النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦١
(١٥) - بَابُ الأَمْرِ بِتَحْسِينِ الْكَفَنِ، ... إلخ - حديث رقم (٢١٨٥)
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
هذا من أفراد
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله ,
المصنّف نَحْذَلُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢١٨٥/١٥] (٩٤٣)، و(أبو داود) في ((الجنائز))
(٣١٤٨)، و(النسائيّ) في ((الجنائز)) (١٨٩٥ و٢٠١٤) و((الكبرى)) (٢٠٢٢
و٢١٤١)، و(ابن ماجه) في ((الجنائز)) (١٥٢١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٩٥/٣
و٣٢٩ و٣٤٩ و٣٧١ و٣٨١)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٢١١١)،
و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٥٢٣/١ و٥٢٤)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى))
(١٤٢/١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣٠٦/٦)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى))
(٤/ ٣٢ و٤٠٣)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (١٤٧٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (ومنها): بيان الأمر بتحسين الكفن، فلا يكفّن الميت بكفن حقير،
إلا إذا لم يوجد الكفن الحسن.
٢ - (ومنها): بيان النهي عن الدفن ليلاً، تكثيراً للصلاة عليه.
٣ - (ومنها): أن في قوله: ((إلا أن يُضطرّ إليه)) دليلاً على أنه لا بأس به
في وقت الضرورة.
٤ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ وَّ﴾ من مراعاة أحوال أصحابه
،
أحياءً وأمواتاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في الدفن ليلاً:
قال النوويّ كَّهُ: قد اختَلَف العلماءُ في الدفن في الليل، فكرهه الحسن
البصريّ، إلا لضرورة، وهذا الحديث مما يُستدلّ له به.
وقال جماهير العلماء، من السلف والخلف: لا يكره، واستدلّوا بأن أبا
بكر الصدّيق ◌َظُبه، وجماعة من السلف دُفنوا ليلاً، من غير إنكار، وبحديث
المرأة السوداء، والرجل الذي كان يقمّ المسجد، فتوقّي بالليل، فدفنوه ليلاً،
وسألهم النبيّ وَّ﴾ عنه؟ فقالوا: توفي ليلاً، فدفنّاه في الليل، فقال: ((ألا
آذنتموني؟))، قالوا: كانت ظلمة، ولم يُنْكَر عليهم، وأجابوا عن هذا الحديث

٣٦٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
أن النهي كان لترك الصلاة، ولم يَنْهَ عن مجرّد الدفن بالليل، وإنما نَهَى لترك
الصلاة، أو لقلة المصلين، أو عن إساءة الكفن، أو عن المجموع، كما سبق.
انتهى كلام النوويّ كَخَذَتْهُ(١).
وقال القرطبيّ تَّتُهُ: أخذ به الحسن، فكره أن يُقبر الرجل بالليل، إلا
الضرورة، وذهب الجمهور إلى جواز ذلك، وكأنهم رأوا أن ذلك النهي خاصّ
بذلك الرجل؛ لئلا تفوته صلاة النبيّ وَله، وقيل: يمكن أن يقصدوا بدفنه بالليل
ستر إساءة ذلك الكفن الغير الطائل.
قال: وهذه التأويلات فيها بُعْدٌ، ولا تصلح لدفع ذلك الظاهر؛ لأن
النبيّ وَل﴿ إنما صدر عنه النهي المطلق بعد دفن الرجل بالليل، فقد تناول النهي
غيره قطعاً، فتأمله.
ويمكن أن يُعضد مذهب الحسن بأنه إن قبر ليلاً قلّ المصلون عليه؛ لأن
عادة الناس في الليل ملازمة بيوتهم، ولا يتصرفون فيه، ولأنه إذا قبر ليلاً
تسومح في الكفن؛ لأن الليل يستره، ودلّ على صحته قوله وَله: ((إذا كفّن
أحدكم أخاه، فليُحسن كفنه)). انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه الحسن البصريّ تَذْشُهُ، هو
الأرجح عندي، كما مال إليه القرطبيّ؛ لظاهر حديث الباب.
وقد جاء النهي أيضاً عن الدفن في الأوقات الثلاثة: طلوع الشمس،
والاستواء، وغروب الشمس، فقد تقدّم للمصنّف حديث عقبة بن عامر
الجهنيّ ◌َظُه قال: ثلاث ساعات كان رسول الله وَل﴿ ينهانا أن نصلي فيهنّ، أو
أن نقبر فيهنّ موتانا: حين تطلع الشمس بازغةً، حتى ترتفع، وحين يقوم قائم
الظهيرة، حتى تميل الشمس، وحين تَضَيَّف الشمس للغروب حتى تغرب.
قال أبو محمد بن حزم كَّلُهُ: ولا يجوز أن يُدفَن أحدٌ ليلاً إلا عن
ضرورة، ولا عند طلوع الشمس حتى ترتفع، ولا حين استواء الشمس حتى
تأخذ في الزوال، ولا حين ابتداء أخذها في الغروب، ويتصل ذلك بالليل إلى
طلوع الفجر الثاني، قال: وكل من دُفِن ليلاً منه وََّ، ومن أزواجه، ومن
(١) ((شرح النوويّ)) ١١/٧.
(٢) ((المفهم)) ٦٠١/٢ - ٦٠٢.

