النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١ (٩) - بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ الْمَيْتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ - حديث رقم (٢١٥٠) والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (ابْنَةٌ لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّنَ بِمَثَّةَ) هي أم أبان المذكورة في الرواية السابقة. وقوله: (وَإِنِّي لَجَالِسٌ بَيْنَهُمَا) أي: بين ابن عمر وابن عبّاس . والجملة حاليّة، والعامل ((حَضَرَ))، قاله الطيبيّ نَُّ. وقوله: (وَهُوَ مُوَاجِهُهُ) أي: إن ابن عمر مقابل لعمرو بن عثمان. وقوله: (قَدْ كَانَ عُمَرُ يَقُولُ بَعْضَ ذَلِكَ) أي: العموم، وهو أن يكون بصوت، أو ندبة، أو يروي بعض ذلك الكلام؛ لأن في روايته: ((ببعض بكاء أهله))، كما سيأتي قريباً. وقوله: (ثُمَّ حَدَّثَ) أي: روى ابن عبّاسٍ ما سمعه من عمر طًُّا. وقوله: (فَقَّالَ: صَدَرْتُ مَعَ عُمَرَ مِنْ مَكَّةَ) أي: رجعت معه لَمّا رجع من حجته الأخيرة. وقوله: (إِذَا هُوَ) وفي نسخة: ((فإذا هو))، و((إذا)) هنا هي الفجائيّة. وقوله: (پِرَكْبٍ) أي: بجماعة راكبين. وقوله: (تَحْتَ ظِلِّ شَجَرَةٍ) وفي بعض النسخ: ((تحت سَمُرة)). وقوله: (فَالْحَقْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ) زاد في رواية ابن حبّان: ((فصَحِبه حتى دخل المدينة)). وقوله: (أَتَبْكِي عَلَيَّ) استفهام إنكاريّ، وفي رواية النسائيّ: ((فقال عمر: یا ھھیب لا تبك)). وقوله: (فَقَالَتْ: يَرْحَمُ اللهُ عُمَرَ) قال الطيبيّ تَخْلَتُهُ: هذا من الآداب الحسنة على منوال قوله تعالى: ﴿عَفَا اَللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ٤٣]، فاستغربت من عمر ذلك القول، فجعلت قولها: ((يرحم الله عمر)) تمهيداً ودفعاً لما يوحش من نسبته إلى الخطأ. انتهى(١). وقوله: (وَقَالَتْ عَائِشَةُ: حَسْبُكُمُ الْقُرْآنُ) بسكون السين المهملة؛ أي: كافيكم أيها المؤمنون القرآن؛ أي: في تأييد ما ذهبت إليه من ردّ الخبر حسبما (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٤٢٥/٤. ٢٤٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز رأته، وظنّته، وإلا فلا تعارض بين الخبر، والآية، كما أسلفنا توجيهه، فتفطّن، والله تعالى وليّ التوفيق. وقوله: (﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾) الجملة بدل كلّ، أو بعض من ((القرآنُ))، أو خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو إلخ. وقوله: (قَالَ: وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ عِنْدَ ذَلِكَ) قائل: ((قال)) الأول هو ابن أبي مليكة، والمعنى: قال ابن عبّاس ﴿ّ عند انتهاء حديثه عن عائشة ﴿ّا مؤيِّداً ومصدّقاً لقولها . وقوله: (وَاللهُ: ﴿أَضْحَكَ وَأَتَكَئ﴾) بالرفع مع الواو، وهو حاصل معنى الآية ٤٣ في ((سورة النجم)): ﴿وَأَنَُّ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبَّكَى وقوله: (مَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ مِنْ شَيْءٍ) وفي رواية البخاريّ: ((ما قال ابن عمر شيئاً))، قال الطيبيّ وغيره: ظهرت لابن عمر ﴿ه الحجة، فسكت مُذِناً. وقال الزين ابن المنيّر: سكوته لا يدلّ على الإذعان، فلعله كَرِهَ المجادلة في ذلك المقام. وقال القرطبيّ: ليس سكوته لشكّ طرأ له بعدما صرّح برفع الحديث، ولكن احتَمَلَ عنده أن يكون الحديث قابلاً للتأويل، ولم يتعيّن له مَحْمِلٌ يَحْمله عليه إذ ذاك، أو كان المجلس لا يقبل المماراة، ولم تتعيّن الحاجة إلى ذلك حينئذ. ويَحْتَمِل أن يكون ابن عمر فَهِمَ من استشهاد ابن عباس بالآية قبول روايته؛ لأنها يمكن أن يُتمسَّك بها في أن الله أن يعذّب بلا ذنب، فيكون بكاء الحيّ علامة لذلك، أشار إلى ذلك الكرماني. انتهى(١). والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. (١) ((الفتح)) ٤١/٤. ٢٤٣ (٩) - بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ الْمَيْتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ - حديث رقم (٢١٥١) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخَُّ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢١٥١] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ عَمْرٌو، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ: كُنَّا فِي جَنَازَةٍ أُمّ أَبَانَ بِنْتٍ عُثْمَانَ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَلَمْ يَنُصَّ رَفْعَ الْحَدِيثِ عَنْ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ كَمَا نَصَّهُ أَيُّوبُ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، وَحَدِيثُهُمَا أَتُّ مِنْ حَدِيثٍ عَمْرٍو). