النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
(١٢) - بَابٌ فِي غَسْلِ الْمَيْتِ - حديث رقم (٢١٧٥)
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (هُشَيْمُ) بن بَشِير بن القاسم بن دينار السّلميّ، أبو معاوية بن أبي
خازم الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ، كثير التدليس والإرسال الخفيّ [٧] (ت١٨٣) وقد
قارب الثمانين (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣.
٢ - (خَالِدُ) بن مِهْران الحذّاء، أبو المنازل البصريّ، ثقةٌ متقنٌ، يرسل
[٥] (ت١ أو ١٤٢) (ع) تقدم في ((الإيمان) ١٠/ ١٤٤.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا) أمرٌ لجماعة النسوة اللاتي حضرن غسل ابنة
النبيّ ڭ.
وقوله: (بِمَيَامِنِهَا) جمع مَيْمَنة؛ أي: بالأيمن من بدنها، من اليد،
والْجَنْب، والرجل، يعني ابدأن بالأعضاء اليمنى منها قبل اليسرى في الغسل
والوضوء.
وقوله: (وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا) أي: ابدأن بغسل مواضع الوضوء منها
قبل باقي الأعضاء.
قال الحافظ تَّلُهُ: ليس بين الأمرين تنافٍ، لإمكان البداءة بمواضع
الوضوء، وبالميامن معاً.
قال الزين ابن المنيّر كَخَُّ: قوله: ((ابدأن بميامنها)) أي: في الغسلات
التي لا وضوء فيها، ((ومواضع الوضوء منها)) أي: في الغسلة المتصلة
بالوضوء، وكأن المصنّف أشار بذلك إلى مخالفة أبي قلابة في قوله: يبدأ
بالرأس، ثم باللحية، قال: والحكمة في الأمر بالوضوء تجديد أثر سمة
المؤمنين في ظهور أثر الغرّة والتحجيل. انتهى.
واستدلّ به على استحباب المضمضة، والاستنشاق في غسل الميت،
خلافاً للحنفية، بل قالوا: لا يستحبّ وضوءه أصلاً.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: نسبة عدم استحباب الوضوء إلى الحنفية
غَلَطُ، فقد قالوا باستحباب الوضوء، لكن بلا مضمضة ولا استنشاق، كما بيّنه
العينيّ ◌َثُ .
قال الحافظ تَخّلُهُ: وإذا قلنا باستحبابه، فهل يكون وضوءاً حقيقيّاً، بحيث

٣٢٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
يعاد غسل تلك الأعضاء في الغسل، أو جزءاً من الغسل، بُدئت به هذه
الأعضاء تشريفاً؟ الثاني أظهر من سياق الحديث، والبداءة بالميامن، وبمواضع
الوضوء مما زادته حفصة في روايتها عن أم عطية على أخيها محمد، وكذا
الْمَشْطِ، والصَّفْرُ. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الراجح من أقوال أهل العلم مشروعية
الوضوء للميت مع المضمضة والاستنشاق، على ظاهر حديث الباب، فإن
الوضوء الشرعيّ إذا أطلق ينصرف إلى ما يشملهما .
وقيل: لا يشرعان، قال العينيّ كَّثُهُ: وضوء الميت سنة، كما في
الاغتسال في حالة الحياة، غير أنه لا يُمَضْمَض، ولا يستنشق؛ لأنهما
متعسران؛ لتعذر إخراج الماء من الأنف والفم.
وقال ابن قُدامة دَخَذَفُ في ((المغني)): يُوَضِّؤه وضوءه للصلاة، فیغسل کفیه،
ثم يأخذ خرقة خشنة، فيبلّها، ويجعلها على إصبعه، فيمسح أسنانه وأنفه حتى
ينظفهما، ويكون ذلك في رفق، ثم يغسل وجهه، ويُتِمّ وضوءه، قال: ولا
يدخل الماء فاه، ولا منخريه في قول أكثر أهل العلم، كذلك قال سعيد بن
جبير، والنخعيّ، والثوريّ، وأبو حنيفة، وقال الشافعيّ: يمضمض، ويستنشق،
كما يفعل بالحيّ. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله الشافعيّ تَخّلُ: هو الأظهر؛ لموافقته
لظاهر النصّ، فتبصّر.
والحديث متّفقٌ عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢١٧٦] ( .. ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً، وَعَمْرُو
النَّقِدُ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ خَالِدٍ،
(١) (الفتح)) ٧١١/٣.

٣٢٣
(١٣) - بَابٌ فِي كَفَنِ الْمَيْتِ - حديث رقم (٢١٧٧)
عَنْ حَفْصَةَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَالَ لَهُنَّ فِي غَسْلِ ابْنَتِهِ: ((ابْدَأْنَ
بِمَيَامِنِهَا، وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
كلّهم ذُكروا في الباب، وخالد هو ((الحذّاء)).
والحديث متّفقٌ عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَّوْفِيقِيّ إِلَّا بِلهِ عَلَيْهِ تَلْتُ وَإِلَيْهِ أَنِبُ﴾ .
(١٣) - (بَابٌ فِي كَفَنِ الْمَيْتِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخّْثُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢١٧٧] (٩٤٠) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي
شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنٍ نُمَيْرٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى، قَالَ يَحْيَى:
أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ
خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ، قَالَ: هَاجَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَه فِي سَبِيلِ اللهِ، نَبْتَغِي وَجْهَ اللهِ،
فَوَجَبَ أَجْرُنَا عَلَى اللهِ، فَمِنَّا مَنْ مَضَى لَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئاً، مِنْهُمْ مُصْعَبُ بْنُ
عُمَيْرٍ، قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ شَيْءٌ يُكَفَّنُ فِيهِ إِلَّا نَمِرَةٌ، فَكُنَّا إِذَا وَضَعْنَاهَا
عَلَى رَأْسِهِ خَرَجَتْ رِجْلَاهُ، وَإِذَا وَضَعْنَاهَا عَلَى رِجْلَيْهِ خَرَجَ رَأْسُهُ، فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((ضَعُوهَا مِمَّا يَلِي رَأْسَهُ، وَاجْعَلُوا عَلَى رِجْلَيْهِ الْإِذْخِرَ))، وَمِنَّا مَنْ
أَيْتَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ، فَهْوَ يَهْدِبُهَا).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ) النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت٢٢٦)
(خ م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣.
٢ - (أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة
إبراهيم بن عثمان الْعَبسيّ الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظ، له تصانيف
[١٠] (ت٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١/١.

