النص المفهرس
صفحات 61-80
٦١ (٢) - بَابُ بَيَانِ مَا يَجِبُ فِيهِ الْعُشْرُ، وَنِصْفُ الْعُشْرِ - حديث رقم (٢٢٧٢) وروى يحيى بن آدم في ((الخراج)) (ص١٦٥)، وأبو عبيد في ((الأموال)) (ص٨٨) عن إبراهيم بن أبي عَبْلَة، قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الله بن أبي عوف، عاملِهِ على فلسطين، فيمن كانت في يده أرض يحرثها من المسلمين أن يقبض منها جزيتها، ثم يأخذ منها زكاة ما بقي بعد الجزية، قال ابن أبي عبلة: أنا ابتليت بذلك، ومنّي أخذوا الجزية - يعني خراج الأرض .. واستدلّ الحنفيّة بما رواه ابن عديّ في ((الكامل))، والبيهقيّ من طريقه عن يحيى بن عنبسة، ثنا أبو حنيفة، عن حمّاد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود نظُّه، قال: قال رسول الله وَلير: ((لا يجتمع عشر وخراج في أرض مسلم)). وبأن أحداً من أئمّة العدل وولاة الْجَوْر لم يأخذ من أرض السواد عشراً إلى يومنا هذا، فالقول بوجوب العشر فيها يخالف الإجماع، فيكون باطلاً. قال صاحب ((الهداية)): لم يجمع أحدٌ من أئمة العدل والجور بينهما، وكفى بإجماعهم حجة. انتهى. وأجيب عن الحديث بأنه باطلٌ، لا أصل له. قال البيهقيّ: هذا حديثٌ باطلٌ وَصْلُه، ورَفْعُه، ويحيى بن عنبسة متّهمٌ بالوضع، وقال ابن عديّ: يحيى بن عنبسة منكر الحديث، وإنما يُروَى هذا من قول إبراهيم. وقد رواه أبو حنيفة، عن حمّاد، عن إبراهيم قولَهُ، فجاء يحيى بن عنبسة، فأبطل فيه، ووصله إلى النبيّ وَّر، ويحيى مكشوف الأمر في ضعفه؛ لروايته عن الثقات الموضوعات. انتهى. وقال ابن حبّان: ليس هذا من كلام النبيّ وَّهُ، ويحيى بن عنبسة دجّالٌ يضع الحديث، لا تحلّ الرواية عنه. وقال الدارقطنيّ: يحيى هذا دجّال يضع الحديث، وهو كذب على أبي حنيفة، ومن بعده إلى رسول الله وَ له. وذكره ابن الجوزيّ في ((الموضوعات)). كذا في ((نصب الراية)) ٤٤٢/٣. وأجيب عن دعوى الإجماع بأنها باطلة جدّاً. قال الحافظ في ((الدراية)) ردّاً على صاحب ((الهداية: ولا إجماعَ مع خلاف عمر بن عبد العزيز، والزهريّ، بل لم يثبت عن غيرهما التصريح بخلافهما. انتهى. وقال أبو عبيد في ((الأموال)) (ص٩٠): لا نعلم أحداً من الصحابة قال: لا يجتمع عليه العشر ٦٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة والخراج، ولا نعلمه من التابعين إلا شيء يُروى عن عكرمة، رواه عنه رجل من أهل خراسان، يُكنى أبا المنيب، سمعه يقول ذلك. انتهى. وقال صاحب ((المرعاة)) (٧٩/٦) بعد ذكر ما تقدّم: وقد ظهر بما ذكرنا أنه لم يقم دليل صحيح، أو سقيم على أن الخراج والعشر لا يجتمعان على مسلم، بل الآية المذكورة، وحديث: ((فيما سقت السماء العشر))، وما في معناه يدلّان بعمومهما على الجمع بينهما، وأثر عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد، وأثر الزهريّ يدلّان على أن العمل كان ذلك في عهد رسول الله وَير وبعده، فالحقّ، والصواب في ذلك ما ذهب إليه الجمهور. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله صاحب ((المرعاة)) تَخْتُهُ حسنٌ جدّاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ . (٣) - (بَابُ بَيَانِ أَنَّهُ لَا زَكَاةَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِ عَبْدِهِ، وَلَا فِي فَرَسِهِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٧٣] (٩٨٢) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ﴿ قَالَ: ((لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمْ فِي عَبْدِهِ، وَلَا فَرَسِهِ (١) صَدَقَةٌ))). رجال هذا الإسناد: ستة : ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْتَى التَّمِيمِيُّ) تقدّم قبل بابين. ٢ - (مَالِكُ) بن أنس، إمام دار الهجرة الحجة الثبت [٧] (ت١٨٩) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٧٨. ٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ) العدويّ مولى ابن عمر، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقة [٤] (ت١٢٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٠/١٤. (١) وفي نسخة: ((ولا في فرسه)). ٦٣ (٣) - بَابُ بَيَانِ أَنَّهُ لَا زَكَاةَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ، وَلَا فِي فَرَسِهِ - حديث رقم (٢٢٧٣) ٤ - (سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ) الْهلاليّ المدنيّ، مولى ميمونة، أو أم سلمة، ثقةٌ فقيةٌ فاضلٌ، من كبار [٣] مات بعد المائة، أو قبلها (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٨٩. ٥ - (عِرَاكُ بْنُ مَالِكِ) الغفاريّ الكنانيّ المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ [٣] مات بعد المائة (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٥/٢٩. ٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) تَظُهُ تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف ◌َّلهُ. