النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
(٧) - بَابُ بَيَانِ إِثْمٍ مَانِعِ الزَّكَاةِ - حديث رقم (٢٢٩٦)
بِقُرُونِهَا، وَتَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا، لَيْسَ فِيهَا جَمَّاءُ، وَلَا مُنْكَسِرٌ قَرْنُهَا، وَلَا صَاحِبٍ كَنْزِ،
لَا يَفْعَلُ فِيهِ حَقَّهُ، إِلَّا جَاءَ كَتْرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعاً أَقْرَعَ، يَتْبَعُهُ فَاتِحاً فَاهُ، فَإِذَا
أَتَاهُ فَّ مِنْهُ، فَيُنَادِيِهِ: خُذْ كَنْزَكَ الَّذِي خَبَأْتُهُ، فَأَنَا عَنْهُ غَنِيٌّ، فَإِذَا رَأَى أَنْ لَا بُدَّ مِنْهُ،
سَلَكَ يَدَهُ فِي فِيهِ، فَيَقْضَمُهَا قَضْمَ الْفَحْلِ))، قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ
عُمَيْرٍ يَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ، ثُمَّ سَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ مِثْلَ قَوْلِ
عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، وقَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ: قَالَ رَجُلٌ: يَا
رَسُولَ اللهِ مَا حَقُّ الْإِبِلِ؟ قَالَ: ((حَلَبُهَا عَلَى الْمَاءِ، وَإِعَارَةُ دَلْوِهَا، وَإِعَارَةُ فَحْلِهَا،
ء
وَمَنِيحَتُهَا، وَحَمْلٌ عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ الهِ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه المروزيّ، ثقةٌ ثبتُ حجة إمام [١٠]
(ت٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) تقدّم قبل باب.
٣ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بَنْ همّام، تقدّم أيضاً قبل باب.
٤ - (ابْنُ جُرَيْج) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم أيضاً
قبل باب.
٥ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس، تقدّم قريباً.
٦ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأَنْصَارِيُّ) ﴿يَا، تقدّم أيضاً قريباً.
وقوله: (إِلَّا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَكْثَرَ مَا كَانَتْ قَطُّ، وَقَعَدَ لَهَا) وكذلك في
البقر والغنم، قال النوويّ تَخُّْ: هكذا هو في الأصول بالثاء المثلثة، وقَعَدَ
بفتح القاف والعين.
[تنبيه]: ((قط)) فيها لغاتٌ حكاهنّ الجوهريّ، والفصيحة المشهورة ((قَطُّ))
مفتوحة القاف، مشدّدة الطاء، قال الكسائيّ: كانت قَطُطُ، فلمّا سُكّن الحرف
الثاني للإدغام جُعِل الآخر متحرِّكاً، والثانية: ((قُطُ)) بضم القاف؛ إتباعاً للضمة،
كقولك: مُدُّ يا هذا، والثالثة: ((قَطْ)) بفتح القاف، وتخفيف الطاء، والرابعة:
((قُطُ)) بضم القاف، والطاء المخففة، وهي قليلة، والخامسة: قَطّ مكسورة

١٨٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
مشدّدة، حكاها ابن الأعرابيّ(١).
هذا اذا كانت بمعنى الدهر، فأما التي بمعنى حسبُ، وهو الاكتفاء
فمفتوحة ساكنة الطاء، تقول: ما رأيته إلا مرةً واحدة فَقَطْ، فإن أضفت قلت:
قَظْكَ هذا الشيءُ؛ أي: حسبك، وقَطْنِي، وقَطِي، وقَظْهُ، وقَظْهَا، أفاده في
((الصحاح)) (٢).
وإلى ما ذُكر أشرت بقولي:
حَقَّقَهَا أَهْلُ اللُّغَاتِ الشَّبَغَهْ
قَظُ بِمَعْنَى الدَّهْرِ قُلْ خَمْسُ لُغَهْ
خَفِّفْ وَشُدَّ الظَّاءَ دُونَ مَيْنٍ
بِالْفَتْحِ فَالضَّمِّ وَضَمَّتَيْنِ
أَمَّا بِمَعْنَى حَسْبُ سَاكِناً بَدَا
خَامِسُهَا قَطَّ بِكَسْرٍ شُدِّدَا
قَطِي وَقَظْنِي عَنْهُمْ أَيْضاً نَبُلْ
فَقُلْ فَقَطْ فَإِنْ أَضَفْتَ قَظَكَ قُلْ
وقوله: (وَلَا صَاحِبٍ كَنْزِ ... إلخ) تقدّم أن الأرجح في المراد بالكنز هنا
هو كلّ ما وجبت فيه الزكاة، ولم يؤدّ.
وقوله: (شُجَاعاً أَقْرَعَ) الشجاع: هو الحية الذكر، والأقرع الذي تَمَغَّطَ
شعره؛ لكثرة سُمِّهِ، وقيل: الشجاع الذي يُواثب الراجل والفارس، ويقوم على
ذَنَبِهِ، وربما بلغ رأس الفارس، ويكون في الصحارى، قاله النوويّ تَظُّهُ(٣).
وفي ((كتاب أبي عُبيد)): سمي أقرع؛ لأن شعر رأسه يتمعّط لجمعه السمّ
فيه .
وتعقّبه القزّاز بأن الحيّة لا شعر برأسها، فلعله يذهب جلد رأسه.
وفي (تهذيب الأزهريّ)): سمي أقرع؛ لأنه يَقرِي السمّ، ويجمعه في
رأسه، حتى تتمعّط فروة رأسه، قال ذو الرُّمّة [من الطويل]:
عَنِ الْعَظْمِ صَلَّ قَاتِلِ اللَّسْعِ مَارِدُهْ
قَرَى السُّمَّ حَتَّى انْمَارَ فَرْوَةُ رَأْسِهِ
وقال القرطبيّ: الأقرع من الحيّات الذي ابيضّ رأسه من السمّ، ومن
الناس الذي لا شعر برأسه؛ لتقرّحه، قال: وفي غير كتاب مسلم من الزيادة:
((له زبيبتان))، وهما الزبيبتان في جانبي فيه من السمّ، ويكون مثلهما في شِدْقي
(١) راجع: ((لسان العرب)) ٧/ ٣٨١.
(٣) ((شرح النوويّ)) ٧/ ٧١.
(٢) راجع: ((الصحاح)) ٩٦٥/٣.