٣٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ ثُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ
[١٠] (ت٢٣٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢.
٤ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠]
(ت٢٤٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٧/٤.
٥ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ، أحفظ الناس
لحديث الأعمش، وقد يَهِم في حديث غيره، من كبار [٩] (ت١٩٥) (ع) تقدم
في ((الإيمان)) ١١٧/٤.
٦ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْرَان الأسديّ الكاهليّ مولاهم، أبو محمد
الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ يدلّس [٥] (ت١٤٧) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة))
ج١ ص٢٩٧.
٧ - (شَقِيقُ) بن سلمة الأسديّ، أبو وائل الكوفيّ، ثقةٌ مخضرمٌ [٢]
(ت٨٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٧.
٨ - (خَبَّابُ بْنُ الْأَرَتِّ) التميميّ، أبو عبد الله الصحابيّ الجليل مات
سنة (٣٧) (ع) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٤٠٧/٣٣.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيات المصنّف نَظّتُهُ، وله فيه أربعة من الشيوخ
قرن بينهم؛ لاتحاد كيفيّة تحمّله منهم، ثم فرّق بينهم؛ لاختلافهم فيها، فتنبّه.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخيه: يحيى، وأبي
بكر، كما أسلفته آنفاً .
٣ - (ومنها): أن شيخه أبا كريب أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة
بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين من أوله إلى آخره، غير يحيى،
فنيسابوريّ.
٥ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ، عن تابعيّ.
٦ - (ومنها): أن صحابيّه ﴿لله أحد مشاهير الصحابة ﴿ه، من السابقين
الأولين إلى الإسلام، وكان يُعذّب في الله ومك، وشَهِد بدراً، وما بعدها، ثم
نزل الكوفة، ومات بها نظبه، والله تعالى أعلم.

٣٢٥
(١٣) - بَابٌ فِي كَفَنِ الْمَيْتِ - حديث رقم (٢١٧٧)
شرح الحديث:
(عَنْ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ) ◌َظَبه أنه (قَالَ: هَاجَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﴿) أي:
بأمره وإذنه، أو المراد بالمعيّة الاشتراك في حكم الهجرة؛ إذ لم يكن معه وَله
حِسّاً إلا الصّدّيقِ، وعامرُ بن فُهَيرة ﴿ّه (فِي سَبِيلِ اللهِ) أي: لإعلاء كلمة الله
تعالى (نَبْتَغِي وَجْهَ اللهِ) أي: نطلب بهجرتنا مرضاة الله تعالى، لا عَرَضاً من
الدنيا وقال في ((الفتح))؛ أي: جِهَة ما عنده، من الثواب، لا جهة الدنيا.
انتهى. (فَوَجَبَ أَجْرُنَا عَلَى اللهِ) قال النوويّ كَذَتُهُ: معناه وجوب إنجاز وعد
بالشرع، لا وجوب بالعقل(١) كما تزعمه المعتزلة، وهو نحو ما في الحديث:
حقّ الله على العباد، وقد سبق شرحه في ((كتاب الإيمان)). انتهى (٢).
وفي رواية للبخاريّ من طريق ابن عيينة، عن الأعمش: ((فوقع أجرنا
على الله))، وهو موافق لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْنِهِ، مُهَاجِرًا إِلَى الَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ
يُدْرِكِّهُ الْوَّتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُؤُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٠].
وأما قوله: ((فوجب أجرنا))، فالمراد بالوجوب على الله إيجابه على نفسه
بمقتضى وعده الصادق، حيث قال تعالى: ﴿وَعَدَ اَللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ جَنَّتٍ
تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَارُ خَلِينَ فِيهَا﴾ الآية [التوبة: ٧٢]، وقال تعالى: ﴿لَكِنِ اٌلَِّينَ
أَنَّقَوْاْ رَبَهُمْ لَمُمْ عُرَفُ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِى مِن تَخْنِهَا الْأَنْهُرِّ وَعْدَ اللهِ لَا يُخْلِفُ اللّهُ
الْمِيعَادَ
[الزمر: ٢٠].
وقال القرطبيّ تَخْذّهُ: قوله: ((فوجب أجرنا على الله)) أي: بما وعد به من
هاجر بقوله الصدق، ووعده الحقّ، لا بالعقل؛ إذ لا يجب على الله تعالى شيء
عقلاً، ولا وضعاً. انتهى(٣).
(فَمِنَّا مَنْ مَضَى) أي: مات (لَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئاً) أي: من عَرَض
الدنيا، يعني: أنه لم يوسّع عليه الدنيا، ولم يُعجّل له شيء من جزاء عمله،
(١) أي: بمجرد العقل دون الاستناد إلى الشرع، وإلا فما أوجبه الشرع فقد أوجبه
العقل، فتنبّه.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٦/٧.
(٣) ((المفهم)) ٢/ ٥٩٧.

٣٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
قاله النوويّ دَظَُّهُ(١).
وقال في ((الفتح)): هو كناية عن الغنائم التي تناولها من أدرك زمن
الفتوح، وكأن المراد بالأجر ثمرته، فليس مقصوراً على أجر الآخرة.
قال: وهذا مشكل على ما تقدّم من تفسير ابتغاء وجه الله، ويُجْمَع بأن
إطلاق الأجر على المال في الدنيا بطريق المجاز بالنسبة لثواب الآخرة، وذلك
أن القصد الأول هو ما تقدّم لكن منهم من مات قبل الفتوح، كمصعب بن
عُمير، ومنهم من عاش إلى أن فُتح عليهم، ثمّ انقسموا، فمنهم من أعرض
عنه، وواسى به المحاويج، أوّلاً، فأوّلاً، بحيث بقي على تلك الحالة الأولى،
وهم قليل، منهم أبو ذرّ، وهؤلاء ملتحقون بالقسم الأول، ومنهم من تبسّط في
بعض المباح فيما يتعلّق بكثرة النساء، والسراري، أو الخدَم، والملابس، ونحو
ذلك، ولم يستكثروا، وهم كثير، ومنهم ابن عمر، ومنهم من زاد، فاستكثر
بالتجارة، وغيرها، مع القيام بالحقوق الواجبة والمندوبة، وهم كثير أيضاً،
منهم عبد الرحمن بن عوف، وإلى هذين القسمين أشار خبّاب، فالقسم الأول،
وما التحق به توفّر له أجره في الآخرة، والقسم الثاني مقتضى الخبر أنه يُحسب
عليهم ما وصل إليهم، من مال الدنيا، من ثوابهم في الآخرة، ويؤيّده ما
أخرجه مسلم، من حديث عبد الله بن عمرو، رفعه: ((ما من غازية، تغزو،
فتغنَمُ، وتَسْلَمُ، إلا تعجّلوا ثلثي أجرهم ... )) الحديث، ومن ثَمَّ آثر كثير من
السلف قلّة المال، وقَنِعُوا به، إما ليتوفّر لهم ثوابهم في الآخرة، وإما ليكون
أقلَّ لحسابهم عليه. انتهى(٢).
(مِنْهُمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ) أي: من هؤلاء الذين لم يأكلوا من أجرهم شيئاً
مصعب بن عمير - بصيغة التصغير - ابن هشام بن عبد مناف بن عبد الدار بن
قُصيّ، يجتمع مع النبيّ وََّ في قُضيّ، وكان يُكنى أبا عبد الله، من السابقين
إلى الإسلام، وإلى هجرة المدينة.
قال الحافظ ابن عبد البرّ رَّتُهُ: أسلم قديماً، والنبيّ وَّر في دار الأرقم،
(١) ((شرح النووي)) ٦/٧.
(٢) ((الفتح)) ٢٨٢/١١ - ٢٨٢، طبعة دار الريان.