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنیین، سوی شيخه، فنيسابوريّ، وقد دخل المدينة . ٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين، رَوَى بعضهم عن بعض: عبد الله بن دينار، وسليمان بن يسار، وعراك بن مالك، وكلهم مدنيّون. ٥ - (ومنها): أن سليمان بن يسار أحد الفقهاء السبعة. ٦ - (ومنها): أن أبا هريرة ظله رأس المكثرين السبعة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَبُهُ (أَنَّ رَسُولَ اللهِوَِّ قَالَ: ((لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ) خَصّ المسلم، وإن كان الصحيح من أقوال العلماء أن الكافر مكلّف بالفروع؛ لأنه ما دام كافراً لا تُقبل منه حتى يُسلِم، وإذا أسلم سقطت منه؛ لأن الإسلام يَجُبّ ما قبله(١). (فِي عَبْدِهِ)؛ أي: رقيقه، ذكراً كان أو أنثى، ونفَى الصدقة في العبد مطلقاً، لكنه مقيّدٌ بما ثبت في الرواية الآتية: ((ليس في العبد صدقة، إلا صدقة الفطر))، ولأبي داود: ((ليس في الخيل، والرقيق زكاة، إلا زكاة الفطر)). (١) راجع: ((المرعاة)) ٦/ ٩٠. ٦٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة (وَلَا فَرَسِهِ) وفي نسخة: (ولا في فرسه))، والمراد: الشامل للذكر والأنثى، وجمعه الخيل، من غير لفظه، قال في ((القاموس)): الْخَيْلُ: جماعة الأفراس، لا واحد له، أو واحده خائلٌ؛ لأنه يختال، جمعه أَخْيَالٌ، وخُول، ويُكسرُ، والْفُرْسان، ومنه ما روي: ((يا خيل الله اركبي))؛ أي: يا رُكّاب خيل الله. انتهى بزيادة. وقال في ((المصباح)): الْخَيْلُ: معروفة، وهي مؤنّئةٌ، ولا واحد لها من لفظها، والجمع خُيُولٌ. قال بعضهم: وتطلق الخيل على العِرَاب، وعلى الْبَرَاذِين، وعلى الفُرْسَان، وسميت خيلاً؛ لاختيالها، وهو إعجابها بنفسها مَرَحاً، ومنه يقال: اختال الرجلُ، وبه خُيَلاءُ، وهو الكبر والإعجاب. انتھی(١). (صَدَقَةٌ)))؛ أي: زكاة، قال في ((الفتح)) عند قول البخاريّ تَظُّهُ: ((باب ليس على المسلم في فرسه صدقة)): قال ابن رُشيد: أراد بذلك الجنس في الفرس، والعبد، لا الفرد الواحد؛ إذ لا خلاف في ذلك في العبد المتصرّف، والفرس المعدّ للركوب، ولا خلاف أيضاً أنها لا تؤخذ من الرقاب، وإنما قال بعض الكوفيين: يؤخذ منها بالقيمة. ولعلّ البخاريّ أشار إلى حديث عليّ ◌َظُه مرفوعاً: ((قد عفوت عن الخيل، والرقيق، فهاتوا صدقة الرِّقَةِ))، أخرجه أبو داود، وغيره(٢) وإسناده حسن . والخلاف في ذلك عن أبي حنيفة إذا كانت الخيل ذُكراناً وإناثاً نظراً إلى النسل، فإذا انفردت فعنه روايتان، ثمّ عنده أن المالك يتخيّر بين أن يخرج عن كلّ فرس ديناراً، أو يقوّم، ويُخرج ربع العشر. واستُدِلّ عليه بهذا الحديث، وأجيب بحمل النفي فيه على الرقبة، لا على القيمة. واستَدَلّ به من قال من أهل الظاهر بعدم وجوب الزكاة فيهما مطلقاً، ولو (١) راجع: ((القاموس))، و((المصباح المنير)) في مادّة: (خال). (٢) أخرجه النسائي برقم (٢٤٧٧ و٢٤٧٨). ٦٥ (٣) - بَابُ بَيَانِ أَنَّهُ لَا زَكَاةَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ، وَلَّا فِي فَرَسِهِ - حديث رقم (٢٢٧٣) كانا للتجارة، وأجيبوا بأن زكاة التجارة ثابتة بالإجماع، كما نقله ابن المنذر وغيره، فيخصّ به عموم هذا الحديث. انتهى(١). وتعقّب بعضهم دعوى الإجماع المذكور، فقال: كيف الإجماع مع خلاف الظاهرية؟ . قال: وأجيبوا بأن زكاة التجارة متعلّقها القيمة، لا العين، فالحديث يدلّ على عدم التعلّق بالعين، فإنه لو تعلّقت الزكاة بالعين من العبيد والخيل لثبتت ما بقيت العين، وليس كذلك، فإنه لو نوى القنية لسقطت الزكاة، والعين باقية، وإنما الزكاة متعلّقة بالقيمة بشرط نيّة التجارة. قال النوويّ تَخّْلُهُ: هذا الحديث أصل في أنّ أموال القنية لا زكاة فيها، وأنه لا زكاة في الخيل والرقيق، إذا لم تكن للتجارة. وبهذا قال العلماء كافّة، من السلف والخلف، إلا أبا حنيفة، وشيخه حماد بن أبي سليمان، وزفر، فأوجبوا في الخيل على تفصيل سيأتي قريباً، قال النوويّ: وليس لهم حجة في ذلك، وهذا الحديث صريحٌ في الرّدّ عليهم. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ◌َُّه هذا متّفَقُّ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٢٧٣/٣ و٢٢٧٤ و٢٢٧٥ و٢٢٧٦] (٩٨٢)، و(البخاريّ) في ((الزكاة)) (١٤٦٣ و١٤٦٤)، و(أبو داود) في ((الزكاة)) (١٥٩٤ و١٥٩٥)، و(الترمذيّ) في ((الزكاة)) (٦٢٨)، و(النسائيّ) في ((الزكاة)) (٢٤٦٧ و٢٤٦٨ و٢٤٦٩ و٢٤٧٠ و٢٤٧١ و٢٤٧٢) و((الكبرى)) في (٢٢٤٦ و٢٢٤٧ و٢٢٤٨ و٢٢٤٩ و٢٢٥٠ و٢٢٥١)، و(ابن ماجه) في ((الزكاة)) (١٨١٢)، و(أحمد) في ((مسند)) (٢٤٢/٢ و٢٥٤ و٤١٠ و٤٦٩ و٤٧٠ و٤٧٧)، و(مالك) في ((الموطأ)) (٢٧٧/١)، والله تعالى أعلم. (١) ((الفتح)) ٤ / ٨٧. ٦٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في وجوب الزكاة في الخيل: ذهب جمهور العلماء من السلف والخلف إلى أنه لا زكاة في الخيل إلا إذا كانت للتجارة. وذهب أبو حنيفة، وشيخه حماد بن أبي سليمان، وزفر فأوجبوا فيها الزكاة، إذا كانت إناثاً، أو ذكوراً وإناثاً، في كلّ فرس ديناراً، وإن