٣٦٣
(١٥) - بَابُ الأَمْرِ بِتَحْسِينِ الْكَفَنِ، ... إلخ - حديث رقم (٢١٨٥)
فإنما ذلك لضرورة أوجبت ذلك، من خوف زحام، أو خوف
أصحابه
الحرّ، على من حضر، وحرُّ المدينة شديد، أو خوف تغير، أو غير ذلك مما
يبيح الدفن ليلاً، لا يحلّ لأحد أن يَظُنّ بهم ﴿ه خلاف ذلك، قال: رَوَينا من
طريق يحيى بن سعيد القطان، ثنا هشام الدستوائيّ، عن قتادة، عن سعيد بن
المسيِّب أنه كَرِهِ الدفن ليلاً. انتهى كلام ابن حزم تَُّهُ، وهو تحقيق نفيسٌ.
والحاصل أن الأرجح المنع عن الدفن في هذه الأوقات؛ لقوّة دليله،
فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في أقوال أهل العلم في تحسين الكفن:
قال الإمام ابن المنذر تَخْذَلُهُ: وبحديث جابر قال الحسن البصريّ، وابن
سيرين .
قال: وقد رَوَينا عن حذيفة ◌َُّّه أنه قال: لا تغالوا بكفني، فإن يك
لصاحبكم عند الله خير بُدّلَ كسوةً خيراً من كسوتكم، وإلا سُلبه سريعاً .
قال: وكان إسحاق يقول: لا تغالوا بالكفن، إذا كان في حياته صاحب
إعواز، فإن ذلك مما يُجحف بالورثة، وإن كان صاحب يسار، فَغَالَى فهو
جائز.
وقد أوصى ابن مسعود أن يكفّن في حلّة بمئتي درهم.
وقد روينا عن عمر بن الخطاب أنه قال: أحسنوا أكفان موتاكم، فإنهم
يبعثون فيها يوم القيامة.
وروينا عن معاذ بن جبل أنه قال: أحسنوا أكفان موتاكم، فإن الموتى
يحشرون في أكفانهم.
وقال محمد ابن الحنفية: ليس للميت في الكفن شيء، ولكنه تكرمة
للحيّ. انتھی.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بتحسين الكفن هو الحقّ، كما دلّ
عليه حديث جابر ظه المذكور في الباب، ولكن ليس معناه أن يُغالَى فيه، بل
أن يكون نظيفاً، نَقيّاً، كثيفاً، ساتراً إلى آخر ما تقدم في كلام النوويّ كَُّهُ،
والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: حديث: ((لا تغالوا في الكفن، فإنه يُسلَب سريعاً))، رواه أبو

٣٦٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
داود، وهو ضعيف، وإن سكت عنه أبو داود، وحسنه النوويّ، والمنذريّ؛ لأن
في سنده عمرو بن هاشم، ضعّفه مسلم، وغيره، وفيه انقطاع بين الشعبيّ، وبين
عليّ ◌َُّه، فإن الشعبيّ لم يسمع منه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَّتُ وَإِلَيْهِ أُثِيْبُ﴾ .
(١٦) - (بَابُ الأَمْرِ بِالإِسْرَاعِ بِالْجَنَازَةِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢١٨٦] (٩٤٤) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ،
جَمِيعاً عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ
سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ِ، قَالَ: ((أَسْرِعُوا بِالْجَنَازَةِ، فَإِنْ تَلُكُ صَالِحَةً
فَخَيْرُ - لَعَلَّهُ قَالَ -: تُقَدِّمُونَهَا عَلَيْهِ (١)، وَإِنْ تَكُنْ (٢) غَيْرَ ذَلِكَ، فَشَرِّ تَضَعُونَهُ عَنْ
رِقَائِكُمْ)).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً) تقدّم قبل بابين.
٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب.
٣ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم قبل بابين.
٤ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم، تقدّم قبل باب.
٥ - (سَعِيدٌ) بن المسيّب، تقدّم قريباً.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ◌َبه، تقدّم أيضاً قريباً.
.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رَّلهُ، وله فيه شيخان قرن
(١) وفي نسخة: ((إليه)).
(٢) وفي نسخة: ((وإن تك)).

٣٦٥
(١٦) - بَابُ الأَمْرِ بِالإِسْرَاعِ بِالْجَنَازَةِ - حديث رقم (٢١٨٦)
بينهما؛ لاتحاد كيفيّة أخذه عنهما، ثم فرّق؛ لاختلافهما في صيغة الأداء.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فما أخرج لهما
الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخيه، فالأول كوفيّ، والثاني
نسائيّ، ثم بغداديّ، وابن عيينة كوفيّ، ثم مكيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ ..
٥ - (ومنها): أن هذا الإسناد مما قيل فيه: إنه أصحّ أسانيد أبي
هريرة نضعبه.
٦ - (ومنها): أن سعيداً أحد الفقهاء السبعة، وأبا هريرة تظُله رأس
المكثرين السبعة.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِّ وَ﴿) وفي رواية النسائيّ: (يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ وَّ)؛
أي: يرفع هذا الحديث، فيوصله إلى النبيّ وَّر، والجملة في محل نصب على
الحال، وهذه العبارة من صِيَغ الرفع حكماً.
قال الحافظ وليّ الدين تَخَُّ ما حاصله: أخرج هذا الحديث الأئمة الستة
من هذا الوجه، من رواية سفيان بن عيينة، عن الزهريّ، عن سعيد، عن أبي
هريرة، وفي روايتهم التصريح برفعه إلى النبيّ وَّر، إلا أن في رواية أبي داود،
والترمذيّ، والنسائيّ: (يبلغ به النبيّ وَّ))، كما هو اللفظ الأخير هنا (١)، وقوله
في اللفظ الأول هنا: ((روايةً)) كناية عن الرفع إلى النبيّ وَِّ بلا خلاف أعلمه.
(٢) .
.
انتھی
(قَالَ) وَلَ: ((أَسْرِعُوا) بهمزة القطع، أمر من الإسراع، والمرد به الإسراع
المتوسط بين شدة السعي، وبين المشي المعتاد، بدليل حديث أبي بكرة مض﴿ه:
(١) يعني: اللفظ الواقع في متن ((تقريب الأسانيد)) لوالده الحافظ العراقيّ الذي شرح
هو بعضه، وبعضه لوالده في شرح مفيد جدّاً، أعتمد عليه كثيراً في هذا الشرح،
وفي ((شرح النسائيّ))، وقد سمّاه ((طرح التثريب في شرح التقريب)).
(٢) ((طرح التثريب)) ٢٨٨/٣.

