النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
(٥) - بَابُ بَيَانِ فَرْضٍ زَكَاةِ الْفِطْرِ - حديث رقم (٢٢٨٤)
عُطفت عليها بحرف ((أو)) الفاصلة(١).
وقال ابن دقيق العيد في ((شرح العمدة)): وقد كانت لفظة ((الطعام))
تستعمل في البرّ عند الإطلاق حتى إذا قيل: اذهب إلى سوق الطعام، فُهِم منه
سوق البرّ، وإذا غلب العرف بذلك نُزِّل اللفظ عليه؛ لأن الغالب أن الإطلاق
في الألفاظ على حسب ما يخطر في البال من المعاني، والمدلولات، وما
غلب استعمال اللفظ عليه فخطوره عند الإطلاق أقرب، فيُنَزَّل اللفظ عليه،
وهذا بناء على أن يكون هذا العرف موجوداً في زمن النبيّ وَِّ. انتهى(٢).
قال الخطابيّ: وزعم آخرون أن هذا جملةٌ قد فُصِّلَت، والتفصيل لا
يخالف الجملة، وإنما قال في أول الحديث صاعاً من طعام، ثمّ فصّله، فقال:
صاعاً من أقط، أو صاعاً من شعير، أو كذا، أو كذا، واسم الطعام شاملٌ
لجمیع ذلك. انتهى(٣).
وقال القاري: قال علماؤنا: إن المراد بالطعام المعنى الأعمّ، لا الحنطة
بخصوصها، فيكون عطف ما بعده عليه من باب عطف الخاصّ على العامّ.
قال الحافظ: وقد ردّ ذلك ــ أي حمل الطعام على البرّ - ابنُ المنذر،
وقال: ظنّ بعض أصحابنا أن قوله في حديث أبي سعيد: ((صاعاً من طعام)) حجة
لمن قال: صاعاً من حنطة، وهذا غلطٌ منه، وذلك أن أبا سعيد أجمل الطعام،
ثمّ فسّره، ثم أورد طريق حفص بن ميسرة عند البخاريّ وغيره: أن أبا سعيد
قال: ((كنّا نُخرج في عهد النبيّ ◌َّه يوم الفطر صاعاً من طعام، قال أبو سعيد:
وكان طعامنا الشعير، والزبيب، والأقط، والتمر))، وهي ظاهرة فيما قال.
وأخرج الطحاويّ نحوه من طريق أخرى، وقال فيه: ((ولا يُخرَج غيره))،
قال: وفي قوله: ((فلمّا جاء معاوية، وجاءت السمراء)) دليلٌ على أنها لم تكن
قوتاً لهم قبل هذا، فدلّ على أنها لم تكن كثيرة، ولا قوتاً، فكيف يُتوهّم أنهم
أخرجوا ما لم يكن موجوداً؟. انتهى كلامه.
(١) راجع: ((المعالم)) ٢١٨/٢ وهو منقول ببعض تصرّف.
(٢) ((إحكام الأحكام)) ٣٢٠/٣ - ٣٢١. بنسخة الحاشية.
(٣) ((المعالم)) ٢١٨/٢.

١٢٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
وأخرج ابن خزيمة، والحاكم في ((صحيحيهما)) من طريق ابن إسحاق،
عن عبد الله بن عبد الله بن عثمان بن حكيم، عن عياض بن عبد الله، قال:
قال أبو سعيد، وذكروا عنده صدقة رمضان، فقال: ((لا أُخرج إلا ما كنت
أُخرج في عهد رسول الله وَلي: صاع من تمر، أو صاع حنطة، أو صاع شعير،
أو صاع أقط، فقال له رجلٌ من القوم: أو مدّين من قَمْح، فقال: لا، تلك
قيمة معاوية مطويّة، لا أقبلها، ولا أعمل بها))، قال ابن خزيمة: ذكر الحنطة
في خبر أبي سعيد غير محفوظ، ولا أدري ممن الوَهَمُ؟ .
وقوله: ((فقال له رجلٌ إلخ)) دالٌّ على أن ذكر الحنطة في أول القصّة
خطأً؛ إذ لو كان أبو سعيد أخبر أنهم كانوا يخرجون منها في عهد رسول الله وَيهوى
صاعاً لَمَا كان الرجل يقول له: أو مدّين من قَمْح، وقد أشار أبو داود إلى
رواية ابن إسحاق هذه، وقال: إن ذكر الحنطة فيه غير محفوظ، وذكر أن
معاوية بن هشام رَوَى في هذا الحديث عن سفيان: ((نصف صاع من برّ)) وهو
وَهَمِّ، وأن ابن عيينة حدّث به عن ابن عجلان، عن عياض، فزاد فيه: ((أو
صاعاً من دقيق))، وأنهم أنكروا عليه، فتركه، قال أبو داود: وذِكْرُ الدقيق وَهَمّ
من ابن عيينة. وأخرج ابن خزيمة أيضاً من طريق فُضيل بن غَزْوَان، عن نافع،
عن ابن عمر ◌ًا، قال: ((لم تكن الصدقة على عهد رسول الله وَله إلا التمر،
والزبيب، والشعير، ولم تكن الحنطة))، ولمسلم من وجه آخر، عن عياض،
عن أبي سعيد: ((كنّا نخرج من ثلاثة أصناف: صاعاً من تمر، أو صاعاً من
أقط، أو صاعاً من شعير))، وكأنه سكت عن الزبيب في هذه الرواية لقلّته
بالنسبة إلى الثلاثة المذكورة.
وهذه الطرق كلّها تدلّ على أن المراد بالطعام في حديث أبي سعيد غير
الحنطة، فيَحْتَمِل أن تكون الذُّرَةَ، فإنه المعروف عند أهل الحجاز الآن، وهي
قوت غالبٌ لهم.
وقد روى الجوزقيّ من طريق ابن عجلان، عن عياض في حديث أبي
سعيد: ((صاعاً من تمر، صاعاً من سُلْت، أو ذُرَة)). انتهى كلام الحافظ(١).
(١) راجع: ((الفتح)) ١٤٥/٤ - ١٤٦.