شاء قوّمها، وأخرج عن كلّ مائتي درهم خمسة دراهم. احتجّ الجمهور بحديث أبي هريرة ◌ُه المذكور في الباب، وبحديث عليّ رَُّه الآتي بعد باب. قال أبو عُبيد في ((كتاب الأموال)) (ص٤٦٥): إيجاب الصدقة في سائمة الخيل التي يبتغي منها النسل ليس على اتّباع السنّة، ولا على طريق النظر؛ لأن رسول الله وَ﴿ قد عفا عن صدقتها، ولم يستثن سائمة، ولا غيرها، وبه عملت الأئمة، والعلماء بعده فهذه السنّة. وأما في النظر فكان يلزمه إذا رأى فيها صدقة أن يجعلها كالماشية؛ تشبيهاً بها؛ لأنها سائمة مثلها، ولم يَصِر إلى واحد من الأمرين، على أن تسمية سائمتها قد جاءت عن غير واحد من التابعين بإسقاط الزكاة منها، ثم روى عن إبراهيم، والحسن، وعمر بن عبد العزيز. وأجاب الحنفيّة عن حديث أبي هريرة ﴿ه بأنه محمول على فرس الركوب، والحمل، والجهاد في سبيل الله؛ لما روي أن زيد بن ثابت نظراته لما بلغه حديث أبي هريرة عظته قال: صدق، إنما أراد رسول الله وَله فرس الغازي. ذكره صاحب ((الهداية)) تبعاً لأبي زيد الدبوسيّ. قال الحافظ في ((الدراية)) (ص١٥٨): تبع صاحب ((الهداية)) في ذلك أبا زيد الدبوسيّ، فإنه نقله عن زيد بن ثابت بلا إسناد. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الصواب ما ذهب إليه الجمهور من عدم وجوب الزكاة في الخيل، والرقيق؛ لحديث الباب. وقد ذكر العلّامة عبيد الله بن محمد المباركفوريّ، صاحب ((مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) وَّلهُ أدلة الحنفيّة وناقشها كلها، فأجاد، وأفاد، بما لا تجده في كتاب غيره، فجزاه الله تعالى خيراً، فإن شئت فراجعه ٦٧ (٣) - بَابُ بَيَانِ أَنَّهُ لَا زَكَاةَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ، وَلَا فِي فَرَسِهِ - حديث رقم (٢٢٧٤) في (٩٠/٦ - ٩٦) تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٧٤] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ عَمْرٌو: عَنِ النَّبِيِّ وَِّ، وَقَالَ زُهَيْرٌ: يَبْلُغُ بِهِ: ((لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ، وَلَا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ))). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) تقدّم قبل باب. ٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب أيضاً. ٣ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم قبل باب أيضاً. ٤ - (أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى) بن عمرو بن سعيد بن العاص الأمويّ، أبو موسى المكيّ، ثقةٌ [٦] (ت١٣٢) (ع) تقدم في ((الحيض)) ١١/ ٧٥٠. ٥ - (مَكْحُولٌ) الشاميّ، أبو عبد الله، ثقةٌ فقيهٌ مشهورٌ، كثير الإرسال [٥] مات سنة بضع عشرة ومائة (م ٤) تقدم في ((المقدمة)) ٤٥/٦. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (قَالَ عَمْرُو: عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ، وَقَالَ زُهَيْرٌ: يَبْلُغُ بِهِ) أشار به إلى بيان اختلاف شيخيه في صيغ الأداء، فقال عمرو الناقد: ((عن أبي هريرة، عن النبيّ وَ ل9))، وقال زهير بن حرب: ((عن أبي هريرة يبلغ به))؛ أي: يرفع الحديث إلى النبيّ ◌َّ، وهذه الصيغة من صيغ الرفع حكماً، وإنما عدل عن الصيغة المعروفة، مثل ((سمع))، أو ((قال))، أو ((عن)) مثلاً؛ لكونه نسي الصيغة التي سمعها من شيخه، مع أنه تأكّد من رفعه، فأتى بصيغة تحتمل كلّ الصيغ، وهي قوله: ((يبلغ به))، وقد تقدّم البحث في هذا مستوفّى غير مرّة، فلا تكن من الغافلين. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث ٦٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٧٥] ( .. ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، كُلَّهُمْ عَنْ خُثَيْمِ بْنِ عِرَاكِ بْنِ مَالِكِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِّ وَّهِ بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو أيوب المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت١٧٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٠/١٤. ٢ - (قُتَيْبَةُ) بن سعيد الثقفيّ، أبو رجاء الْبَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٤٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠. ٣ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) الأزديّ الْجهضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيةٌ، من كبار [٨] (ت١٧٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٦/٥. ٤ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً) تقدّم قبل باب. ٥ - (حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) الحارثيّ مولاهم، أبو إسماعيل المدنيّ، كوفيّ الأصل، صدوقٌ يَهِم، صحيح الكتاب [٨] (ت٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في ((الصلاة)) ١٠٨٦/٤٢. ٦ - (خُثَيْمُ بْنُ عِرَاكِ بْنِ مَالِك) الغفاريّ المدنيّ، ثقة (١) [٦]. رَوَى عن أبيه، وسليمان بن