١٨٣
(٧) - بَابُ بَيَانِ إِثْمِ مَانِعِ الزَّكَاةِ - حديث رقم (٢٢٩٦)
الإنسان عند كثرة الكلام، وقيل: نكتتان على عينيه، وما هو على هذه الصفة
من الحيّات هو أشدّ أذّى، قال الداوديّ: وقيل: نابان يخرجان من فيه.
انتھی(١).
وقوله: (خُذْ كَنْزَكَ الَّذِي خَبَأْتُهُ) قال في ((الفتح)): وفائدة هذا القول
الحسرة، والزيادة في التعذيب، حيث لا ينفعه الندم، وفيه نوع من التهكم.
وقوله: (فَأَنَا عَنْهُ غَنِيٌّ) قال القرطبيّ تَخَُّ: كذا وقع لنا فيما رأيناه من
النسخ، وفي الكلام خرمٌ يتلفّق بتقدير محذوف، وهو فيقول: فأنا عنه غنيّ،
وحينئذ يلتئم الكلام، فتأمّله، وكثيراً ما يُحذف القول الذي للحكاية، كقوله
تعالى: ﴿إِنَّ نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٩]؛ أي: يقولون: إنما ... إلخ.
(٢)
انتھی
وقوله: (أَنْ لَا بُدَّ مِنْهُ) ((أن)) هنا مخفّفة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن
محذوف؛ أي: أنه لا بدّ من أخذه.
وقوله: (سَلَكَ يَدَهُ فِي فِيهِ) أي: أدخل يده في فم ذلك الشجاع.
وقوله: (فَيَقْضَمُهَا) بفتح الضاد، يقال: قَضِمَت الدابةُ شعيرها - بكسر
الضاد - تَقْضَمه - بفتحها -، من باب تَعِبَ: إذا كسرته بأطراف أسنانها،
وقَضَمَتْ قَضْماً، من باب ضرب لغةٌ، ومنه يقال على الاستعارة: قَضَمْتُ يدهُ:
إذا عَضِضْتَهَا، قاله الفيّوميّ تَخَذَهُ(٣).
وقال القرطبيّ تَّتُهُ: القضم بأطراف الأسنان، والخضم بالفم كلّه،
وقيل: القضم أكل اليابس، والخضم أكل الرطب، ومنه قول عمر بن
عبد العزيز نَّثُ: تخضمون، ونقضم، والموعد الله. انتهى.
وقوله: (قَضْمَ الْفَحْلِ) مفعول مطلقٌ لَيَقْضِمها))؛ أي: مثلما يقَضِمُ الإبل
الفحل.
وقوله: (قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ) بن قتادة الليثيّ، أبو
عاصم المكيّ وُلد في عهد النبيّ بََّ، قاله مسلم، وعدّه غيره في كبار التابعين،
(١) ((المفهم)) ٣١/٣.
(٣) ((المصباح المنير)) ٢/ ٥٠٧.
(٢) ((المفهم)) ٣١/٣.

١٨٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
وكان قاصّ أهل مكة، مجمع على ثقته، ومات سنة (٦٨) (ع) تقدّم في ((شرح
المقدّمة)) جـ٢ ص٤٧٣.
وقوله: (يَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ ... إلخ) أي: ما سبق من الحديث، والمعنى أن
أبا الزبير سمع هذا الحديث من عُبيد بن عُمير مرسلاً؛ لأن عبيداً تابعيّ، ثم
لقي جابر بن عبد الله ﴿ها، فسأله عنه، فأخبره به، فصار متّصلاً.
وقوله: (قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ ... إلخ) هذا ظاهر في أن
هذا مما سمعه أبو الزبير عن عُبيد مرسلاً، وليس مما سمعه عن جابر
وقوله: (مَا حَقُّ الْإِبِلِ؟ ... إلخ) قال القرطبيّ تَّهُ: ظاهر هذا السؤال
الجواب أن هذا هو الحقّ المتوغَّد عليه فيما تقدّم حين ذكر الإبل، وأنه كلُّ
الحقّ، مع أنه لم يتعرَّض فيه لذكر الزكاة، وفي هذا الظاهر إشكالٌ تُزيله الرواية
الأخرى التي ذُكر فيها ((من)) التي للتبعيض، بل وقد جاء في رواية أخرى
مفسَّراً: ((ما من صاحب إبل لا يؤدّي زكاتها))، وكذلك في الغنم، وكأنّ بعض
الرواة أسقط في هذه الرواية ((من))، وهي مرادة ولا بُدّ.
قال: ثم ظاهره أن هذه الخصال واجبةٌ، ولا قائل به مطلقاً، ولعلّ هذا
الحديث خرج على وقت الحاجة، ووجوب المواساة، وحال الضرورة، كما
كان في أول الإسلام، ويكون معنى الحديث أنه مهما تعيّنت هذه الحقوق
ووجبت، فلم تُفْعَل تَعَلَّقَ بالممتنع من فعلها هذا الوعيد الشديد، والله تعالى
أعلم. انتهى كلام القرطبيّ كَذَتُهُ(١)، وهو تحقيقٌ نفيس، وقد تقدّم تحقيق هذا،
وأن الصواب أن في المال حقّ سوى الزكاة، وذلك عند الحاجة والضرورة،
مثل أن يتعيّن مواساة الفقراء والمحتاجين، ونحو ذلك، فإنه يجب على الأغنياء
أن يقوموا بسدّ حاجتهم، فتفطّن لذلك، والله تعالى أعلم.
وقوله: (حَلْبُهَا عَلَى الْمَاءِ) قال القرطبيّ كَُّ: هو بسكون اللام (٢) على
المصدر، وهو الأصل في مصدر ما كان على فَعَلَ يَفْعُلُ، وقد جاء على فَعَلِ
(١) ((المفهم)) ٣١/٣ - ٣٢.
(٢) تقدّم أن الرواية هنا بفتحتين، وبفتح، فسكون، فالوجهان جائزان، كما أشار إليه
القرطبيّ تَخْلَتُهُ فتنبه .
٠