٣٢٧
(١٣) - بَابٌ فِي كَفَنِ الْمَيْتِ - حديث رقم (٢١٧٧)
وكَتَمَ إسلامه خوفاً من أمه، فعَلِمَه عثمان بن طلحة، فأعلم أهله، فأوثقوه، فلم
يزل محبوساً، إلى أن هَرَب مع من هاجر إلى الحبشة، ثم رجع مع من رجع
إلى مكة، فهاجر إلى المدينة، وشَهِد بدراً، ثم أُحداً، ومعه اللواء، فاستُشهد.
وقال البراء ظه: أول من قدم علينا مُصعب بن عمير، وابن أم مكتوم،
وكانا يقرئان القرآن، أخرجه البخاريّ في ((صحيحه)).
وذكر ابن إسحاق أن النبيّ وَّ ر أرسله مع أهل العقبة الأولى، يُقرئهم،
ويُعلّمهم، وكان مصعب، وهو بمكة في ثروة، ونعمة، فلما هاجر صار في
قلّة، فأخرج الترمذيّ من طريق محمد بن كعب: حدّثني من سَمِع عليّاً، يقول:
((بينما نحن في المسجد، إذ دخل علينا مصعب بن عمير، وما عليه إلا بُردة، له
مرفوعة بفَرْوَة، فبكى رسول الله ◌َ يّ لما رآه للذي كان فيه من النعم، والذي هو
فیه اليوم))(١).
(قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ) بالبناء للمفعول، والجملة مستأنفةٌ، أو في محل نصب
على الحال من ((مصعب))؛ أي: استُشهد في غزوة أُحد، وكان صاحب لواء
رسول الله ﴿ يومئذ، ثبت ذلك في مرسل عُبيد بن عمير بسند صحيح، عند
ابن المبارك في ((كتاب الجهاد))، قاله في ((الفتح)). (فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ شَيْءٌ يُكَفَّنُ
فِيهِ) وفي رواية البخاريّ: ((فلم نَجِد شيئاً نكفِّنه فيه)) (إِلَّا نَمِرَةٌ) بفتح النون،
وكسر الميم، ثم راء: هي إزار، من صوف، مخطّط، أو بُردة، وفي
(المصباح)): والنّمِرَة)) بفتح النون، وكسر الميم: كِسَاء فيه خطوط، بِيصٌ،
وسُودٌ، تلبسه الأعراب، قال ابن الأثير: وجمعها نِمَار، كأنها أُخذت من لون
النَّمِر؛ لما فيها من السواد والبياض. انتهى(٢).
(فَكُنَّا إِذَا وَضَعْنَاهَا عَلَى رَأْسِهِ) وفي رواية البخاريّ كَُّ: ((كنّا إذا غطّينا
بها رأسه))؛ أي: سترنا بتلك النمرة رأس مصعب ◌َته (خَرَجَتْ رِجْلَاهُ) لكونها
قصيرة، لا تُوَاري جسده كلّه (وَإِذَا وَضَعْنَاهَا عَلَى رِجْلَيْهِ خَرَجَ رَأْسُهُ) وكذا هو
عند البخاريّ، وفي رواية النسائيّ: ((خرجت رأسه)) بإلحاق الفعل التاء، وما في
(١) راجع: ((الإصابة)) ٢٠٨/٩ - ٢٠٩، و((الفتح)) ٢٨٣/١١.
(٢) ((المصباح)) ٦٢٦/٢، و((النهاية)) ١١٨/٥.

٣٢٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
((الصحيحين)) هو الموافق للقاعدة؛ لأن الرأس مذكّر، قال الفيّوميّ: الرأس
عضوٌ معروف، وهو مذكّر، وجمعه أرؤسٌ، ورُؤُوسٌ. انتهى (١).
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ضَعُوهَا مِمَّا يَلِي رَأْسَهُ) وفي رواية البخاريّ:
((فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ وَيهِ، أَنْ نُغَطِّيَ رَأْسَهُ بها))، وفيه أنه إذا لم يواري الثوبُ
جميع بدن الميت، فرأسه أولى بالستر (وَاجْعَلُوا عَلَى رِجْلَيْهِ الْإِذْخِرَ))) بكسر
الهمزة، وسكون الذال المعجمة، وكسر الخاء المعجمة، بعدها راء: نبات
معروف، ذَكيّ الريح، وإذا جَفّ ابيضّ، قاله في ((المصباح))(٢).
وقال ابن الأثير تَّتُهُ: حَشيشة طيّبة الرائحة، تُسَقّف بها البيوت فوق
الخشب، وهمزتها زائدة، وإنما ذكرناها ههنا - يعني: باب الهمزة - حملاً على
ظاهر لفظها. انتهى(٣).
(وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ) بفتح الهمزة، وسكون التحتانية، وفتح النون
والمهملة؛ أي: أدركت، ونضِجَتْ، واستحقَّت القَطْفَ، وفي بعض الروايات:
(يَنَعَت)) بغير ألف، وهي لغة، قال القزّاز: وأينعت أكثرُ، قاله في ((الفتح)) (٤)،
وفي ((المصباح)): يَنَعَتِ الثمارُ، يَنْعاً، من بابي نَفَعَ، وضَرَبَ: أدركت، والاسم
الْيُنْعُ بضمّ الياء، وفتحها، وبالفتح قرأ السبعة: ﴿وَيَنْعِهِ﴾﴾ فهي يانِعَةٌ، وأينعَتْ
بالألف مثله، وهو أكثر استعمالاً من الثلاثيّ. انتهى (٥).
(فَهْوَ يَهْدِبُهَا) بفتح أوله، وسكون ثانيه، وكسر الدال المهملة؛ أي:
يَجتنيها، ويَقتطفها، وضبطه النوويّ بضم الدال، وكسرها، وحَكى ابن التين
تثليثها(٦).
قال النوويّ نَّثُ: وهذا استعارة لما فَتح الله عليهم من الدنيا. انتهى.
(١) ((المصباح المنير)) ٢٤٥/١.
(٣) ((النهاية)) ٣٣/١.
(٢) ((المصباح المنير)) ٢٠٧/١.
(٤) ((الفتح)) ٢٨٣/١١.
(٥) ((المصباح)) ٢/ ٦٨٢.
(٦) هكذا نقل في ((الفتح)) التثليث عن ابن التين، والذي يقتضيه ظاهر ما في
((القاموس))، و((اللسان)) أنه بكسر الدال فقط، فما نُقل عن ابن التين، وكذا ضبط
النووي له بالضمّ محلّ نظر، فليُتأمّل، والله تعالى أعلم.