١٢٣
(٥) - بَابُ بَيَانِ فَرْضٍ زَكَاةِ الْفِطْرِ - حديث رقم (٢٢٨٤)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: ((فَيَحْتَمِل أن تكون الذرة إلخ)) فيه
نظر، بل الصواب أن الطعام مجملٌ، فسّره ما بعده، كما سبق، والله تعالى
أعلم.
وأجاب البرماويّ عن رواية حفص بن ميسرة بأن الطعام فيها محمول على
معناه اللغويّ الشامل لكلّ مطعوم، قال: فلا ينافي تخصيص الطعام فيما سبق
بالبرّ؛ لأنه قد عطف عليه الشعير، وغيره، فدلّ على التغاير، وهذا كالوعد،
فإنه عامّ في الخير والشرّ، وإذا عطف عليه الوعيد خُصّ بالخير، وليس هو من
عطف الخاصّ على العامّ، نحو ﴿فَكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُكَانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨]، ﴿وَمَلَِّكُتِهِ.
وَرُسُلِهِ، وَجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: ٩٨]، فإن ذلك إنما هو فيما إذا كان الخاصّ أشرف،
وهنا بالعكس.
وقال الكرمانيّ: فإن قلت: قوله: قال أبو سعيد: ((وكان طعامنا إلخ))
مناف لما تقدّم من قولك: إن الطعام هو الحنطة، ثمّ أجاب بقوله: لا نزاع في
أنّ الطعام بحسب اللغة عامّ لكلّ مطعوم، إنما البحث فيما يعطف عليه الشعير،
وسائر الأطعمة، فإن العطف قرينة لإرادة المعنى العرفيّ منه، وهو البرّ
بخصوصه. انتھی.
قال صاحب ((المرعاة)): ولا يخفى ما فيه من التكلّف، والظاهر عندي هو
قول من قال: إن الطعام في قوله: ((صاعاً من طعام)) مجملٌ، وما ذُكر بعده
بيان له، كما يدلّ عليه طريق حفص بن ميسرة، وحديث ابن عمر عند ابن
خزيمة، وأن الصحابة ما كانوا يُخرجون البرّ في عهده ◌َلچ، كما يدلّ عليه رواية
النسائيّ، والطحاويّ: ((كنا نخرج في عهد رسول الله وَ له صاعاً من تمر، أو
صاعاً من شعير، أو صاعاً من أقط، لا نخرج غيره))، وأنّ أبا سعيد ما أخرج
البرّ في صدقة الفطر قطّ، لا في زمانه وَل*، ولا فيما بعده، لا صاعاً، ولا
نصفه، كما يدلّ عليه رواية مسلم: إن معاوية لَمّا جعل نصف الصاع من الحنطة
عَدْلَ صاع من تمر، أنكر ذلك أبو سعيد، وقال: ((لا أخرج فيها إلا الذي كنت
أخرج في عهد رسول الله وَ لتر، صاعاً من تمر، أو صاعاً من زبيب، أو صاعاً
من شعير، أو صاعاً من أقط))، وفي رواية: قال أبو سعيد: ((فأما أنا فلا أزال
أخرجه كما كنت أخرجه أبداً ما عِشْتُ))، وأن أبا سعيد لَمّا تحقق عنده أن

١٢٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
الصحابة أخرجوا في زمنه # صاعاً من جميع ما أخرجوا من الشعير،
والأقط، والتمر، والزبيب، وغيرها، ذهب إلى أن المقدار الواجب من كلّ
شيء صاع، أو لَمّا رأى أنّ النبيّ وَِّ شرع لهم صاعاً من غير البرّ، ولم يبيّن
لهم حال البرّ، فقاس عليه أبو سعيد حال البرّ، ورأى أن الواجب في البرّ أيضاً
صاعٌ.
وقد روى أبو داود عن عياض، قال: سمعت أبا سعيد يقول: ((لا أخرج
أبداً إلا صاعاً - أي: من كلّ شيء - إنا كنّا نخرج على عهد رسول الله وَّة
صاع تمر، أو شعير، أو أقط، أو زبيب)).
وأخرج الطحاويّ في ((شرح معاني الآثار)) (٤٢/٢) عن عياض، قال:
سمعت أبا سعيد، وهو يُسأل عن صدقة الفطر؟ قال: ((لا أخرج إلا ما كنت
أخرج على عهد رسول الله وَل﴿ صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً
من زبيب، أو صاعاً من أقط، فقال له رجلٌ: أو مدّين من قَمْح؟ فقال: لا،
تلك قيمة معاوية، لا أقبلها، ولا أعمل بها)).
وأخرجه أيضاً الدارقطنيّ في ((سننه)) (١٤٥/٢ - ١٤٦)، والحاكم في
((المستدرك)) (٤١١/١)، وابن خزيمة في (صحيحه)) (٨٩/٤ - ٩٠)، والبيهقيّ
(٤/ ١٦٦) وزادوا فيه: ((أو صاعاً من حنطة)) بعد قوله: ((صاعاً من تمر)). وقد
صرّح ابن خزيمة، وأبو داود أن ذكر الحنطة فيه غير محفوظ.
وأما ما أخرجه الطحاويّ بسنده (٤٤/٢) عن أبي سعيد أنه قال: ((إنما
علينا أن نعطي لكلّ رأس عند كلّ فطر صاعاً من تمر، أو نصف صاع من برّ))،
فلا يوازي الروايات المتقدمة، فلا يلتفت إليه.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أي: لأنه ضعيف؛ لأن في سنده الحسن
البصريّ، عن أبي سعيد الخدريّ، والحسن لم يسمع من أبي سعيد
الخدريّ(١)، وقد عنعنه، وهو مدّس، والله تعالى أعلم.
قال: والقول بأن حديث الباب يدلّ على أنهم كانوا يُعطون من البرّ
(١) انظر ترجمته في: ((تهذيب التهذيب)) ١ /٣٨٨ - ٣٩١، فقد عدّ بهز بن أسد أبا
سعيد الخدريّ من جملة من لم يسمع منهم الحسن، من الصحابة.