١٨٥
(٧) - بَابُ بَيَانِ إِثْمِ مَانِعِ الزَّكَاةِ - حديث رقم (٢٢٩٦)
بفتح العين في الْحَلَبِ، فأما الْحَلَبُ اسمٌ للّبن، فبالفتح لا غير، وليس هذا
موضعه، وخصّ حَلْب الإبل بموضع الماء؛ ليكون أقرب على المحتاج
والجائع، فقد لا يقدر على الوصول لغير مواضع الماء. انتهى (١).
وقال النوويّ كَُّهُ: فأما حَلْبُها يوم وِرْدها ففيه رِفْقٌ بالماشية،
وبالمساكين؛ لأنه أهون على الماشية، وأرفق بها، وأوسع عليها من حلبها في
المنازل، وهو أسهل على المساكين، وأمكن في وصولهم إلى موضع الحلب؛
لِيُوَاسَوْا، والله أعلم. انتهى(٢).
وقوله: (وَإِعَارَةُ دَلْوِهَا) هو: إناء يُستقى به من البئر(٣)، وتأنيثها أكثر،
فيقال: هي الدلو، وفي التذكير يُصغّر على دُليّ، مثل فَلْسٍ وفُلَيْسٍ، وثلاثة
أدلٍ، وفي التأنيث دُليّةٌ بالهاء، وثلاثُ أدلٍ، وجمع الكثرة الدِّلاءُ، والدُّلِيّ،
والأصل فُعُولٌ، مثلُ فُلُوسٍ (٤).
وقوله: (وَإِعَارَةُ فَحْلِهَا) بفتح، فسكون، الذكر من الحيوان، وجمعه
فُحُولٌ، وفُحُولَةٌ، وفِحَالٌ(٥).
وقوله: (وَمَنِيحَتُهَا) بفتح الميم، وكسر النون: فَعِيلَة بمعنى مفعولة، قال
الفيّومِيّ ◌َُّهُ: الْمِنْحَةُ بالكسر في الأصل الشاة، أو الناقةُ يُعطيها صاحبها رجلاً
يَشْرَب لبنها، ثم يرُدّها إذا انقطع اللبن، ثم كثُر استعماله حتى أُطلق على كلّ
عطاء، ومَنَحْتُ مَنْحاً، من بابي نَفَعَ وضَرَبَ: أعطيته، والاسم الْمَنِيحة.
(٦)
انتھی(٦).
وقال النوويّ نَّتُهُ: قال أهل اللغة: المنيحة ضربان:
[أحدهما]: أن يُعْطي الانسانُ آخرَ شيئاً هِبَةً، وهذا النوع يكون في
الحيوان، والأرض، والأثاث، وغير ذلك.
[الثاني]: أن المنيحة ناقةٌ، أو بقرةٌ، أو شاةٌ يُنتَفَع بلبنها، ووَبَرها،
وصوفها، وشعرها زماناً، ثم يردها، ويقال: مَنَحَهُ يَمْنَحُهُ بفتح النون في
(١) ((المفهم)) ٣٣/٣.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٧٢/٧.
(٣) ((المعجم الوسيط)) ٢٩٥/١.
(٤) ((المصباح)) ١٩٩/١.
(٥) ((المصباح)) ٢/ ٤٦٣.
(٦) ((المصباح)) ٥٨٠/٢.

١٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
المضارع وكسرها. انتهى(١).
وقوله: (وَحَمْلٌ عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللهِ)) ((حَمْلٌ)) بفتح، فسكون: مصدر
حَمَلَ، من باب ضرب، وهو مرفوع عطفاً على ((حَلَبُهَا))، والجارّان متعلّقان به،
وتمام شرح الحديث تقدّم في شرح حديث أبي هريرة ظُه، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله ﴿ّ هذا من أفراد
المصنّف نَخْتُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٢٩٦/٧ و٢٢٩٧] (٩٨٨)، و(النسائيّ) في
((الزكاة)) (٢٤٥٤) و((الكبرى)) (٢٢٣٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٢١/٣)،
و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٥٦٥)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٦٩/٣ و٧٠)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٨٢/٤)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٤٢٨/٢)،
وفوائد الحديث تقدّمت في شرح حديث أبي هريرة ظُه، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢٢٩٧] ( .. ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا
عَبْدُ الْمَلِكِ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َحِ قَالَ: ((مَا مِنْ
صَاحِبٍ إِبِلِ، وَلَا بَقَرِ، وَلَا غَنَم، لَا يُؤَدِّي حَقَّهَا، إِلَّا أُقْعِدَ لَهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقَاعِ
قَرْقَرِ، تَطَؤُّهُ ذَاتُ الظُّلْفِ بِظِلْفِهًا، وَتَنْطَحُهُ ذَاتُ الْقَرْنِ بِقَرْنِهَا، لَيْسَ فِيهَا يَوْمَئِذٍ
جَمَّاءُ، وَلَا مَكْسُورَةُ الْقَرْنِ)»، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا حَقُّهَا؟ قَالَ: ((إِطْرَاقُ فَحْلِهَا،
وَإِعَارَةُ دَلْوِهَا، وَمَنِيحَتُهَا، وَحَلَبُهَا عَلَى الْمَاءِ، وَحَمْلٌ عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللهِ، وَلَا مِنْ
صَاحِبٍ مَالٍ(٢)، لَا يُؤَدِّي زَكَاتَهُ، إِلَّا تَحَوَّلَ بَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعاً أَقْرَعَ، يَتْبَعُ صَاحِبَهُ
(١) (شرح النوويّ)) ٧١/٧ - ٧٢.
(٢) وفي نسخة: ((ولا صاحب مال)).

١٨٧
(٧) - بَابُ بَيَانِ إِثْمِ مَانِعِ الزَّكَاةِ - حديث رقم (٢٢٩٧)
حَيْثُمَا ذَهَبَ، وَهُوَ يَفِرُّ مِنْهُ، وَيُقَالُ: هَذَا مَالُكَ الَّذِي كُنْتَ تَبْخَلُ بِهِ، فَإِذَا رَأَى أَنَّهُ
لَا بُدَّ مِنْهُ(١)، أَدْخَلَ يَدَهُ فِي فِيهِ، فَجَعَلَ يَقْضَمُهَا كَمَا يَقْضَمُ الْفَحْلُ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) تقدّم قبل باب.
٢ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نُمير، تقدّم أيضاً قبل باب.
٣ - (عَبْدُ الْمَلِكِ) بن أبي سليمان ميسرة الْعَرْزميّ، ثقةٌ [٥] (ت١٤٥)
(خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٤٤٢/٨٣.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (إِلَّا أُقْعِدَ لَهَا) بالبناء للمفعول.
وقوله: (جَمَّاءُ) بفتح الجيم، وتشديد الميم: هي التي لا قرن لها .
وقوله: (إِلَّا تَحَوَّلَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعاً أَقْرَعَ) معنى ((تحوّل)) أي: صار،
وفي رواية أخرى: ((إلا مُثِّل له))؛ أي: صُوِّر له، وقيل: نُصِب، وأُقيم، من
قولهم: مَثَلَ قَائماً، من باب قعد: أي: قام منتصباً، أفاده القرطبيّ كَظُّهُ(٢).
[تنبيه]: قوله: (قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا حَقُّهَا؟ ... إلخ) قال الحافظ
العراقيّ نَّثُ: الظاهر أن قوله: فقلنا: يا رسول الله وما حقّها؟ قال: ((إطراق
فحلها، وإعارة دلوها، ومنحتها، وحلبها على الماء، وحمل عليها في سبيل الله))
زيادة ليست متّصلةً، وقد بيّن ذلك أبو الزبير في بعض طرق مسلم - يعني:
الحديث الماضي - فذكر الحديث دون الزيادة، ثم قال أبو الزبير: سمعت
عبيد بن عمير يقول هذا القول، ثم سألنا جابر بن عبد الله عن ذلك، فقال مثل
قول عبيد بن عمير، قال أبو الزبير: سمعت عبيد بن عمير يقول: قال رجل: يا
رسول الله ما حقّ الإبل؟ قال: ((حلبها على الماء، وإعارة دلوها، وإعارة
فَحْلها، ومَنِيحتها، وحَمْلٌ عليها في سبيل الله)).
قال: فقد تبيّن بهذه الطريق أن هذه الزيادة إنما سمعها أبو الزبير من
(١) وفي نسخة: ((أنه لا بدّ له منه)).
(٢) ((المفهم)) ٣٠/٣، و((المصباح)) ٥٦٤/٢.