٣٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
((لقد رأيتنا مع رسول الله وَ ظله)، وإنا لنكاد نَرْمُلُ بالجنازة رملاً))(١)؛ إذ مقاربة
الرمل ليس بالسعي الشديد، كما قاله الحافظ العراقيّ تَخُّْهُ، وسيأتي أقوال أهل
العلم في الإسراع بالمشي في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -.
(بِالْجَنَازَةِ) أي: بحملها، متعلق بـ(أسرعوا))، قال العلامة ابن الملقّن تَخْذُّ:
من قال: الجنازة بالفتح للميت، وبالكسر للنعش، كما قدّمنا أول الباب يتعيّن
عنده هنا قراءة قوله: ((أسرعوا بالجنازة)) بالفتح؛ لأن المقصود الإسراع
بالميت، لا النعش، ويدلّ على ذلك آخر الحديث. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن المناسب هنا الكسر؛ لأن
الجِنَازة بالكسر اسم للنعش، وعليه الميت، كما هو القول الراجح من أقوال
أهل اللغة، والمقصود هنا الإسراع بالنعش، وعليه الميت؛ إذ لا معنى للإسراع
بحمل الميت إلا مع النعش، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم.
قال: المراد بالإسراع هنا الإسراع بالميت، كما قلناه، فيتضمّن الأمر
بحمله إلى قبره، وهو فرض كفاية. وقيل: المراد به الإسراع بتجهيزه بعد موته،
لئلا يتغيّر، والأول أظهر، وعليه الجمهور.
قال النوويّ كَّلهُ: والثاني باطل، مردود بقوله وَلـ: ((فشرّ تضعونه عن
رقابكم)).
وقال القرطبيّ كَّلُهُ: لا يبعد أن يكون كلّ واحد منهما مطلوباً؛ إذ
مقتضاه مطلق الإسراع، فإنه وَلو لم يقيّده بقيد.
وقال الفاكهيّ: ما ردّه النوويّ جمود على ظاهر لفظ الحديث، وإلا
فيَحْتَمِل حمله على المعنى، فإنه قد يُعبّر بالحمل على الظهر، أو العنق عن
المعاني، دون الذوات، فيقال: حمل فلان على ظهره، أو على عنقه ذنباً، أو
نحو ذلك، ليكون المعنى في قوله وَاجٍ: ((فشرّ تضعونه عن رقابكم)): إنكم
تستريحون من نظر من لا خير فيه، أو من مجالسته، ونحو ذلك، فلا يكون في
الحديث دليل على ردّ قول هذا القائل، ويقوّي هذا الاحتمال أن كلّ حاضري
(١) هذا قاله لما رأى قوماً حاملين الجنازة يمشون متباطئين، فأنكر عليهم ذلك، وهو حديث
صحيح، أخرجه النسائيّ، (١٩١٢)، راجع: شرحي على النسائيّ ٨٣/١٩ - ٨٦.

٣٦٧
(١٦) - بَابُ الأَمْرِ بِالإِسْرَاعِ بِالْجَنَازَةِ - حديث رقم (٢١٨٦)
الميت لا يحملونه، إنما يحمله القليل منهم، لا سيّما اليوم، فإنما يحمله في
الغالب مَن لا تعلّق له به. انتهى(١).
قال الحافظ رآلُ: ويؤيّدہ ۔ یعني کلام الفاکھیّ ۔ حديث ابن عمر پًا،
قال: سمعت رسول الله وسلم يقول: ((إذا مات أحدكم، فلا تحبسوه، وأسرعوا
به إلى قبره))، أخرجه الطبرانيّ بإسناد حسن، ولأبي داود من حديث حصين بن
وَحْوَح، مرفوعاً: ((لا ينبغي لجيفة مسلم أن تبقى بين ظهراني أهله ... ))
الحدیث. انتھی (٢).
وقال ابن قدامة كَّلُهُ: هذا الأمر بالإسراع للاستحباب، بلا خلاف بين
العلماء، وشذّ ابن حزم، فقال بوجوبه. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أنه لا وجه للردّ على ابن
حزم تَخْلُ؛ لأن ظاهر النصّ معه؛ إذ هو أمر، والأمر للوجوب، إلا لدليل
يصرفه إلى غيره، ولا دليل ذكروه هنا، إلا دعوى الإجماع الذي أشار إليه، فإن
صحّ فذاك، وإلا فما قاله ابن حزم هو الحقّ، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(فَإِنْ تَلُك) بحذف النون، والأصل ((تكون))، فدخل الجازم، فأسكن
النون، فاجتمع ساكنان، الواو والنون، فحذفت الواو؛ لالتقاء الساكنين، ثم
حُذفت النون تخفيفاً؛ لكثرة الاستعمال، وإلى هذا أشار ابن مالك في
((الخلاصة)) بقوله:
وَمِنْ مُضَارِعٍ لِكَانَ مُتْجَزِمْ تُحْذَفُ نُونٌ وَهْوَ حَذْفٌ مَا الْتُزِمْ
واسم ((تك)) المستتر يعود إلى الجنازة بمعنى الجثّة المحمولة، قال
الطيبيّ: جُعلت الجنازة عين الميت، وجُعلت الجنازة التي هي مكان الميت
مقدّمة إلى الخير الذي كُني به عن عمله الصالح، مبالغةً، كما قوله:
مَا دَرَى نَعْشُهُ وَلَا حَامِلُوهُ مَا عَلَى النَّعْشِ مِنْ عَفَافٍ وَجُودٍ
قال: ولما لاحظ في جانب العمل الصالح هذا قابل قرينها بوضع الشرّ
عن الرقاب، وكان أثر عمل الرجل الصالح راحةً له، فأمر بإسراعه إلى ما
(١) ((الإعلام بفوائدة عمدة الأحكام)) ٤٦٩/٤ - ٤٧٠.
(٢) ((الفتح)) ٥٣٩/٣.