١٢٥
(٥) - بَابُ بَيَانِ فَرْضٍ زَكَاةِ الْفِطْرِ - حديث رقم (٢٢٨٤)
صاعاً، لكن على سبيل التبرّع - يعني: أن أبا سعيد، وغيره من الصحابة إنما
كانوا يخرجون النصف الآخر تطوّعاً، واختياراً، وفضلاً - تأويلٌ بعيد، لا يخفى
تكلّفه.
وأما ما يُذكر من الأحاديث المرفوعة في الصاع من القمح، أو في
نصفه، فكلّها مدخولة.
قال البيهقيّ (١٧٠/٤) بعد إيراد أحاديث نصف الصاع من القمح: وقد
وردت أخبار عن النبيّ 18َ في صاع من برّ، ووردت أخبار في نصف صاع،
ولا يصحّ شيء من ذلك، قد بيّنت علّة كلّ واحد منها في ((الخلافيّات)). انتهى
كلام صاحب ((المرعاة)) تَخْذُ باختصار(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذكره صاحب ((المرعاة)) تَُّ كلام
نفيسٌ جدّاً، وقد اتّضح بما تقدّم أن الصواب كون الطعام في قوله: ((صاعاً من
طعام)) مجملاً، والمعطوفات عليه تفصيلٌ له، وتوضيح للمراد منه، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في النوع الذي يُجزئ في
صدقة الفطر :
ذهب الشافعيّة إلى أن جنس الفطرة كلّ ما يجب فيه العشر. وعن
الشافعيّ قولٌ قديم أنه لا يجزئ فيها الحمّص، والعدَسُ، والمذهب المشهور
الأول، والصحيح عندهم إجزاء الأقط أيضاً؛ لصحّة الحديث به، قال وليّ
الدين: فإن جوّزناه فالأصحّ أن اللبن، والجبن الذي ليس منزوع الزّبد في
معناه، والخلاف في إخراج مَنْ قوته الأقط، واللبن، والجبن، ولا يجزئ
الدقيق، ولا السويق، ولا الخبز، كما لا تُجزئ القيمة. وقال الأنماطيّ:
يجزئ الدقيق، قال ابن عبدان: يقتضي قوله إجزاء السويق، والخبز، وصححه.
وفي الواجب من الأجناس المجزئة ثلاثة أوجه لأصحاب الشافعيّ:
أصحها عند الجمهور غالب قوت البلد. والثاني: قوت نفسه، وصححه ابن
عبدان. والثالث: يتخيّر بين الأجناس، وهو الأصحّ عند القاضي أبي الطيب.
(١) انظر: ((المرعاة)) ١٩٤/٦ - ١٩٦.

١٢٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
ثم إذا كان الواجب قوت نفسه، أو البلد، فعدل إلى ما هو دونه لم يجز، وإن
عدل إلى أعلى منه جاز. وفيما يعتبر به الأعلى والأدنى وجهان: أصحّهما
الاعتبار بزيادة صلاحية الاقتيات. والثاني بالقيمة.
وقالت الحنابلة: هو مخيّر بين الخمسة المنصوص عليها، وهي التمر،
والشعير، والبرّ، والزبيب، والأقط، قالوا: والسُّلْت نوع من الشعير، فيجوز
إخراجه لدخوله في المنصوص عليه، وهو في بعض طرق حديث ابن عمر.
ونصّ أحمد على جواز إخراج الدقيق، وكذلك السويق، ولا يجزئ عندهم
الخبز، قالوا: فيتخيّر بين هذه، فيخرج ما شاء منها، وإن لم يكن قوتاً له، إلا
الأقط، فإنما يخرجه من هو قوته، أو لم يجد من المنصوص عليه سواه، فإن
وجد سواه، ففي إجزائه عندهم روايتان، منشؤهما ورود النصّ به، وكونه غیر
زكويّ، قالوا: وأفضلها التمر، وبعده البرّ، وقال بعضهم: الزبيب. قالوا: ولا
يجوز العدول عن هذه الأشياء مع القدرة على أحدها، ولو كان المعدول إليه
قوت بلده، فإن عجز عنها أجزأه كلّ مقتات، من كلّ حبّة وثمرة. قاله الخرقيّ.
قال ابن قدامة: وظاهره أنه لا يجزئه المقتات من غيرها، كاللحم
واللبن. وقال أبو بكر: يُعطي ما قام مقام الأجناس المنصوص عليها عند
عدمها. وقال ابن حامد: يجزئه عند عدمها الإخراج مما يُقتات به، كالذُّرَة،
والدُّخْن، ولحوم الحيتان، والأنعام، ولا يُرَدّون إلى أقرب قوت الأمصار.
وأما المالكيّة فإن المشهور عندهم أنه جنسيّة المقتات في زمنه بَّ، من
القَمْح، والشعير، والسُّلْت، والزبيب، والتمر، والأقط، والذَّرَة، والأرز،
والدُّخْن، وزاد ابن حبيب: العلس(١)، وقال أشهب: من الستّ الأُوَلِ خاصّة،
فلو اقتِيتَ غيره، كالقَطَانيّ(٢)، والتين، والسويق، واللحم، واللبن، فالمشهور
(١) ((العلس)) - بفتحتين -: ضرب من الحنطة، يكون في القشرة منه حبتان، وقد تكون
واحدة، أو ثلاث. وقال بعضهم: هو حبة سوداء تؤكل في الجدب. وقيل: مثل
البرّ، إلا أنه عَسِرُ الاستنقاء. وقيل: هو العدَس. قاله في ((المصباح)).
(٢) القَطَانيّ: بالفتح جمع قِظْنيّة، وهي العَدَسُ، والخُلَّرُ، والفول، والدُّجْرُ،
والحمّص. اهـ. ((القاموس)). وفي ((المصباح)): قيل لما يُدّخر في البيت من =

١٢٧
(٥) - بَابُ بَيَانِ فَرْضٍ زَكَاةِ الْفِطْرِ - حديث رقم (٢٢٨٤)
الإجزاء، وفي الدقيق قولان، ويخرج من غالب قوت البلد، فإن كان قوته دونه
لا لشخّ، فقولان.
وقال الحنفيّة: يتخيّر بين البرّ، والدقيق، والسويق، والزبيب، والتمر،
والشعير، والدقيقُ أولى من البرّ، والدراهم أولى من الدقيق، فيما يُروى عن
أبي يوسف، وهو اختيار الفقيه أبي جعفر؛ لأنه أدفع للحاجة. وعن أبي بكر
الأعمش: تفضيل القمح؛ لأنه أبعد من الخلاف.
قال وليّ الدين تَّلُهُ: من قال بالتخيير فقد أخذ بظاهر الحديث، وأما من
قال بتعيين غالب قوت البلد، أو قوت نفسه، فإنه حمل الحديث على ذلك،
ولم يجعله على ظاهره من التخيير، واقتصر في المشهور من روايات ابن عمر
على التمر، والشعير؛ لأنهما غالب ما يُقتات بالمدينة في ذلك الوقت، فإما أن
يكون محمولاً على إيجاب التمر على من يقتاته، والشعير على من يقتاته، وإما
أن يكون مخيّراً بينهما؛ لاستوائهما في الغلبة، فلا ترجيح لأحدهما على
الآخر، فالمخرِج مخيّرٌ بينهما. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الأرجح عندي حمل ((أو)) على معنى
التخيير، وأن المؤدّي لصدقة الفطر مخيّرٌ في إخراج أيّ نوع شاء، مما
صحّ ذكره في الحديث، لا من سائر أنواع الحبوب، فإنها لا تجزئ مع
وجود المنصوص عليه، وإن لم يوجد شيء من المنصوص عليه أجزأ كلُّ
ما كان قوتَ أهل البلد غالباً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
(المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في الأفضل من الأجناس
المنصوص عليها :
= الحبوب، ويقيم زماناً قِطْنيّة - بكسر القاف ـ على النسبة، وضمُّ القاف لغة. وفي
((التهذيب)): القِطْنِيّةُ: اسم جامع للحبوب التي تطبخ، وذلك مثل العدس،
والباقلَاء، واللُّوبِيَاءِ، والحمّص، والأرز، والسمسم، وليس القمح، والشعير من
الْقَطَانيّ. انتھی.
(١) راجع: ((طرح التثريب)) ٥٠/٤ - ٥٢.

١٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
ذهب الإمامان: مالك، وأحمد إلى اختيار إخراج التمر، قال ابن
المنذر: واستحبّ مالك إخراج العجوة منه.
وذهب الشافعيّ، وأبو عبيد إلى اختيار إخراج البرّ. وقال بعض أصحاب
الشافعيّ: يَحْتَمِل أن يكون الشافعيّ قال ذلك؛ لأن البرّ كان أعلى في وقته،
ومكانه؛ لأن المستحبّ أن يخرج أغلاها ثمناً، وأنفسها؛ لقول النبيّ وَّ، وقد
سئل عن أفضل الرقاب؟ قال: ((أغلاها ثمناً، وأنفسها عند أهلها))، متّفق عليه.
وإنما اختار أحمد إخراج التمر اقتداءً بأصحاب رسول الله وَالت، واتباعاً
لهم. وروى بإسناده عن أبي مِجْلَزٍ، قال: قلت لابن عمر: إن الله قد أوسع،
والبرّ أفضل من التمر، قال: إن أصحابي سلكوا طريقاً، وأنا أُحبّ أن أسلكه.
وظاهر هذا أن جماعة من الصحابة كانوا يخرجون التمر، فأحبّ ابن عمر
موافقتهم، وسلوك طريقتهم، وأحبّ أحمد أيضاً الاقتداء بهم، واتِّباعهم.
ورَوَى البخاريّ عن ابن عمر، قال: ((فرض النبيّ وَّـ صدقة الفطر ... ))
الحديث. وفيه: كان ابن عمر يُعطي التمر، فأعوز أهلُ المدينة من التمر، فأعطى
شعيراً، قال الحافظ: فيه دلالة على أن التمر أفضل ما يُخْرَج في صدقة الفطر.
وقد روى جعفر الفريابيّ من طريق أبي مِجْلَزٍ، قال: قلت لابن عمر: قد
أوسع الله، والبرّ أفضل من التمر، أفلا تُعطي البرّ؟، قال: لا أُعطي إلا كما كان
يعطي أصحابي. ويُستَنبَطُ من ذلك أنهم كانوا يخرجون من أعلى الأصناف التي
يُقتات بها؛ لأن التمر أعلى من غيره، مما ذُكر في حديث أبي سعيد، وإن كان
ابن عمر فَهِمَ منه خصوصيّة التمر بذلك، والله أعلم. انتهى كلام الحافظ تَقْدَتُهُ(١).
قال ابن قُدامة تَخْتُهُ: والأفضل بعد التمر البرّ، وقال بعض أصحابنا:
الأفضل بعده الزبيب؛ لأنه أقرب تناولاً، وأقلّ كلفة، فأشبه التمر. ولنا أن البرّ
أنفع في الاقتيات، وأبلغ في دفع حاجة الفقير. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي قول من فضّل الزبيب على البرّ
أرجح؛ لصحّة الحديث به، دون البرّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
(١) راجع: ((الفتح)) ١٤٨/٤ - ١٥٠.
(٢) راجع: ((المغني)) ٢٩١/٤ - ٢٩٢.

١٢٩
(٥) - بَابُ بَيَانِ فَرْضٍ زَكَاةِ الْفِطْرِ - حديث رقم (٢٢٨٤)
(المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم في دفع الأقط في صدقة
الفطر :
(اعلم): أنهم قد اختلفوا في ذلك، فقال مالك بالإجزاء، إذا كان من
أغلب القوت، وللشافعيّ فيه قولان: أحدهما كقول مالك. والثاني: أنه لا
يجزئ، قال الحافظ: وعند الشافعيّة فيه خلاف، وزعم الماورديّ أنه يختصّ
بأهل البادية، وأما الحاضرة، فلا يجزئ عنهم بلا خلاف، وتعقّبه النوويّ في
(شرح المهذّب))، وقال: قطع الجمهور بأن الخلاف في الجميع. انتهى.
والمذكور في فروع الشافعيّة الإجزاء إذا كان غالب أقوات المخرج. قال
النوويّ في ((شرح مسلم)): يجزئ الأقط على المذهب. انتهى. وقال الحنفيّة:
لا يُجزئ إلا بدلاً عن القيمة. قال الكاسانيّ في ((البدائع)): أما الأقط، فتعتبر
فيه القيمة لا يجزئ إلا باعتبار القيمة؛ لأنه غير منصوص عليه من وجه يوثق
به، وجواز ما ليس بمنصوص عليه لا يكون إلا بالقيمة. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا عجيب من الكاسانيّ، فإن حديث
أبي سعيد الخدريّ طلبه هذا أخرجه الشيخان، وغيرهما، فقوله: ((غير منصوص
عليه من وجه يوثق به)) ينادي عليه بأنه بعيد كلّ البعد عن مراجعة مشاهير
الكتب الحديثية، كالصحيحين، فضلاً عن غيرها، مع أنه يعدّ من كبار الفقهاء
الحنفية، إن لهو العجب العُجاب.
وقال ابن قدامة: يجزئ أهل البادية إخراج الأقط إذا كان قوتهم، وكذلك
من لم يجد من الأصناف المنصوص عليها سواه، فأما من وجد سواه، فهل
يجزئ؟ على روايتين: إحداهما: يجزئه أيضاً؛ لحديث أبي سعيد المذكور في
الباب. والثانية: لا يجزئه؛ لأنه جنس لا تجب فيه الزكاة، فلا يجزئ إخراجه
لمن يقدر على غيره من الأجناس المنصوص عليها، كاللحم، ويُحمل الحديث
على من هو قوت له، أو لم يقدر على غيره. انتهى كلام ابن قدامة باختصار.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول الأول هو الحقّ، وأما القول
الثاني، فمخالف للنصوص الصحيحة، فلا يلتفت إليه.
فالحقّ أنه يجزئ إخراج الأقط، مطلقاً، سواء كانوا من أهل الأمصار،
أو من غيرهم، قادرين على غيره، من التمر، وغيره، أو لا، وسواء كان قوتاً

١٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
له، أو لا؛ لأن الحديث لم يفرّق، ولم يفصّل شيئاً من ذلك.
والحاصل أن الأقط مجزئ مطلقاً؛ لحديث أبي سعيد الخدريّ
المذكور في الباب، حيث قال: ((كنّا نخرج في عهد رسول الله صلفر ... ))
الحديث، فأطلق، ولم يقيّده بشيء، مما ذكروه، فدلّ على أنه يجزئ مطلقاً،
كالتمر، والشعير المذكورين معه، حيث لا خلاف في إجزائهما، فكذلك هو،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثامنة): في اختلاف أهل العلم في إخراج القيمة في صدقة
الفطر :
ذهب الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعيّ، وأحمد - رحمهم الله تعالى - إلى
أنه لا يجوز دفع القيمة في صدقة الفطر.
وذهب الإمام أبو حنيفة، وأصحابه - رحمهم الله تعالى - إلى جواز ذلك.
قال ابن قدامة: قال أبو داود: قيل لأحمد، وأنا أسمع: أَعطَى دراهم -
يعني: في صدقة الفطر - قال: أخاف أن لا يجزئه خلاف سنّة رسول الله وَّه.
وقال أبو طالب: قال أحمد: لا يعطي قيمته، قيل له: قوم يقولون: عمر بن
عبد العزيز كان يأخذ القيمة، قال: يدعون قول رسول الله وَّقه، ويقولون قال
فلان، قال ابن عمر: ((فرض رسول الله وَ﴿))، وقال الله تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ
وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ﴾ [المائدة: ٩٢]. وقال قوم يردّون السنن: قال فلان، قال فلان.
وظاهر مذهبه أنه لا يجزئه إخراج القيمة في شيء من الزكوات، وبه قال
مالك، والشافعيّ.
وقال الثوريّ، وأبو حنيفة: يجوز. وقد روي ذلك عن عمر بن
عبد العزيز، والحسن، وروي عن أحمد مثل قولهم فيما عدا صدقة الفطر،
وقال أبو داود: سئل أحمد عن رجل باع ثمر نخلته؟، قال: عشره على الذي
باعه، قيل له: فيخرج ثمراً، أو ثمنه؟ قال: إن شاء أخرج ثمراً، وإن شاء
أخرج من الثمن. وهذا دليل على جواز إخراج القيم. ووجهه قول معاذ لأهل
اليمن: ((ايتوني بخميس، أو لبيس، آخذه منكم، فإنه أيسر عليكم، وأنفع
للمهاجرين بالمدينة)).
وقال سعيد: حدّثنا سفيان، عن عمرو، عن طاوس، قال: لَمّا قدم معاذ

١٣١
(٥) - بَابُ بَيَانِ فَرْضٍ زَكَاةِ الْفِطْرِ - حديث رقم (٢٢٨٤)
اليمن، قال: ((ائتوني بعرض ثيابٍ، آخذه منكم مكان الذرة، والشعير، فإنه
أهون عليكم، وخير للمهاجرين بالمدينة)). قال: وحدّثنا جرير، عن ليث، عن
عطاء، قال: كان عمر بن الخطّاب يأخذ العروض في الصدقة من الدراهم؛
ولأن المقصود دفع الحاجة، ولا يختلف ذلك بعد اتحاد قدر الماليّة باختلاف
صور المال.
قال ابن قدامة: ولنا قول ابن عمر: ((فرض رسول الله وَله صدقة الفطر،
صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير))، فإذا عدل عن ذلك، فقد ترك المفروض.
وقال النبيّ وَّ: ((في أربعين شاةً شاةٌ))، وفي مائتي درهم خمسة دراهم. وهو
وارد لبيان مجمل قوله تعالى: ﴿وَءَتُواْ الزَّكَوَةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، فتكون الشاة
المذكورة هي الزكاة المأمور بها، والأمر للوجوب. انتهى.
وقد وافق الإمام البخاريّ في ذلك الحنفيّةَ، فقال بجواز إخراج العروض
في الزكاة، إذا كانت بقيمتها، إذ ترجم بقوله: ((باب الْعَرْضِ في الزكاة))، وذكر
فيه أثر طاوس المتقدّم، وغيره من الأحاديث. وقد أجاب الجمهور عن جميع
ذلك، وقد تقدّم البحث عن ذلك.
وقال الشوكانيّ تَُّ في كتابه ((السيل الجرّار)) في شرح قول صاحب
((حدائق الأزهار)): ((إنما تجزئ القيمة للعذر)): أقول هذا صحيح؛ لأن ظاهر
الأحاديث الواردة بتعيين قدر الفطرة من الأطعمة أنّ إخراج ذلك مما سمّاه
النبيّ وَّه متعيّنٌ، وإذا عرض مانع من إخراج العين، كانت القيمة مجزئة؛ لأن
ذلك هو الذي يمكن مَنْ عليه الفطرة، ولا يجب عليه ما لا يدخل تحت
إمكانه. انتهى كلام الشوكانيّ(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الشوكانيّ تَظْتُ هو الأرجح
عندي .
وحاصله أن دفع عين ما وجب في زكاة الفطر، أو زكاة المال هو
المتعيّن، فإن لم يتيسّر جازت القيمة؛ لقول الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا
وُسْعَهَا﴾ الآية [البقرة: ٢٨٦]، وقوله: ﴿فَأَنَّقُواْ اللَّهَ مَا أَسْتَطَعْتُمْ﴾ الآية [التغابن: ١٦]،
(١) راجع: ((السيل الجرّار)) ٨٦/٢.

١٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
وقوله : ((إذا أمرتكم بشيء، فائتوا منه ما استطعتم ... )) الحديث متفق عليه،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢٢٨٥] ( ... ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ،
عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عِيَاضٍّ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي
سَرْح، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، يَقُولُ: كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ،
وَرَسُوَّلُ اللهِ نَّهِ فِينَا، عَنْ كُلِّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ، حٍُّ وَمَمْلُوكِ، مِنْ ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ،
صَاعاً مِنْ تَمْرِ، صَاعاً مِنْ أَقِطٍ، صَاعاً مِنْ شَّعِيرٍ، فَلَمْ نَزَلْ نُخْرِجُهُ كَذَلِكَ، حَتَّى
كَانَ مُعَاوِيَةُ، فَرَأَى أَنَّ مُدَّيْنٍ مِنْ بُرِّ، تَعْدِلُ صَاعًاً مِنْ تَمْرٍ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَأَمَّا
أَنَا فَلَا أَزَالُ أُخْرِجُهُ كَذَلِكَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (مَعْمَرُ) بن راشد، تقدّم أيضاً قبل ثلاثة أبواب.
٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ) تقدّم أيضاً قبل ثلاثة أبواب.
والباقون ذُكروا في الباب.
[تنبيه]: هذا الإسناد مما انتقده الدارقطنيّ على مسلم، فقال: خالف
سعيد بن مسلمة معمراً فيه، فرواه عن إسماعيل بن أميّة، عن الحارث بن
عبد الرحمن بن أبي ذُباب، عن عياض، قال الدارقطنيّ: والحديث محفوظ عن
الحارث. انتهى.
وقد أجاب النوويّ، فقال: هذا الاستدراك ليس بلازم، فإن إسماعيل بن
أميّة صحيح السماع، عن عياض. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما أجاب به النوويّ حسنٌ، ولا سيّما
أن المخالف لمعمر، وهو سعيد بن مسلمة ضعفه الأئمة، فقد قال ابن معين:
ليس بشيء، وقال البخاريّ: منكر الحديث، فيه نظر، وقال النسائيّ: ضعيف،
وقال الدارقطنيّ: ضعيف يُعتبر به، وقال ابن حبان: فاحش الخطأ، منكر