١٨٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
عُبيد بن عُمير مرسلةً، لا ذكر لجابر فيها. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي في الدعوى نظرٌ؛ لأن الانقطاع في
رضِيُعْه،
طريق لا يستلزم الانقطاع في جميع الطرق، فأبو الزبير سمعه من جابر
مرفوعاً، وسمعه من عُبيد بن عمير مرسلاً، فحدّث بالطريقين(٢)، وقد نبّه مسلم
بإخراجه من كلا الطريقين على أن الإرسال هنا لا يضرّ الاتصال، على أن هذه
الزيادة قد صحّت مرفوعة من حديث أبي هريرة ظه عند البخاريّ كما قدّمته
قريباً .
والحاصل أن هذه الزيادة صحيحة مرفوعةً، فتأمله، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ اَلْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْثُّ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنْبُ﴾ .
(٨) - (بَابُ بَيَانِ إِرْضَاءِ السُّعَاةِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٢٩٨] (٩٨٩) - (حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلِ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنِ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا
عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ
هِلَاَلِ الْعَبْسِيُّ، عَنْ جَرِيرٍ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: جَاءَ نَاسٌ مِنَ الْأَعْرَابِ إِلَى
رَسُولِ اللهِ وَلِّ، فَقَالُوا: إِنَّ نَاساً(٣) مِنَ الْمُصَدِّقِينَ يَأْتُونَنَا، فَيَظْلِمُونَنَا (٤)، قَالَ:
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((أَرْضُوا مُصَدِّقِيكُمْ))، قَالَ جَرِيرٌ: مَا صَدَرَ عَنِّي مُصَدِّقٌ، مُنْذُ
سَمِعْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ، إِلَّ وَهُوَ عَنِّي رَاضٍ).
(١) ((طرح التثريب)) ١١/٤ - ١٢.
(٢) قال البيهقيّ تَخْفُ في ((السنن الكبرى)) (١٨٣/٤) بعد إخراجه الحديث بالطريقين:
ورواية أبي الزبير عن عبيد بن عمير، عن النبيّ وَّر منقطعة، وروايته عن جابر بن
عبد الله مسندة. انتهى.
(٣) وفي نسخة: ((أُناساً)).
(٤) وفي نسخة: ((يأتونا، فيظلمونا)).

١٨٩
(٨) - بَابُ بَيَانِ إِرْضَاءِ السُّعَاةِ - حديث رقم (٢٢٩٨)
قال الجامع عفا الله عنه: كان الأولى للمصنّف تَُّ أن يؤخّر هذا
الحديث عن الأحاديث التي تأتي بعده؛ لأنها من أحاديث الباب الماضي،
فإدخاله بينها مما لا يخفى بُعده، وسيأتي هذا الحديث آخر ((كتاب الزكاة))،
وهو المحلّ المناسب له، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو كَامِلِ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنِ الْجَحْدَرِيُّ) البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠]
(ت٢٣٧) (خت م دَ ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٧.
٢ - (عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ) العبديّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت١٧٦)
أو بعدها (ع) تقدم في ((الطهارة)) ١١/ ٥٨٤.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي إِسْمَاعِيلَ) واسم أبيه راشد السُّلَميّ الكوفيّ، ثقةٌ [٥].
رَوَى عن أنس، وسعيد بن جبير، وعبد الرحمن بن هلال، وأبي
الضُّحَى، وعاصم بن عُمير الْعَنَزيّ، وجماعة.
ورَوَى عنه الثوريّ، وعبد الواحد بن زياد، وعبد الله بن نُمير،
وعبد الرحيم بن سليمان، ويحيى بن سعيد القطان، وأبي أسامة، وغيرهم.
قال ابن معين، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: محمد بن راشد أخو
عُمر، وإسماعيل، ويعرفون ببني أبي إسماعيل، محمد أحبهم إليّ، وقال
يحيى بن آدم، عن شريك أنه سئل عن امرأة وَلَدت في بطن أربعةً، فقال: قد
رأيت بني إسماعيل أربعةً وُلِدوا في بطن واحد، وعاشوا، قال البخاريّ:
عامتهم محدِّثون، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
قال البخاريّ: قال يحيى: مات سنة اثنتين وأربعين ومائة.
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة
أحاديث فقط، هذا برقم (٩٨٩)، و(٢٥٩٢): ((من يُحرَم الرفق يُحرم
الخير ... ))، و(١٠١٧): ((من سنّ في الإسلام سنّة حسنةً ... )).
٤ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هِلَالِ الْعَبْسِيُّ) الكوفيّ، ثقةٌ [٣].
روى عن جرير، وعنه أبو الضُّحَى، وتميم بن سَلَمَة، ومحمد بن أبي
إسماعيل، وموسى بن عبد الله بن يزيد الخطميّ، ومجالد، وغيرهم.

١٩٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
قال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال العجليّ: كوفيّ
تابعيّ ثقةٌ، وفي الطبراني من طريق مجالد عنه قال: بعثني أبي إلى جرير، فسألته.
أخرج له البخاريّ في ((الأدب المفرد))، والمصنّف، وأبو داود،
والنسائيّ، وابن ماجه.
وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط برقم (٩٨٩)، و(١٠١٧): (جاء
ناس من الأعراب ... ))، و(٢٥٩٢): ((من يُحرَم الرفق يُحرم الخير ... ))، كرّره
ثلاث مرّات.
٥ - (جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن جابر البجليّ الصحابيّ الشهير، مات
سنة (٥١)، أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٠٧/٢٥.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ◌َّلُهُ .
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى فضيل، وعبد الواحد،
فبصريان.
٣ - (ومنها): أن عبد الرحمن، ومحمد بن أبي إسماعيل هذا أول محل
ذكرهما من الكتاب، وقد عرفت ما لكلّ منهما من الأحاديث في الكتاب.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) البجليّ رَظُه، أنه (قَالَ: جَاءَ نَاسٌ مِنَ الْأَعْرَابِ)
بالفتح يريد أهل البادية، وواحد الأعراب أعرابيّ، والفرق بين الأعرابيّ
والعربيّ أنّ من نزل البادية وجاور البادِينَ، وظعن بطَّعْنِهم، فهو من الأعراب،
ومَن نزل بلاد الرِّيفِ، واستوطن الْمُدُن، والقرى العربيّة، وغيرها ممن ينتمي
إلى العرب، فهو من العرب، وإن لم يكن فصيحاً (إِلَى رَسُولِ اللهِ وَلِ) متعلّق
بـ(جاء)) (فَقَالُوا: إِنَّ نَاساً) وفي نسخة: ((أُناساً)، وهو لغة فيه (مِنَ الْمُصَدِّقِينَ)
وهو جمع مُصَدّق - بتخفيف الصاد، وتشديد الدال - أي: من السُّعَاة الذين
يُرسلون لأخذ الصدقات من الناس (يَأْتُونَنَا، فَيَظْلِمُونَنَا) وفي نسخة: ((يأتونا،
فيظلمونا)) بنون واحدة في الموضعين.