٣٦٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
يستريح إليه، وأثر عمل الرجل الطالح مشقّةً عليهم، فأمر بوضع جيفته عن
رقابهم، فالضمير في ((إليه)) راجع إلى الخير باعتبار الثواب، أو الإكرام.
(١)
انتهى(١).
(صَالِحَةً) بالنصب على أنه خبر ((تك)) (فَخَيْرٌ) الظاهر أن التنوين فيه، وفي
(شرّ)) للتعظيم؛ أي: خيرٌ عظيمٌ، وشرٌّ عظيمٌ.
قال العلامة ابن الملقّن تَخْفُهُ: ((خير))، و(شرّ)) فيه إعرابان:
الأول: أن يكونا مبتدأين، والخبر محذوف؛ أي: فلها خير، ولها شرّ،
وساغ الابتداء بالنكرة؛ لكون فاء الجزاء وليتهما، فهما من باب قولهم: إن
مضى غَيْرٌ، فَعَيْرٌ في الرباط.
الثاني: أن يكونا خبرين محذوفي المبتدأ، والتقدير: فهي، وهي؛ أي:
ذات خیر، وذات شرّ.
وأما الجملتان اللتان بعدهما، وهما ((تقدّمونها))، و((تضعونها))، فصفة
لهما. انتهى.
وقال في ((الفتح)): قوله: ((فخير)) خبر مبتدأ محذوف؛ أي: فهو خير، أو
مبتدأ خبره محذوف؛ أي: فلها خير، أو فهناك خير، ويؤيده رواية مسلم بلفظ:
((قرّبتموها إلى الخير))، ويأتي في قوله بعدُ ((فشرّ)) نظير ذلك. انتهى.
وقال السنديّ: الظاهر أن التقدير: فهي خير؛ أي: الجنازة بمعنى
الميت؛ لمقابلته بقوله: ((فشرّ))، فحينئذ لا بدّ من اعتبار الاستخدام في ضمير
((إليه)) الراجع إلى الخير، ويمكن أن يقدّر: فلها خير، أو فهناك خير، لكن لا
يُساعده المقابلة، والله تعالى أعلم. انتهى.
وقوله: (لَعَلَّهُ قَالَ) هكذا رواية المصنّف هنا، بلفظ ((لعله قال))، ورواية
البخاريّ وغيره خالية عنه، ولفظ رواية يونس الآتية: ((فإن كانت صالحةً،
قرّبتموها إلى الخير)) (تُقَدِّمُونَهَا) بضمّ أوله، وتشديد الدال، من التقديم (عَلَيْهِ)
وفي بعض النسخ: ((إليه))؛ أي: إلى الخير الذي أعدّه الله لها من النعيم
المقيم، وقال في ((الفتح)): الضمير راجع إلى الخير، باعتبار الثواب، قال ابن
(١) راجع: ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٣٩٠/٤ - ١٣٩١.

٣٦٩
(١٦) - بَابُ الأَمْرِ بِالإِسْرَاعِ بِالْجَنَازَةِ - حديث رقم (٢١٨٦)
مالك: رُوي: ((تقدّمونه إليها)) فأنث الضمير على تأويل الخير بالرحمة، أو
الحسنى. انتهى.
وقال القاري تَخْذَلُ؛ أي: فإن كان حال ذلك الميت حسناً طيّباً، فأسرعوا
به حتى يصل إلى تلك الحالة الطيّبة عن قريب. انتهى.
(وَإِنْ تَكُنْ) وفي بعض النسخ: ((وإن تك)) بحذف النون كالأول، وكلاهما
جائز، كما أسلفته آنفاً في قول ابن مالك تَخْته:
وَهْوَ حَذْفٌ مَا الْتُزِمْ
(غَيْرَ ذَلِكَ) أي: غير صالحة، يعني: أنه إن كانت الجنازة غير صالحة (فَشَرِّ)
إعرابه كإعراب نظيره، وهو قوله: ((فخير)) الماضي (تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَائِكُمْ))) أي: فلا
مصلحة لكم في مصاحبتها، وملابستها؛ لأنها بعيدة عن رحمة الله تعالى.
[تنبيه]: في هذا الحديث تعليل الأمر بالإسراع بتقديم الصالحة إلى
الخير، والتعجيل بوضع غير الصالحة عن الرقاب، وقد أشير في حديث آخر
إلى تعليل بعلة أخرى، وهي مخالفة أهل الكتاب، أو اليهود خاصّة.
فقد أخرج الإمام أحمد نَّهُ في ((مسنده)) عن أبي هريرة ◌َظُته، قال: كان
رسول الله وَ﴿ إذا تبع جنازة، قال: ((ابسطوا بها، ولا تَدِبُّوا دَبيب اليهود
بجنائزها)).
وفي ((مصنّف ابن أبي شيبة))، عن عمران بن حُصين ﴿هَا، أنه أوصى:
((إذا أنا متّ، فأسرعوا، ولا تُهوّدوا، كما تُهوّد اليهود والنصارى)).
وعن ابن عمر هما، أنه سمع رجلاً يقول: ارفقوا بها رحمكم الله،
فقال: هوّدوا، لتسرعوا بها، أو لأرجعنّ.
وعن إبراهيم النخعيّ: كان يقال: ابسطوا بجنائزكم، ولا تدبّوا بها دبّ
اليهود، وعن علقمة: لا تدبّوا بالجنازة دبيب النصارى.
فهذه الآثار تبيّن سبب الأمر بالإسراع، ولا مانع من التعليل بالأمرين.
والحاصل أن السنّة الإسراع في المشي بالجنازة؛ لأجل ما دلّت عليه
الأحاديث المذكورة، وسيأتي تمام البحث في أقوال العلماء في ذلك في
المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

٣٧٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ◌َُّبه هذا مُتَّفَقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢١٨٦/١٦ و٢١٨٧ و ٢١٨٨) (٩٤٤)،
و(البخاريّ) في ((الجنائز)) (١٣١٥)، و(أبو داود) في ((الجنائز)) (٣١٨١)،
و(الترمذيّ) في ((الجنائز)) (١٠١٥)، و(النسائيّ) في ((الجنائز)) (١٩١٠ و١٩١١)
و((الكبرى)) (٢٠٣٧ و٢٠٣٨)، و(ابن ماجه) في ((الجنائز)) (١٤٧٧)، و(مالك)
في ((الموطأ)) (٥٧٤)، و(أحمد) في («مسنده)) (٢٤٠/٢ و٢٨٠)، و(أبو نعيم) في
((مستخرجه)) (٢١١٢ و٢١١٣ و٢١١٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان الأمر الإسراع بالجنازة، والمراد به الإسراع المتوسط
الذي لا يُخشى معه سقوط الميت، ونحوه، لكن إن خُشي على الميت من
التأخير تغيّر، أو انفجار، أو انتفاخ زيد في الإسراع، وعكسه، إن خُشِي من
الإسراع أن يحدث انفجار مثلاً فلا يُسرع، قال الشافعيّ تَّتُهُ: فإن كان بالميت
علّة، يُخاف أن يتنجّس منه شيء، أحببت أن يُرفق بالمشي. انتهى.
قال ابن الملقّن تَُّ: وكَرِه بعضهم الإسراع، وهو محمول على الإسراع
المحذور، قال: ولا تُؤخّر لزيادة مصلّين، ولا لانتظار أحد غير الوليّ، فيُنتظر
لأجله، إن لم يُخَف تغيّرها. انتهى.
٢ - (ومنها): أنه يستدلّ به على أن حمل الجنازة يختصّ بالرجال؛
للإتيان فيه بضمير المذكّر، ولا يخفى ما فيه، قاله في ((الفتح))، وقال ابن
الملقّن تَّفُهُ: الخطاب بالإسراع للرجال، فإن النساء يضعفن عن الحمل،
وربّما انكشف بعض أبدانهنّ. انتهى.
٣ - (ومنها): استحباب المبادرة إلى دفن الميت، لكن بعد أن يُتَحَقّق أنه
مات، أما مثل المطعون، والمفلوج، والمسبوت، فينبغي أن لا يُسرع بدفنهم
حتى يمضي يوم وليلة؛ ليُتَحقّق موتهم، نبّه على ذلك ابن بزيزة.
٤ - (ومنها): أن فيه إكرام أهل الخير والصلاح، إذا ماتوا بالمبادرة إلى