١٣٣
(٥) - بَابُ بَيَانِ فَرْضٍ زَكَاةِ الْفِطْرِ- حديث رقم (٢٢٨٦)
الحديث جدّاً، وقال الساجيّ: صدوق منكر الحديث(١).
فمخالفة من هذه حاله للإمام الحجة الثبت معمر بن راشد غير مقبولة،
فالحقّ أن رواية معمر صحيحة، على أنه لا مانع من أن يكون الطريقان
صحيحتين، فيُحمل على أن إسماعيل بن أميّة حدّث به عن الحارث بن
عبد الرحمن بن أبي ذباب، عن عياض، ثم سمعه من عياض نفسه، فحدّث
بالوجهين(٢).
والحاصل أن رواية مسلم من طريق معمر هذه صحيحة بلا شكّ، والله
تعالى أعلم بالصواب.
وقوله: (حَتَّى كَانَ مُعَاوِيَةٌ) ((كان)) هنا تامّة؛ أي: حتى جاء وقت خلافته،
ويَحْتَمِل أن تكون ناقصةً، ويُقدّر خبرها؛ أي: حتى كان معاوية خليفةً، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٢٨٦] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ
جُرَيْجِ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي ذَّبَابٍ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ
أَبِي سَرْحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ، مِنْ ثَلَاثَةٍ
أَصْنَافٍ: "الْأَقِطِ، وَالثَّمْرِ، وَالشَّعِيرِ).
رجال هذا الإسناد: ستة :
١ - (ابْنُ جُرَيْج) تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (الْحَارِثُّ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنٍ أَبِي ذُبَابٍ) هو: الحارث بن
عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد بن أبي ذُباب الدوسيّ المدنيّ، صدوقٌ يَهِمُ [٥]
(ت١٤٦) (عخ م مدت س ق) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٥٢٩/٥٤.
(١) ((تهذيب التهذيب)) ٤٣/٢.
(٢) راجع: ما كتبه الشيخ ربيع بن هادي في دراسته ((بين الإمامين: مسلم والدارقطنيّ))
(ص١٩٠ - ١٩٤).

١٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
والباقون ذُكروا قبله، والحديث تقدّم شرحه، وبيان ما يتعلّق به، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٢٨٧] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنِ
ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ
مُعَاوِيَةً لَمَّا جَعَلَ نِصْفَ الصَّاعِ مِنَ الْحِنْطَةِ عَدْلَ صَاعٍ مِنْ تَمْرٍ، أَنْكَرَ ذَلِكَ أَبُو
سَعِيدٍ، وَقَالَ: لَا أُخْرِجُ فِيهَا إِلَّا الَّذِي كُنْتُ أُخْرِجُ فِي عُّهْدِ رَسُولِ اللهِ وَِّ، صَاعاً
مِنْ تَمْرٍ ، أَوْ صَاعاً مِنْ زَبِيبٍ، أَوْ صَاعاً مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعاً مِنْ أَقِطٍ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، تقدّم قبل باب.
٢ - (حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) تقدّم قبل باب أيضاً.
٣ - (ابْنُ عَجْلَانَ) هو: محمد القرشيّ، مولى فاطمة بنت الوليد، أبو
عبد الله المدنيّ، صدوقٌ [٥] (ت١٤٨) (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان) ١٠/ ١٥٠.
والحديث سبق تمام البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أُسْتَطَعْثُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِللهِ عَلَيْهِ تَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيِبُ﴾ .
(٦) - (بَابُ الأَمْرِ بِإِخْرَاجِ زَكَاةِ الْفِطْرِ قَبْلَ الصَّلَاةِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٨٨] (٩٨٦) - (حَدَّثَنَا(١) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْئَمَةَ، عَنْ
مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهُ أَمَرَ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ، أَنْ
تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ»).
(١) وفي نسخة: ((وحدّثنا)).

١٣٥
(٦) - بَابُ الأَمْرِ بِإِخْرَاجِ زَكَاةِ الْفِطْرِ قَبْلَ الصَّلَاةِ - حديث رقم (٢٢٨٨)
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو خَيْئَمَةَ) زهير بن معاوية بن حُديج الْجُعفيّ الكوفيّ، نزيل
الجزيرة، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت٢ أو ٣ أو ١٧٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٦٢.
٢ - (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بن أبي عيّاش الأزدي مولاهم، ثقةٌ فقيهٌ إمام في
المغازي [٥] (ت١٤١) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٣٣/٨١.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف نَّلُهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو
داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فنيسابوريّ، وأبي
خيثمة، فبغداديّ، نزيل الجزيرة.
٤ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ، عن تابعيّ، وتقدّم الكلام في ابن
مر فقًا.
عـ
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﴿ُهَا (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ أَمَرَ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ، أَنْ تُؤَدَّى) ((أن))
بالفتح مصدريّة، والمصدر المؤوّل بدل من ((زكاة الفطر))؛ أي: بأدائها (قَبْلَ
خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ) قال النوويّ كَُّهُ: فيه دليلٌ للشافعيّ والجمهور في
أنه لا يجوز تأخير الفطرة عن يوم العيد، وأن الأفضل إخراجها قبل الخروج
إلى المصلّى. انتهى. وسيأتي تحقيق الخلاف في المسألتين الآتيتين - إن شاء الله
تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان،
وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر ◌َّ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٢٨٨/٦ و٢٢٨٩] (٩٨٦)، و(البخاريّ) في

١٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
((الزكاة)) (١٥٠٩)، و(أبو داود) في ((الزكاة)) (١٦١٠)، و(الترمذيّ) في ((الزكاة))
(٦٧٧)، و(النسائيّ) في ((الزكاة)) (٥٤/٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٥١/٢
و١٥٤ و١٥٧)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٢٤٢١ و٢٤٢٢ و٢٤٢٣)، و(ابن
حبّان) في ((صحيحه)) (٩٣/٨ و٩٦)، و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (١٣٩/٢ و١٥٢
و١٥٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٧٤/٤) و((المعرفة)) (٣٣٣/٣)، و(أبو
نعيم) في ((مستخرجه)) (٦٤/٣ - ٦٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في وقت وجوبها :
قال الإمام ابن قُدامة تَخْلَمُهُ: فأما وقت وجوبها، فهو وقت غروب الشمس
من آخر يوم من رمضان، فإنها تجب بغروب الشمس من آخر شهر رمضان،
فمن تزوّج، أو مَلَك عبداً، أو وُلِد له ولدٌ، أو أسلم قبل غروب الشمس، فعليه
الفطرة، وإن كان بعد الغروب، لم تلزمه، ولو كان حين الوجوب معسراً، ثمّ
أيسر في ليلته تلك، أو في يومه، لم يجب عليه شيء، ولو كان في وقت
الوجوب موسراً، ثمّ أعسر، لم تسقط عنه؛ اعتباراً بحالة الوجوب، ومن مات
بعد غروب الشمس ليلة الفطر، فعليه صدقة الفطر، نصّ عليه أحمد.
وبما ذكرنا في وقت الوجوب قال الثوريّ، وإسحاق، ومالكٌ، في إحدى
الروايتين عنه، والشافعيّ في أحد قوليه(١).
واحتجّ هؤلاء بما أخرجه أبو داود من حديث ابن عبّاس ◌ًَّا: ((فرض
رسول الله ( زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث ... )) الحديث، وهو
حديث حسن.
قالوا: لأنها أضيفت إلى الفطر، فكانت واجبة به، كزكاة المال، وذلك
لأن الإضافة دليل الاختصاص، والسبب أخصّ بحكمه من غيره.
ووجه ذلك أن الفطر من صوم رمضان، والخروج عنه جملةً يكون بغروب
شمس آخر يوم من رمضان.
وقال الليث، وأبو ثور، وأصحاب الرأي: تجب بطلوع الفجر يوم العيد،
وهو رواية عن مالك؛ لأنها قربة تتعلّق بالعيد، فلم يتقدّم وقتها يوم العيد،
(١) ((المغني)) ٢٩٨/٤ - ٢٩٩.

١٣٧
(٦) - بَابُ الأَمْرِ بِإِخْرَاجِ زَكَاةِ الْفِطْرِ قَبْلَ الصَّلَاةِ - حديث رقم (٢٢٨٨)
كالأضحيّة، ولأن هذا وقت الفطر، لا ما قبله؛ لأنه في كلّ ليلة كان يفطر
كذلك، ثم يصبح صائماً، فإنما أفطر من صومه جملةً صبيحةً يوم الفطر.
وقال ابن حزم: وقت زكاة الفطر الذي لا تجب قبله، وإنما تجب
بدخوله، ثم لا تجب بخروجه، فهو إثر طلوع الفجر الثاني، من يوم الفطر
ممتدّاً إلى أن تبيضّ الشمس، وتحلّ الصلاة من ذلك اليوم نفسه، ثم استدلّ
بحديث الباب، وقال: فهذا وقت أدائها بالنصّ، ثم ذكر في وقت الوجوب مثل
المذهب الثاني.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أن المذهب الأول هو
الأرجح؛ لأنه أقرب إلى المعنى؛ لأن الصدقة مضافة إلى الفطر من رمضان،
كما تقدّم، والفطر من رمضان يتحقّق بانسلاخ آخر يوم منه وذلك بغروب
شمسه، فليلة العيد ليست منه، بل هي تابعة لما بعدها وهو يوم العيد، وهي
وقت الفطر من رمضان، وأولها من غروب الشمس، فيتعلّق الوجوب به، وهذا
ظاهر لمن تأمّل بإنصاف، فالحقّ أن الوجوب يتعلّق بغروب الشمس من آخر
يوم من رمضان، فمن كان من أهل وجوب الفطر حينئذ لزمته، ومن لا فلا،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في جواز تأخيرها عن وقتها :
ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا يجوز تأخير إخراجها عن يوم الفطر، وبه
قال الشافعيّة، والحنفيّة، والمالكيّة، وهو المشهور عند الحنابلة. قاله وليّ الدين.
وقال ابن قدامة: المستحبّ إخراجها يوم الفطر قبل الصلاة؛ لحديث
الباب، وحديث ابن عباس ﴿ه، مرفوعاً: ((من أدّاها قبل الصلاة، فهي زكاة
مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة، فهي صدقة من الصدقات))، رواه أبو داود،
وتقدّم أنه حديث حسنٌ.
قال: فإن أخّرها عن الصلاة ترك الأفضل؛ لما ذكرنا من السنّة، ولأن
المقصود منها الإغناء عن الطواف والطلب في هذا اليوم، فمتى أخّرها لم
يحصل إغناؤهم في جميعه، لا سيما وقت الصلاة، ومال إلى هذا القول
عطاءٌ، ومالك، وموسى بن وَرْدَان، وإسحاق، وأصحاب الرأي، قال: فإن
أخّرها عن يوم العيد أثم، ولزمه القضاء.

١٣٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
وحَكَى ابن المنذر عن ابن سيرين، والنخعيّ أنهما كانا يرخّصان في
تأخيرها عن يوم الفطر، قال: وقال أحمد: أرجو أن لا يكون بذلك بأس(١).
وذكر ابن قدامة أن محمد بن يحيى الكّحّال قال: قلت لأبي عبد الله:
فإن أخرج الزكاة، ولم يعطها، قال: نعم، إذا أعدّها لقوم، قال ابن قدامة:
واتباع السنّة أولى. انتهى (٢).
ومما استدلّ به على أنه لا يجوز تأخير إخراجها عن يوم العيد ما رواه
البيهقيّ في «سننه» (١٧٥/٤) من طريق أبي معشر السِّنْدِيّ، عن نافع، عن ابن
عمر ◌ًا عن النبيّ وَّر، أنه قال: ((أغنوهم عن طواف هذا اليوم))، وفيه أبو
معشر نَجِيح السِّنْديّ المدينيّ، ضعيف.
وقال ابن حزم تَظّْثُ: إذا تمّ الخروج إلى صلاة الفطر بدخول وقت
دخولهم في الصلاة، فقد خرج وقتها، فمن لم يؤدّها حتى خرج وقتها، فقد
وجبت في ذمّته وماله لمن هي له، فهي دين لهم، وحقّ من حقوقهم، قد وجب
إخراجها من ماله، وحَرُم عليه إمساكها في ماله، فوجب عليه أداؤها أبداً، فإذا
أداها سقط بذلك حقهم، ويبقى حقّ الله تعالى في تضييعه الوقت، لا يَقدِر على
جبره إلا بالاستغفار، والندامة. انتهى كلامه ◌َّتُهُ بتصرّف(٣).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه ابن حزم ◌َّثُ في
هذه المسألة أرجح المذاهب؛ لحديث الباب، حيث أَمَرَ رسول الله وَ ل﴿ أن
تُؤَدَّى قبل خروج الناس إلى الصلاة، وقد قال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ
عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيَهُمْ فِتْنَةُ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]، ولا يتوعّد الله وَلَ
بمثل هذا التوعّد إلا على ترك واجب، فثبت بذلك وجوب أدائها قبل الصلاة،
فإذا وجب حَرُمَ تأخيرها، ويؤيّد ذلك الحديثُ المتقدّمُ: ((من أدّاها قبل الصلاة،
فهي زكاة مقبولة، ومن أدّاها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات))، وهو
حديث حسن.
والحاصل أنه لا يجوز تأخيرها عن الصلاة؛ لما ذكر، ولكن لا تسقط
(١) ((طرح التثريب)) ٦٤/٤.
(٣) راجع: ((المحلّى)) ١٤٣/٦.
(٢) راجع: ((طرح التثريب)) ٦٤/٤.