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ) بن الْحَكَم الْعَبديّ، أبو محمد النيسابوريّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت٢٦٠) أو بعدها (خ م د ق) تقدم في ((المقدمة)) ٩٩/٦. ٢ - (سُفْيَانٌ) بن عيينة، تقدّم قبل بابين. ٣ - (عَمْرُو) بن دينار الأثرم الْجُمحيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت١٢٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٨٤/٢١. وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ ... إلخ) فاعل ((ساق)) ضمير عمرو بن دينار. وقوله: (وَلَمْ يَنُصنَّ رَفْعَ الْحَدِيثِ عَنْ عُمَرَ ... إلخ) أي: بل قال: ((مَهْ يا صھیبُ، إن الميت يعذب ببكاء الحيّ عليه))، كما يأتي في التنبيه من رواية الحميديّ، فتنبّه. [تنبيه]: رواية عمرو بن دينار عن ابن أبي مليكة هذه ساقها الحميديّ ◌َُّهُ في ((مسنده)) (١٠٧/١) فقال: (٢٢٠) حدّثنا الحميديّ (١) قال: ثنا سفيان، قال: ثنا عمرو بن دينار، أنه سمع ابن أبي مليكة يقول: حَضَرت جنازة أمّ أبان بنت عثمان، وفي الجنازة عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، فجلست بينهما، فبكى النساء، فقال ابن عمر: إن بكاء الحي للميت عذاب للميت، قال: فقال ابن عباس: صَدَرْنا مع عمر أمير المؤمنين، حتى إذا كنا بالبيداء، إذا هو بركبٍ نُزُول تحت شجرة، فقال: اذهب يا عبد الله فانظر مَنِ الركب؟ فالحقني، قال: فذهبت، ثم جئت، (١) القائل: ((حدّثنا الحميديّ)) تلميذه. ٢٤٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز فقلت: هذا صهيب مولى ابن جُدْعان، فقال: مُرْهُ فليلحقني، فلما قدما المدينة لم يلبث عمر أَنْ طُعِن، فجاء صهيب، وهو يقول: وا أخياه، وا صاحباه، فقال عمر: مَهْ يا صهيبُ، إن الميت يعذب ببكاء الحيّ عليه، قال ابن عباس: فأتيت عائشة، فسألتها، فقالت: يرحم الله عمر، إنما قال رسول الله وَ له: ((إن الله ليزيد الكافر عذاباً ببعض بكاء أهله عليه))، وقد قَضَى الله ﴿وَلَ نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْدَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]. انتهى. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى القول فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢١٥٢] (٩٣٠) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنَّ سَالِماً حَدَّثَهُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلَهـ قَالَ: (إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ)). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ بَحْبَى) التجيبيّ، أبو حفص المصريّ، صدوقٌ [١١] (ت٣ أو ٢٤٤) (م س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣. ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) تقدّم قريباً . ٣ - (عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب المدنيّ، نزيل عَسْقلان، ثقةٌ [٦] مات قبل (١٥٠) (خ م د س) تقدم في ((الإيمان)) ٢٣٣/٣١. ٤ - (سَالِمُ) بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب القرشيّ الْعَدويّ، أبو عبد الله، أو أبو عمر المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه فاضل، من كبار [٣] (ت١٠٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤/ ١٦٢. والحديث متّفقٌ عليه، وتقدّم تخريجه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. ٢٤٥ (٩) - بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ الْمَيْتَ يُعَذِّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ - حديث رقم (٢١٥٣) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢١٥٣] (٩٣١) - (وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، وَأَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، جَمِيعاً عَنْ حَمَّادٍ، قَالَ خَلَفْ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ عَائِشَةَ قَوْلُ ابْنٍ عُمَرَ: (الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ بِبُكَّاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ))، فَقَالَتْ: رَحِمَ الله(١) أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، سَمِعَ شَيْئاً، فَلَمْ يَحْفَظْهُ(٢)، إِنَّمَا مَرَّتْ عَلَى رَسُولِ اللهِوَ﴿ِ جَنَازَةُ يَهُودٍِّ، وَهُمْ يَبْكُونَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: ((أَنْتُمْ تَبْكُونَ(٣)، وَإِنَّهُ لَيُعَذَّبُ)). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (خَلَفُ بْنُ هِشَام) البزّار المقرىء البغداديّ، ثقةٌ، له اختيارات في القراءات [١٠] (ت٢٢٩) (مَّ د) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٤/٦. ٢ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ) سليمان بن داود الْعَتَكيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت٢٣٤) (خ م د س) تقدم في ((الإيمان)) ١٩٠/٢٣. ٣ - (حَمَّادُ بْنُ زَبْدِ) تقدّم قبل بابین. ٤ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) بن الزبير الأسديّ المدنيّ، ثقةٌ فقيه، ربّما دلّس [٣] (ت٥ أو١٤٦) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص ٣٥٠. ٥ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن العوّام الأسديّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه مشهور [٣] (ت٩٤) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٠٧. وقوله: (فَقَالَتْ: رَحِمَ اللهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ) وفي بعض النسخ: ((يرحم الله أبا عبد الرحمن))، وهو كنية عبد الله بن عمر ظًا، وإنما قالت هذا تمهيداً، أو دفعاً لم يُوحَشُ من نسبته إلى