٣٧١
(١٦) - بَابُ الأَمْرِ بِالإِسْرَاعِ بِالْجَنَازَةِ - حديث رقم (٢١٨٦)
الوصول إلى جزاء ما قدّموه، من الأعمال الصالحة، وجزاؤها من فضل الله
تعالى ورحمته.
٥ - (ومنها): أن فيه تقليل مصاحبة أهل الشرّ، إلا فيما شُرع عند موتهم،
كتجهيزهم، ودفنهم، وذلك لبعدهم عن رحمة الله تعالى، فلا مصلحة في
مصاحبتهم، وكذا ينبغي اجتناب مصاحبة أهل البَطَّالة، وغير الصالحين، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في مشروعية الإسراع
بالجنازة، وفي حدّه:
قال الحافظ وليّ الدين تَخْلَتُهُ: حَكَى البيهقيّ في ((المعرفة)) عن الشافعيّ:
أن الإسراع بالجنازة هو فوق سجيّة المشي، وحَكَى عنه ابن المنذر، وابن بطّال
أنه سجيّة المشي، والأول أثبت، ويوافقه قول أصحابنا، وهذه عبارة الرافعيّ
والنوويّ: المراد بالإسراع فوق المشي المعتاد، دون الخَبَب، وكذا قال
الحنفيّة، وهذه عبارة صاحب ((الهداية)): ويمشون به مسرعين، دون الخبب،
وحكى ابن قدامة، عن القاضي، من الحنابلة أن المستحبّ إسراع، لا يخرج
عن المشي المعتاد، قال: وهو قول الشافعيّ، قال: وقال أصحاب الرأي:
يَخُبّ، ويرمُلُ.
وقال ابن المنذر بعد ذكره هذا الحديث: ورُوي ذلك عن عمر بن
الخطاب، وعمران بن حُصين، وأبي هريرة، قال: وقال الشافعيّ: يسرع
بالجنازة إسراع السجيّة، مشي الماشي، قال: وقال أصحاب الرأي: العجلة
أحبّ إلينا من الإبطاء بها .
وروى ابن أبي شيبة الوصيّةَ به عن عمر، وعمران بن حُصين، وأبي
هريرة، وعلقمة، وأبي وائل، وعلي بن الحسين.
وعن أبي الصدّيق الناجيّ: إن كان الرجل ليتقطّع شِسْعُهُ في الجنازة، فما
يدركها، وما يكاد أن يدركها. وعن ابن عمر: لَتُسرعنّ بها، أو لأرجعنّ. وعن
الحسن، ومحمد أنهما كانا يعجبهما أن يسرع بالجنازة. وكان الحسن إذا رأى
منهم إبطاء قال: امْضُوا، لا تحبسوا ميتكم. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أن
أباه أوصاه، فقال: إذا أنت حملتني على السرير، فامش بي مشياً بين الماشيين.

٣٧٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
وحَكَى الطحاوي في المسألة خلافاً، فحكى عن قوم أن السرعة بالجنازة
أفضل، قال: وهو قول أبي حنيفة، وصاحبيه، وجمهور العلماء، قال:
وخالفهم آخرون، وقالوا: المشي بها مشياً ليّناً أفضل.
وقال القاضي عياض: معنى هذا الإسراع عند بعضهم ترك التراخي في
المشي بها، والتباطؤ، والزَّهْوِ في المشي، ويكره الإسراع الذي يشقّ على من
تبعها، ويحرك الميت، وربما كان سبب خروج شيء منه، وعلى هذا حملوا نهي
مَن نهى من السلف عن الدَّبيب بها دبيب اليهود، وأمر بالإسراع، وجمعوا بينه وبين
من رُوي عنه النهي عن الإسراع، واستدلّوا بما جاء في الحديث مفسّراً عنه وَالت:
((هو ما دون الْخَبَب))(١)، وفي حديث آخر: ((عليكم بالقصد في جنائزكم)).
وهو قول جمهور العلماء، وأبي حنيفة، وأصحابه، والشافعيّ، وابن
حبيب من أصحابنا، وحمل بعضهم ما جاء في ذلك من الآثار عن السلف على
الخلاف في المسألة، والجمع بينهما على ما تقدّم. انتهى.
ورجّح القاضي عياض نفي الخلاف في المسألة، وأن من أمر بالإسراع
أراد به المتوسّط، ومن نهى عنه أراد المفرط، ويوافق هذا كلام النوويّ، فإنه
بعد أن نقل عن الشافعية وغيرهم استحباب الإسراع، قال: وجاء عن بعض
السلف كراهة الإسراع، وهو محمول على الإسراع المفرط الذي يُخاف معه
انفجارها، أو خروج شيء منها. انتهى.
قال الحافظ ولي الدين دَّثُ: ولنذكر الأحاديث في ذلك، فنقول:
رَوَى أبو داود بسند صحيح من رواية عيينة بن عبد الرحمن، عن أبيه: أنه
كان في جنازة عثمان بن أبي العاص، وكنا نمشي مشياً خفيفاً، فلَحِقَنا أبو
بكرة، فرفع سوطه، وقال: ((لقد رأيتنا، ونحن مع رسول الله وَل﴿ نرمُلُ رَمَلاً))،
وفي رواية له: ((في جنازة عبد الرحمن بن سمُرة))، بدل ((عثمان بن أبي
العاص))، ورواه النسائيّ، وقال في روايته: ((عبد الرحمن بن سمُرة))، وقال:
((وإنا لنكاد نَرْمُلُ بها رَمَلاً))، ورواه الحاكم في ((مستدركه)) مختصراً بدون القصّة
التي في أوله، بلفظ: ((وإنا لنكاد))، وصحّح إسناده.
(١) سيأتي قريباً أنه ضعيف.

