النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ (٥) - بَابُ بَيَانِ فَرْضٍ زَكَاةِ الْفِطْرِ - حديث رقم (٢٢٧٨) إخراج زكاة الفطر على المرأة في مالها، لا على الزوج، هو الصواب؛ لأن الوجوب عليها بنصّ الحديث، فلا يجب الإخراج على غيرها، وهو الزوج، وحجة من أوجب على الزوج هو القياس على النفقة، والقياس في مقابلة النصّ غير صحيح، ومن حجتهم أيضاً الحديث المذكور، وقد عرفت أنه لا يثبت، فلا يصلح للاحتجاج به، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة التاسعة): في اختلاف أهل العلم في إخراج زكاة الفطر عن الصغير الذي لم يبلغ، هل هي في ماله، إن كان له مالٌ، أو هي على أبيه؟: ذهب مالكٌ، والشافعيّ، وأحمد، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، والجمهور إلى أنها في ماله، إن كان له مالٌ، فإن لم يكن له مالٌ، فعلى من عليه نفقته، من أب وغيره. وقال محمد بن الحسن: هي على الأب مطلقاً، ولو كان للصغير مالٌ. وقال ابن حزم: هي في مال الصغير، إن كان له مالٌ، فإن لم يكن له شيء سقطت عنه، ولا تجب على أبيه. وقد حكى ابن المنذر الإجماع على خلافه. وقال ابن العربيّ: لا خلاف بين الناس أن الابن الصغير إذا كان له مالٌ أن زكاة الفطر تُخرج من ماله. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه الأولون من أنها تجب في مال الصبيّ، إن كان له مالٌ، وإلا فعلى من تلزمه نفقته هو الأرجح عندي، والله تعالى أعلم. وقال الشافعيّة: لا يختصّ ذلك بالصغير، بل متى وجبت نفقة الكبير بزمانه، ونحوها، وجبت فطرته، فلو كان الابن الكبير في نفقة أبيه، فوجد قُوْتَه ليلة العيد ويومه لم تجب فطرته على الأب؛ لسقوط نفقته عنه في وقت الوجوب، ولا على الابن؛ لإعساره، وكذا الابن الصغير، إذا كان كذلك في الأصحّ. وحكوا عن سعيد بن المسيّب، والحسن البصريّ أنها لا تجب إلا على من صلّى، وصام. وعن عليّ بن أبي طالب رَؤُه أنها لا تجب إلا على من أطاق الصوم والصلاة. قال الماورديّ: وبمذهبنا قال سائر الصحابة، والتابعين، وجميع الفقهاء. انتهى. ذكره وليّ الدين(١). (١) ((طرح التثريب)) ٥٩/٤ - ٦٠. ١٠٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحكاية المذكورة عن عليّ، وابن المسيّب، والحسن ما أظنها تصحّ، وإن صحّت فلا يُلتفت إليها؛ حيث إنها تصادم صريح النصّ عن رسول الله وَلجه، بقوله: ((على الكبير والصغير)) من غير فرق بين من أطاق الصوم والصلاة، ومن لم يطق، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: من أغرب ما ذكره ابن حزم في هذه المسألة أنه قال: تجب زكاة الفطر على الجنين، مستدلّاً بذكر الصغير في هذا الحديث، وقال: الجنين يقع عليه اسم صغير، ثم استدلّ بحديث ابن مسعود رُه في ((الصحيحين)): يُجمَع خلق أحدكم في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون عَلَقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه ملكاً ... وفيه: ثم ينفخ فيه الروح ... الحديث. ثم قال: هو قبل ما ذكرنا موات، فلا حكم على ميت، وأما إذا كان حيّاً، فكلّ حكم وجب على الصغير، فهو واجب عليه، ثم ذكر من رواية بكر بن عبد الله المزنيّ، وقتادة أن عثمان ربه كان يُعطي صدقة الفطر عن الصغير، والكبير، حتى عن الحمل في بطن أُمّه. وعن أبي قلابة، قال: كان يعجبهم أن يُعطوا زكاة الفطر عن الصغير، والكبير، حتى عن الحمل في بطن أمّه. قال: وأبو قلابة أدرك الصحابة، وصحبهم، ورَوَى عنهم. وعن سليمان بن يسار أنه سئل عن الحمل، أيُزَّى عنه؟ قال: نعم. قال: ولا يُعرف لعثمان في هذا مخالف من الصحابة. انتهى. فتعقّبه الحافظ العراقيّ تَّثُ في (شرح الترمذيّ)) - وأصاب في ذلك - فقال: إنّ استدلاله بما استدلّ به على وجوب زكاة الفطر على الجنين في بطن أُمّه في غاية العجب: أما قوله: ((على الصغير، والكبير))، فلا يَفهَم عاقلٌ منه إلا الموجودين في الدنيا، أما المعدوم، فلا نعلم أحداً أوجب عليه. وأما حديث ابن مسعود، فلا يَطّلع على ما في الرحم إلا الله، كما قال: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِى الْأَرْحَِ﴾ الآية [لقمان: ٣٤]، وربما يُظنّ حملها، وليس بحمل، وقد قال إمام الحرمين: لا خلاف في أنّ الحمل لا يُعلم، وإنما الخلاف في أنه يعامل معاملة المعلوم، بمعنى أنه يؤخّر له ميراث؛ لاحتمال وجوده، ولم ١٠٣ (٥) - بَابُ بَيَانِ فَرْضٍ زَكَاةِ الْفِطْرِ - حديث رقم (٢٢٧٨) يختلف العلماء في أنّ الحمل لا يملك شيئاً في بطن أمّه، ولا يُحكم على المعدوم حتى يظهر وجوده. قال: وأما استدلاله بما ذكر عن عثمان وغيره، فلا حجّة فيه؛ لأن أثر عثمان منقطع، فإن بكراً، وقتادة روايتهما عن عثمان مرسلةٌ، والعجب أنه لا يحتجّ بالموقوفات، ولو كانت صحيحة متّصلة. وأما أثر أبي قلابة فَمَنِ الذين يُعجبهم ذلك؟