يسار، وعنه يحيى بن سعيد الأنصاريّ، ويحيى بن سعيد القطان، وحماد بن زيد، وسلمان بن بلال، وحاتم بن إسماعيل، وغيرهم. وقال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال العقيليّ: ليس (١) هذا أولى من قوله في ((التقريب)): لا بأس به، فقد روى عنه جماعة، ووثقه النسائيّ وغيره، وأخرج له الشيخان، فتنبّه. ٦٩ (٣) - بَابُ بَيَانِ أَنَّهُ لَا زَكَاةَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ، وَلَا فِي فَرَسِهِ - حديث رقم (٢٢٧٥) به بأس، وقال الأزديّ: منكر الحديث، وقال ابن حزم: لا تجوز الرواية عنه، قال الحافظ: وهي مجازفة صعبة، ولعل مستند من وَهّاه ما ذكره أبو عليّ الكرابيسيّ في ((كتاب القضاء)): حدثنا سعيد بن زبير، ومصعب الزبيريّ، قالا: استفتى أمير المدينة مالكاً عن شيء، فلم يُفْته، فأرسل إليه: ما منعك من ذلك؟ فقال مالك: لأنك وَلَّيت خُثيم بن عراك بن مالك على المسلمين، فلما بلغه ذلك عزله. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا ذكر الحافظ الحكاية، ولم يُجب عنها، وعندي أنها لا تكون موجبة لضعف خثيم، كما اعتمده الأزديّ، وابن حزم؛ لأن إنكار مالك توليته للقضاء يحتمل لأمر آخر، لا صلة له برواية الحديث. والحاصل أن خثيماً ثقةٌ كما وثّقه النسائيّ وغيره، وروى عنه جماعة، وأخرج له الشيخان في ((صحيحيهما))، فتنبّه. ثم رأيت الحافظ أجاب في ((الهدي))، وأجاد، فقال: خُثيم بن عراك بن مالك الغفاريّ، وثّقه النسائيّ، وابن حبّان، والعقيليّ، وشذّ الأزديّ، فقال: منكر الحديث، وغفل أبو محمد بن حزم، فاتّبع الأزديّ، وأفرط، فقال: لا تجوز الرواية عنه، وما درى أن الأزديّ ضعيف، فكيف يُقبل منه تضعيف الثقات؟. انتهى (١). أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا برقم (٩٨٢) و(١٥٥٩) و(٢٥١٦). والباقون ذُكروا في الباب. [تنبيه]: رواية خثيم، عن أبيه هذه ساقها البخاريّ نَّثُ في ((صحیحه))، فقال : (١٤٦٤) - حدّثنا مسدّد، حدّثنا يحيى بن سعيد، عن خُثيم بن عِرَاك، قال: حدّثني أبي، عن أبي هريرة ظُله. وحدّثنا سليمان بن حرب، حدّثنا وهيب بن خالد، حدّثنا خُثيم بن عراك بن مالك، عن أبيه، عن أبي هريرة ◌َظُه، عن النبيّ وَّه قال: ((ليس على المسلم صدقة في عبده، ولا في (١) ((هدي الساري)) (ص٤٢٠). ٧٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة فرسه)). انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٧٦] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَهَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي(١) مَخْرَمَةُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِنَِّ قَالَ: ((لَيْسَ فِي الْعَبْدِ صَدَقَةٌ، إِلَّ صَدَقَةُ الْفِطْرِ))). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى) المصريّ المعروف بابن التستريّ، صدوقٌ، تُكلّم في بعض سماعه بلا حجة [١٠] (ت٢٤٣) (خ م س ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٤/٨. ٢ - (مَخْرَمَةُ) بن بكير بن عبد الله بن الأشجّ، أبو الْمِسْوَر المدنيّ، صدوقٌ [٧] (ت١٥٩) (بخ م د س) تقدم في ((الطهارة)) ٤/ ٥٥٤. ٣ - (أَبُوهُ) بُكير بن عبد الله بن الأشجّ الْمَخزوميّ مولاهم، أبو عبد الله، أو أبو يوسف المدنيّ، نزيل مصر، ثقةٌ [٥] (ت١٢٠) أو بعدها (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٤/ ٥٥٤. والباقون تقدّموا في الباب، والباب الماضي. وقوله: (إِلَّ صَدَقَةُ الْفِطْرِ) قال النوويّ تَخُّْهُ: هذا صريح في وجوب صدقة الفطر على السيد عن عبده، سواءٌ كان للقنية أم للتجارة، وهو مذهب مالك، والشافعيّ، والجمهور، وقال أهل الكوفة: لا يجب في عبيد التجارة، وحُكِيَ عن داود أنه قال: لا تجب على السيد، بل تجب على العبد، ويَلْزَم السيدَ تمكينه من الكسب؛ ليؤديها، وحكاه القاضي عن أبي ثور أيضاً، ومذهب الشافعيّ، وجمهور العلماء أن المكاتب لا فطرة عليه، ولا على سيده، وعن عطاء، ومالك، وأبي ثور وجوبها على السيد، وهو وجه لبعض أصحاب الشافعيّ؛ لقوله وَج: ((المكاتب عبدٌ ما بقي عليه درهم))(٢)، وفيه وجه أيضاً لبعض أصحابنا (١) وفي نسخة: ((أخبرنا)). (٢) حديث حسنٌ، أخرجه أبو داود في «سننه)) بسند حسن. ٧١ (٣) - بَابُ بَيَانِ أَنَّهُ لَا زَكَاةَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ، وَلَا فِي فَرَسِهِ - حديث رقم (٢٢٧٦) أنها تجب على المكاتب؛ لأنه كالحرّ في كثير من الأحكام. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: قول من قال: إنها تجب على سيّده هو الحقّ؛ للحديث المذكور، وسيأتي تمام البحث فيه بعد باب - إن شاء الله تعالى -. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ◌ُه هذا من أفراد المصنّف دخّلُهُ . [تنبيه]: فإن قلت: كيف أخرج المصنّف رواية مخرمة عن أبيه، وهي متكلّم فيها؛ لأنها وجادة من كتابه، كما قاله أحمد، وابن معين، وغيرهما؟. [قلت]: لم ينفرد بها مخرمة، فقد تابعه جماعة في روايتها عن أبيه، وهم: مكحول، وجعفر بن ربيعة، وموسى بن عقبة. فأما رواية مكحول، فأخرجها ابن خزيمة في ((صحيحه)) (٨٢/٤) فقال: (٢٣٩٦) - حدّثنا محمد بن حكيم، حدثنا عثمان بن عمر، حدثنا أسامة بن زيد، عن مكحول، عن عراك بن مالك، عن أبي هريرة، أن رسول الله دوله قال: ((ليس على المسلم في فرسه، ولا في عبده، ولا وليدته صدقة، إلا صدقة الفطر)). وأخرجه أيضاً الدارقطنيّ في ((سننه)) (١٢٧/٢) فقال: (٨) - حدّثنا سعيد بن محمد بن أحمد الحناط، ثنا يوسف بن موسى، ثنا أبو أسامة، عن أسامة بن زيد، أخبرني مكحول، عن عراك بن مالك، عن أبي هريرة، عن النبيّ وَّه قال: ((ليس على المرء المسلم صدقة في فرسه، ولا في عبده، ولا في وليدته))، قال أسامة بن زيد: وثنا سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة، عن النبيّ ◌َلټ مثله. انتهى. وأما رواية جعفر بن ربيعة، فأخرجها الدارقطنيّ في ((سننه)) (١٢٧/٢) فقال : (٧) - حدّثنا محمد بن أحمد بن عمرو بن عبد الخالق، ثنا أحمد بن محمد بن رِشدين، نا ابن أبي مريم، ثنا نافع بن يزيد، حدّثني جعفر بن ربيعة، (١) ((شرح النوويّ)) ٥٥/٧ - ٥٦. ٧٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة عن عراك بن مالك، عن أبي هريرة، عن رسول الله وَله قال: ((لا صدقة على الرجل في فرسه، ولا في عبده إلا زكاة الفطر)). وقال البيهقيّ في ((الكبرى)) (٤/ ١٦٠) بعد أن أخرجه من هذا الوجه: ورواه محمد بن سهل بن عسكر، عن ابن أبي مريم، فقال في الحديث: ((ليس على المسلم في عبده، ولا فرسه صدقة، إلا صدقة الفطر)). انتهى. وأما رواية موسى بن عقبة، عن عراك، فأخرجها الطبرانيّ في ((المعجم الأوسط)) (٩٠/٦) فقال: (٥٨٨٧) - حدّثنا محمد بن خُليد العبديّ، قال: نا محمد بن عُبيد المحاربيّ، قال: نا أبي، عن عبد السلام بن مصعب، أبي مصعب المدنيّ، عن موسى بن عقبة، عن عِرَاك بن مالك، عن أبي هريرة، عن النبيّ قال: (ليس على الرجل في عبده، ولا فرسه صدقة، إلا صدقة الفطر))، لم يرو هذا الحديث عن موسى بن عقبة إلا عبد السلام بن مصعب(١). انتهى. فتحصّل مما سبق أن الحديث لم ينفرد به مخرمة عن أبيه، بل رواه عنه معه هؤلاء الثلاثة: مكحول، وجعفر بن ربيعة، وموسى بن عقبة، فتنبّه. والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا (٢٢٧٦/٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٢٠/٢)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٢٢٨٩)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٦٠/٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٦٠/٤)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٥٢/٢)، و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (١٢٧/٢)، و(الطبرانيّ) في ((المعجم الأوسط)) (٦/ ٩٠)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣١٢/٧)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (١٠/ ٥٢٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنِيْبُ﴾ . (١) وهو ثقةٌ، وثقه ابن معين، من السابعة، قاله في ((التقريب)) (٢١٣). ٧٣ (٤) - بَابٌ فِي تَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ، وَتَحَمُّلِهَا عَمَّنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ - حديث رقم (٢٢٧٧) (٤) - (بَابٌ فِي تَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ، وَتَحَمُّلِهَا عَمَّنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَظُّ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢٢٧٧] (٩٨٣) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ وَِّ عُمَرَ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَقِيلَ: مَنَعَ ابْنُ جَمِيلٍ، وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَالْعَبَّاسُ عَمُّ رَسُولِ اللهِنَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَا بَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ فَقِيراً، فَأَغْنَاهُ اللهُ، وَأَمَّا خَالِدٌ فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِداً، قَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ، وَأَعْتَادَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَأَمَّا الْعَبَّاسُ فَهِيَ عَلَيَّ، وَمِثْلُهَا مَعَهَا، ثُمَّ قَالَ: يَا عُمَرُ أَمَا شَعَرْتَ أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ)). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَلِيُّ بْنُ حَفْصٍ) المدائنيّ، نزيل بغداد، صدوقٌ [٩] (م د ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٨/٣. ٢ - (وَرْقَاءُ) بن عمر اليشكريّ، أبو بشر الكوفيّ، نزيل المدائن، ثقةٌ [v] (ع) تقدم في ((الصلاة)) ٩٩٩/٣١. ٣ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان القرشيّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٥] (ت١٣٠) أو بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٠/٥. ٤ - (الْأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز، أبو داود المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت١١٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٩٢/٢٣. والباقيان تقدّما في الباب الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رَّلهُ. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وعلي بن حفص، فما أخرج له البخاريّ، وأبو داود، وابن ماجه. ٧٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين غير شيخه، وعلي، فبغدادیّان، وورقاء، فمدائنيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه روايةً تابعي، عن تابعي، وفيه أبو هريرة نظُله رأس المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَبه، أنه (قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ وَلَ هُمَرَ) هذا ظاهر في كون الحديث من مسند أبي هريرة ظه، ووقع عند النسائيّ بلفظ: ((وَقَالَ عُمَرُ))، قال في ((الفتح)): والمحفوظ أنه من مسند أبي هريرة نظُه، وإنما جرى لعمر ◌َُّه فيه ذكرٌ فقط. انتهى(١). (عَلَى الصَّدَقَةِ)؛ أي: ساعياً عليها، وهو مشعر بأنها صدقة الفرض؛ لأن صدقة التطوّع لا يُبْعَث عليها السُّعَاءُ. وهذا هو الصحيح المشهور، نقله القرطبيّ عن الجمهور، وقال ابن القصّار المالكيّ: الأليق أنها صدقة التطوّع؛ لأنه لا يُظنّ بهؤلاء الصحابة أنهم منعوا الفرض. وتُعُقّب بأنهم ما منعوه كلهم جحداً، ولا عناداً، أما ابن جميل، فقد قيل: إنه كان منافقاً، ثم تاب بعد ذلك. كذا حكاه المهلّب، وجزم القاضي حسين في ((تعليقه)) أن فيه نزلت: ﴿وَمِنْهُم ◌َنْ عَهَدَ اَللَّهَ﴾ الآية [التوبة: ٧٥]. انتهى. والمشهور أنها نزلت في ثعلبة. وأما خالد، فكان متأوّلاً بإجزاء ما حبسه عن الزكاة، وكذلك العبّاس؛ لاعتقاده ما سيأتي التصريح به، ولهذا عَذَر النبيّ وَّهِ خالداً والعبّاس، ولم يعذر ابن جميل. وقال ابن الملقّن تَخْتُ: ويبعد أن يراد بها صدقة التطوّع لوجوه: (أحدها): أن المتبادر إلى الذهن خلافه. (ثانيها): أنه ◌َّ إنما كان يبعث في الزكاة المفروضة، على ما نُقل. (١) ((الفتح)) ٤ /٩٤. ٧٥ (٤) - بَابٌ فِي تَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ، وَتَحَمُّلِهَا عَمَّنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ - حديث رقم (٢٢٧٧) (ثالثها): قوله: ((وأما العبّاس فهي علَيّ))، و((عليّ)) من ألفاظ الوجوب. (١) انتھی (فَقِيلَ: مَنَعَ ابْنُ جَمِيلٍ) قائل ذلك عمر ◌ُه، كما سيأتي في حديث ابن ـة. عباس ◌ًّا في الكلام على قَصّة العباس ووقع في رواية ابن أبي الزناد عند أبي عُبيد: ((فقال بعض من يَلْمِز))؛ أي: یعیب. و((ابن جميل)) هذا قال صاحب ((التنبيه)): قال ابن منده وغيره: لا يُعرف (٢) اسمه. انتھی(٢) . وقال في ((الفتح)): لم أقف على اسمه في كتب الحديث، لكن وقع في تعليق القاضي الحسين المروزيّ الشافعيّ، وتبعه الرويانيّ أن اسمه ((عبد الله))، ووقع في شرح الشيخ سراج الدين ابن الملقّن أن ابن بزيزة سمّاه ((حميداً))، ولم أر ذلك في كتاب ابن بزيزة، ووقع في رواية ابن جريج ((أبو جهم بن حُذيفة)) بدل ابن جميل، وهو خطأ؛ لإطباق الجميع على ((ابن جميل))، وقول الأكثر: إنه كان أنصاريّاً، وأبو جهم بن حذيفة، قرشيّ، فافترقا، وذكر بعض المتأخّرين أن أبا عبيد ذكر في ((شرح الأمثال)) له أنه ((أبو جهم بن جميل)). انتهى. (وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ) بن المغيرة بن عبد الله بن عُمر بن مخزوم، سيف الله، يكنى أبا سليمان، من كبار الصحابة ﴿ه، وكان إسلامه بين الحديبية والفتح، وكان أميراً على قتال أهل الرّدّة وغيرها من الفتوح، إلى أن مات سنة (٢١هـ) أو بعدها . (وَالْعَبَّاسُ) بن عبد المطّلب، وقوله: (عَمُّ رَسُولِ اللهِ وَّ﴾ بالرفع على البدليّة توفّي العبّاس ظ به سنة (٣٢) أو بعدها، وهو ابن (٨٨) سنة. (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ) - بفتح القاف وكسرها - أي ما يعيب، أو ما يُنكر، أو ما يَكرَه، يقال: نَقَمْتُُّ عليه أمره، ونَقَمتُ منه نَقْماً، من باب ضرب، ونُقُوماً، ونَقِمْتُ أَنقَمُ، من باب تَعِبَ لغةٌ: إذا عِبْتَه، وكرِهته أشدّ (١) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٧٥/٥. (٢) (تنبيه المعلم)) ص١٨٦. ٧٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة الكراهة؛ لسوء فعله، وفي التنزيل: ﴿وَمَا نَنِقِمُ مِنَّآ﴾ [الأعراف: ١٢٦] على اللغة الأولى: أي ما تطعَنُ فينا، وتَقْدَحُ. وقيل: ليس لنا عندك ذنب، ولا ركِبنَا مكروهاً، قاله في (المصباح)). وقال في ((اللسان)): معنى نَقِمتُ: بالغت في كراهية الشيء، وأنشد بعضهم [من الخفيف]: أَنَّهُمْ يَحْمِلُونَ إِنْ غَضِبُوا مَا نَقِمُوا مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ إِلَّ یروی بالفتح والكسر. وقال الإمام ابن الملقّن تَخّْثُ: واختلف في معناه على ثلاثة أقوال: (أحدها): يُنكِر. (وثانیھا): يَكرَه. (وثالثها): يَعيب، وقد فُسّر قوله تعالى: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّآ﴾ الآية [المائدة: ٥٩] بهيكرهون)) و((ينكرون)). فإن فسّرناه بـ((ينكر)) فإن معناه: أنه لا عُذر له في المنع؛ إذ لم يكن موجبه إلا أن كان فقيراً، فأغناه الله، وذلك ليس بموجب له، فلا موجب البتّة، وهذا من باب قوله [من الطويل]: وَلَا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ بِهِنَّ قُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ فيقصدون النفي على سبيل المبالغة في الإثبات؛ إذ المعنى أنه لم يكن لهم عيبٌ إلا هذا، وهذا ليس بعيبٍ، فلا عيب فيهم البتّة، وكذلك المعنى هنا إذا لم يُنكر ابن جميل إلا كون الله أغناه بعد فقره، فلم ينكر مُنكَراً أصلاً، فلا عذر له في المنع، وكذلك إن فسّرناه بـ((يَكره))؛ أي: ما يكره إخراج الزكاة على ما تقدّم. ويقال: نَقِمَ الإنسان: إذا جعله مؤدّياً إلى كفره النعمة، فالمعنى أن غناه أدّاه إلى كفر نعمة الله تعالى بالمنع، فما ينقم؛ أي: ما يكره إلا أن يكفر النعمة، وأما تفسيره بـ(يَعِيبُ)) ففيه بُعْدٌ. انتهى كلام ابن الملقّن ◌َظّهُ(١). (إِلَّا أَنَّهُ كَانَ فَقِيراً، فَأَغْنَاهُ اللهُ) زاد في رواية البخاريّ: ((ورسوله))، قال في ((الفتح)): إنما ذكر رسول الله و لو نفسه لأنه كان سبباً لدخوله في الإسلام، (١) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٧٧/٥ - ٧٨. ٧٧ (٤) - بَابٌ فِي تَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ، وَتَحَمُّلِهَا عَمَّنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ - حديث رقم (٢٢٧٧) فأصبح غنيّاً بعد فقره بما أفاء الله على رسوله وسلّر، وأباح لأمته من الغنائم. وهذا السياق من باب تأكيد المدح بما يُشبه الذّمّ؛ لأنه إذا لم يكن له عذرٌ إلا ما ذُكر من أن الله أغناه، فلا عُذر له، وفيه التعريض بكفران النعم، والتقريع بسوء الصنيع في مقابلة الإحسان. انتهى(١). (وَأَمَّا خَالِدٌ فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِداً) الخطاب للعمّال على الصدقة حيث لم يحتسبوا له بما أنفق في الجهاد من الجند والْعُدّة؛ لأنهم طلبوا منه زكاة أعتاده ظنّاً منهم أنها للتجارة، وأن الزكاة فيها واجبة، فقال لهم: لا زكاة لكم عليّ، فقالوا للنّبيّ وَله: إن خالداً منع الزكاة، فقال: ((إنكم تظلمون خالداً))؛ لأنه حبسها، ووقفها في سبيل الله قبل الحول عليها، ولا زكاة فيها، قاله النوويّ في ((شرحه))(٢). ويَحْتَمِل أن يكون المراد: لو وجبت عليه زكاةٌ لأعطاها، ولم يَشحّ بها؛ لأنه قد وقف أمواله لله تعالى متبرّعاً، فكيف يشحّ بواجب عليه؟. ويَحْتَمِل أنه لم يقفها، بل رفع يده عنها، وخلّى بينها وبين الناس في سبيل الله؛ لا أنه احتبسها وقفاً على التأبيد؛ لأنه صرفها مصرفها حيث تعيّنت للجهاد، وقد جعل الله للجهاد حظاً من الزكاة، فرأى صرفها فیه، فاشترى بها ما يصلح له، كما يفعله الإمام، فلما تحقّق النبيّ وَّر ذلك، قال: ((إنكم تظلمون خالداً))، فإنه صرفها مصرفها، وأجاز له ذلك، وبه جزم القرطبيّ في ((شرح))(٣). وقيل: يجوز أن يكون ولو أجاز لخالد أن يحتسب ما حبسه من ذلك فيما يجب عليه من الزكاة؛ لأنه في سبيل الله، حكاه القاضي عياض(٤). (قَدِ احْتَبَسَ)؛ أي: وَقَفَ، ويَحْتَمِل أن يكون معناه: إبانة اليد عن الملك لله تعالى كما يفعل المهدي لبيت الله تعالى فيها بالتخلية بينها وبين (١) ((الفتح)) ٤ / ٩٥. (٢) ((شرح مسلم)) ٥٩/٧ - ٦٠. (٣) ذكر القرطبي رحمه الله تعالى معنى هذا الكلام في ((المفهم)) ١٦/٣. (٤) ((إكمال المعلم)) ١١٥/٣. ٧٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة مستحقيها، قال الأصبهانيّ: واحتبس لغة في حَبَسَ(١). (أَدْرَاعَهُ) بفتح الهمزة: جمع دِرْع بكسر، فسكون، ويكون من الحديد وغيره (وَأَعْتَادَهُ فِي سَبِيلِ اللّهِ) (الأَعْتَادُ)) - بفتح الهمزة -: جمع عَتَدَ - بفتحتين - ووقع في رواية البخاريّ: ((وَأَعتُدَه)) - بضمّ المثنّاة - وهو جمعه أيضاً، قيل: هو ما يُعِدُّه الرجل من الدوابّ، والسلاح، وقيل: الخيل خاصّة، يقال: فرسٌ عَتِيد؛ أي: صَلْبٌ، أو مُعَدُّ للركوب، أو سَريع الوثوب، أقوال. وقيل: إن لبعض رواة البخاريّ: ((وأعبده)) - بالموحّدة - جمع ((عَبْد))، حكاه عياض، والأول هو المشهور، قاله في ((الفتح))(٢). وقال الإمام ابن الملَقِّن رَُّهُ: هذه اللفظة رُويت على أوجه: (أحدها): ((أعتاده))، وأنكره بعضهم، وهي ثابتة في ((صحيح مسلم)). (ثانيها): ((أعتُده)) بالتاء المثنّة فوقُ، وحَكَى الدارقطنيّ أن أحمد بن حنبل قال: أخطأ عليّ بن حفص في هذا، وصَحَّفَ، وإنما هو ((أعبُده)) يعني بالباء الموحّدة، وقال عبد الحقّ في ((الجمع بين الصحيحين)): وقع في رواية للبخاريّ: ((وأعبده))، والصحيح ((وأعتُده)) بالتاء المثنّاة فوقُ. قال ابن الملقّن: وهي ((الأعتاد)) جمع قلّة لعَتَد بفتح العين والتاء، وهو الفرس الصَّلْب، وقيل: الْمُعَدّ للركوب، وقيل: السريع