٣٢٩
(١٣) - بَابٌ فِي كَفَنِ الْمَيْتِ - حديث رقم (٢١٧٧)
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه
التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث خباب ◌َته هذا مُتَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) لَّتُهُ هنا [٢١٧٧/١٣ و٢١٧٨] (٩٤٠)، و(البخاريّ)
في ((الجنائز)) (١٢٧٦) و((المناقب)) (٣٨٩٧ و٣٩١٤) و((المغازي)) (٤٠٤٧)
و((الرقاق)) (٦٤٣٢ و٦٤٤٨)، و(أبو داود) في ((الوصايا)) (٢٨٧٦)، و(الترمذيّ)
في ((الجنائز)) (٣٨٥٣)، و(النسائيّ) في ((الجنائز)) (١٩٠٣) و((الكبرى)) (٢٠٣٠)،
و (أحمد) في ((مسنده)) (١٠٥٥٤ و٢٠٥٥٠ و٢٠٥٦٧)، و(أبو نعيم) في
((مستخرجه)) (٢١٠٢ و٢١٠٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان وجوب تكفين الميت.
٢ - (ومنها): أن فيه دليلاً على أن الكفن من رأس المال، وأنه مقدَّم
على الديون؛ لأن النبيّ ◌َ﴿ أمر بتكفينه في نَمِرته، ولم يسأل هل عليه دين
مستغرق أم لا؟، ولا يبعد من حال مَن لا يكون عنده إلا نمرة أن يكون عليه
دين، قال النوويّ تَخْذَلُهُ: واستثنى أصحابنا من الديون الدينَ المتعلق بعين
المال، فيقدَّم على الكفن، وذلك كالعبد الجاني، والمرهون، والمال الذي
تعلَّقت به زكاةٌ، أو حقّ بائعه بالرجوع بإفلاس ونحو ذلك. انتهى(١).
٣ - (ومنها): بيان أن الكفن يكون ساتراً لجميع البدن، إن تيسّر، وإلا
فستر رأسه أولى.
قال النوويّ كَّلُهُ: وفيه دليل على أنه إذا ضاق الكفن عن ستر جميع
البدن، ولم يوجد غيره جُعِل مما يلي الرأس، وجُعِل النقص مما يلي الرجلين،
ويُستر الرأس، فإن ضاق عن ذلك سُترت العورة، فإن فضل شيء جُعل فوقها،
(١) ((شرح النووي)) ٦/٧.

٣٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
فإن ضاق عن العورة سُترت السوأتان؛ لأنهما أهمّ، وهما الأصل في العورة.
وقد يُسْتَدَلُّ بهذا الحديث على أن الواجب في الكفن ستر العورة فقط،
ولا يجب استيعاب البدن عند التمكن.
[فإن قيل]: لم يكونوا متمكنين من جميع البدن؛ لقوله: ((لم يوجد له
غیرها)).
فجوابه أن معناه: لم يوجد مما يَملِك الميت إلا نمرة، ولو كان ستر
جميع البدن واجباً لوجب على المسلمين الحاضرين تتميمه، إن لم يكن له
قریب تلزمه نفقته، فإن كان وجب عليه.
[فإن قيل]: كانوا عاجزين عن ذلك؛ لأن القضية جرت يوم أُحد، وقد
كثرت القتلى من المسلمين، واشتغلوا بهم، وبالخوف من العدوّ، وغير ذلك.
فجوابه أنه يبعد من حال الحاضرين المتولِّين دفنه أن لا يكون مع واحد
منهم قطعة من ثوب، ونحوها. انتهى كلام النوويّ كَّلُ، وهو حسنٌ، والله
تعالى أعلم.
٤ - (ومنها): ما كان عليه السلف، من الصدق في وصف أحوالهم.
٥ - (ومنها): أن الصبر على مكابدة الفقر، وصعوبته من منازل الأبرار.
٦ - (ومنها): أن هجرة أصحاب رسول الله ولو لم تكن لدنيا، يصيبونها،
ولا نعمة يتعجّلونها، وإنما كانت خالصة لله تعالى؛ ليثيبهم عليها في الآخرة
أجراً عظيماً، كما وعدهم بذلك، فمن مات منهم قبل فتح البلاد توفّر له ثوابه،
ومن بقي حتى نال من طيبات الدنيا خَشِيَ أن يكون عُجّل له أجر طاعته، كما
ثبت في قصة عبد الرحمن بن عوف، فقد أخرج البخاريّ في ((صحيحه))، فقال:
(١٢٧٥) - حدثنا محمد بن مقاتل، أخبرنا عبد الله، أخبرنا شعبة، عن
سعد بن إبراهيم، عن أبيه إبراهيم، أن عبد الرحمن بن عوف ﴿ه، أُتي
بطعام، وكان صائماً، فقال: قُتل مصعب بن عُمير، وهو خير مني، كُفّن في
بُردة، إن غُطِّي رأسه، بدت رجلاه، وإن غطي رجلاه، بدا رأسه، وأُراه قال:
وقُتل حمزةُ، وهو خير مني، ثم بُسط لنا، من الدنيا ما بسط، أو قال: أعطينا
من الدنيا ما أعطينا، وقد خَشِينا أن تكون حسناتنا، عُجِّلت لنا، ثم جَعَل
يبكي، حتى ترك الطعام.