النسيان والخطأ، كما قال الله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ٤٣]، فمن استغرب شيئاً من غيره ينبغي له أن يوطّىء، ويُمهّد له بالدعاء؛ إقامة لعذره فيما وقع منه، وأنه لم يتعمّده، ومن ثمّ (١) وفي نسخة: ((يرحم الله)). (٣) وفي نسخة: ((فقال: إنهم يبكون)). (٢) وفي نسخة: ((فلم يحفظ)). ٢٤٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز زادت على ذلك بياناً واعتذاراً بقولها - كما في الرواية الآتية -: ((أما إنه لم يكذب، ولكنه نسي، أو أخطأ)). وقوله: (فَلَمْ يَحْفَظْهُ) وفي نسخة: ((فلم يحفظ)» بحذف المفعول. وقوله: (أَنْتُمْ تَبَّكُونَ) وفي نسخة: ((إنهم يبكون علیه)). والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢١٥٤] (٩٣٢) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ عَائِشَةَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ يَرْفَعُ إِلَى النَّبِّ وَّهِ: ((إِنَّ الْمَيِّتَ يُّعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ»، فَقَالَتْ: وَهِلَ، إِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّهُ لَيُعَذَّبُ بِخَطِيئَتِهِ، أَوْ بِذَنْبِهِ، وَإِنَّ أَهْلَهُ لَيَبْكُونَ عَلَيْهِ الْآنَ))، وَذَاكَ مِثْلُ قَوْلِهِ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَّلِ قَامَ عَلَى الْقَلِيبِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَفِيهِ قَتْلَى بَدْرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ لَهُمْ مَا قَالَ: ((إِنَّهُمْ لَيَسْمَعُونَ مَا أَقُولُ))، وَقَدْ وَهِلَ، إِنَّمَا قَالَ: ((إِنَّهُمْ لَيَعْلَمُونَ(١) أَنَّ مَا كُنْتُ أَقُولُ لَهُمْ حَقٌّ))، ثُمَّ قَرَأَتْ: ﴿إِنَّكَ لَا تُتْمِعُ الْمَوْقَ﴾ [النمل: ٨٠]، ﴿وَمَآ أَنْتَ بِمُسْيِعِ مَّن فِى الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢]، يَقُولُ: حِينَ تَبَوَّءُوا مَقَاعِدَهُمْ مِنَ النَّارِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء تقدّم قريباً. ٢ - (أَبُو أُسَامَةً) حماد بن أسامة تقدّم قريباً أيضاً. والباقون ذُكروا قبله. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ◌َّلهُ. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة. (١) وفي نسخة: ((إنهم ليعلمون الآن)). ٢٤٧ (٩) - بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ الْمَيْتَ يُعَذِّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ - حديث رقم (٢١٥٤) ٣ - (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة. ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه، وشيخ شیخه، فكوفیّان. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والابن عن أبيه، عن خالته. شرح الحديث: (عَنْ هِشَامٍ) بن عروة (عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزبير، أنه (قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ عَائِشَةَ) بالبناء للمفعول، وعند الإسماعيلي أن عائشة بَلَغَها، قال الحافظ تَظَُّ: ولم أقف على اسم المبلِّغ، ولكن عنده من رواية أخرى ما يُشْعِر بأن عروة هو الذي بلغها ذلك. انتهى (١). (عِنْدَ عَائِشَةَ) ◌ِّنَا (أَنَّ ابْنَ عُمَرَ) ◌َا (يَرْفَعُ إِلَى النَّبِّ وََّ) وقوله: ((إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ)) مفعول ((يرفع)) محكيّ؛ لقصد لفظه (فَقَالَتْ) عائشة ◌َ﴿ُّ: (وَهِلَ) قيل: بفتح الهاء، والمشهور الكسر؛ أي: غَلِطَ وَزْناً ومعنّى، وبالفتح معناه فَزِعَ، ونَسِيَ، وجَبُنَ، وقَلِقَ، وقال الفارابيّ، والأزهريّ، وابن القطاع، وابن فارس، والقابسيّ، وغيرهم: وَهَلْتُ إليه بفتح الهاء أَهِلُ بالكسر وَهْلاً بالسكون: إذا ذهب وَهْمُك إليه، زاد القالي، والجوهريّ: وأنت تريد غيره(٢). (إِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيهِ: ((إِنَّهُ) أي: الميت (لَيُعَذَّبُ بِخَطِيقَتِهِ، أَوْ) للشكّ من الراوي (بِذَنْبِهِ، وَإِنَّ أَهْلَهُ لَيَبْكُونَ عَلَيْهِ الْآنَ))) أي: حين يُعذّب بخطيئته، وهذا من عائشة ويّا على حسب ما فهمته، وإلا فما حدّث به ابن عمر ◌ًا عن النبيّ وَ ﴿ ثابت، وليس بخطأ، فقد ثبت عن جماعة من الصحابة ، كما أسلفنا بيانه، ويأتي أيضاً، فتنبّه. نظير ما أخطأ به هنا، ثم أتت يها بخطأ آخر أخطأ به ابن عمر نظامه فقالت: (وَذَاكَ) أي: الخطأ المذكور لابن عمر ظَّا (مِثْلُ قَوْلِهِ) أي: خطأ (إِنَّ (١) ((الفتح)) ٤٣/٩ (كتاب المغازي)) رقم (٣٩٨٧). (٢) راجع: ((الفتح)) ٤٣/٩. ٢٤٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز رَسُولَ اللهِ ﴿ِ قَامَ عَلَى الْقَلِيبِ) بفتح القاف، وكسر اللام: البئر، وهو مذكّرٌ، قال الأزهريّ: القَلِيب عند العرب: البئر العاديّة القديمة مطويّةً كانت، أو غير مطويّة، والجمع قُلُبٌ، مثلُ بَرِيدٍ وبُرُدٍ (١). (يَوْمَ بَدْرٍ) أي: في غزوة بدر الكبرى، وهو موضع بين مكة والمدينة، وهو إلى المدينة أقرب، ويقال: هو منها على ثمانية وعشرين فرسخاً، على منتصف الطريق تقريباً، وعن الشعبيّ أنه اسم بئر هناك، قال: وسُمِّيت بدراً؛ لأن الماء كان لرجل من جهينة اسمه بدر، وقال الواقديّ: كان شيوخ غفار يقولون: بدرٌ ماؤنا