١٩١
(٨) - بَابُ بَيَانِ إِرْضَاءِ السُّعَاةِ - حديث رقم (٢٢٩٨)
قال القرطبيّ تَّقُهُ: لا شكّ أن أهل البادية أهل جفاء وجهل غالباً؛
ولذلك قال تعالى: ﴿اَلْأَعْرَبُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَا أَنَزَّلَ
اَللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ الآية [التوبة: ٩٧] ولذلك نَسَبُوا الظلم إلى مصدّقي النبيّ وَّل،
وإلى فضلاء أصحابه، فإنه ◌َ له ما كان يَستعمل على ذلك إلا أعلم الناس،
وأعدلهم؛ لكن لجهل الأعراب بحدود الله ظنّوا أن ذلك القدر الذي كانوا
يأخذونه منهم هو ظلم، فقال لهم بيلي: ((أرضوا مصدّقيكم، وإن ظُلِمتم)) أي:
على زعمكم وظنّكم، لا أنّ النبيّ وَّهِ سوّغ للعمّال الظلم، وأمر الأعراب
بالانقياد لذلك؛ لأنه كان يكون ذلك منه إقراراً على منكرٍ، وإغراءً بالظلم،
وذلك مُحالٌ قطعاً، وإنما سلك النبيّ وَ ر مع هؤلاء هذا الطريق، دون أن يبيّن
لهم أن ذلك الذي أخذه المصدّقون ليس ظلماً؛ لأن هذا يحتاج إلى تطويل
وتقريرٍ، وقد لا يَفهم ذلك أكثرهم.
وأيضاً فَلْيَحصُل منهم الانقياد الكلّيّ بالتسليم، وترك الاعتراض الذي لا
يحصل الإيمان إلا بعد حصوله، كما قال تعالى: ﴿فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى
يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ
[النساء: ٦٥]. انتهى كلام القرطبيّ تَّقُ(١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدّاً.
تَسْلِيمًا
(قَالَ) جرِير ◌َتُهُ (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَيِ: ((أَرْضُوا مُصَدَّقِيكُمْ))) أي: ببذل
الواجب، وملاطفتهم، وترك مُشاقّتهم، وسيأتي الحديث آخر ((كتاب الزكاة)) بعد
حديث رقم (١٠٧٨) من طريق الشعبيّ، عن جرير ظه بلفظ: ((إذا أتاكم
المصدِّق، فليصُدر عنكم، وهو عنکم راضٍ)).
قال النوويّ تَخْذّثُهُ: المصدّق الساعي، ومقصود الحديث الوَصَاية بالسُّعَاة،
وطاعةِ ولاة الأمور، وملاطفتِهِم، وجمعُ كلمة المسلمين، وإصلاح ذات البين.
وهذا كلّه ما لم يطلب جَوْراً، فإذا طلب جَوراً، فلا موافقة له، ولا
طاعة (٢)؛ لقوله ◌َ له في حديث أنس ◌َُّبه: ((فمن سئلها على وجهها، فليعطها،
ومن سئل فوقها، فلا يُعْطِ))، رواه البخاريّ.
(١) ((المفهم)) ١٣٣/٣ - ١٣٤.
(٢) وقال النووي أيضاً (٧٣/٧): وهذا محمول على ظلم لا يفسق به الساعي؛ =

١٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
قال: واختَلَفَ أصحابنا في معنى قوله ◌َّ: ((فلا يُعط)) فقال أكثرهم: لا
يُعطي الزيادة، بل يعطي الواجب، وقال بعضهم: لا يعطه شيئاً أصلاً؛ لأنه
يفسق بطلب الزيادة، وينعزل، فلا يُعطَى شيئاً، والله تعالى أعلم. انتهى كلام
النوويّ كَذَتُهُ(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الأكثرون هو الأقرب والأظهر
عندي، والله تعالى أعلم.
وفي حديث بشير ابن الْخَصَاصيّة ◌َظُه قال: قلنا: يا رسول الله إن أهل
الصدقة يَعْتَدون علينا، أفنكتم من أموالنا بقدر ما يعتدون علينا؟ فقال: ((لا))،
رواه أبو داود، وفي إسناده مجهول.
وفي حديث جابر بن عَتِيك ◌َظُه: أن رسول الله وَ له قال: ((سيأتيكم ركبٌ
مُبَغّضون، فإذا جاؤوكم، فرحّبوا بهم، وخلّوا بينهم، وبين ما يَبتغون، فإن
عَدَلُوا فلأنفسهم، وإن ظلموا فعليها، وأرضوهم، فإن تمام زکاتکم رضاهم،
وليدعوا لكم))، رواه أبو داود أيضاً، وفي إسناده مجهول أيضاً(٢).
(قَالَ جَرِيرُ) بن عبد الله
وَِّ (مَا) نافية (صَدَرَ عَنِّي مُصَدِّقٌ) أي: ما رجع
من عندي سَاعٍ، يقال: صدَرَ عن الموضع صَدْراً، من باب قتل: إذا رجع، قال
الشاعر [من البسيط]:
وَلَيْلَةٍ جَعَلْتُ الصُّبْحَ مَوْعِدَهَا
صَدْرَ الْمَطِيَّةِ حَتَّى تَعْرِفَ السَّدَفَا(٣)
(مُنْذُ سَمِعْتُ هَذَا) أي: قوله وَّهَ: ((أرضوا مصدّقيكم)) (مِنْ رَسُولِ اللهِ لَّهِ،
إِلَّا وَهُوَ عَنِّي رَاضٍ) يعني: أنه ما رجع من عنده ساع بعد سماعه هذا الحديث
من رسول الله وَ له إلا وهو راضٍ عنه؛ لكونه أعطاه ما طلب، والله تعالى
أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
= إذ لو فسق لانعزَلَ، ولم يجب الدفع إليه، بل لا يُجزىء، والظلم قد يكون بغير
معصية، فإنه مجاوزة الحدّ، ويَدخُلُ في ذلك المكروهات. انتهى.
(١) ((شرح مسلم)) ٧/ ١٧٤ - ١٨٥.
(٣) راجع: ((المصباح المنير)) في مادة صدر.
(٢) راجع: ((المنهل)) ١٨٧/٩ - ١٨٩.