٣٣١
(١٣) - بَابٌ فِي كَفَنِ الْمَيْتِ - حديث رقم (٢١٧٧)
وبالجملة فكانوا أحرص الناس على نعيم الآخرة، رضي الله تعالى عنهم،
وعنا معهم برحمته، إنه أرحم الراحمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في الكفن من أين يُخرَج؟:
قال الإمام ابن المنذر ◌َُّ: ((ذِكْرُ إخراج الكفن قبل قضاء الديون،
والوصايا، والمواريث)): اختلفوا في الكفن من أين يُخرَج؟ فقال أكثر أهل
العلم: يُخرَج من جميع المال، هكذا قال سعيد بن المسيّب، وعطاء،
ومجاهد، والحسن البصريّ، وعمرو بن دينار، والزهريّ، وعُمر بن عبد العزيز،
وقتادة، ومالك، وسفيان الثوريّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وابن
الحسن، وروينا ذلك عن الشعبيّ، والنخعيّ، قال: وبهذا نقول؛ لأن خبر
مصعب بن عُمير ظُه دليل على ذلك، وهو قوله: ((لم يترك إلا نمرة، كُفّن
فیها)).
قال: وفي المسألة قولان شاذّان: أحدهما قول خِلَاس بن عمرو: إن
الكفن من الثلث.
والقول الثاني قول طاوس: إن الكفن من جميع المال، وإن كان المال
قليلاً، فمن الثلث، وفي حديث ابن عباس يا في قصة المحرم الذي مات
دليل على أن الكفن من رأس المال، وهو قوله: ((وكفّنوه في ثوبيه)). انتهى
كلام ابن المنذر كظَّهُ(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن المنذر تَّلهُ حسنٌ
جدّاً .
وحاصله أن الكفن من جميع المال، وأنه مقدّم على الدين والوصية؛ لأن
النبيّ ◌َِّ نصّ على تكفين مصعب بتلك النَّمِرَة، ولم يستفصل، هل علیه دین،
أو وصية، أم لا؟ وكذلك في قصّة المحرم، كما سيأتي - إن شاء الله تعالى -
وقد ثبت عن الإمام الشافعيّ تَّثُ مقالته المشهورة وهي، قاعدةٌ مسلّمة لَدَى
المحقّقين في باب الاستدلال، وهي: («تركُ الاستفصال، في حكاية الحال، مع
(١) ((الأوسط)) ٣٦٢/٥ - ٣٦٣.

٣٣٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
قيام الاحتمال، ينزّل منزلة العموم في المقال))، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخَّهُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢١٧٨] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ (ح) وَحَدَّثَنَا
إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا (١) عِيسَى بْنُ يُونُسَ (ح) وَحَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ
الثَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا (٢) عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ أَبِي
عُمَرَ جَمِيعاً، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عثمان بن محمد بن إبراهيم بن عثمان
العبسيّ، أبو الحسن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ شهير [١٠] (ت٢٣٩) عن (٨٣) سنةً
(خ م د س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٦/٣٥.
٢ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد بن قُرط الضبيّ الكوفيّ، ثقةٌ صحيح الكتاب
[٨] (ت١٨٨) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠.
٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل باب.
٤ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) تقدّم أيضاً قبل باب.
٥ - (مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ الثَّمِيمِيُّ) أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ [١٠]
(ت٢٣١) (م فق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٧٣/٤١.
٦ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) القرشيّ الكوفيّ، قاضي الْمَوْصِل، ثقةٌ [٨]
(ت١٨٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/٢.
٧ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، تقدّم
قريباً .
٨ - (ابْنُ عُيَيْنَةَ) هو: سفيان الإمام المشهور، تقدّم قريباً.
و ((الْأَعْمَشُ)) ذُكر قبله.
(١) وفي نسخة: ((حدّثنا)).
(٢) وفي نسخة: ((حدّثنا)).

٣٣٣
(١٣) - بَابٌ فِي كَفَنِ الْمَيْتِ - حديث رقم (٢١٧٩)
[تنبيه]: رواية سفيان بن عيينة، عن الأعمش، ساقها البخاريّ كَّلُ،
فقال :
(٣٨٩٧) - حدّثنا الحميديّ، حدّثنا سفيان، حدّثنا الأعمش، قال:
سمعت أبا وائل يقول: عُدْنا خبّاباً، فقال: هاجرنا مع النبيّ وَ﴿ نريد وجه الله،
فوقع أجرنا على الله، فمنّا مَن مَضَى لم يأخذ من أجره شيئاً، منهم مصعب بن
عُمير، قُتِل يوم أُحد، وتَرَك نَمِرَة، فكنا إذا غَطَّينا بها رأسه بدت رجلاه، وإذا
غطّينا رجليه بدا رأسه، فأمرنا رسول الله وَلهو أن نُغَطّي رأسه، ونجعل على
رجليه شيئاً من إذخر، ومِنّا من أينعت له ثمرته، فهو يهدبها)). انتهى.
وأما روايات جرير، وعيسى بن يونس، وعليّ بن مسهر، كلهم عن
الأعمش، فلم أر من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢١٧٩] (٩٤١) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو
كُرَيْبٍ، وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ،
عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كُفِّنَ رَسُولُ اللهِلَّهِ فِي ثَلَاثَةٍ
أَثْوَابٍ، بِيضٍ، سَحُولِيَّةٍ، مِنْ كُرْسُفٍ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ، أَمَّا الْحُلَّةُ
فَإِنَّمَا (١) شُبَّهَ عَلَى النَّاسِ فِيهَا أَنَّهَا اشْتُرِيَتْ لَهُ؛ لِيُكَفَّنَ فِيهَا، فَتُرِكَتِ الْحُلَّةُ، وَكُفِّنَ
فِي ثَلَاثَةِ أَنْوَابٍ، بِيضٍ، سَحُولِيَّةٍ، فَأَخَذَهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: لَأَحْبِسَنَّهَا
حَتَّى أُكَفِّنَ فِيهَا نَفْسِي، ثُمَّ قَالَ: لَوْ رَضِيَهَا اللهُ وَكَ لِنَبِيِّهِ لَكَفَّنَهُ فِيهَا، فَبَاعَهَا،
وَتَصَدَّقَ بِثَمَنِهَا).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير، تقدّم أيضاً قبل ثلاثة أبواب.
(١) وفي نسخة: ((فإنها)).

