإِنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ:
قَدْ أَمَرَنَا بِالصَّدَقَةِ، فَأَتِهِ، فَاسْأَلْهُ(١)، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ يَجْزِي عَنِّي، وَإِلَّا صَرَفْتُهَا إِلَى
(١) وفي نسخة: ((فسله)).

٢٧٩
(١٤) - بَابُ الْحَضِّ عَلَى الصَّدَقَةِ، وَالنَّفَقَةِ عَلَى الْعِيَالِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٣١٨)
غَيْرِكُمْ، قَالَتْ: فَقَالَ لِي عَبْدُ اللهِ: بَلِ اثْتِهِ أَنْتِ، قَالَتْ: فَانْطَلَقْتُ، فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ
الأَنْصَارِ بِبَابٍ رَسُولِ اللهِ وَلَهِ حَاجَتِي حَاجَتُهَا، قَالَتْ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ وَ قَدْ
أَلْقِيَتْ عَلَيْهِ الْمَهَابَةُ، قَالَتْ: فَخَرَجَ عَلَيْنَا بِلَالٌ، فَقُلْنَا لَهُ: أَثْتِ رَسُولَ اللهِ وَِّ،
فَأَخْبِرْهُ أَنَّ امْرَأَتَيْنٍ بِالْبَابِ، تَسْأَلَانِكَ أَتُجْزِئُ الصَّدَقَةُ عَنْهُمَا عَلَى أَزْوَاجِهِمَا، وَعَلَى
أَيْتَامِ فِي حُجُورِهِمَا؟، وَلَا تُخْبِرُهُ مَنْ نَحْنُ، قَالَتْ: فَدَخَلَ بِلَالٌ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ،
فَسَأَلَهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: (مَنْ هُمَا؟))، فَقَالَ: امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَزَيْنَبُ،
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((أَّ الزَّيَانِبِ؟))، قَالَ: امْرَأَةُ عَبْدِ اللهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَّتِ:
(لَهُمَا أَجْرَانٍ: أَجْرُ الْقَرَابَةِ، وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ))).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ) الْبَجَليّ، أبو عليّ الكوفيّ الْبُورَانيّ، ثقةٌ [١٠]
(ت٢٠ أو ٢٢١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٦/٥.
٢ - (أَبُو الْأَخْوَصِ) سلّام بن سُليم الْحَنَفيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ
حافظ [٧] ١٧٩) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٥/٤.
٣ - (الْأَعْمَشرُ) سليمان بن مِهْران الكاهليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ
حافظٌ ورعٌ، لكنّه يُدلّس [٥] (ت٧ أو ١٤٨) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ١ ص٢٩٧.
٤ - (أَبُو وَائِلِ) شقيق بن سَلَمة الأسديّ الكوفيّ، مخضرمٌ ثقةٌ [٢]
(ت٨٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٧.
٥ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن أبي ضِرَار - بكسر الضاد المعجمة - ابن
حبيب بن عائذ بن مالك بن جُذَيمة - وهو المصطلق - ابن سعد بن كعب بن
عمرو - وهو خزاعة - الخزاعيّ المصطلقيّ، أخو جويرية، أم المؤمنين پا،
صحابيّ قليل الحديث.
روى عن النبيّ وَّر، وعن أبيه الحارث، وله صحبة، وعن ابن مسعود،
وزينب امرأة ابن مسعود، وقيل: عن ابن أخيها، عنها .
ورَوَى عنه مولاه دينار، وأبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود، وأبو إسحاق
السبيعيّ، وأبو وائل، وزياد بن الجعد. قال ابن أبي داود: كان الحارث بن
أبي ضِرَار، صهر عبد الله بن مسعود.

٢٨٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
ورجّح ابن القطّان أن عمرو بن الحارث الراوي عن زينب غير صاحب
الترجمة؛ لأن في كثير من الروايات: عن عمرو بن الحارث ابن أخي زينب،
وزينب ثقفيّة، فيكون ثقفيّاً، قال: اللَّهمّ إلا أن يكون ابن أخيها لأمّ، أو
للرضاعة، فالله أعلم.
روى له الجماعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
٦ - (زَيْنَبُ امْرَأَةُ عَبْدِ اللهِ) هي: زينب بنت معاوية. وقيل: بنت أبي معاوية.
وقيل: بنت عبد الله بن معاوية بن عتّاب بن الأسعد بن غاضرة بن خُطَيط بن قسيّ
- وهو ثقيف - وقيل: اسمها رائطة، تقدّمت في ((الصلاة)) ١٠٠١/٣١.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َخَذْلُهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيّين.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية صحابي عن صحابية، وتابعيّ، عن تابعيّ
مخضرم، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ) بن أبي ضِرَار ◌َظُه، قال في ((الفتح)): ووقع عند
الترمذيّ عن هَنّاد، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عمرو بن
الحارث بن المصْطَلِق، عن ابن أخي زينب، امرأة عبد الله، عن امرأة عبد الله،
فزاد في الإسناد رجلاً، والموصوف بكونه ابن أخي زينب هو عمرو بن الحارث
نفسه، وكأنّ أباه كان أخا زينب لأمها؛ لأنها ثقفيّة، وهو خزاعيّ.
ووقع عند الترمذيّ أيضاً، من طريق شعبة، عن الأعمش، عن أبي وائل،
عن عبد الله بن عمرو بن الحارث ابن أخي زينب امرأة عبد الله، عن زينب،
فجعله عبد الله بن عمرو، هكذا جزم به المزّيّ، وعقد لعبد الله بن عمرو في
((الأطراف)) ترجمة لم يزد فيها على ما في هذا الحديث، قال الحافظ: ولم
أقف على ذلك في الترمذيّ، بل وقفت على عدّة نسخ منه ليس فيها إلا
عمرو بن الحارث.