، وهو لو سمّى جمعاً من الصحابة لما كان ذلك حجّة. وأما سليمان بن يسار، فلم يثبت عنه، فإنه من رواية رجل لم يُسمّ، عنه، فلم يثبت فيه خلاف لأحد من أهل العلم، بل قول أبي قلابة: ((كان يُعجبهم)) ظاهر في عدم وجوبه، ومن تبرّع بصدقة عن حمل، رجاء حفظه، وسلامته، فليس عليه فيه بأس. وقد نُقِلَ الاتفاقُ على عدم الوجوب قبل مخالفة ابن حزم، فقال ابن المنذر: ذَكَرَ كلُّ من يُحفظ عنه العلم، من علماء الأمصار أنه لا يجب على الرجل إخراج زكاة الفطر عن الجنين في بطن أمّه، وممن حُفظ ذلك عنه: عطاء بن أبي رباحٍ، ومالكٌ، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، وكان أحمد بن حنبل يستحبّ ذلك، ولا يوجبه، ولا يصحّ عن عثمان خلاف ما قلناه. انتهى. وعن أحمد بن حنبل رواية أخرى بوجوب إخراجها عن الجنين(١). وقال ابن عبد البرّ فيمن وُلد له مولود بعد يوم الفطر: لم يختلف قول مالك أنه لا يلزم فيه شيء، قال: وهذا إجماع منه، ومن سائر العلماء، ثم أشار إلى أن ما ذُكر عن مالك، وغيره من الإخراج عمن وُلد في بقيّة يوم الفطر محمول على الاستحباب. وكذا ما حكاه عن الليث فيمن وُلد له مولود بعد صلاة الفطر أن على أبيه زكاة الفطر عنه، قال: وأُحِبّ ذلك للنصرانيّ يُسلم ذلك الوقت، ولا أراه واجباً عليه. قال الحافظ العراقيّ: فقد صرّح الليث فيه بعدم الوجوب، ولو قيل بوجوبه لم يكن بعيداً؛ لأنه يمتدّ وقت إخراجها إلى آخر يوم الفطر، قياساً على الصلاة، يُدرَك وقت أدائها . (١) إن صحّت هذه الرواية عن أحمد تنقض دعوى الإجماع. فتنبّه. ١٠٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في قوله: يمتدّ وقت إخراجها قياساً إلخ نظر لا يخفى؛ لأن النبيّ وَ﴿ قال: ((من أدّاها قبل الصلاة، فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة، فهي صدقة من الصدقات))، رواه أبو داود وابن ماجه بإسناد حسن، وهو ظاهر في كون ما بعد الصلاة ليس وقتاً لها، والقياس في مقابلة النصّ فاسد الاعتبار. فتنبّه. والله تعالى أعلم. قال: ومع كون ابن حزم قد خالف الإجماع في وجوبها على الجنين، فقد تناقض كلامه، فقال: إن الصغير لا يجب على أبيه زكاة الفطر عنه، إلا أن يكون له مالٌ، فيُخرج عنه من ماله، فإن لم يكن له مالٌ لم يجب عليه حينئذ، ولا بعد ذلك، فكيف لا يوجب زكاته على أبيه، والولد حيّ موجود، ويوجبها، وهو معدوم، لم يوجد؟. فإن قلت: يُحمل كلامه على إذا كان للحمل مالٌ. قلت: كيف يمكن أن يكون له مالٌ، وهو لا يصحّ تمليكه، ولو مات من يرثه الحمل لم نملكه، وهو جنين، فلا يوصف بالملك إلا بعد أن يولد، وكذلك النفقة الصحيح أنها تجب للأمّ الحامل، لا للحمل، ولو كانت للحمل لسقطت بمضيّ الزمان، كنفقة القريب، وهي لا تسقط. انتهى كلام الحافظ العراقيّ رحمه الله تعالى(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة العاشرة): في اختلاف أهل العلم في وجوب زكاة الفطر على الكافر : [اعلم]: أن زيادة ((من المسلمين)) في حديث الباب تدلّ على اشتراط الإسلام في وجوب زكاة الفطر، ومقتضاه أنها لا تجب على الكافر، عن نفسه، وهو متّفقٌ عليه، وهل يُخرجها عن غيره، كمستولدته المسلمة مثلاً؟ نقل ابن المنذر فيه الإجماع على عدم الوجوب، لكن فيه وجه للشافعيّة، ورواية عن أحمد، وهل يُخرجها المسلم عن عبده الكافر؟ قال الجمهور: لا، خلافاً العطاء، والنخعيّ، والثوريّ، والحنفيّة، وإسحاق، واستدلّوا بعموم قوله: ((ليس على المسلم في عبده صدقةٌ، إلا صدقة الفطر)). (١) راجع: ((طرح التثريب)) ٦٠/٤ - ٦١. ١٠٥ (٥) - بَابُ بَيَانِ فَرْضٍ زَكَاةِ الْفِطْرِ - حديث رقم (٢٢٧٨) وأجاب الآخرون بأن الخاصّ يقضي على العامّ، فعموم قوله: ((في عبده)) مخصوص بقوله: ((من المسلمین)). وقال الطحاويّ: قوله: ((من المسلمين)) صفةٌ للمخرجِين، لا للمخرَجِ عنهم. وظاهر الحديث يأباه؛ لأن فيه العبد، والصغير في رواية عمر بن نافع، وهما ممن يُخرَجُ عنه، فدلّ على أنّ صفة الإسلام لا تختصّ بالمخرِجِين. ويؤيّده رواية الضّحّاك عند مسلم، بلفظ: ((على كلّ نفسٍ، من المسلمين، حرِّ، أو عبدٍ ... )) الحديث. وقال القرطبيّ: ظاهر الحديث أنه قصد بيان مقدار الصدقة، ومن تجب عليه، ولم يقصد فيه بيان من يُخرجها عن نفسه، ممن يُخرجها عن غيره، بل شمل الجميع. ويؤيّده حديث أبي سعيد الآتي(١)، فإنه دالّ على أنهم كانوا يُخرجون عن أنفسهم، وعن غيرهم؛ لقوله فيه: ((عن كلّ صغير، وكبير)). لكن لا بدّ من أن يكون بين المخرِج، وبين الغير ملابسةٌ، كما بين الصغير ووليّه، والعبد وسيّده، والمرأة وزوجها . وقال الطيبيّ: قوله: ((من المسلمين)) حال من العبد، وما عُطف عليه، وتنزيلها على المعاني المذكورة أنها جاءت مزدوجة على التضادّ؛ للاستيعاب، لا للتخصيص، فيكون المعنى: فرض على جميع الناس، من المسلمين. وأما كونها فيم وجبت، وعلى من وجبت؟ فيُعلم من نصوص أخرى. انتهى. ونقل ابن المنذر أن بعضهم احتجّ بما أخرجه من حديث ابن إسحاق: (١) يعني: ما أخرجه مسلم في ((صحيحه))، ونصّه: ٩٨٥ - حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب، حدثنا داود - يعني: ابن قيس - عن عياض بن عبد الله، عن أبي سعيد الخدري، قال: ((كنا نخرج، إذ كان فينا رسول الله وَالر، زكاة الفطر، عن كل صغير وكبير، حر أو مملوك، صاعاً من طعام، أو صاعاً من أقط، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من تمر، أو صاعاً من زبيب، فلم نزل نخرجه، حتى قدم علينا معاوية بن أبي سفيان، حاجاً أو معتمراً، فكلّم الناس على المنبر، فكان فيما كلّم به الناس، أن قال: إني أرى، أن مدّين من سمراء الشام، تعدل صاعاً من تمر، فأخذ الناس بذلك، قال أبو سعيد: فأما أنا فلا أزال أخرجه، كما كنت أخرجه، أبداً ما عشت)). ١٠٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة ((حدثني نافع أنّ ابن عمر كان يُخرج عن أهل بيته، حرِّهم، وعبدِهم، صغيرِهم، وكبيرهم، مسلمهم، وكافرهم، من الرقيق)). قال: وابن عمر راوي الحديث، وقد كان يخرج عن عبده الكافر، وهو أعرف بمراد الحديث. وتعقّب بأنه لو صحّ حُمِل على أنه كان يخرج عنهم تطوّعاً، ولا مانع منه. واستُدلّ بعموم قوله: ((من المسلمين)) على تناولها لأهل البادية - وهو الحقّ -، خلافاً للزهريّ، وربيعة، والليث في قولهم: إنّ زكاة الفطر تختصّ بالحاضرة. ذكره في ((الفتح))(١) . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه الجمهور من عدم وجوب إخراج زكاة الفطر عن العبد الكافر هو الأرجح عندي؛ عملاً بالحديثين، فيُخصَّصُ عموم قوله وَّهِ: ((ليس على المسلم في عبده صدقة، إلا صدقة الفطر)) بقوله وتلقى: ((من المسلمين)) في حديث الباب، فالعمل بهما متعيّنٌ بالوجه المذكور، وإلا أدّى إلى إلغاء أحد النصّين، مع إمكان العمل بهما، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الحادية عشرة): في اختلاف أهل العلم في مقدار المخرج في زكاة الفطر: ذهب مالك، والشافعيّ، وأحمد، وجمهور العلماء، من السلف، والخلف إلى أن الواجب إخراجه في زكاة الفطر صاع، من أيّ جنس أُخرج. وحكاه ابن المنذر عن الحسن البصريّ، وأبي العالية، وجابر بن زيد، وإسحاق ابن راهويه. قال ابن قدامة: وروي عن أبي سعيد الخدريّ. انتهى. وقال أبو حنيفة: إنما يُخرِج صاعاً، إذا أَخرج تمراً، أو شعيراً، فأما إذا أخرج قَمْحاً، أو دقيقه، أو سويقه، فالواجب نصف صاع، وعنه في الزبيب روايتان: أشهرهما عنه أنه مثل القَمْح، فيُخرج منه نصف صاع. والثانية: أنه کالشعير، فیخرج منه صاعاً، وبه قال أبو يوسف، ومحمد. وحكاه ابن المنذر عن سفيان الثوريّ، وأكثر أهل الكوفة، غير أبي حنيفة. قال: وروينا عن جماعة من الصحابة، والتابعين أنه يجزئ نصف صاع من البرّ، روينا ذلك عن (١) الفتح ١٤٢/٤ - ١٤٣. ١٠٧ (٥) - بَابُ بَيَانِ فَرْضٍ زَكَاةِ الْفِطْرِ - حديث رقم (٢٢٧٨) أبي بكر، وعثمان، وليس يثبت ذلك عنهما، وعن عليّ، وابن مسعود، وجابر بن عبد الله، وأبي هريرة، وابن الزبير، ومعاوية، وأسماء. وبه قال سعيد بن المسيّب، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وعمر بن عبد العزيز، ورُوي ذلك عن سعيد بن جبير، وعروة بن الزبير، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وأبي قلابة، وعبد الله بن شدّاد، ومصعب بن سعد. واختلف فيه عن عليّ، وابن عبّاس، والشعبيّ، فروي عن كلّ منهم القولان جميعاً. انتهى. قال وليّ الدين: وهو قول في مذهب مالك أنه يُجزئ من القمح نصف صاع. واحتجّ هؤلاء بما في ((سنن أبي داود)) عن ثعلبة بن أبي صُعير، عن أبيه، عن النبيّ وَّ﴾، أنه قال: ((صاع من قَمْح، على كلّ اثنين))(١). وعن ابن عبّاس ◌ِّ: ((فرض رسول الله وَّر هذه الصدقة، صاعاً من تمر، أو شعير، أو نصف صاع قَمْح)). وروى الترمذيّ عن عمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جدّه، أن النبيّ وَل بعث منادياً في فِجاج مكّة: ألا إن صدقة الفطر واجبة على كلّ مسلم، ذكر، أو أنثى، حرّ، أو عبد، صغير، أو كبير، مدّان من قَمْحِ، أو سواه صاعٌ من طعام. قال الترمذيّ: حسنٌ غريبٌ(٢). (١) ضعيف، وله طرق عند أحمد، وأبي داود، والدارقطنيّ، وغيرهم، إلا أن مدار الجميع على الزهريّ، عن عبد الله بن ثعلبة، وقد اختلف عليه في إسناده ومتنه، وقد أوضح هذا الاختلاف الدارقطنيّ في ((علله))، ونقله الزيلعيّ في ((نصب الراية))، وقال ابن التركمانيّ في ((الجوهر النقيّ)): هو حديث اضطرب إسناداً ومتناً، وقد بيّن البيهقيّ بعض ذلك. وقال ابن عبد البرّ: هذا حديث مضطرب لا يثبت، وليس دون الزهريّ في هذا الحديث من تقوم به حجة، واختلف عليه فيه أيضاً. انتهى. انظر: (المرعاة)) ٢١١/٦ - ٢١٢. (٢) بل هو ضعيف؛ لأن فيه عنعنة ابن جريج، وهو مشهور بالتدليس، قال الدار قطنيّ: تجنّب تدليس ابن جريج، فإنه قبيح التدليس، لا يدلّس إلا فيما سمعه من مجروح. وقال الترمذيّ: سألت محمداً - يعني: البخاريّ - عن هذا الحديث؟ فقال: ابن جريج لم يسمع من عمرو بن شعيب. انتهى. انظر: المرعاة ٢٠٩/٦. ١٠٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة واحتجّ الأوّلون بأن في بعض طرُق حديث ابن عمر: ((صاعاً من بُرّ))، وهذه زيادة يجب الأخذ بها. وروي أيضاً من حديث عليّ، وزيد بن ثابت. وفي ((الصحيحين)) عن أبي سعيد الخدريّ ﴿ه: كنّا نعطيها في زمان رسول الله ﴿ ﴿ صاعاً من طعام، أو صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من زبيب، فلما جاء معاوية، وجاءت السَّمْرَاء، قال: أرى مدّاً من هذا يعدل مدّين. قال ابن عبد البرّ: ولم يختلف مَن ذكر الطعام في هذا الحديث أنه أراد به الحنطة. وثبت في ((الصحيحين)) في حديث ابن عمر: ((أمر النبيّ وَل بزكاة الفطر صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير، فعجل الناس عدله مدّين من حنطة)). وهذا صريح في أنّ إخراج نصف صاع من القَمح لم يكن في زمن النبيّ وَّل، وإنما حدث بعده. وأجابوا عن أحاديث نصف الصاع من القمح بأنها لا تثبت عن النبيّ وَّر. قاله ابن المنذر (١). وقال في ((الفتح)): وقال ابن المنذر أيضاً: لا نعلم في القَمْح خبراً ثابتاً عن النبيّ وَّة، يُعتَمد عليه، ولم يكن البرّ بالمدينة ذلك الوقت إلا الشيء اليسير منه، فلما كثر في زمن الصحابة رأوا أن نصف صاع منه يقوم مقام صاع من شعير، وهم الأئمّة، فغير جائز أن يُعدل عن قولهم إلا إلى قول مثلهم، ثم أسند عن عثمان، وعليّ، وأبي هريرة، وجابر، وابن عبّاس، وابن الزبير، وأمّه أسماء بنت أبي بكر بأسانيد صحيحة أنهم رأوا أن في زكاة الفطر نصف صاع من قمح. انتهى. وهذا مصيرٌ منه إلى اختيار ما ذهب إليه الحنفيّة. لكن حديث أبي سعيد دالٌ على أنه لم يوافق على ذلك، وكذلك ابن عمر، فلا إجماع في المسألة، خلافاً للطحاويّ. وكأن الأشياء التي ثبت ذكرها في حديث أبي سعيد لَمّا كانت متساويةً في مقدار ما يخرج منها مع ما يُخالفها في القيمة دلّ على أنّ إخراج هذا المقدار من أيّ جنس كان، فلا فرق بين الحنطة وغيرها. هذه حجّة الشافعيّ. وأما من جعله نصف صاع منها بدل صاع من شعير، فقد فعل ذلك بالاجتهاد بناءً منه على أن قيم ما عدا الحنطة متساوية، وكانت الحنطة إذ ذاك غالية الثمن، لكن يلزم على قولهم أن تعتبر القيمة في كلّ زمان، فيختلف (١) (طرح التثريب)) ٥٢/٤ - ٥٣. ١٠٩ (٥) - بَابُ بَيَانِ فَرْضٍ زَكَاةِ الْفِطْرِ - حديث رقم (٢٢٧٩) الحال، ولا ينضبط، وربّما لزم في بعض الأحيان إخراج آصُع من حنطة، ويدلّ على أنهم لحظوا ذلك ما رَوَى جعفر الفريابيّ في ((كتاب صدقة الفطر)) أن ابن عبّاس لما كان أمير البصرة أمرهم بإخراج زكاة الفطر، وبيّن لهم أنها صاع من تمر، إلى أن قال: أو نصف صاع من برّ. قال: فلما جاء عليّ، ورأى رخص أسعارهم، قال: اجعلوها صاعاً من كلِّ. فدلّ على أنه كان ينظر إلى القيمة في ذلك، ونظر أبو سعيد إلى الكيل. انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الأحوط أن يُخرج من الحنطة صاعاً، وإن أخرج نصف صاع تبعاً لما نُقل عن جلّ الصحابة، كما تقدّم، فلا مانع؛ لأنه اجتهاد منهم لم يصادم نصّاً صحيحاً؛ إذ لم يصحّ عن النبيّ وَّ في صاع البر، ولا نصفه شيء يُعتمد عليه. وأما دعوى الإجماع من الصحابة على نصف صاع من برّ، كما زعمه الزيلعيّ وغيره فغير صحيح؛ لصحة مخالفة أبي سعيد الخدريّ، وابن عمر رة فلا إجماع مع مخالفتهما، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْذَلُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢٢٧٩] ( .. ) - (حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: ((فَرَضَ رَسُولُ اللهِّ ◌َلِ زَكَاةَ الْفِطْرِ، صَاعاً مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعاً مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى كُلِّ عَبْدٍ، أَوْ حُرٍّ، صَغِيرٍ، أَوْ كَبِيرٍ))). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير الهمدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ $ حافظ [١٠] (ت٢٣٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢. ٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل بابين. (١) ((الفتح)) ١٤٦/٤ - ١٤٧. ١١٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة ٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت١٩٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢. ٤ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت٢٠١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥١. ٥ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٥] مات سنة بضع (١٤٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٢/٢٨. والباقیان ذُكرا قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث السابق، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢٢٨٠] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا (١) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنٍ عُمَرَ، قَالَ: ((فَرَضَ النَّبِيُّ نَّهِ صَدَقَةَ رَمَضَانَ، عَلَى الْحُرِّ، وَالْعَبْدِ، وَالذَّكَرِ، وَالْأُنْثَى، صَاعاً مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعاً مِنْ شَعِيرِ))، قَالَ: فَعَدَلَ النَّاسُ بِهِ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرِّ). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع) أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٢) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٢/٧. ٢ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة السَّخْتيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ عابدٌ [٥] (ت١٣١) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٠٥. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (قَالَ: فَعَدَلَ النَّاسُ بِهِ) فاعل ((قال)) ضمير ابن عمر خًَّا. (١) وفي نسخة: ((حدّثنا)). ١١١ (٥) - بَابُ بَيَانِ فَرْضٍ زَكَاةِ الْفِطْرِ - حديث رقم (٢٢٨٠) وقوله: (فَعَدَلَ النَّاسُ)؛ أي: جعلوه مثله، قال الفيّوميّ ◌َُّهُ: وعِدْلُ الشيءٍ بالكسر مثلُهُ من جنسه، أو مقدارِهِ، قال ابن فارس: والْعِدْلُ: الذي يُعادل في الوزن والقدر، وعَدْلُهُ بالفتح: ما يقوم مقامه من غير جنسه، ومنه قوله تعالى: ﴿أَوَ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥]، وهو مصدر في الأصل، يقال: عَدَلْتُ هذا بهذا عدْلاً، من باب ضرب: إذا جعلته مثله، قائماً مقامه، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١]. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن المناسب هنا فتح العين؛ لأنه من غير الجنس، فتنبّه، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: المراد بالناس هنا معاويةُ ظُبه، ومن تبعه، فقد وقع التصريح به في حديث أيوب، عن نافع، أخرجه الحميديّ، في ((مسنده))، عن سفيان بن عُيينة: حدّثنا أيوب، ولفظه: ((صدقة الفطر صاعٌ من شعير، أو صاع من تمر))، قال ابن عمر: فلما كان معاوية عدل الناس نصف صاع برّ بصاع من شعير. وهكذا أخرجه ابن خُزيمة في ((صحيحه)) من وجه آخر عن سفيان، وهو المعتمد، وهو موافق لقول أبي سعيد الخدريّ ظُه الآتي بعد ثلاثة أحاديث، وهو أصرح منه. وأما ما وقع عند أبي داود من طريق عبد العزيز بن أبي روّاد، عن نافع، قال فيه: فلما كان عمر كثرت الحنطة، فجعل عمر نصف صاع حنطة مكان صاع من تلك الأشياء، فقد حكم مسلم في ((كتاب التمييز)) على عبد العزيز فيه بالوَهَم، وأوضح الردّ عليه، وقال ابن عبد البرّ: قول ابن عيينة عندي أولى. وزعم الطحاويّ أن الذي عدل عن ذلك عمر، ثم عثمان، وغيرهما، فأخرج عن يسار بن نُمير أن عمر قال له: إني أحلف لا أعطي قوماً، ثم يبدو لي، فأفعل، فإذا رأيتني فعلت ذلك، فأطعم عنّي عشرة مساكين، لكلّ مسكين نصف صاع من حنطة، أو صاعاً من تمرٍ، أو صاعاً من شعير. ومن طريق أبي الأشعث، قال: خطبنا عثمان، فقال: أدّوا زكاة الفطر مدّين من حنطة، وسيأتي الكلام على ذلك، إن شاء الله تعالى. (١) ((المصباح المنير)) ٣٩٦/٢. ١١٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة وقوله: (بِهِ) متعلّق بـ«عَدَل))؛ أي: بما ذُكر من صاع تمر، أو صاع من شعير . وقوله: (نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرِّ) يعني أنهم جعلوا نصف صاع من برّ يقوم مقام صاع من تمر، أو شعَّير، فيجزئ أداؤه عن صدقة الفطر. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: : [٢٢٨١] ( ... ) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: ((إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ أَمَرَ بِزَكَّةِ الْفِطْرِ، صَاعٍ مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعٍ مِنْ شَعِيرٍ))، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَجَعَلَ النَّاسُ عَدْلَهُ مُدَّيْنٍ مِنْ حِنْطَةٍ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح) بن المهاجر المصريّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (اللَّيْثُ) بن سَّعد الإمام المصريّ المشهور، تقدّم أيضاً قبل ثلاثة أبواب. والباقون ذُكروا في الباب. [تنبيه]: هذا الإسناد من رباعيّات المصنّف تَّثُ، وهو (١٤٣) من رباعيّات الكتاب، فتنبه. وقوله: (عَدْلَهُ) تقدّم أن المناسب هنا فتح العين المهملة؛ أي: جعلوه مثله . وقوله: (مُدَّيْنٍ مِنْ حِنْطَةٍ) هو بمعنى قوله الماضي: ((نصف صاع))؛ لأن الصاع أربعة أمداد. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفَى، فلا تكن من الغافلين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. ١١٣ (٥) - بَابُ بَيَانِ فَرْضِ زَكَاةِ الْفِطْرِ - حديث رقم (٢٢٨٢ - ٢٢٨٣) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٨٢] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكِ، أَخْبَرَنَا الضَّخَُّكُ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنٍ عُمَرَ، ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ، عَلَىَّ كُلِّ نَفْسٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، حُرٍّ، أَوْ عَبْدٍ، أَوْ رَجُلٍ، أَوِ امْرَأَةٍ، صَغِيرِ أَوْ كَبِيرٍ، صَاعاً مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعاً مِنْ شَعِيرٍ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (ابْنُ أَبِي فُدَيْكَ) محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فُديك المدنيّ، تقدّم قريباً . ٣ - (الضَّحَّاكُ) بن عثمان بن عبد الله بن خالد الحِزاميّ المدنيّ، تقدّم أيضاً قريباً . والباقيان ذُكرا قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٨٣] (٩٨٥) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِئَّ، يَقُولُ: كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ، صَاعاً مِنْ طَعَامِ، أَوَّ صَاعاً مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعاً مِنْ تَمْرِ، أَوْ صَاعاً مِنْ أَقِطٍ، أَوْ صَاعاً مِنْ زَبِيبٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ) العدويّ مولاهم، أبو عبد الله، أو أبو أسامة المدنيّ، ثقةٌ فقيةٌ، يرسل [٣] (ت١٣٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٥٠/٣٦. ٢ - (عِيَاضُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْح) القرشيّ العامريّ المكيّ، ثقةٌ [٣] مات على رأس المائة (ع) تقدم في ((الإيمانَ)) ٣٦/ ٢٥٠. ١١٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة ٣ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سنان ﴿ًا، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. والباقيان ذُكرا في الباب، وسيأتي شرح الحديث، ومسائله في الحديث التالي، وإنما أخّرته إليه؛ لكونه أتمّ مما هنا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٨٤] ( .. ) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ، يَعْنِي ابْنَ قَيْسٍ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: كُنَّا نُخْرِجُ إِذْ كَانَ فِينَا رَسُولُ اللهِ وَلِ زَكَاةَ الْفِطْرِ، عَنْ كُلِّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ، حُرٍّ أَوْ مَمْلُوكٍ، صَاعاً مِنْ طَعَامِ، أَوْ صَاعاً مِنْ أَقِطٍ، أَوْ صَاعاً مِنْ شَعِيرِ، أَوْ صَاعًاً مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعاً مِنْ زَبِيبٍ، فَّلَمْ نَزَلْ نُخْرِجُهُ حَتَّى قَدِمَ عَلَيْنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، حَاجّاً أَوْ مُعْتَمِراً، فَكَلَّمَ النَّاسَ عَلَى الْمِثْبَرِ، فَكَانَ فِيمَا كَلَّمَ بِهِ النَّاسَ، أَنْ قَالَ: إِنِّي أَرَى أَنَّ مُدَّيْنٍ مِنْ سَمْرَاءِ الشَّامِ، تَعْدِلُ صَاعاً مِنْ تَمْرِ، فَأَخَذَ النَّاسُ بِذَلِكَ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَأَمَّا أَنَا فَلَا أَزَالُ أُخْرِجُهُ، كَمَا كُنْتُ أُخْرِجُهُ أَبَدأَ مَا عِشْتُ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ) الفَرّاء الدبّاغ، أبو سليمان القرشيّ مولاهم المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ [٥] مات في خلافة أبي جعفر (خت م ٤) تقدم في ((الصلاة)) ١٠٨٤/٤٢. والباقون ذُكروا في الباب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف تَخْلُهُ، وهو (١٤٤) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى القعنبيّ، كما أخرج له ابن ماجه، وداود عَلَّق عنه البخاريّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، سوى عياض، فمكيّ، والقعنبيّ، مدنيّ، ثم بصريّ. ١١٥ (٥) - بَابُ بَيَانِ فَرْضِ زَكَاةِ الْفِطْرِ - حديث رقم (٢٢٨٤) ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه أبا سعيد الخدريّ ◌َظُه من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثاً، والله تعالى أعلم. شرح الحديث : (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) ◌َبه أنه (قَالَ: كُنَّا نُخْرِجُ إِذْ كَانَ فِيئَا رَسُولُ اللهِ وَلِ﴾ ((إذ)) ظرفيّة؛ أي: وقت كون النبيّ ◌َ ﴿ فينا، وفي رواية للبخاريّ: ((كنّا نعطيها في زمان النبيّ وَّ))، وفي أخرى له أيضاً: ((كنّا نُخرج في عهد النبيّ ◌َِّ)). قال الحافظ: هذا حكمه الرفع؛ لإضافته إلى زمنه ◌َ*، ففيه إشعار باطلاعه ◌َّ على ذلك، وتقريرِهٍ له، ولا سيّما في هذه الصورة التي توضع عنده، وتُجمع بأمره، وهو الآمر بقبضها، وتفرقتها. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وإلى كون هذا ونحوه من المرفوع حكماً أشار السيوطيّ تَخْذَثُ في ((ألفية الحديث)) حيث قال: نَحْوُ مِنَ السُّنَّةِ مِنْ صَحَابِي وَلْيُعْطَ حُكْمَ الرَّفْعِ فِي الصَّوَابِ فِي عَهْدِهِ أَوْ عَنْ إِضَافَةٍ عَرَى كَذَا أُمِرْنَا وَكَذَا كُنَّا نَرَى تَصْرِيحِهِ بِعِلْمِهِ الْخُلْفُ نُفِي ثَالِثُهَا إِن كَانَ لَا يَخْفَى وَفِي وفيه ردٌّ على ابن حزم في زعمه أن حديث أبي سعيد ليس مسنداً؛ لأنه ليس فيه أن رسول الله وَيُ عَلِم بذلك، وأقرّه. ووجه الردّ أن ألفاظ الحديث تدلّ على أنّ ذلك كان معلوماً معروفاً على عهد رسول الله وَله، ولا يخفى مثلُ ذلك على رسول الله وَلِ﴾(١). (زَكَاةَ الْفِطْرِ) منصوب على المفعوليّةِ لانُخرج))، وقوله: (عَنْ كُلِّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ) متعلّق بـ«نُخرِج))، وقوله: (حُرِّ أَوْ مَمْلُودٍ) مجرور على البدليّةِ (صَاعاً مِنْ طَعَامَ) قال السنديّ كَّلُهُ في ((حاشية ابن ماجه)): يَحْتَمِل أن صاعاً من طعام أريد به صاع من الحنطة، فإن الطعام، وإن كان يعمّ الحنطة وغيرها لغةً، لكن (١) راجع: ((المرعاة)) ١٩٤/٦. ١١٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة اشتَهَرَ في العرف إطلاقه على الحنطة، ويؤيّده المقابلة بما بعده. ويَحْتَمِل أن يكون صاعاً من طعام مجملاً، ويكون ما بعده بياناً له، كأنه بيّن أن الطعام الذي كانوا يعطون منه الصاع كان تمراً، وشعيراً، وأَقِطاً، لا حنطةً، ويؤيّده ما