ومنزلنا، وما ملكه أحدٌ قبلنا، وهو من ديار غفار. انتهى (٢). وكانت غزوة بدر يوم الجمعة في سابع عشر رمضان من السنة الثانية من الهجرة، وقيل: كانت يوم الاثنين، والأول أصحّ. (وَفِيهِ) أي: في ذلك القَلِيب (قَتْلَى بَدْرٍ) جمع قيل (مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ لَهُمْ مَا قَالَ) أي: الكلام الذي كلّمهم به النبيّ ◌َِّ، وذلك قوله: ((يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان، أيسرُّكم أنكم أطعتم الله ورسوله، فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقّاً، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقّاً إلخ)). أخرج الشيخان عن أنس بن مالك وظيفته، أن رسول الله ترك قتلى بدر ثلاثاً، ثم أتاهم، فقام عليهم، فناداهم، فقال: ((يا أبا جهل بن هشام، يا أمية بن خلف، يا عتبة بن ربيعة، يا شيبة بن ربيعة، أليس قد وجدتم ما وعد ربكم حقّاً؟ فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقّاً)، فسمع عمر قول النبيّ ◌َّ، فقال: يا رسول الله، كيف يسمعوا؟، وأنى يُجيبوا؟، وقد جَيَّفوا، قال: ((والذي نفسي بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يقدرون أن يجيبوا))، ثم أمر بهم، فسُحِبوا فألقوا في قلیب بدر. ((إِنَّهُمْ لَيَسْمَعُونَ مَا أَقُولُ))، وَقَدْ وَهِلَ) أي: أخطأ ابن عمر في هذا، فإنه وَّ لم يقل: ((إنهم ليسمعون ما أقول))، و(إِنَّمَا قَالَ: ((إِنَّهُمْ لَيَعْلَمُونَ) وفي نسخة: ((ليعلمون الآن)) (أَنَّ مَا كُنْتُ أَقُولُ لَهُمْ حَقٌّ))) تعني: أنه وَّ إنما أخبر بعلمهم بحقيّة ما كان يدعوهم إليه، لا بسماعهم قوله في ذلك الوقت، وهذا (١) ((المصباح المنير)) ٥١٢/٢. (٢) ((المصباح)) ٣٨/١. ٢٤٩ (٩) - بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ الْمَيْتَ يُعَذِّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ - حديث رقم (٢١٥٤) أيضاً فيه نظرٌ؛ لأن علمهم لا ينافي سمعهم (ثُمَّ قَرَأَتْ) مؤيّدة لما نفته من إخباره وَّ بسماعهم قوله تعالى: ﴿﴿إِنَّكَ لَا تُتْمِعُ الْمَوْنَى﴾﴾ [النمل: ٨٠] فقد نفى الله رَك عنه وَّل إسماعه الموتى، فكيف يُخبر بسماعهم؟ وفيه أنه إنما نفى إسماعه بنفسه، لا بإسماع الله تعالى له، فهو كقوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَّيْنَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَىَّ﴾ الآية [الأنفال: ١٧]، وقرأت أيضاً قوله تعالى: (﴿وَمَآ أَنَتَ بِمُسْمِعٍ مَن فِىِ الْقُبُورِ﴾) [فاطر: ٢٢] ففيه أنه لا يستطيع أن يسمع المقبورين، وفيه أيضاً ما ذُكر قبله. وقال في ((الفتح)): وهذا مصير من عائشة ظهرها إلى ردّ رواية ابن عمر ظّها المذكورة، وقد خالفها الجمهور في ذلك، وقَبِلُوا حديث ابن عمر؛ لموافقة من رواه غيره عليه، وأما استدلالها بالآية، فقالوا: معناها: لا تُسمِعهم سماعاً ينفعهم، أو لا تُسمعهم إلا أن يشاء الله. وقال السهيليّ ◌َخْتُ: عائشة ◌ّا لم تحضر قول النبيّ وَّر، فغيرها ممن حضر أحفظ للفظ النبيّ و9َّ، وقد قالوا له: يا رسول الله أتخاطب قوماً قد جَيَّفُوا؟، فقال: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، قال: وإذا جاز أن يكونوا في تلك الحال عالمين جاز أن يكونوا سامعين، إما بآذان رؤوسهم، كما هو قول الجمهور، أو بآذان الروح على رأي من يوجّه السؤال إلى الروح، من غير رجوع إلى الجسد، قال: وأما الآية، فإنها كقوله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُتْمِعُ الصُّوَّ أَوْ تَهْدِى الْعُمْىَ﴾ [الزخرف: ٤٠]؛ أي: إن الله هو الذي يسمع، ويهدي. انتهى. قال الحافظ تَّلُهُ: وقوله: إنها لم تحضر صحيح، لكن لا يقدح ذلك في روايتها؛ لأنه مرسل صحابيّ، وهو محمول على أنها سمعت ذلك ممن حضره، أو من النبيّ ◌َ ﴿ بعدُ، ولو كان ذلك قادحاً في روايتها لقدح في رواية ابن عمر، فإنه لم يحضر أيضاً، ولا مانع أن يكون النبيّ وَّ قال اللفظين معاً، فإنه لا تعارض بينهما(١). وقوله: (يَقُولُ: حِينَ تَبَوَّءُوا مَقَاعِدَهُمْ مِنَ الثَّارِ) قال في ((الفتح)): القائل (يقول)) هو عروة، يريد أن يُبَيِّن مراد عائشة فيّا، فأشار إلى أن إطلاق النفي في قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تُتَمِعُ الْمَوْنَ﴾ مُقَيَّد باستقرارهم في النار، وعلى هذا فلا (١) راجع: ((الفتح)) ١٥٩/٤ - ١٦٠ ((كتاب الجنائز)) رقم (١٣٧٠). ٢٥٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز معارضة بين إنكار عائشة، وإثبات ابن عمر، لكن قولها: ((إنهم ليعلمون)) يدلّ على أنها كانت تنكر ذلك مطلقاً، وأن ابن عمر وَهِمَ في قوله: ((ليسمعون)). وقال ابن التين تَّلُهُ: لا معارضة بين حديث ابن عمر ظًا والآية؛ لأن الموتى لا يسمعون بلا شكّ، لكن إذا أرد الله إسماع ما ليس من شأنه السماع لم يمتنع، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ الآية [الأحزاب: ٧٢]، وقوله: ﴿فَقَالَ لَا وَلِلْأَرْضِ أَثْنِيَا طَوَعًا أَوْ كَرّهَاً﴾ الآية [فصلت: ١١]. وقال البيهقيّ كَّتُهُ: العلم لا يمنع من السماع، والجواب عن الآية أنه لا يُسْمِعهم وهم موتى، ولكن الله أحياهم حتى سمعوا، كما قال قتادة، ولم ينفرد عمر، ولا ابنه بحكاية ذلك، بل وافقهما أبو طلحة، كما تقدّم، وللطبرانيّ من حديث ابن مسعود مثله، بإسناد صحيح، ومن حديث عبد الله بن سِيدان نحوه، وفيه: ((قالوا: يا رسول الله، وهل يسمعون؟ قال: يسمعون كما تسمعون، ولكن لا يجيبون))، وفي حديث ابن مسعود: ((ولكنهم اليومَ لا يجيبون)). ومن الغريب أن في ((المغازي)) لابن إسحاق روايةٍ يونس بن بكير بإسناد جيِّد عن عائشة ﴿ّا مثل حديث أبي طلحة، وفيه: ((ما أنتم بأسمع لما أقول منهم))، وأخرجه أحمد بإسناد حسن، فإن كان محفوظاً، فكأنها رجعت عن الإنكار؛ لما ثبت عندها من رواية هؤلاء الصحابة؛ لكونها لم تشهد القصّة. قال الإسماعيليّ تَخّْثُ: كان عند عائشة ينا من الفهم، والذكاء، وكثرة الرواية، والغوص على غوامض العلم ما لا مزيد عليه، لكن لا سبيل إلى ردّ رواية الثقة إلا بنصّ مثله، يدلّ على نسخه، أو تخصيصه، أو استحالته، فكيف والجمع بين الذي أنكرته وأثبته غيرها ممكنٌ؛ لأن قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُتْمِعُ الْمَوْقَ﴾ لا ينافي قوله ◌َّه: ((إنهم الآن يسمعون))؛ لأن الإسماع هو إبلاغ الصوت من المسمع في أذن السامع، فالله تعالى هو الذي أسمعهم، بأن أبلغهم صوت نبيّه ◌َ﴾ بذلك. وأما جوابها بأنه إنما قال: ((إنهم ليعلمون))، فإن كانت سمعت ذلك، فلا ينافي رواية ((يسمعون))، بل يؤيِّدها . وقال السهيليّ تَّثُ ما مُحَصَّله: إن في نفس الخبر ما يدلّ على خرق العادة بذلك للنبيّ وَّ*؛ لقول الصحابة له: أتخاطب أقواماً قد جَيَّفوا؟ ٢٥١ (٩) - بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ الْمَيْتَ يُعَذِّبُ بِبُّكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ - حديث رقم (٢١٥٤) فأجابهم. قال: وإذا جاز أن يكونوا في تلك الحالة عالمين، جاز أن يكونوا سامعين، وذلك إما بآذان رؤوسهم، على قول الأكثر، أو بآذان قلوبهم. قال: وقد تمسك بهذا الحديث مَن يقول إن السؤال يتوجه على الروح والبدن . وردّه مَن قال إنما يتوجه على الروح فقط، بأن الإسماع يَحْتَمِل أن يكون لأذن الرأس، ولأذن القلب، فلم يبق فيه حجة. قال الحافظ تَخَّلهُ: إذا كان الذي وقع حينئذ من خوارق العادة للنبيّ وَيه حينئذ لم يحسن التمسك به في مسألة السؤال أصلاً. [تنبيه]: اختَلَفَ أهلُ التأويل في المراد بالموتى في قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُتْمِعُ الْمَوْقَ﴾، وكذلك المراد ب﴿مَّن فِ اُلْقُبُورِ﴾، فحملته عائشة ◌َؤُها على الحقيقة، وجعلته أصلاً احتاجت معه إلى تأويل قوله: ((ما أنتم بأسمع لما أقول منهم))، وهذا قول الأكثر، وقيل: هو مجاز، والمراد بالموتى، وبمن في القبور: الكفار، شُبِّهُوا بالموتى، وهم أحياء، والمعنى: مَن هم في حال الموتى، أو في حال من سَكّن القبر، وعلى هذا لا يبقى في الآية دليلٌ على ما نفته عائشة، والله ◌َلَ أعلم (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر ﴿ها هذا متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تخریجه، وبيان فوائده. (المسألة الثانية): دل هذا الحديث على أن الموتى يسمعون كلام الأحياء، وأنكرت ذلك عائشة ظّا، محتجّة بآية: ﴿إِنَّكَ لَا تُتْمِعُ اَلْمَوْنَ﴾، وقد عرفت جواب أهل العلم عن هذه الآية، فالحقّ أنهم يسمعون كلامهم سماعاً حقيقيّاً . وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيميّة تَّثُ هل يسمع الميت كلام زائره؟. (١) ((الفتح)) ٤٣/٩ - ٤٤ ((كتاب المغازي)) رقم (٣٩٧٨). ٢٥٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز فأجاب قائلاً: نعم يسمع الميت في الجملة، كما ثبت في ((الصحيحين)) عن النبيّ وَّ﴿ أنه قال: ((يسمع خفق نعالهم حين يولون عنه)). وثبت عن النبيّ وَ ﴿ أنه ترك قتلى بدر ثلاثاً، ثم أتاهم، فقال: يا أبا جهل بن هشام .... الحديث، وفيه: ((والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يقدرون أن یجیبوا)). قال: وقد ثبت في ((الصحيحين)) من غير وجه أنه وس لو كان يأمر بالسلام على أهل القبور، ويقول: ((قولوا: السلام عليكم أهل الديار ... )) الحديث. قال: فهذا خطاب لهم، وإنما يُخاطب من يسمع. ورَوَى ابن عبد البرّ عن النبيّ وَله أنه قال: ((ما من رجل يمرّ بقبر رجل كان يعرفه في الدنيا، فيسلم عليه إلا ردّ الله عليه روحه حتى يردّ عليه السلام)). قال: وفي ((السنن)) أنه وَ ﴿ل قال: ((أكثروا من الصلاة عليّ يوم الجمعة، وليلة الجمعة، فإن صلاتكم معروضة عليّ ... )) الحديث. قال: فهذه النصوص، وأمثالها تبيّن أن الميت يسمع في الجملة كلام الحيّ، ولا یجب أن یکون السمع له دائماً، بل قد یسمع في حال دون حال، كما قد يَعرِض للحيّ، فإنه قد يسمع أحياناً خطاب من يخاطبه، وقد لا يسمع؛ لعارض يَعرِض له، وهذا السمع سمع إدراك، ليس يترتّب عليه جزاء، ولا هو السمع المنفيّ بقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُتْمِعُ الْمَوْقَ﴾، فإن المراد بذلك سمع القبول والامتثال، فإن الله جعل الكافر كالميت الذي لا يستجيب لمن دعاه، وكالبهائم التي تسمع الصوت، ولا تفقه المعنى، فالميت، وإن سمع الكلام، وفقه المعنى، فإنه لا يمكنه إجابة الداعي، ولا امتثال ما أُمِر به، ونُهي عنه، فلا ينتفع بالأمر والنهي، وكذلك الكافر لا ينتفع بالأمر والنهي، وإن سمع الخطاب، وفهم المعنى، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمّ﴾ الآية [الأنفال: ٢٣]. انتهى كلام شيخ الإسلام كَّثُ باختصار(١)، وهو كلام نفيسٌ جدّاً. (١) راجع: ((مجموع الفتاوى)) ٣٦٢/٢٤ - ٣٦٥. ٢٥٣ (٩) - بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ الْمَيْتَ يُعَذِّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ - حديث رقم (٢١٥٤) وسُئل أيضاً عن الأحياء إذا زاروا الأموات، هل يعلمون بزيارتهم؟ وهل يعلمون بالميت إذا مات من قرابتهم، أو غيره؟. فأجاب: الحمد لله، نعم قد جاءت الآثار بتلاقيهم، وتساؤلهم، وعرض أعمال الأحياء على الأموات، كما روى ابن المبارك عن أبي أيوب الأنصاريّ، قال: ((إذا قُبضت نفس المؤمن تلقاها أهل الرحمة من عباد الله، كما يتلقون البشير في الدنيا، فيقبلون عليه، ويسألونه، فيقول بعضهم لبعض: أَنِظِروا أخاكم يستريح، فإنه كان في كرب شديد، قال: فيقبلون عليه، ويسألونه ما فعل فلان، وما فعلت فلانة، هل تزوّجت ... )) الحديث(١). وأما علم الميت بالحيّ إذا زاره، وسلم عليه، ففي حديث ابن عباس ها، قال: قال رسول الله وَله: ((ما من أحد يمرّ بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا، فيسلم عليه، إلا عرفه، وردّ عليه السلام))، قال ابن المبارك: ثبت ذلك عن النبيّ وَّة، وصححه عبد الحقّ صاحب ((الأحكام)). (١) أخرجه ابن المبارك كثّفُ في ((الزهد)) ١٤٩/١ : أخبركم أبو عمر بن حيويه، وأبو بكر الوراق، قالا: أخبرنا يحيى، قال: حدّثنا الحسين، قال: أخبرنا ابن المبارك، فقال: أخبرنا ثور بن يزيد، عن أبي رُهْم السَّمَعيّ، عن أبي أيوب الأنصاريّ قال: ((إذا قبضت نفس العبد، تلقاه أهل الرحمة من عباد الله، كما يلقون البشير في الدنيا، فيقبلون عليه ليسألوه، فيقول بعضهم لبعض: أَنْظِروا أخاكم حتى يستريح، فإنه كان في کرب، فيقبلون عليه، فيسألونه، ما فعل فلان؟ ما فعلت فلانة؟ هل تزوجت؟ فإذا سألوا عن الرجل قد مات قبله، قال لهم: إنه قد هلك، فيقولون: إنا لله وإنا إليه راجعون، ذُهِب به إلى أمه الهاوية، فبئست الأم، وبئست المربية، قال: فيُعْرَضُ عليهم أعمالهم، فإذا رأوا حسناً فرحوا واستبشروا، وقالوا: هذه نعمتك على عبدك فأتمها، وإن رأوا سوءاً قالوا: اللهم راجع بعبدك)). قال ابن صاعد: رواه سلام الطويل، عن ثور، فرفعه، أخرجه ابن أبي الدنيا وغيره مرفوعاً . انتهى. وهذا الإسناد صحيح، وثور بن زيد من ثقات الشاميّين، وأبو رُهم السَّمَعيّ - بفتحتين - اسمه أحزاب بن أسيد - بالفتح - مختلف في صحبته، والصحيح أنه مخضرم ثقة، قاله في ((التقريب)) (ص٢٥). ٢٥٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز وأما ما أخبر الله به من حياة الشهيد، ورزقه، وما جاء في الحديث الصحيح، من دخول أرواحهم الجنّة، فذهب طوائف إلى أن ذلك مختصّ بهم دون الصدّيقين، وغيرهم، والصحيح الذي عليه الأئمة، وجماهير أهل السنة أن الحياة، والرزق، ودخول الأرواح الجنة ليس مختصّاً بالشهيد، كما دلّت على ذلك النصوص الثابتة، وخُصّ الشهيد بالذكر؛ لكون الظانّ يظنّ أنه يموت، فينكل عن الجهاد، فأخبر بذلك ليزول المانع من الإقدام على الجهاد والشهادة، كما نُهي عن قتل الأولاد خشية الإملاق؛ لأنه هو الواقع، وإن كان قتلهم لا يجوز مع عدم خشية الإملاق. انتهى كلام شيخ الإسلام ابن تيميّة ◌َّهُ(١)، وهو بحثٌ نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢١٥٥] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، بِمَعْنَى حَدِيثٍ أَبِي أُسَامَةَ، وَحَدِيثُ أَبِي أُسَامَةَ أُثُمُّ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ عابدٌ، من كبار [٩] (ت٦ أو ١٩٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/١. والباقيان ذُكرا في الباب. [تنبيه]: رواية وكيع عن هشام بن عروة هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّفُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢١٥٦] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسِ، فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنٍ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ، أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ، وَذُكِرَ لَهَا أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: إِنَّ الْمَبِّتَ (١) راجع: ((مجموع الفتاوى)) ٣٣٠/٢٤ - ٣٣٢. ٢٥٥ (١٠) - بَابُ تَحْرِيمِ النِّيَاحَةِ - حديث رقم (٢١٥٧) لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَغْفِرُ اللهُ لِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَمَا إِنَّهُ لَمْ يَكْذِبْ، وَلَكِنَّهُ نَسِيَ، أَوْ أَخْطَأَ، إِنَّمَا مَرَّ رَسُولُ اللهِ نَِّ عَلَى يَهُودِيَّةٍ يُبْكَى عَلَيْهَا، فَقَالَ: ((إِنَّهُمْ لَيَبْكُونَ عَلَيْهَا، وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ فِي قَبْرِهَا»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قريباً. ٢ - (مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) إمام دار الهجرة، تقدّم قريباً أيضاً. ٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ) بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاريّ المدنيّ القاضي، ثقةٌ [٥] (ت١٣٥) وهو ابن (٧٠) سنةً (ع) تقدم في ((الصلاة)) ١٧/ ٩١٦. ٤ - (عَمْرَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الأنصاريّة المدنيّة، ثقةٌ [٣] ماتت قبل المائة، أو بعدها (ع) تقدمت في ((شرح المقدمة)) جـ٢ ص٤١٧. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُثِيْبُ﴾ . (١٠) - (بَابُ تَحْرِيمِ النِّيَاحَةِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢١٥٧] (٩٣٣) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدٍ الطَّائِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ، قَالَ: أَوَّلُ مَنْ نِحَ عَلَيْهِ بِالْكُوفَةِ قَرَظَةُ بْنُ كَعْبٍ، فَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ إِليه يَقُولُ: ((مَنْ نِحَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يُعَذَّبُ بِمَا نِحَ عَلَيْهِ بَوْمَ الْقِيَامَةِ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ الطَّائِيُّ) أبو الْهُذيل الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (خ م د ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢. [تنبيه]: قال الحافظ أبو علي الغسانيّ الجيّانيّ ◌َّثهُ: وقع في إسناد هذا ٢٥٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز الحديث في نسخة ابن الحذّاء ((سعد بن عُبيد)) بسكون العين، وحذف الياء، والصواب ((سعيد)) بكسر العين، وزيادة ياء، و(سعيد بن عبيد)) هذا هو أخو عقبة بن عبيد، يُكنى أبا الْهُذَيْل، ويُكنى عُقبة أبا الرّحّال براء مهملة، وحاء مهملة مشددة. انتهى(١). ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ قَيْسٍ) الأسديّ الْوَالبيّ الكوفيّ، ثقة، من كبار [٧] (بخ م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٦/٢. ٣ - (عَلِيُّ بْنُ رَبِيعَةَ) بن نَضْلة الأسديّ الوالبيّ، أبو المغيرة الكوفيّ، ثقة، من كبار [٣] (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢. ٤ - (الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةً) بن مسعود الثقفيّ الصحابيّ المشهور، مات (٥٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/١. والباقيان ذُکرا قبل حديث. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف تَّتُهُ، وهو (١٣٧) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وسعيد بن عبيد، فما أخرج له ابن ماجه، ومحمد بن قيس، فانفرد به المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين من أوله إلى آخره، فالصحابيّ قد ولي إمرة البصرة، ثم الكوفة. شرح الحديث: (عَنْ عَلِيٍّ بْنِ رَبِيعَةَ) الأسديّ الوالبيّ أنه (قَالَ: أَوَّلُ مَنْ نِيحَ عَلَيْهِ بِالْكُوفَةِ قَرَظَةُ بْنُ كَعْبٍ) وفي رواية الترمذيّ: مات رجل من الأنصار، يقال له: قَرَظَةُ بن كعب، فَنِيح عليه، فجاء المغيرة، فصَعِد المنبر، فحَمِدَ اللهَ، وأثنى عليه، وقال: ما بال النَّوْح في الإسلام؟. انتهى. (١) ((تقييد المهمل)) ٨٢٧/٣. ٢٥٧ (١٠) - بَابُ تَحْرِيمِ النِّيَاحَةِ - حديث رقم (٢١٥٧) وقَرَظة - بفتحتين، وظاء مشالة - بن كعب بن ثعلبة بن عمرو بن كعب بن الإطنابة الأنصاريّ الخزرجيّ، ويقال: قرظة بن عمرو بن كعب بن عمرو بن عائذ بن زيد مناة بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج، هكذا نسبه ابن الكلبيّ وغيره، قال البخاريّ: له صحبةٌ، وقال البغويّ: سكن الكوفة، وقال ابن سعد: أمه خُليدة بنت ثابت بن سنان، وهو أخو عبد الله بن أُنيس لأمه، وشَهِدَ قَرَظَة أُحُداً وما بعدها، وكان ممن وَجَّهه عمر ته إلى الكوفة يفقّه الناس، وقال ابن السكن: يُكنى أبا عمرو، وقال ابن أبي حاتم: يقال: له صحبة، سكن الكوفة، وابتنى بها داراً، وكنيته أبو عمر، ومات في خلافة عليّ، فصلى عليه(١). رَوَى عنه عامر بن سعد، والشعبيّ، وسعد بن إبراهيم، وروايته عنه مرسلة. وقال ابن حبان: له صحبةٌ، سكن الكوفة، وحديثه عند الشعبيّ، وذكر في وفاته ما تقدم. قال الحافظ تَخْذَلُهُ: وفيه نظر؛ لما ثبت في ((الصحيحين)) من طريق عليّ بن ربيعة قال: أوّلُ مَن نيح عليه بالكوفة قرظة بن كعب، فقال المغيرة بن شعبة: سمعت رسول الله ◌َي* يقول: ((من نيح عليه، فإنه يعذب بما نيح عليه يوم القيامة))، وهذا يقتضي أن يكون قرظة مات في خلافة معاوية حين كان المغيرة على الكوفة؛ لأن المغيرة كان في مدة الاختلاف بين علي ومعاوية مقيماً بالطائف، فقَدِمَ بعد موت عليّ، فولاه معاوية الكوفة بعد أن أسلم له الحسنُ الخلافةَ، وبذلك جزم ابن سعد، وقال: مات بالكوفة، والمغيرة والٍ عليها، (١) هذا قول ضعيف، كما سيأتي، وقال في ((الفتح)) ٤/ ٤٤ - ٤٥: وقرظةُ أنصاريّ خزرجيّ، كان أحد مَن وجّهه عمر إلى الكوفة ليفقّه الناس، وكان على يده فتح الريّ، واستخلفه عليّ على الكوفة، وجزم ابن سعد وغيره بأنه مات في خلافته، وهو قول مرجوحٌ؛ لما ثبت في ((صحيح مسلم)) أن وفاته حيث كان المغيرة بن شعبة أميراً على الكوفة، وكانت إمارة المغيرة على الكوفة من قبل معاوية، من سنة إحدى وأربعين إلى أن مات، وهو عليها سنة خمسين. انتهى. ٢٥٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز وكذا قال ابن السكن، وزاد: وهو الذي قتل ابن النّاحة صاحب مُسيلمة في ولاية ابن مسعود بالكوفة، وفَتَحَ الرّيّ سنة ثلاث وعشرين، وأسند