٣٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
٣ - (عَائِشَةُ) ◌َّا، تقدّمت أيضاً قبل ثلاثة أبواب.
والباقون ذُكروا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيات المصنّف رَّلُهُ .
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخيه: يحيى،
وأبي بكر، فالأول ما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، والثاني ما أخرج له
الترمذيّ، وأما أبو كريب، فهو أحد التسعة الذين اتّفق بالرواية عنهم الجماعة،
بلا واسطة، كما مرّ غير مرّة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من هشام، والباقون كوفيّون، سوى
یحیی، فنيسابوريّ.
٤ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ، عن تابعيّ، والابن عن أبيه، عن
خالته .
٥ - (ومنها): أن فيه أحد الفقهاء السبعة، وهو عروة، وفيه عائشة
من المكثرين السبعة، روت من الأحاديث (٢٢١٠)، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) ◌ِوَهُنا أنها (قَالَتْ: كُفِّنَ) بالبناء للمفعول، ونائب فاعله قوله:
(رَسُولُ اللهِوَ﴿ِ فِي ثَلَاثَةٍ أَثْوَابٍ) زاد في ((طبقات ابن سعد)): ((إزار، ورداء،
ولفافة)) (بِيضٍ) بالجرّ صفة (أثواب))، وهو بكسر الموحّدة جمع أبيض، ووزنه
في الأصل فُعَّلٌ، بضمّ الفاء، مثل حُمْر، كما قال في ((الخلاصة)):
فُعْلٌ لِنَحْوٍ أَحْمَرٍ وَحَمْرًا وَفِعْلَةٌ جَمْعاً بِنَقْلٍ يُدْرَى
ولكن أُبدل من ضمة الياء كسرة، كراهة انقلاب الياء واواً.
[فائدة]: قيل: إن أصول الألوان أربعة: الابيضاض، والاحمرار،
والاصفرار، والاسوداد، وما عدا ذلك من الألوان يتشعّب منها، ذكره ابن
الملّقْن ◌َذْثُ(١).
(١) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٤١٦/٤.

٣٣٥
(١٣) - بَابٌ فِي كَفَنِ الْمَيْتِ - حديث رقم (٢١٧٩)
(سَحُولِيَّةٍ) - بفتح السين، وضمها - قال النوويّ تَّثُ: والفتح أشهر،
وهي رواية الأكثرين، وقال في ((النهاية)) تبعاً للْهرويّ: يُروى بفتح السين،
وضمها، فالفتح منسوب إلى السَّحُول، وهو القَصَّار؛ لأنه يَسْحَلُها؛ أي:
يَغْسلها، أو إلى سَحُول، وهي قرية باليمن، وأما الضمّ، فهو جمع سَحْل، وهو
الثوب الأبيض النَّقِيّ، ولا يكون إلا من قطن، وفيه شُذوذ؛ لأنه نُسب إلى
الجمع، وقيل: إن اسم القرية بالضمّ أيضاً. انتهى(١).
وقال في ((الصحاح)): السَّخْل الثوب الأبيض، من الكُرْسُف، من ثياب
اليمن، قال المسَيّب بن عَلَس يذكر ظُعُناً [من الكامل):
وَلَقَدْ أَرَى ◌ُعُناً أُبَيِّنُهَا تُحْدَى كَأَنَّ زُهَاءَهَا الأَثْلُ
رِيعٌ يَلُوحُ كَأَنَّهُ سَخْلُ
فِي الآلِ يَخْفِضُهَا وَيَرْفَعُهَا
و((الرَيع)) بالكسر، والفتح: الطريق، شَبَّهَ الطريق بثوب أبيض.
والجمع سُحُول، وسُحُلٌ، مثلُ سُقُف، ثم ذكر الحديث، ثم قال:
ويُقال: سُحُول موضع باليمن، وهي تنسب إليه، وقال في ((المحكم)): السَّخْلُ
ثوب أبيض، وخصّ بعضهم به الثوب من القطن، وقيل: السَّحْلُ ثوب أبيض
رقيق، وجمع كل ذلك أَسْحَالٌ، وسُحُولٌ، وسُحُل.
قال الْمُتَنَخِّلُ الْهُذَليّ:
كَالسُّحُلِ الْبِيضِ جَلَا لَوْنَهَا سَخُّ نِجَاءِ الْحَمَلِ الأَسْوَلِ(٢)
وقال الفيّوميّ تَُّ: و(سَحُول)) مثلُ رَسول، بلدة باليمن، يُجلب منها
الثياب، ويُنْسَب إليها على لفظها، فيقال: أثواب سَحُولية، وبعضهم يقول:
سُحُولية بالضمّ، نسبة إلى الجمع، وهو غلط؛ لأن النسبة إلى الجمع إذا لم
يكن عَلَماً، وكان له واحد من لفظه، تَرُدّ إلى الواحد بالاتفاق. انتهى(٣).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وإلى هذه القاعدة أشار ابن مالك تَخْتُ في
((الخلاصة)) بقوله:
(١) ((النهاية)) ٣٤٧/٢.
(٢) راجع: ((لسان العرب)) ٣٢٧/١١ - ٣٢٨.
(٣) ((المصباح المنير)) ٢٦٨/١.

٣٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
وَالْوَاحِدَ اذْكُرْ نَاسِباً لِلْجَمْعِ إِنْ لَمْ يُشَابِهْ وَاحَداً بِالْوَضْعِ
(مِنْ كُرْسُفٍ) بضمّ الكاف والسين المهملة، بينهما راء ساكنة: هو
القطن، وقال في ((القاموس)): الْكُرْسُفُ كعُصْفُرٍ، وزُنْبُورٍ: القطنُ. انتهى(١).
وقال في ((المصباح)): الْكُرْسفُ: القطن، والكرسُفَةُ: أخصّ منه، مثالُ بُنْدُق،
وبُنْدُقة. انتهى.
ووقع في رواية للنسائيّ بلفظ: ((كُفّن رسول الله وَّ في ثلاثة أثواب بِيضٍ
يمانية، كرسفٍ))، قال ابن الأثير تَُّ: جعل الكرسف وصفاً للثياب، وإن لم
يكن مشتقّاً، كقولهم: مررتُ بحيّةٍ ذِرَاعِ، وإبلٍ مائةٍ، ونحو ذلك. انتهى(٢).
وقولها: (لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ) قال النوويّ كَُّ: معناه: لم يُكَفَّن
في قميص، ولا عمامة، وإنما كُفِّن في ثلاثة أثواب غيرهما، ولم يكن مع
الثلاثة شيء آخر، هكذا فسره الشافعيّ، وجمهور العلماء، وهو الصواب الذي
يقتضيه ظاهر الحديث، قالوا: ويستحب أن لا يكون في الكفن قميصٌ، ولا
عمامةٌ، وقال مالك، وأبو حنيفة: يستحبّ قميص وعمامة، وتأولوا الحديث
على أن معناه: ليس القميص والعمامة من جملة الثلاثة، وإنما هما زائدان
عليهما، وهذا ضعيف، فلم يثبت أنه وَل ◌ِ كُفِّن في قميص وعمامة.
وهذا الحديث يتضمن أن القميص الذي غُسِل فيه النبيّ وَّ نُزِع عنه عند
تكفينه، وهذا هو الصواب الذي لا يَتَّجِهُ غيره؛ لأنه لو بقي مع رطوبته لأفسد
الأكفان.
وأما الحديث الذي في ((سنن أبي داود)) عن ابن عباس ظًّا أن النبيّ وَل
كُفِّن في ثلاثة أثواب: الْحُلَّةُ ثوبان، وقميصه الذي تُؤُنِّي فيه، فحديثٌ ضعيفٌ،
لا يصح الاحتجاج به؛ لأن يزيد بن أبي زياد أحد رواته مُجْمَعٌ على ضعفه، لا
سيّما وقد خالف بروايته الثقات. انتهى كلام النوويّ كَُّهُ(٣)، وهو تحقيقٌ
حسنٌ جدّاً .
(أَمَّا الْخُلَّةُ) بضم الحاء المهملة، وتشديد اللام: جمعها حُلَلٌ، كغُرْفة
(١) ((القاموس المحيط)) ١٨٨/٣.
(٢) ((النهاية في غريب الحديث)) ١٦٣/٤.
(٣) (شرح النوويّ)) ٨/٧.