رواه البخاريّ عن أبي سعيد رَظُه: ((كنّا نُخرج في عهد رسول الله وَ* يوم الفطر، صاعاً من طعام، وكان طعامنا يومئذ الشعير، والزبيب، والأقط، والتمر))، وكذا ما رواه ابن خُزيمة عن ابن عمر ﴿يَا، قال: ((لم تكن الصدقة على عهد رسول الله وَله إلا التمر، والزبيب، والشعير، ولم تكن الحنطة))، فينبغي أن يتعيّن الحمل على هذا المعنى، بل يُستبعد أن يكون المعلوم فيما بينهم صاعاً من الحنطة، فيتركونه إلى نصفه بكلام معاوية ـه ، بل لا يبقى لقول معاوية: ((إن النصف يَعْدِل الصاع)) حينئذ وجهٌ، إلا بتكلّف. وبالجملة فمعنى هذا الحديث أنه ما كان عندهم نصّ منه وّ في البرّ بصاع، أو بنصفه، وإلا فلو كان عندهم حديث بالصاع لما خالفوه، أو بنصفه لما احتاجوا إلى القياس، بل حكموا بذلك، ويدلّ على هذا حديث ابن عمر ◌ًا في هذا الباب المرويّ في الصحاح. انتهى كلام السنديّ كَُّ. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله السنديّ كَّتُ حسنٌ جدّاً، وسيأتي تمام الكلام عليه في المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى. (أَوْ صَاعاً) اختُلف في أنّ ((أو)) في هذا الحديث لتخيير المؤدَّى من هذه الأشياء، أو لتعيين واحد منها، وهو الغالب، فقيل: إنها للتخيير، وبه قال أبو حنيفة، وقيل: إنها لتعيين أحد هذه الأشياء بالغلبة، وهو غالب قوت البلد، وبه قال الأكثرون، فمعنى الحديث على هذا: كنا نخرج هذه الأنواع بحسب أقواتنا، ومقتضى أحوالنا، أفاده بعضهم(١)، وسيأتي تمام البحث في ذلك في المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى. (مِنْ أَقِطٍ) - بفتح الهمزة، مع كسر القاف، أو ضمّها، أو فتحها، أو إسكانها، وبكسر الهمزة، مع كسر القاف، وإسكانها، ويضمّ الهمزة، مع إسكان القاف فقط: وهو شيء يُتّخَذ من اللبن الْمَخيض، كأنه نوع من اللبن (١) ذكره القاري، قائلاً: قال ميرك، نقلاً عن ((الأزهار)). انظر: ((المرعاة)) ١٩٧/٦. ١١٧ (٥) - بَابُ بَيَانِ فَرْضٍ زَكَاةِ الْفِطْرِ - حديث رقم (٢٢٨٤) الجافّ، وقيل: هو لبنٌ، مجفّفٌ، يابس، جامد، مستحجرٌ، غير منزوع الزُّبْد، يُطبخ به. وقال في ((اللسان)): ((الأَقِط)) - أي بفتح، فكسر - و((الإِقْطُ)) ــ أي بكسر، فسكون - و ((الأَقْطُ)) - أي بفتح، فسكون - و ((الأُقْطُ)) - أي بضمّ، فسكون -: شيءٌ يُتّخذ من اللبن الْمَخِيض، يُطبخ، ثمّ يُترك حتىّ يَمْصُل، والقِطْعة منه أَقِطَةٌ. قال ابن الأعرابيّ: هو من ألبان الإبل خاصّة. وقال الجوهريّ: الأقط معروف، قال: وربّما سُكّن في الشعر، وتُنقل حركة القاف إلى ما قبلها، قال الشاعر [من الطويل]: رُوَيْدَكَ حَتَّى يَنْبُتَ الْبَقْلُ وَالْغَضَا فَيَكْثُرَ إِقْطٌ عِنْدَهُمْ وَحَلِيبُ قال: وَأَتَقَظْتُ: اتّخذتُ الأقِطَ، وهو افتَعَلْتُ، وأَقَطَ الطَّعَامَ يَأْقِطُهُ أَقْطاً: عَمِلَهُ بالأَقِطِ، فهو مُقُوظٌ، وأنشد الأَضْمَعِيُّ [من الرجز]: وَيَدْمُقُ (١) الأَقْفَالَ وَالشَّابُوتَا وَيَأْكُلُ الْحَيَّةَ وَالْحَيُّوتَا وَيَخْنُقُ الْعَجُوزَ أَوْ تَمُوتَا أَوْ تُخْرِجُ الْمَأْقُوطَ وَالْمَلْتُوتَا انتهت عبارة «لسان العرب» باختصار. (أَوْ صَاعاً مِنْ شَعِيرٍ) - بفتح الشين المعجمة، وكسر العين المهملة -: جنس من الحبوب معروفٌ، واحدته شعيرةٌ، وبائعه شعيريٌّ، قال سیبویه: ولیس مما بُني على فاعل، ولا فَعّالٍ، كما يغلب في هذا النحو، وأما قول بعضهم: شِعِيرٌ، وبِعِيرٌ، ورِغِيفٌ، وما أشبه ذلك - أي بكسر أوله، وثانيه - لتقريب الصوت من الصوت، فلا يكون هذا إلا مع حروف الحلق، ذكره في ((اللسان)). وقال في ((المصباح): الشَّعِير: حَبّ معروفٌ، قال الزّجّاج: أهل نجد تؤنّته، وغيرهم يُذكّره، فيقال: هي الشعير، وهو الشعير. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أفاد ما تقدّم عن سيبويه أن الشَّعِير بفتح أوّله، وكسر ثانيه، ويجوز كسر أوله أيضاً تبعاً لحركة العين، وهكذا كلّ ما أتي على فَعِيل، وكان عينه حرف حلق، كبَعِير، ورَغِيفٍ، ونحو ذلك، والله تعالى أعلم. (١) يقال: دَمَقَ يدمُقُ دُمُوقاً، من باب قعد: دخل بغير إذن، والدَّمْقُ - بفتح، فسكون -: السرقة. أفاده في ((القاموس)). ١١٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة (أَوْ صَاعاً مِنْ تَمْرٍ) قال الفيّومِيّ ◌َُّ: ((التَّمْرُ)) من ثمر النخل كالزبيب من العنب، وهو اليابس بإجماع أهل اللغة؛ لأنه يُتْرَك على النخل بعد إرطابه حتى يَجِفّ، أو يقارب، ثم يُقْطَع ويُتْرَك في الشمس حتى يَيْبَسَ، قال أبو حاتم: وربما جُدَّت النخلة، وهي باسرة بعدما أخلت؛ ليُخَفَّف عنها، أو لخوف السرقة، فتترك حتى تكون تمراً، الواحدة تمرةٌ، والجمع تُمُور، وتُمْرَان بالضم. انتھی(١). (أَوْ صَاعاً مِنْ زَبِيبٍ) ((الزبيب)): معروف، وهو اسم جمع يُذكّر ويُؤنّث، فيقال: هو الزبيب، وهي الزبيب، والواحدة زبيبة بالهاء، وزَبّبتُ العِنَبَ جعلته زَبيباً، قاله في ((المصباح))، وفي ((القاموس)): الزّبيب ذَاوِي(٢) العنب والتين. انتهى. يعني يابس العنب والتين، وفي ((اللسان)): الزبيب ذَاوِي العنب، معروفٌ، واحدته زبيبة، وقد أَزَبَّ العنب، وزَبَّبَ فلانٌ عنبه تزبيباً، قال أبو حنيفة - يعني الدينوريّ -: واستَعْمَل أعرابيّ من أعراب السَّرَاة الزبيب في التين، فقال: الْفَيْلَحَانِيُّ تِينٌ شديد السواد، جيّد الزبيب - يعني يابسه. انتهى. (فَلَمْ نَزَلْ نُخْرِجُهُ)؛ أي: ما ذُكر من صاع طعام، وما ذُكر معه (حَتَّى قَدِمَ) بكسر الدال (عَلَيْنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ) ﴿هَا، زاد في رواية ابن خزيمة: ((وهو يومئذ خليفة))، وقوله: (حَاجّاً) منصوب على الحال من الفاعل (أَوْ مُعْتَمِراً) ((أو)) للشكّ، ويحتمل أن يكون من أبي سعيد، أو ممن دونه (فَكَلَّمَ النَّاسَ عَلَى الْمِنْبَرِ)؛ أي: النبويّ (فَكَانَ فِيمَا كَلَّمَ بِهِ النَّاسَ، أَنْ قَالَ) ((أن)) بالفتح مصدريّة، أي قوله: (إِنِّي أَرَى)؛ أي: أعتقد، وأذهب إليه (أَنَّ مُدَّيْنٍ مِنْ سَمْرَاءِ الشَّامِ)؛ أي: الْقَمْح الشاميّ. قيل: هو الحنطة الجيّدة المعروفة بالشام بالجبليّ، وأضيفت إلى الشام؛ لكثرتها بها، ولم يكن بالمدينة منها في ذلك الوقت إلا الشيء اليسير. (تَعْدِلُ) بكسر الدال، من باب ضرب، كما سبق بيانه، أي تساوي (صَاعاً مِنْ تَمْرٍ، فَأَخَذَ النَّاسُ بِذَلِكَ)؛ أي: عَمِل أكثر أهل المدينة برأي معاوية (١) ((المصباح المنير)) ٧٦/١ - ٧٧. (٢) يقال: ذَوَى البقلُ، كرمى، ورضي ذويّاً، كصُلِيٍّ: ذَبَلَ، وأذواه الحرّ. انتهى. ((ق)). ١١٩ (٥) - بَابُ بَيَانِ فَرْضٍ زَكَاةِ الْفِطْرِ - حديث رقم (٢٢٨٤) وإلا فبعضهم، كأبي سعيد، وابن عمر ﴿ه لم يأخذوا بقوله، كما بيّنه بقوله: (قَالَ أَبُو سَعِيدٍ) الخدريّ ◌َظَهُ (فَأَمَّا أَنَا فَلَا أَزَالُ أُخْرِجُهُ)؛ أي: الصاع من الأصناف المذكورة (كَمَا كُنْتُ أُخْرِجُهُ)؛ أي: في عهد النبيّ وَلاغير (أَبَداً) منصوب على الظرفيّة، قال الفيّوميّ كَّتُهُ: الأبد: الدهر، ويقال: الدهر الطويل الذي ليس بمحدود، قال الرُّمّانيّ: فإذا قلت: لا أكلمه أبداً، فالأبد من لدن تكلّمت إلى آخر عمرك، وجمعه آباد، مثلُ سَبَبٍ وأسباب. انتهى(١). وقوله: (مَا عِشْتُ) ((ما)) مصدريّة ظرفيّة؛ أي: مدّة دوام عيشي؛ أي: طول عمري، فهو مؤكّدٌ لمعنى ((أبداً))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد رُه هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٢٨٣/٥ و٢٢٨٤ و٢٢٨٥ و٢٢٨٦ و٢٢٨٧] (٩٨٥)، و(البخاريّ) في ((الزكاة)) (١٥٠٥ و١٥٠٦ و١٥٠٨ و١٥١٠)، و(أبو داود) في ((الزكاة)) (١٦١٦ و١٦١٨)، و(الترمذيّ) في ((الزكاة)) (٦٧٣)، و(النسائيّ) في ((الزكاة)) (٥١/٥ و٥٢ و٥٣)، و(ابن ماجه) في ((الزكاة)) (١٨٢٩)، و(مالك) في ((الموطأ)) (٢٨٤/١)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٧٤٢)، و(أحمد) في («مسنده)) (٧٣/٣)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٢٤٠٧ و٢٤٠٨ و٢٤١٣ و٢٤١٤ و٢٤١٩)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٦٣/٣ - ٦٤)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٦٦٣ و١٦٦٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم زكاة الفطر من الزبيب : ذهب الجمهور إلى إجزائه، إلا أن الأئمة الثلاثة قالوا: إن الواجب منه صاع، وإليه ذهب أبو يوسف، ومحمد، وهي رواية عن أبي حنيفة، وهو (١) ((المصباح المنير)) ١/١. ١٢٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة الحقّ، لحديث الباب. وفي رواية عنه نصف صاع، كالقَمْح، وهي رواية ضعيفة، لمخالفتها النصوص الصحيحة. وذهب الظاهرية إلى أن الزبيب لا يجزئ، بل الواجب هو التمر أو الشعير، وأجاب ابن حزم عن حديث الباب بوجهين: [أحدهما]: أنه غير مسند - أي مرفوع إلى النبيّ ◌َ طير - لأنه ليس في شيء من طرقه أن رسول الله وَلفور علم بذلك، فأقرّه. [والثاني]: أنه مُضطرَب فيه، فإن في بعض طرقه إثبات الزبيب، وفي بعضها نفيه، وفي بعضها ذكر الدقيق، والسُّلْت. وقد تقدم الجواب عن الوجه الأول. وأما الثاني، فقد أجاب عنه العلّامة أحمد محمد شاكر نَخّْتُهُ في تعليقه على ((المحلّى)) ١٢٥/٦، بأن هذا ليس من الاضطراب في شيء، بل إن بعض الرواة يُطيل، وبعضهم يختصر، ومنهم من يذكر شيئاً، ويسهو عن غيره، وزيادة الثقة مقبولة، فالواجب جمع كلّ ما ورد في الروايات الصحيحة، إذ لا تعارض بینھا أصلاً. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله العلامة أحمد شاكر نَظُّهُ حسنٌ جدّاً. والحاصل أن الحديث صحيح، وأن الأرجح ما قاله الجمهور، من إجزاء الزبيب في صدقة الفطر، وأن مقداره صاع، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في تعيين المراد بـ((الطعام)) في هذا الحديث: قال الخطابيّ رحمه الله تعالى في ((المعالم)) (٥٠/٢ - ٥١): زعم بعض أهل العلم أن المراد بالطعام هنا الحنطة، وأنه عندهم اسمٌ خاصّ للبرّ، قال: ويدلّ على صحّة ذلك أنه ذكَرَ في الخبر الشعيرَ، والأَقِطَ، والتمر، والزبيب، وهي أقواتهم التي كانوا يقتاتونها في الحضر والبدو، ولم يَذكُر الحنطةَ، وكانت أغلاها، وأفضلها كلّها، فلولا أنه أرادها بقوله: ((صاعاً من طعام)) لكان يجري ذكرها عند التفصيل، كما جرى ذكر غيرها من سائر الأقوات، ولا سيّما حيث