٣٧٣
(١٦) - بَابُ الأَمْرِ بِالإِسْرَاعِ بِالْجَنَازَةِ - حديث رقم (٢١٨٦)
وروى أبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه، من رواية أبي ماجدة، عن ابن
مسعود، قال: سألنا رسول الله وَل عن المشي مع الجنازة؟، فقال: ((ما دون
الخبب)) الحديث، قال الترمذيّ: حديث غريب، لا نعرفه من حديث ابن
مسعود، إلا من هذا الوجه، وسمعت محمد بن إسماعيل يضعّفه، وقال: قال
الحميديّ: قال ابن عُيينة: قيل ليحيى: مَن أبو ماجدة هذا؟ قال: طائر طار،
فحدّثنا .
وقال النوويّ: اتفقوا على ضعفه، وأن أبا ماجدة مجهول، منكر
الحدیث.
وفي ((الصحيحين)) عن عطاء، قال: حضرنا مع ابن عبّاس جنازة
ميمونة ﴿يا بسَرِفَ، فقال ابن عبّاس: ((هذه ميمونة، إذا رفعتم نعشها، فلا
تزعزعوه، ولا تزلزلوه، وارفُقُوا».
وفي ((مصنّف ابن أبي شيبة)) عن أبي موسى، قال: مُرّ على النبيّ ◌َل
بجنازة، وهي تَمْخَضُ كما يمخض الزِّقُّ، فقال: ((عليكم بالقصد في جنائزكم))،
ورواه البيهقيّ في ((سننه)) بلفظ: ((عليكم بالقصد في المشي بجنائزكم)).
قال الجامع عفا الله عنه: وفي سنده ليث بن أبي سُليم، وهو متروك،
والله تعالى أعلم.
قال ولي الدين: واستدلّ والدي تَخَّثُ في ((شرح الترمذيّ)) على أن المراد
التوسط بين شدّة السعي، وبين المشي المعتاد بقوله في حديث أبي بكرة: ((وإنا
لنكاد أن نرمل))، قال: ومقاربة الرمَل ليس بالسعي الشديد، قال ولي الدين:
وقد عرفتَ أن لفظ أبي داود ((نرمُلُ)).
وأجاب والدي عن قول ابن عباس أنه - والله أعلم - أراد الرفق في كيفية
الحمل، لا في كيفية المشي بها، فإنه خَشِي أن تسقط، أو تنكشف، أو نحو
ذلك، قال: وإن أراد الرفق في السير، فيَحْتَمِل أنه كان حصل لها ما يُخشى
معه انفجارها، إن أزعجوها في السير، أو أن هذا رأي لابن عباس، والحديث
المرفوع أولى بالاتباع. انتهى.
وجزم النووي في ((الخلاصة)) بذلك الاحتمال، فبوّب على هذه القضية

٣٧٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
((كراهة شدة الإسراع، مخافة انفجارها))، وكذا بوّب عليه قبله البيهقيّ. انتهى
كلام ولي الدين دَّثُ .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تلخّص من هذه الأقوال، وأدلتِها أن
الصواب مشروعية الإسراع بالجنازة؛ لصحة النصوص الواردة في ذلك، كما في
حديث الباب، لكن يكون إسراعاً لا يؤدي إلى أمر محظور، من سقوط الميت،
أو انفجاره، أو حصول الضرر لمن يتبع الجنازة، وبهذا يُجْمَع بين مذهب
القائلين بالإسراع، وبين من حُكِي عنهم النهي عنه، فلا اختلاف بينهم في
الحقيقة، فتأمل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢١٨٧] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، جَمِيعاً عَنْ
عَبْدِ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ (ح) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ،
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَقْصَةَ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،
عَنِ النَّبِّ ◌ِ غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثٍ مَعْمَرٍ قَالَ: لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا رَفَعَ الْحَدِيثَ).
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) تقدّم قريباً .
٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) تقدّم قبل باب.
٣ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم قبل باب أيضاً.
٤ - (مَعْمَرُ) بن راشد، تقدّم قبل باب أيضاً.
٥ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ) بن عربيّ البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٨) (م) تقدم
في ((الإيمان)) ١٦٥/١٤.
٦ - (رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ) بن العلاء القيسيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ،
له تصانيف [٩] (ت٥ أو ٢٠٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٩٠/ ٤٧٦.
٧ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ) ميسرة أبو سلمة البصريّ، صدوقٌ
يُخطئ [٧].

٣٧٥
(١٦) - بَابُ الأَمْرِ بِالإِسْرَاعِ بِالْجَنَازَةِ - حديث رقم (٢١٨٨)
رَوَى عن قتادة، وأبي جمرة الضُّبَعيّ، وعمرو بن دينار، والزهريّ،
ومحمد بن زياد الْجُمَحيّ، وعليّ بن زيد بن جُدْعان.
ورَوَى عنه الثوريّ، وابن المبارك، وإبراهيم بن طهمان، وحماد بن زيد،
ورَوْح بن عُبادة، وأبو إسحاق الفزاريّ، وأبو معاوية الضرير، وغيرهم.
قال الدُّوريّ، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين:
صالحٌ، وقال الآجريّ، عن أبي داود: ثقة غير أن يحيى بن سعيد لم يكن له
فيه رأي، وقال النسائيّ: ضعيفٌ، وقال عليّ ابن المدينيّ: ليس به بأس، قال:
وقلت ليحيى بن سعيد: هل كتبتَ عنه؟ فقال: كتبت حديثه كله، ثم رميت به
بَعْدُ، وهو نحو صالح بن أبي الأخضر، قال: وسمعت معاذ بن معاذ يقول:
كتبت عنه، ثم رَغِبت عنه؛ لأني رأيته يأتي أشعث بن عبد الملك، فإذا قام أتى
إلى صبيان، فأملوها عليه، وقال ابن عديّ: هو من الضعفاء الذين يُكْتَب
حديثهم، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: يخطئ.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود في ((المراسيل))، والنسائيّ،
وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا برقم (٩٤٤)، وحديث (١٣٠٦):
((ارم ولا حرج ... ))، و(١٣٥١): ((وهل ترك لنا عَقِيل من منزل؟)).
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ) الضمير لمعمر، ومحمد بن أبي حفصة.
[تنبيه]: رواية معمر، ومحمد بن أبي حفصة عن الزهريّ لم أجد من
ساقهما بالتمام، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢١٨٨] (.) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، وَهَارُونُ بْنُ
سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، قَالَ هَارُونُ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي
يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو أَمَامَةَ بْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ نَّهِ يَقُولُ: ((أَسْرِعُوا بِالْجَنَازَةِ، فَإِنْ كَانَتْ