٣٣٧
(١٣) - بَابٌ فِي كَفَنِ الْمَيْتِ - حديث رقم (٢١٧٩)
وغُرَف، وهي بُرُود اليمن، ولا تسمّى حُلّةً إلا أن تكون ثوبين، من جنس
واحد(١). (فَإِنَّمَا) وفي بعض النسخ: ((فإنها)) (شُبِّهَ) بتشديد الموحّدة، مبنيّاً
للمفعول، يقال: شَبَّهتُ عليه تشبيهاً، مثلُ لَبَّسته عليه تلبيساً وزناً ومعنَى،
فالمشابهة: المشاركة في معنّى من المعاني، والاشتباه: الالتباس، قاله
الفيّومِيّ تَظُّ(٢)، والمعنى هنا أنه اشتَبَه (عَلَى النَّاسِ فِيهَا) أي: في شأن الْحُلّة،
وفي رواية النسائيّ: ((فذُكر لعائشة قولهم: في ثوبين، وبُرْد من حِبَرَة، فقالت:
قد أتي بالبرد، ولكنهم ردّوه، ولم يُكفّنوه فيه))، وقولها: (أَنَّهَا) بفتح الهمزة
بتقدير حرف التعليل؛ أي: لأنها، ويَحْتَمِل أن يكون بكسر الهمزة على أن
الجملة تعليليّة، وهو تعليل للتشبيه عليهم؛ أي: إنما شُبّه عليهم؛ لأنها
(اشْتُرِيَتْ) بالبناء للمفعول (لَهُ) وَِّ (لِيُكَفَّنَ فِيهَا) بالبناء للمفعول أيضاً (فَتُرِكَتِ
الْحُلَّةُ) بالبناء للمفعول أيضاً؛ أي: لم تُجعل في جملة الكفن (وَكُفِّنَ فِي ثَّلَاثَةٍ
أَثْوَابٍ، بِيضٍ، سَحُولِيَّةٍ، فَأَخَذَهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ) الصدّيق، وهو عبد الله بن
عبد الله بن عثمان، وهو شقيق أسماء بنت أبي بكر، ذكره ابن حبان في
((الصحابة))، وقال: مات قبل أبيه، وثبت ذكره في ((صحيح البخاري)) في قصة
الهجرة، عن عائشة ◌ّا قالت: وكان عبد الله بن أبي بكر يأتيهما بأخبار
قريش، وهو غلام شابٌّ فَطِنٌ، فكان يبيت عندهما، ويخرج من السَّحَر، فيصبح
مع قریش.
وذكر الطبري في ((تاريخه)) أن عبد الله بن أُرَيقط الدُّئليّ الذي كان دليل
النبيّ وَ ﴿ لَمّا رجع بعد أن وصل النبيّ وَ له إلى المدينة، أخبر عبد الله بن أبي
بكر الصديق بوصول أبيه إلى المدينة، فخرج عبد الله بعيال أبي بكر، وصحبهم
طلحة بن عبيد الله، حتى قدموا المدينة.
وقال ابن عبد البرّ: لم أسمع له بمشهد إلا في الفتح، وحنين،
والطائف، فإن أصحاب المغازي ذكروا أنه رُمِي بسهم، فجُرِح، ثم اندمل، ثم
انتقض، فمات في خلافة أبيه، في شوال سنة إحدى عشرة.
(١) ((النهاية)) ٤٣٢/١، و((المصباح المنير)) ١٤٨/١.
(٢) ((المصباح المنير)) ٣٠٤/١.

٣٣٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
قال المرزباني في ((معجم الشعراء)): أصابه حجر في حصار الطائف،
فمات شهيداً، وكان قد تزوج عاتكة، وكان بها مُعْجَباً، فشغلته عن أموره،
فقال له أبوه: طَلِّقها، فطلقها، ثم نَدِم، فقال [من الطويل]:
وَمَا لَاحَ نَجْمٌ فِي السَّمَاءِ مُحَلِّقُ
أَعَاتِكُ لَا أَنْسَاكِ مَا ذَرَّ شَارِقٌ
وَخَلْقٌ سَوِيٌّ فِي الْحَيَاةِ وَمَضْدَقُ
لَهَا خُلُقٌ جَزْلٌ وَرَأْيٌّ وَمَنْصِبٌ
وَلَا مِثْلُهَا فِي غَيْرِ شَيْءٍ تُطَلَّقُ
وَلَمْ أَرَ مِثْلِي طَلَّقَ الْيَوْمَ مِثْلَهَا
وله فيها غير هذا، فَرَقّ له أبو بكر، فأمره بمراجعتها، فراجعها، ومات
وهي عنده، ولها مرثية.
روى البخاريّ في ((تاريخه)) من طريق يحيى بن سعيد الأنصاريّ أن
عبد الله بن أبي بكر كان تزوّج عاتكة بنت زيد بن عمرو أخت سعيد بن زيد،
وأنه قال لها عند موته: لك حائطي، ولا تزوّجي بعدي، قال: فأجابته إلى
ذلك، فلما انقضت عدّتها خطبها عمر، فذكر القصة في تزويجه، ورواه غيره
فذكر معاتبة عليّ لها على ذلك(١).
(فَقَالَ) عبد الله (لَأَحْبِسَنَّهَا حَتَّى أُكَفِّنَ فِيهَا نَفْسِي، ثُمَّ قَالَ: لَوْ رَضِيَهَا اللهُ رَّت
لِنَبِيِّهِ) وَ (لَكَفَّنَهُ فِيهَا، فَبَاعَهَا، وَتَصَدَّقَ بِثَمَنِهَا) وفي رواية ابن إسحاق في
((المغازي)) عن هشام، عن أبيه، عن عائشة ﴿ّا قالت: كُفِّن رسول الله وَّه في
بُرْدَي حِبَرَة، حتى مَسَّا جلده، ثم نزعهما، فأمسكهما عبد الله؛ ليُكَفَّن فيهما،
ثم قال: وما كنت لأمسك شيئاً منع الله رسوله وَله منه، فتصدق بهما، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﴿نا هذا مُتَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (٢١٧٩/١٣ و٢١٨٠ و٢١٨١ و٢١٨٢] (٩٤١)،
و(البخاريّ) في ((الجنائز)) (١٢٦٤ و١٢٧١ و١٢٧٢ و١٢٧٣ و١٣٨٧) و((اللباس))
(١) راجع: ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ٢٤/٤، ٢٥.