ما تقدم في خلافة عليّ، عن علي ابن المدينيّ، ووقع التصريح بأن المغيرة كان يومئذ أمير الكوفة في رواية لمسلم، وفي رواية الترمذيّ: ((فجاء المغيرة، فصعد المنبر، فحَمِدَ الله، وأثنى عليه، وقال: ما بال النَّوْح في الإسلام))، ثم ذكر الحديث، وفي ((كتاب العلم)) من ((صحيح البخاريّ)) ما يدلّ على أن المغيرة مات، وهو (١) أمير الكوفة في خلافة معاوية . (فَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ) رَؤُهُ (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهَ يَقُولُ: ((مَنْ نِيحَ عَلَيْهِ) يقال: ناحت المرأة زوجها، وعليه تنوح نَوْحاً، ونُوَاحاً بالضمّ، ونياحاً ونياحةً ومَنَاحَّ: إذا بكت عليه بجزَع وعَوِيل(٢). (فَإِنَّهُ يُعَذَّبُ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ) أي: بسبب النياحة، فـ((ما)) يَحْتَمِل أن تكون مصدريّةً، وأن تكون موصولة (يَوْمَ الْقِيَامَةِ)) ظرف لـ«يُعذَّب)). قال ابن العربيّ تَّثُهُ: النَّوْح ما كانت الجاهليّة تفعله، كان النساء يقفن متقابلات يَصِحْن، ويَحْثين التراب على رؤوسهنّ، ويَضربن وجوههنّ، وفي ذلك جاء الحديث: ((ليس منّا من حَلَقَ، أو سَلَقَ ... )) الحديث. وقال الأبيّ تَّقُ: هذا الحديث نصّ فيما أنكرت عائشة ﴿يّا من التعذيب على البكاء؛ لأن النياحة من البكاء بصوت، وحملُهُ على أن الميت أوصى بالنياحة عليه بعيد. انتهى(٣). قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((نصّ)) محلّ تأمّل، وقوله أيضاً: ((وحملُهُ على أن الميت أوصى بالنياحة عليه بعيد)) فيه نظرٌ لا يخفى، بل هو من جملة الاحتمالات القريبة التي قيلت في توجيه الحديث، كما أسلفت تمام البحث في ذلك، فتبصّر. [تنبيه]: وقع في هذا الحديث عند البخاريّ: (( من طريق أبي نعيم، عن (١) ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ٤٣١/٥ - ٤٣٢. (٢) راجع: ((القاموس)) ٢٥٤/١، و((المعجم الوسيط)) ٢/ ٩٦١. (٣) (شرح الأبيّ)) ٧٢/٣ - ٧٣. ٢٥٩ (١٠) - بَابُ تَحْرِيمِ النِّيَاحَةِ - حديث رقم (٢١٥٧) سعيد بن عبيد زيادة في أوله، ولفظه: سمعتُ النبيّ ◌ِ ل﴿ يقول: ((إن كذباً عليّ ليس ككذب على أحد، من كذَبَ عليّ متعمّداً، فليتبوأ مقعده بالنار))، سمعت النبيّ وَ له يقول: ((مَن يُنَحْ عليه يُعذّب بما نِيح عليه))، والشطر الأول قد تقدّم للمصنّف في ((المقدّمة)). قال في ((الفتح)): قوله: ((إن كذباً عليّ ليس ككذب على أحد))؛ أي: غيري، ومعناه: أن الكذب على الغير قد أُلِفَ، واسْتُسْهِل خطبه، وليس الكذب عليّ بالغاً مبلغ ذاك في السهولة، وإن كان دونه في السهولة، فهو أشدّ منه في الإثم، وبهذا التقرير يندفع اعتراض مَن أَوْرد أن الذي تدخل عليه الكاف أعلى، والله أعلم. وكذا لا يلزم من إثبات الوعيد المذكور على الكذب عليه أن يكون الكذب على غيره مباحاً، بل يستدَلّ على تحريم الكذب على غيره بدليل آخر، والفرق بينهما أن الكذب عليه تُؤُعّد فاعله بجعل النار له مسكناً، بخلاف الكذب على غيره. وقوله: (مَن يُنَحْ عليه يُعَذَّب) ضبطه الأكثر بضم أوله، وفتح النون، وجزم المهملة، على أن ((مَنْ)) شرطية، تجزم الشرط والجواب، ويجوز رفعه على تقدير: فإنه يعذبُ، ورُوي بكسر النون، وسكون التحتانية، وفتح المهملة، وفي رواية الكشميهنيّ: ((مَن يناحُ)) على أن ((من)) موصولة. وقد أخرجه الطبرانيّ عن عليّ بن عبد العزيز، عن أبي نعيم، بلفظ: ((إذا نيح على الميت، عُذِّب بالنياحة عليه))، وهو يؤيد الرواية الثانية. وقوله: (بما نِيح عليه)، كذا للجميع بكسر النون، ولبعضهم ((ما نِيح)) بغير موحَّدة، على أن (ما)) ظرفية. انتهى(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث المغيرة بن شعبة ظه هذا متّفقٌ عليه. (١) راجع: (الفتح)) ٤٥/٤. ٢٦٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢١٥٧/١٠ و٢١٥٨ و٢١٥٩] (٩٣٣)، و(البخاريّ) في ((الجنائز)) (١٢٩١)، و(الترمذيّ) في ((الجنائز)) (١٠٠٠)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٦٠/٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٤٥/٤ و ٢٥٢ و٢٥٥)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٢٠٨٣ و٢٠٨٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٧٢/٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢١٥٨] (.) - (وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قَيْسِ الْأَسَدِيُّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ الْأَسَدِيِّ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، عَنِ النَّبِّ وَِّ مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) تقدّم أيضاً في الباب الماضي. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: رواية عليّ بن مسهر، عن محمد بن قيس هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢١٥٩] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاهُ(١) ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ - يَعْنِي الْفَزَارِيَّ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ الطَّائِيُّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ مِثْلَهُ (٢)). (١) وفي نسخة: ((وحدّثنا)) بدون ضمير. (٢) وفي نسخة: ((بمثله)).