١٣٩
(٦) - بَابُ الأَمْرِ بِإِخْرَاجِ زَكَاةِ الْفِطْرِ قَبْلَ الصَّلَاةِ - حديث رقم (٢٢٨٨)
بالتأخير، بل تكون ديناً عليه يجب أداؤها أبداً، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في جواز تقديمها عن وقتها :
ذهب الجمهور إلى أنه يجوز تقديم إخراج صدقة الفطر قبل ليلة الفطر،
ثم اختلفوا في مقدار التقديم.
فاشتهر عن الحنفيّة جواز تعجيلها من أول الحول، وعندهم في ذلك
خلافٌ، فحَكَى الطحاويّ عن أصحابهم جواز تعجيلها من غير تفصيل، وذكر
أبو الحسن الكرخيّ جوازها يوماً أو يومين، وروى الحسن بن زياد، عن أبي
حنيفة أنه يجوز تعجيلها سنة، وسنتين، وروى هشام عن الحسن بن زياد أنه لا
يجوز تعجيلها .
وعند المالكية في تقديمها بيوم إلى ثلاثة قولان.
وقال الشافعيّة: يجوز من أول شهر رمضان؛ لأنها حقّ ماليّ وجب
بسببين، وهما رمضان، والفطر منه، فيجوز تقديمها على أحدهما، وهو الفطر،
ولا يجوز تقديمها عليهما .
وعنهم وجهان آخران: أحدهما: يجوز إخراجها بعد طلوع الفجر الأول
من رمضان، وبعده إلى آخر الشهر، ولا يجوز في الليلة الأولى؛ لأنه لم يَشرَع
بعدُ في الصوم. والثاني: أنه يجوز في جميع السنة، حكاهما النوويّ في ((شرح
المهذّب)).
وذهب أكثر الحنابلة إلى أنه لا يجوز تقديمها بأكثر من يومين، وقال
بعض الحنابلة يجوز تعجيلها من بعد نصف الشهر، كما يجوز تعجيل أذان
الفجر، والدفع من مزدلفة بعد نصف الليل.
وذهب ابن حزم إلى أنه لا يجوز تقديمها قبل وقتها أصلاً، ذكر هذا كلّه
الحافظ وليّ الدين كَّلُهُ، ونقلته بتصرّف(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الأرجح قول من قال بجواز
تقديمها يوماً، أو يومين، ولا بأس بثلاثة أيام؛ لما أخرجه البخاريّ في
(١) راجع: ((طرح التثريب)) ٦٤/٤ - ٦٥.

١٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة
((صحيحه)) من حديث ابن عمر رضيها، قال: ((وكانوا يُعطون قبل الفطر بيوم، أو
يومين)). وأخرج ابن خزيمة في ((صحيحه)) من طريق عبد الوارث، عن أيوب،
قلت: ((متى كان ابن عمر يُعطي؟ قال: إذا قعد العامل، قلت: متى يقعد
العامل؟ قال: قبل الفطر بيوم، أو يومين))، ولمالك في ((الموطأ)) عن نافع: أن
ابن عمر كان يبعث زكاة الفطر إلى الذي يُجمَع عنده قبل الفطر بيومين، أو
ثلاث، وأخرجه الشافعيّ، عنه، وقال: هذا حسنٌ، وأنا أستحبّه - يعني:
تعجيلها قبل يوم الفطر - انتهى (١) .
فقوله: ((وكانوا يعطون)) دليل على أن هذا عمل الصحابة جميعاً؛ لما تقرّر
في علمي الحديث، والأصول، أن قول الصحابيّ: كنا نفعل كذا وكذا حكمه
الرفع، وإن لم يقيّد بعصر النبيّ ◌َّ على المرجح المختار، قاله الحافظ وليّ
الدين كَّلُ، وإلى هذا أشار السيوطيّ تَظُّْ في ((ألفية الحديث))، حيث قال:
نَحْوُ مِنَ السُّنَّةِ مِنْ صَحَابِي
وَلْيُعْطِ حُكْمَ الرَّفْعِ فِي الصَّوَابِ
فِي عَهْدِهِ أَوْ عَنْ إِضَافَةٍ عَرَى
كَذَا أُمِرْنَا وَكَذَا كُنَّا نَرَى
تَصْرِيحِهِ بِعِلْمِهِ الْخُلْفُ نُفِي
ثَالِثُهَا إِنْ كَانَ لَا يَخْفَى وَفِي
ويدلّ على ذلك أيضاً - كما قال الحافظ - ما أخرجه البخاريّ في ((كتاب
الوكالة))، وغيره، من ((صحيحه)) عن أبي هريرة ظُه، قال: ((وكّلني
رسول الله و بحفظ زكاة رمضان ... )) الحديث، وفيه أنه أمسك الشيطان
ثلاث ليالٍ، وهو يأخذ من التمر، فإنه يدلّ على أنهم كانوا يعجّلونها، وعكس
الجوزقيّ، فاستدلّ به على جواز تأخيرها عن يوم الفطر، قال الحافظ: وهو
محتملٌ للأمرين. انتهى(٢).
والحاصل أن الحقّ هو جواز تقديمها على يوم العيد بيوم، أو يومين،
ـّ، مع أن الظاهر اطلاعه والجل على ذلك،
كما صحّ ذلك عن الصحابة
وتقريره لهم، وهذا هو الدليل الصحيح الواضح، وأما حديث أبي هريرة
المذكور، فدلالته على مسألتنا محلّ نظر، فليتأمّل، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(١) راجع: ((الفتح)) ٤/ ١٥٠.
(٢) المصدر المذكور.