٣٣٩
(١٣) - بَابٌ فِي كَفَنِ الْمَيْتِ - حديث رقم (٢١٧٩)
(٥٨١٤)، و(أبو داود) في ((الجنائز)) (٣١٢٠ و٣١٥١)، و(الترمذيّ) في
((الجنائز)) (٩٩٦) و((الشمائل)) (٣٩٣)، و(النسائيّ) في ((الجنائز)) (١٨٩٧ و١٨٩٨
و١٨٩٩) و((الكبرى)) (٢٠٢٤ و٢٠٢٥ و٢٠٢٦)، و(ابن ماجه) في ((الجنائز))
(١٤٦٩)، و(مالك) في ((الموطأ)) (٥٢١ و٥٢٢)، و(الشافعيّ) في ((مسنده))
(٥٧٤)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٦١٧١)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده))
(١٤٥٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٠/٦ و٤٥ و١١٨ و١٣٢ و١٦٥ و١٩٢
و٢٠٣ و٢١٤)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣٠٣٧)، و(أبو يعلى) في ((مسنده))
(٤٤٩٥)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٢١٠٤ و٢١٠٥ و٢١٠٦ و٢١٠٧
و٢١٠٨ و٢١٠٩ و٢١١٠)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٩٩/٣ و٤٠٠)، والله
تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في ذكر اختلاف الروايات في كفن النبيّ وَلّ :
قال الحافظ وليّ الدين العراقيّ كَُّ: اتفَقَ عليه - يعني حديث الباب -
الأئمةُ الستةُ، من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة بزيادة ((من
كُرسف، ليس فيها قميص، ولا عمامة))، وليس قوله: ((من كُرْسُف)) عند
الترمذيّ، ولا عند ابن ماجه، زاد مسلم: ((أما الحلّة، فإنما شُبِّهَ على الناس
فيها أنها اشتُريت له ليكفّن فيها، فتركت الحلّة، وكفّن في ثلاثة أثواب بيض
سحولية، فأخذها عبد الله بن أبي بكر، فقال: لأحبسنها حتى أُكَفِّن فيها نفسي،
ثم قال: لو رضيها الله رَك لنبيّه وَله، لكفّنه فيها، فباعها، وتصدّق بثمنها)).
وفي رواية له: ((أُدرج رسول الله وَّل في حُلّة يمانية، كانت لعبد الله بن
أبي بكر، ثم نُزعت منه، وكفّن في ثلاثة أثواب سحولية يمانية، ليس فيها
عمامة، ولا قميص ... )) الحديث.
وفي رواية أصحاب ((السنن)) الأربعة: (كفّن رسول الله وَّ ر في ثلاثة
أثواب بيض يمانية، كُرْسُف، ليس فيها قميص، ولا عمامة))، فذُكِر لعائشة
قولهم: في ثوبين، وبرد حبرة؟ فقالت: قد أُتي بالبرد، ولكنهم رَدُّوه، ولم
يكفنوه فيه، وقال الترمذيّ: حسن صحيح، وفي رواية للبيهقيّ: ((في ثلاثة
أثواب سحولیة جُدُد».

٣٤٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
وأخرج أبو داود في ((سننه)) عنها: ((أُدرج رسول الله وَ لقول في ثوب واحد،
حِبّرة، ثم أُخِّر عنه))، وهو حديث صحيح.
وفيه أيضا عن ابن عباس : ((في ثلاثة أثواب نجرانيّة، الحلّة ثوبان،
وقميصه الذي مات فيه))، قال عثمان - يعني ابن أبي شيبة -: ((في ثلاثة أثواب،
حُلّة حمراء، وقميصه الذي مات فيه))، قال الحافظ كَّلُهُ: تفرد به يزيد بن أبي
زياد، وقد تغير، وهذا من ضعيف حديثه.
وفي رواية لابن ماجه عن ابن عمر ﴿ها، قال: ((كُفِّنَ رسولُ اللهِوَّ في
ثلاثةِ رِيَاطِ، بِیض، سحولیة))، وهو حديث حسن.
وفي رواية عن ابن عباس، قال: ((كُفِّنَ رسولُ اللهِ وَ ◌ّ في ثلاثة أثواب:
قميصه الذي مات فيه، وحُلّة نجرانية))، وهو حديث ضعيف، فيه يزيد بن أبي
زياد، وقد تقدم الكلام عليه قريباً.
وفي ((مسند أحمد)) عن عائشة رضيوثها: ((أن رسول الله وَ ل كفّن في ثلاث
رياط بيض يمانية))، وفيه أيضاً، عن ابن عباس: (كُفّن رسول الله وَّ في ثوبين
أبيضين، وبرد أحمر»، وانفرد أحمد بالحدیثین.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أما الأول، فرجاله ثقات، وأما الثاني
ففيه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، سيئ الحفظ، وأيضاً لم يسمع الحكم
عن مقسم إلا خمسة أحاديث، كما في ترجمته من ((تهذيب التهذيب))، وليس
هذا منها، فهو ضعيف.
وعند أبي سعيد بن الأعرابي، عن أبي هريرة ﴿به، قال: ((كُفّن
رسول الله (َ﴿ في ريطتين، وبرد نجرانيّ)).
وعند ابن عساكر: ((كفّن رسول الله وَ ﴿ في ثلاثة أثواب، ليس فيها
قميص، ولا قباء، ولا عمامة)).
وروى ابن أبي شيبة، وأحمد، والبزّار عن علي ◌َظُه: ((أن النبيّ وَلُّ كفّن
في سبعة أثواب)).
قال الحافظ تَخْذَلُ: وهو من رواية عبد الله بن محمد بن عَقِيل، عن ابن
الحنفية، عن عليّ، وابنُ عَقِيل سيّئ الحفظ، يصلح حديثه للمتابعات، فأما إذا