٣٧٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
صَالِحَةً قَرَّبْتُمُوهَا إِلَى الْخَيْرِ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ ذَلِكَ، كَانَ شَرَأَ تَضَعُونَهُ عَنْ
رِقَابِكُمْ))).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن السَّرْح المصريّ، تقدّم قريباً.
٢ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التجيبيّ المصريّ، تقدّم قريباً أيضاً.
٣ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ) السعديّ مولاهم، أبو جعفر، نزيل مصر،
ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (ت٢٥٣) (م د س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٥/٢٩.
٤ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله المصريّ، تقدّم قريباً.
٥ - (يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ) الأيليّ الأمويّ مولاهم، أبو يزيد، ثقةٌ ثبتٌ، من
كبار [٧] (ت١٥٩) على الصحيح (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣.
٦ - (أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ) اسمه أسعد الأنصاريّ، له رؤية، ولم
يسمع، ثقةٌ [٢] (ت١٠٠) وله (٩٢) سنة (ع) تقدم في ((الحيض)) ٧٧٩/١٨.
والباقيان ذُكرا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، ومسائله في الحديث الماضي،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أَنِبُ﴾ .
(١٧) - (بَابُ بَيَانِ فَضْلِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَالصَّلَاةِ عَلَيْهَا)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْذَتُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢١٨٩] (٩٤٥) - (وَحَدَّثَنِي (١) أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْتَى، وَهَارُونُ بْنُ
سَعِيدٍ الْأَبْلِيُّ، وَاللَّفْظُ لِهَارُونَ وَحَرْمَلَةَ، قَالَ هَارُونُ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ:
أَخْبَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِ يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي (٢) عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ
(١) وفي نسخة: ((حدّثني)).
(٢) وفي نسخة: ((أخبرني)).

٣٧٧
(١٧) - بَابُ بَيَانِ فَضْلِ اتَّبَاعِ الْجَنَائِ، وَالصَّلَاةِ عَلَيْهَا - حديث رقم (٢١٨٩)
هُرْمُزَ الْأَعْرَجُ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((مَنْ شَهِدَ الْجَنَازَةَ حَتَّى
يُصَلَّى عَلَيْهَا، فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَمَنْ شَهِدَهَا حَتَّى تُدْفَنَ، فَلَهُ قِرَاطَانٍ))، قِيلَ: وَمَا
الْقِيرَاطَانِ؟ قَالَ: (مِثْلُ الْجَبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ)). انْتَهَى حَدِيثُ أَبِي الطَّاهِرِ، وَزَادَ
الْآخَرَانِ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: قَالَ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ
يُصَلِّي عَلَيْهَا، ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فَلَمَّا بَلَغَهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَقَدْ ضَيَّعْنَا
قَرَارِيطَ(١) كَثِيرَةً).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السَّرْح
المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٥٠) (م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣.
٢ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) بن حرملة بن عمران التُّجيبيّ، أبو حفص
المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوقٌ [١١] (ت ٣ أو ٢٤٤) (م س ق) تقدم في
((المقدمة)) ١٤/٣.
٣ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ) أبو جعفر، نزيل مصر، ثقةٌ فاضلٌ [١٠]
(ت٢٥٣) وله (٨٣) سنةً (م د س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٥/٢٩.
٤ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ
الفقيه، ثقةٌ ثبتُ حافظ عابدٌ [٩] (ت١٩٧) وله (٧٢) سنةً (ع) تقدم في
((المقدمة)) ٣/ ١٠.
٥ - (يُونُسُ) بن يزيد بن أبي النِّجَاد الأمويّ مولاهم، أبو يزيد الأيليّ،
ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت١٥٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣.
٦ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب
الزهريّ، أبو بكر المدنيّ، ثقة ثبتٌ حافظٌ حجة إمام، من رؤوس [٤] (ت١٢٥)
(ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٤٨.
٧ - (عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ هُرْمُزَ الأَعْرَجُ) أبو داود المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣]
(ت١١٧) تقدم في ((الإيمان)) ١٩٢/٢٣.
(١) وفي نسخة: ((في قراريط)).

٣٧٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
٨ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) .
مضرعنه
لطائف هذا الإسناد:
تقدم فى ((المقدمة)) ٤/٢.
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف تَخْذَلُهُ، وله فيه ثلاثة من الشيوخ،
قرن بينهم؛ لاتحاد كيفيّة أخذه عنهم، حيث روى عن كلّ منهم سماعاً وحده،
ثم فصّل بينهم؛ للاختلاف فيها، فهارون أخذ عن ابن وهب سماعاً، والآخران
أخذا عنه قراءةً، فتفطّن، والله تعالى أعلم.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه، كما مرّ آنفاً.
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، ويونس ممن نزل
مصر، والنصف الثاني بالمدنيين.
٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالتحديث والإخبار والقول، سوى موضع
واحد .
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
٦ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة ظله رأس المكثرين السبعة، روى
(٥٣٧٤) حديثاً .
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ أنه (قَالَ: حَدَّثَنِي) وفي نسخة: ((أخبرني))
(عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ هُرْمُزَّ الْأَعْرَجُ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ)
[تنبيه]: حديث الباب ورد من رواية اثني عشر من الصحابة ، وهم:
أبو هريرة، وعائشة عند الشيخين، وثوبان، عند مسلم، والبراء، وعبد الله بن
مغفّل عند النسائيّ، وأبو سعيد الخدريّ، عند أحمد، وابن مسعود عند أبي
عوانة، وأسانيد هؤلاء صحاح، ومن حديث أبيّ بن كعب، عند ابن ماجه،
وابن عباس عند البيهقيّ في ((الشُّعَب))، وأنس عند الطبرانيّ في ((الأوسط))،
وواثلة بن الأسقع عند ابن عديّ، وحفصة، عند حميد بن زنجويه في ((فضائل
الأعمال))، وفي كلّ من أسانيد هؤلاء الخمسة ضعف، أفاده في (الفتح))(١).
(١) راجع: ((الفتح)) ٤ /٩٩.