الوَثْبِ. وقال الهرويّ والخطّابيّ: هو ما أعدّه الرجل من سلاح، وآلة، ومركوب للجهاد، وبه جزم الشيخ تقيّ الدين، وعزاه النوويّ إلى أهل اللغة، ولم يذكر غيره. (ثالثها): ((عَتَاده)) ويُجمَع على ((أعتد)) بكسر التاء وضمّها. (رابعها): ((أعبده)) بالباء الموحّدة، جمع قلّة للعبد، وهو الحيوان العاقل، هذا هو الظاهر. قال: وروي ((فقد احتبس رقيقه ودوابّه))، وروي ((عقاره)) بالقاف والراء، وهو الأرض، والضياع، والنخل، ومتاع البيت. انتهى كلام ابن الملقّن تَخْذَشُ باختصار(٣) . (١) راجع: ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٨٣/٥. (٢) ((الفتح)) ٩٥/٤. (٣) ((الإعلام)) ٨٢/٥ - ٨٦. ٧٩ (٤) - بَابٌ فِي تَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ، وَتَحَمُّلِهَا عَمَّنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ - حديث رقم (٢٢٧٧) (وَأَمَّا الْعَبَّاسُ فَهِيَ عَلَيَّ، وَمِثْلُهَا مَعَهَا))) ولفظ البخاريّ: ((وأما العبّاس بن عبد المطّلب، فعمّ رسول الله وَليِ، فهي عليه صدقةٌ، ومثلها معها))، قال في ((الفتح)): كذا في رواية شعيب، ولم يقل ورقاء، ولا موسى بن عُقبة: ((صدقة))، فعلى هذه الرواية يكون 38 ألزمه بتضعيف صدقته؛ ليكون أرفع لقدره، وأَنْبَهَ لذكره، وأنفى للذّمّ عنه، فالمعنى فهي صدقة ثابتة عليه سيتصدّق بها، ويُضيف إليها مثلها كَرَماً، ودلّت رواية مسلم على أنه وَّهِ التزم بإخراج ذلك عنه لقوله: ((فهي عليّ))، وفيه تنبيه على سبب ذلك، وهو قوله: ((إن العمّ صنو الأب))، تفضيلاً له، وتشريفاً . ويَحْتَمِل أن يكون تحمّل عنه بها، فيُستفاد منه أن الزكاة تتعلّق بالذمّة، كما هو أحد قولي الشافعيّ. وجمع بعضهم بين رواية ((علَيّ)) ورواية ((عليه)) بأن الأصل رواية ((عَلَيّ))، ورواية «عليه» مثلها إلا أن فيها زيادة هاء السكت، حكاه ابن الجوزيّ، عن ابن ناصر. وقيل: معنى ((علَيّ))؛ أي: هي عندي قرض؛ لأنني استسلفت منه صدقة عامين، وقد ورد ذلك صريحاً فيما أخرجه الترمذيّ وغيره من حديث عليّ، وفي إسناده مقال. وفي الدارقطنيّ من طريق موسى بن طلحة: أن النبيّ وَّ﴾ قال: ((إنا كنا احتجنا، فتعجّلنا من العبّاس صدقة ماله سنتين))، وهذا مرسل. وروى الدارقطنيّ أيضاً موصولاً بذكر طلحة فيه، وإسناد المرسل أصحّ. وفي الدارقطنيّ أيضاً من حديث ابن عبّاس ◌ُبَّ: أن النبيّ وَّ بعث عمر ساعياً، فأتى العبّاسَ، فأغلظ له، فأخبر النبيَّ وَّ، فقال: ((إن العبّاس قد أسلَفَنا زكاة ماله العام، والعام المقبل))، وفي إسناده ضعف، وأخرجه أيضاً هو، والطبرانيّ من حديث أبي رافع ◌ُبه نحو هذا، وإسناده ضعيف أيضاً، ومن حديث ابن مسعود ظه: ((أن النبيّ ◌َ﴿ تعجّل من العباس صدقة سنتين))، وفي إسناده محمد بن ذكوان، وهو ضعيف، ولو ثبت لكان رافعاً للإشكال، ولرجّح به سياق رواية مسلم على بقيّة الروايات، وفيه ردّ لقول من قال: إنّ قصّة التعجيل إنما وردت في وقت غير الوقت الذي بعث فيه عمر ظلاله لأخذ الصدقة. ٨٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزكاة قال الحافظ تَخَّلُ: وليس ثبوت هذه القصّة في تعجيل صدقة العباس ببعيد في النظر بمجموع هذه الطرق. والله أعلم. وقيل: المعنى استسلف منه قدر صدقة عامين، فأمر أن يُقاصّ به من ذلك، واستُبعد ذلك بأنه لو كان وقع لكان ◌َ* أعلم عمرَ بأنه لا يطالب العباس. وليس ببعيد. ومعنى ((عليه)) على التأويل الأول: أي لازمة له، وليس معناه أنه يقبضها؛ لأن الصدقة عليه حرام؛ لكونه من بني هاشم. ومنهم من حمل رواية الباب على ظاهرها، فقال: كان ذلك قبل تحريم الصدقة على بني هاشم، ويؤيّده رواية موسى بن عُقبة، عن أبي الزناد، عند ابن خُزيمة بلفظ: ((فهي له))، بدل ((علیه)). وقال البيهقيّ: اللام هنا بمعنى ((على))؛ لتتّفق الروايات، قال الحافظ: وهذا أولى؛ لأن المخرج واحد، وإليه مال ابن حبّان. وقيل: معناها فهي له؛ أي: القدر الذي كان يُراد منه أن يُخرجه لأنني التزمت عنه بإخراجه، وقيل: إنه أخّرها عنه ذلك العام إلى عام قابل، فيكون عليه صدقة عامين، قاله أبو عُبيد. وقيل: إنه كان استدان حين فادى عَقيلاً وغيره، فصار من جملة الغارمين، فساغ له أخذ الزكاة بهذا الاعتبار. وأبعد الأقوال كلها قول من قال: كان هذا في الوقت الذي كان فيه التأديب بالمال، فألزم العبّاس بامتناعه من أداء الزكاة بأن يؤدّي ضعف ما وجب عليه؛ لعظمة قدره، وجلالته، كما في قوله تعالى في نساء النبيّ وَسلمان: ﴿يُضَعَفْ لَهَا اُلْعَذَابُ ضِعْفَيْنٍ﴾ الآية [الأحزاب: ٣٠]، وقد تقدّم بعضه في أول الكلام. انتهى ما في ((الفتح))(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أرجح الأقوال عندي قول من قال: إنه وَله ألزمه بتضعيف صدقته؛ ليكون أرفع لمنزلته، وأنبه لذكره، وأنفى للذّمّ عنه، ثم إنه ◌َّ﴿ تحمّلها عنه؛ احتراماً له، ومبرّةً وإكراماً، يؤيّد ذلك رواية مسلم: ((فهي عَلَيّ، ومثلها معها))، ثم قال ◌َّهِ: (يا عُمر، أما شَعَرت أن عمّ الرجل صِنو (١) ((الفتح)) ٤ / ٩٥ - ٩٦.