١٩٣
(٨) - بَابُ بَيَانِ إِرْضَاءِ السُّعَاةِ - حديث رقم (٢٢٩٨)
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جرير نضي
هذا من أفراد المصنّف نَّهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٢٩٨/٨ و٢٢٩٩] (٩٨٩) وسيأتي بعد حديث
(١٠٧٨)، و(أبو داود) في ((الزكاة)) (٦٤٧)، و(الترمذيّ) في ((الزكاة)) (١٨٠٢)،
و(النسائيّ) في ((الزكاة)) (٢٤٦٠ و٢٤٦١) و((الكبرى)) (٢٢٤٠ و٢٢٤١)، و(ابن
ماجه) في ((الزكاة)) (١٨٠٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٦٢/٤)، و(الدارميّ) في
(سننه)) (١٦٦٠)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٣٧/٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان وجوب إرضاء الساعي في الصدقة، وإن ظنّ ربّ المال
أنه يظلمه، وهذا محمول على ما إذا كان المصدّق معروفاً بالورع، لا يظلم
الناس، ولكنّ صاحب المال لحرصه ظنّ أنه يظلمه، وأما إذا طلب فوق
الواجب من دون تأويل، فلا يجب إرضاؤه؛ لما أخرجه البخاريّ في ((صحيحه))
عن أنس بن مالك به أن أبا بكر ظه كتب له هذا الكتاب لَمّا وجهه إلى
البحرين: ((بسم الله الرحمن الرحيم، هذه فريضة الصدقة التي فَرَض
رسول الله * على المسلمين، والتي أمر الله بها رسوله صلاته، فمن سُئلها من
المسلمين على وجهها فليعطها، ومن سئل فوقها فلا يُعْطِ ... )) الحديث.
وخلاصة القول: أن نقول: إنه ونَ﴿ عَلِمَ أن عامليه لا يظلمون الناس،
ولكنّ أرباب الأموال لشدّة محبّتهم للأموال يَعُدّون ما يأخذونه منهم ظلماً،
فقال لهم: ((أرضوا مصدّقيكم))؛ أي: وإن ظلموكم في زعمكم، فليس فيه تقرير
للعاملين على الظلم، ولا تقرير للناس على الصبر عليه، وعلى إعطاء الزيادة
على ما حدّه الله تعالى في الزكاة.
والحاصل أن الجمع بين الحديثين بما ذكر متعيّنٌ، والله تعالى أعلم
بالصواب.
٢ - (ومنها): أن الإنسان مجبول على الحرص في ماله، ولذا يَظُنّ أحياناً
المصدّق ظالماً له، ولهذا أمر النبيّ وَّ بإرضاء المصدّق؛ لأنه لا يَظْلِم، حيث
إنه سيّ لا يرسل إلا العالم الورع، ومع ذلك يوصيه بتوقّي كرائم أموال الناس،

١٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
فقد أخرج الشيخان عن ابن عبّاس ﴿هَا، أنه وَّهُ لَمّا بَعَثَ معاذ بن جبل
إلى اليمن قال له في جملة وصيّته: «فإن أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله
فرض عليهم زكاة من أموالهم، وتردّ على فقرائهم، فإذا أطاعوا بها، فخذ
منهم، وتَوَقَّ كرائم أموال الناس))، لكن شدّة حِرْص صاحب المال على ماله،
وشُحّه به يحمله على اتهامه بذلك، فأرشده وَّه إلى أن يُعطيه ما طَلَب، ويُرضيه
بذلك.
هوما حیث
٣ - (ومنها): بيان فضل جرير بن عبد الله، بل وسائر الصحابة
إنهم إذا سمعوا من النبيّ ◌َ﴿ أمراً بادروا إلى امتثاله، واستمرّوا عليه حتى
يموتوا، فقد قال جرير ﴿ه في هذا الحديث: ((ما صدر عني مصَدِّقٌ منذ
سعمتُ هذا من رسول الله وَّه))، وذلك لصدق إيمانهم، وكمال محبّتهم لله
تعالى، ولرسوله وَلي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٢٩٩] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ
سُلَيْمَانَ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْخَاقُ،
أَخْبَرَنَا أَبُو أُسَامَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي إِسْمَاعِيلَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً) تقدّم قبل بابين.
٢ - (عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ) الكنانيّ، أو الطائيّ، أبو عليّ الأشلّ
المروزيّ، نزيل الكوفة، ثقةٌ له تصانيف، من صغار [٨] (ت١٨٧) (ع) تقدم
في ((الحيض)» ٢٦/ ٨١٧.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بُندار، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٥٢)
(ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢.
٤ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، أبو سعيد البصريّ، الإمام الحجة الثبت
الناقد، من كبار [٩] (ت١٩٨) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٨٥.

(٩) - بَابُ بَيَانِ تَغْلِيظِ عُقُوبَةٍ مَنْ لَا يُؤَدِّي الزَّكَاةَ - حديث رقم (٢٣٠٠)
١٩٥
٥ - (إِسْحَاقُ) ابن راهويه، تقدّم في الباب الماضي.
٦ - (أَبُوِ أُسَامَةَ) حمّاد بن أُسامة، تقدّم قبل بابين.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ أَبِي إِسْمَاعِيلَ ... إلخ) يعني: أن كلّاً من
عبد الرحيم، ويحيى بن سعيد، وأبي أسامة رووا هذا الحديث عن محمد بن
أبي إسماعيل بالسند المذكور.
[تنبيه]: أما رواية يحيى بن سعيد، عن محمد بن أبي إسماعيل، فقد
ساقها النسائيّ تَّلُ، فقال:
(٢٤٦٠) - أخبرنا محمد بن المثنى، ومحمد بن بشار، واللفظ له، قالا:
حدّثنا يحيى، عن محمد بن أبي إسماعيل، عن عبد الرحمن بن هلال، قال:
قال جرير: أتى النبيَّ و ◌َ﴿ ناس من الأعراب، فقالوا: يا رسول الله يأتينا ناس
من مصدقيك يظلمون، قال: ((أرضوا مصدقيكم))، قالوا: وإن ظَلَم؟ قال:
((أرضوا مصدقيكم))، ثم قالوا: وإن ظلم؟ قال: ((أرضوا مصدقيكم))، قال
جرير: فما صدر عني مُصَدِّقٌ، منذ سمعت من رسول الله وَلّ إلا وهو راض.
انتھی.
وأما رواية عبد الرحيم بن سليمان، وأبي أسامة، فلم أر من ساقهما،
فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْثُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَثُ وَإِلَيْهِ أَنِبُ﴾ .
(٩) - (بَابُ بَيَانِ تَغْلِيظِ عُقُوبَةٍ مَنْ لَا يُؤَدِّي الزَّكَاةَ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّقُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٣٠٠] (٩٩٠) - (حَدَّثَنَا (١) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ، حَدَّثَنَا
الْأَعْمَشُ، عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ بَّهِ، وَهُوَ
جَالِسٌ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: ((هُمُ الْأَخْسَرُونَ، وَرَبِّ الْكَعْبَةِ»، قَالَ:
(١) وفي نسخة: ((وحدّثنا)).