٣٧٩
(١٧) - بَابُ بَيَانِ فَضْلِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَالصَّلَاةِ عَلَيْهَا - حديث رقم (٢١٨٩)
(قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: (مَنْ) موصولة، أو شرطيّة (شَهِدَ الْجَنَازَةَ)؛
أي: حضرها وفي الرواية الآتية من طريق جرير بن حازم، عن نافع: ((من تَبعَ
جنازة)) (حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا) بفتح اللام مبنيّاً للمفعول؛ أي: إلى أن يفرغ من
الصلاة عليها، ويَحْتَمِل أن يكون بكسر اللام، بالبناء للفاعل.
قال في ((الفتح)): واللام للأكثر مفتوحة، وفي بعض الروايات بكسرها،
ورواية الفتح محمولة عليها؛ فإنّ حصول القيراط متوقف على وجود الصلاة من
الذي یحصل له. انتھی.
وقال في موضع آخر: قوله: ((حتى يصلي)) بكسر اللام، ويروى بفتحها،
فعلى الأول لا يحصل الموعود به، إلا لمن توجد منه الصلاة، وعلى الثاني قد
يقال: يحصل له ذلك، ولو لم يُصَلِّ، أما إذا قصد الصلاة، وحال دونه مانع،
فالظاهر حصول الثواب له مطلقاً، والله أعلم. انتهى(١).
(فَلَهُ قِيرَاطٌ) - بكسر القاف - قال الجوهريّ: أصله قِرّاط بالتشديد؛ لأن
جمعه قراريط، فأُبدل من أحد حرفي تضعيفه ياء، قال: والقيراط نصف دانِق،
وقال قبل ذلك: الدانِق سدس الدرهم، فعلى هذا يكون القيراط جزءاً من اثني
عشر جزءاً من الدراهم، وأما صاحب ((النهاية))، فقال: القيراط جزء من أجزاء
الدينار، وهو نصف عشره في أكثر البلاد، وفي الشام جزء من أربعة وعشرين
جزءاً .
ونقل ابن الجوزيّ عن ابن عَقِيل أنه كان يقول: القيراط نصف سدس
درهم، أو نصف عشر دينار، والإشارة بهذا المقدار إلى الأجر المتعلّق بالميت
في تجهيزه، وغسله، وجميع ما يتعلّق به، فللمصلي عليه قيراط من ذلك،
ولمن شهد الدفن قيراط، وذكر القيراط تقريباً للفهم لما كان الإنسان يعرف
القيراط، ويعمل العمل في مقابلته، وعدّ من جنس ما يعرف، وضرب له المثل
بما يعلم. انتهى.
قال الحافظ: وليس الذي قاله ببعید، وقد روی البزار من طريق عجلان،
عن أبي هريرة، مرفوعاً: ((من أتى جنازة في أهلها، فله قيراط، فإن تبعها، فله
(١) ((الفتح)) ١٩٩/١ ((كتاب الإيمان)) رقم (٤٧).

٣٨٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
قيراط، فإن صلى عليها، فله قيراط، فإن انتظرها حتى تدفن، فله قيراط))، فهذا
يدلّ على أن لكلّ عمل من أعمال الجنازة قيراطاً، وإن اختلفت مقادير
القراريط، ولا سيّما بالنسبة إلى مشقّة ذلك العمل، وسهولته، وعلى هذا
فيقال: إنما خصّ قيراطي الصلاة والدفن بالذكر لكونهما المقصودين، بخلاف
باقي أحوال الميت، فإنها وسائل.
ولكن هذا يخالف ظاهر سياق الحديث الذي عند البخاريّ في ((كتاب
الإيمان))، فإن فيه إن لمن تَبِعَها حتى يصلى عليها، ويفرغ من دفنها قيراطين
فقط .
ويجاب عن هذا بأن القيراطين المذكورين لمن شَهِد، والذي ذكره ابن
عقيل لمن باشر الأعمال التي يَحتَاج إليها الميتُ، فافترقا.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحديث الذي ذكره الحافظ عن البزّار
ضعيف، كما اعترف به هو في ((الفتح)) (٥٥٩/٣) فكيف يؤيِّد به ما نقله عن
ابن عَقيل؟، وكيف يستشكله مع حديث البخاريّ؟ فهذا شيء عجيب غريب،
فتأمل.
قال: وقد ورد لفظ القيراط في عدّة أحاديث، فمنها ما يُحْمَل على
القيراط المتعارَف، ومنها ما يُحْمَل على الجزء في الجملة، وإن لم تُعرف
النسبة: فمن الأول حديث كعب بن مالك ظُه، مرفوعاً: ((إنكم ستفتحون بلداً
يُذكر فيها القيراط)».
وحديث أبي هريرة ﴿ه، مرفوعاً: ((كنتُ أرعى غنماً لأهل مكة
بالقراريط)»، قال ابن ماجه عن بعض شيوخه: يعني كل شاة بقيراط، وقال
غيره: قراريط جبل بمكة.
ومن المحتمل حديث ابن عمر ها في الذين أُوتوا التوراة: ((أعطوا
قيراطاً قيراطاً))، وحديث الباب، وحديث أبي هريرة: ((من اقتنى كلباً نقص من
عمله كلّ يوم قيراط)).
وقد جاء تعيين مقدار القيراط في حديث الباب بأنه مثل أُحُد، وفي رواية
عند أحمد، والطبرانيّ في ((الأوسط)) من حديث ابن عمر: قالوا: يا رسول الله،
مثل قراريطنا هذه؟ قال: ((بل مثلُ أحد)).