١٩٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
فَجِئْتُ حَتَّى جَلَسْتُ، فَلَمْ أَتْقَارَّ أَنْ قُمْتُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي،
مَنْ هُمْ؟ قَالَ: ((هُمُ الْأَكْثَرُونَ أَمْوَالاً، إِلَّا مَنْ قَالَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا، مِنْ بَيْنَ
يَدَيْهِ، وَمِنْ خَلْفِهِ، وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، وَقَلِيلٌ مَا هُمْ، مَا مِنْ صَاحِبٍ إِبِلِ، وَلَا
بَقَرٍ، وَلَا غَنَم، لَا يُؤَدِّي زَكَاتَهَا، إِلَّا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْظَمَ مَا كَانَتْ، وَأَسْمَنَهُ،
تَنْطَّحُهُ بِقُرُونِّهَا، وَتَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا، كُلَّمَا نَفِدَتْ(١) أُخْرَاهَا عَادَتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا، حَتَّى
يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة
إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف [١٠]
(ت٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١/١.
٢ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ
عابد، من كبار [٩] (ت٦ أو ١٩٧) وله (٧٠) سنة (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/١.
٣ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران الكاهليّ مولاهم، أبو محمد
الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ عابد، يدلّس [٥] (ت ٧ أو ١٤٨) (ع) تقدّم في ((شرح
المقدّمة)) ج١ ص٢٩٧.
٤ - (الْمَعْرُورُ بْنُ سُوَيْدٍ) الأسديّ، أبو أميّة الكوفيّ، ثقةٌ [٢] (ع) تقدم
في ((الإيمان)) ٢٧٩/٤٢.
٥ - (أَبُو ذَرٍّ) اسمه جندب بن جُنادة على الأصحّ الصحابيّ الشهير،
مات ظ ◌ُه سنة (٣٢) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٤/٢٩.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ◌َُّهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى أبي ذرّ ◌ُه، فمدنيّ، ثم رَبَديّ.
(١) وفي نسخة: ((كلّما نَفَذَت)) بالذال المعجمة.

١٩٧
(٩) - بَابُ بَيَانِ تَغْلِيظِ عُقُوبَةٍ مَنْ لَا يُؤَدِّي الزَّكَاةَ - حديث رقم (٢٣٠٠)
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه رَُّبه ذو مناقب جمّة، فقد أخرج أحمد، وابن
ماجه عن عبد الله بن عمرو ها قال: سمعت رسول الله وَ ل﴿ يقول: ((ما أقلّت
الغبراء، ولا أظلت الخضراء من رجل أصدق من أبي ذر»، وهو حديث
صحيح(١)، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي ذَرٍّ) رَبُهُ أنه (قَالَ: انْتَهَيْتُ) أي: وصلت (إِلَى النَّبِيِّ وََّ، وَهُوَ
جَالِسٌ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: ((هُمُ الْأَخْسَرُونَ) يأتي تفسيره بقوله:
((الأكثرون أموالاً)) (وَرَبِّ الْكَعْبَةِ))) فيه جواز القسم بهذه الصيغة (قَالَ) أبو
ذرّ ◌َبهِ (فَجِئْتُ حَتَّى جَلَسْتُ، فَلَمْ أَتَقَارَّ) أي: لم يمكني القرار والثبات (أَنْ
قُمْتُ) ((أن)) بالفتح مصدريّة؛ أي: من القيام، وفي رواية النسائيّ: ((فَقُلْتُ: مَا
لِي؟ لَعَلِّي أُنْزِلَ فِيَّ شَيْءٌ)) (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، فِدَاَ أَبِي وَأَمِّي) مبتدأ وخبره
(مَنْ هُمْ؟) أي: مَن هؤلاء الذين قلت في حقّهم: ((هم الأخسرون))؟ (قَالَ) ◌َيهوى
(هُمُ الْأَكْثَرُونَ أَمْوَالأَ) أي: هم الذين كانوا أكثر الناس أموالاً (إِلَّا مَنْ قَالَ
هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا) قال السنديّ تَخْذُ: استثناء من هذا الحكم، وفيه رجوع
الضمير إلى الحاضر في الذهن، ثم تفسيره للمخاطب إذا سأل عنه، ومعنى:
((إلا من قال هكذا)): أي: إلا من تصدق من الأكثرين في جميع الجوانب،
وهو كناية عن كثرة التصدّق، فذاك ليس من الأخسرين.
وقوله: ((قال)) إما بمعنى ((تصدّق))، وقوله: ((هكذا)) إشارة إلى حَثْبِهِ في
الجوانب الثلاث؛ أي: تصدّق في جميع جهات الخير، تصدّقاً كالحثي في
الجهات الثلاث، أو بمعنى ((فَعَل)) أي: إلا من فَعَلَ بماله فعلاً مثل الحثي في
الجهات الثلاث، وهو كناية عن التصدّق العامّ في جهات الخير، وحَقْيُةً وَليه
بيان للمشار إليه بـ((هكذا))، والعرب تَجْعَل القول عبارة عن جميع الأفعال.
انتهى كلام السنديّ دكّتُهُ.
(١) صحّحه الشيخ الألبانيّ كَثّثُهُ، راجع: ((سنن ابن ماجه)) رقم (١٥٦).

١٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله السنديّ كَُّهُ حسنٌ، إلا قوله:
((أو بمعنى فَعَلَ إلخ))، فإنه لا فرق بين المعنى الأول والثاني، بل الثاني نفس
الأول، فما الذي دعاه إلى أن يذكره احتمالاً ثانياً؟، فليُتَأَمّل، والله تعالى
أعلم.
(مِنْ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَمِنْ خَلْفِهِ، وَعَنْ بَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ) هذا تفسير لاسم
الإشارة في قوله: ((هكذا إلخ)). وإشارته ◌َ ﴿ إلى قُدّام، ووراء، والجانبين،
فمعناه أنه يُنفق في وجوه الخير، ولا يقتصر على نوع واحد من وجوه البرّ، بل
يبادر إلى أن ينفق متى حضر أمرٌ مهمّ، أفاده النوويّ(١).
(وَقَلِيلٌ مَا هُمْ) مبتدأ مؤخّر، وخبر مقدّم، أو ((قليلٌ)) مبتدأ، و((هم)) فاعل
سدّ مسدّ الخبر، على حدّ قول الشاعر [من الطويل]:
مَقَالَةً لِهْبِيٍّ إِذَا الظَّيْرُ مَرَّتِ(٢)
خَبِيرٌ بَنُو لِهْبٍ فَلَا تَكُ مُلْغِياً .
و((ما)) زائدة زيدت لتأكيد القلّة.
وقال في ((الفتح)): قوله: ((وقليلٌ ما هم)): ((ما)) زائدة مؤكّدة للقلة،
ويَحْتَمِل أن تكون موصوفة، ولفظ ((قليل)) هو الخبر، و((هم)) هو المبتدأ،
والتقدير: وهم قليل، وقَدَّم الخبر للمبالغة في الاختصاص. انتهى(٣).
قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى ضعف كون ((ما)) موصوفة، بل لا وجه
له، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم.
(مَا) نافية (مِنْ) زائدة للتوكيد (صَاحِبٍ إِبِلِ، وَلَا بَقَرٍ ، وَلَا غَنَم، لَا يُؤَدِّي
(١) (شرح مسلم)) ٧٦/٧.
(٢) اختَلَف البصريّون والكوفيّون في إعراب قوله: ((خبيرٌ بنو لِهْبٍ))، فقال الكوفيّون:
(خبيرٌ)) مبتدأ، و((بنو لهب)) خبره؛ لأن ((خبير)) مفرد لا يُخبر به عن الجمع، وهو
(نو))، فردّ عليهم البصريّون بأن فَعِيلاً بمعنى فاعل يستوي فيه الواحد وغيره
كالمصدر، فإنه كصَهِيل، ونَعِيق، نحو قوله تعالى: ﴿وَالْمَلَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾
[التحريم: ٤]، وقول الشاعر:
هُنَّ صَدِيقٌ لِلَّذِي لَمْ يَشِبِ
راجع: ((حاشية الخضري على شرح ابن عقيل على الخلاصة)) ١٢٦/١.
(٣) ((الفتح)) ١٤ / ٥٤٤.

١٩٩
(٩) - بَابُ بَيَانِ تَغْلِيظِ عُقُوبَةٍ مَنْ لَا يُؤَدِّي الزَّكَاةَ - حديث رقم (٢٣٠٠)
زَكَاتَهَا) هذا صريح في وجوب الزكاة في الإبل، والبقر، والغنم، وقد تقدّم أن
هذا الحديث أصرح ما ورد في زكاة البقر، فتنبّه (إِلَّا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْظَمَ
مَا كَانَتْ، وَأَسْمَنَهُ، تَنْطَحُهُ) بفتح الطاء، وكسرها (بِقُرُونِهَا، وَتَطَؤُّهُ بِأَظْلَافِهَا)
بالفتح: جمع ظِلْف، وهو الْمُنشَقُّ من القوائم، مختصّ بالبقر، والغنم،
والظباء، والخفّ بالإبل، والحافر مختصّ بالفرس، والبغل، والحمار، والقدم
للآدميّ، ذكره السيوطيّ في ((حاشية الترمذيّ))(١). (كُلَّمَا نَفِدَتْ) قال
النوويّ كَّقُ: هكذا ضبطناه (نَفِدَت)) بالدال المهملة، و(نَفَذَت)) بالذال
المعجمة، وفتح الفاء، وكلاهما صحيح. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: الأول من باب تَعِبَ، يقال: نَفِدَ الشيءُ يَنْفَدُ
نَفَاداً: فَنِيَ، وانقَطَعَ، ويتعدّى بالهمزة، فيقال: أنفدته: إذا أفنيته، والثاني من
باب قعد، يقال: نَفَذَ السَّهْمُ يَنْفُذُ نَفَاذَاً: خَرَقَ الرَّمِيَّةَ، وخرج منها، ويتعدّى
بالهمزة والتضعيف، أفاده في ((المصباح))(٣).
وقوله: (أُخْرَاهَا) مرفوع على الفاعليّة ((نفدت)) (عَادَتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا، حَتَّى
يُقْضَى) بالبناء للمفعول (بَيْنَ النَّاسِ))) أي: يمتدّ عليه هذا التعذيب إلى أن
يفرغ الله تعالى من الحكم بين الناس في عرصات القيامة، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي ذرّ ◌َُّ هذا مُتَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٣٠٠/٩ و٢٣٠١] (٩٩٠)، و(البخاريّ) في
((الزكاة)) (١٤٦٠) و((الأيمان والنذور)) (٦٦٣٨)، و(الترمذيّ) في ((الزكاة))
(٦١٧)، و(النسائيّ) في ((الزكاة)) (١٠/٥ و٢٩)، و(ابن ماجه) في ((الزكاة))
(١٧٨٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٠٨٤٤ و٢٠٨٩٠ و٢٠٩٨٠)، و(أبو نعيم)
في (مستخرجه)) (٧١/٣)، والله تعالى أعلم.
(١) راجع: ((شرح السنديّ على النسائيّ)) ١١/٥.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٧/ ٧٤.
(٣) ((المصباح المنير)) ٦١٦/٢.

٢٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان تغليظ العقوبة في منع الزكاة.
٢ - (ومنها): أن من كان أكثر الناس مالاً، ثم لم يَقُم بحقّه من أداء
الزكاة، وغيره، يعاقب بالعقاب المذكور، وهو أن يكون جنسُ ذلك المال
عذاباً يعذّب به.
٣ - (ومنها): الحثّ على الصدقة في وجوه الخير، وأنه لا يقتصر على
نوع من وجوه البرّ، بل ينبغي له أن ينفق في كلّ وجه من وجوه الخير.
٤ - (ومنها): جواز الحلف بغير تحليف، حيث قال: (وربّ الكعبة))،
قال النوويّ تَخُّْ: بل هو مستحبّ إذا كانت فيه مصلحة، كتوكيد أمر،
وتحقيقه، ونفي المجاز عنه، وقد كثرت الأحاديث الصحيحة في حلف
رسول الله ◌َ في هذا النوع لهذا المعنى. انتهى(١).
٥ - (ومنها): أن فيه أن بعض العصاة يُعذّب عذاباً خاصّاً في عرصات
القيامة قبل فصل القضاء.
٦ - (ومنها): أن البعث في القيامة لا يخصّ العقلاء، بل يعم سائر
الحيوانات، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا،
ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْذَثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٣٠١] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثْنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ،
عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنِ الْمَعْرُورِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ وَِّ، وَهُوَ
جَالِسٌ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثٍ وَكِيعٍ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي
بِيَدِهِ، مَا عَلَى الْأَرْضِ رَجُلٌ يَمُوتُ، فَيَدَعُ إِبِلَّاً، أَوْ بَقَراً، أَوْ غَنَماً، لَمْ يُؤَدِّ
زَکَاتَهَا»).
(١) ((شرح مسلم)) ٧٦/٧.