النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١ (٩) - بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ الْمَيْتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ - حديث رقم (٢١٤٦) فالجواب: أنه خَشِي أن يكون رفعه لصوته من باب ما نُهِي عنه، ولهذا قال في قصة خالد: ما لم يكن نَقْعٌ، أو لَقْلَقَةٌ. انتهى. والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق تمام شرحه، وبيان مسائله قريباً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. قوله: وقال عمر: ((دعهنّ يبكين على أبي سليمان ... إلخ)) هذا الأثر وصله = البخاريّ في ((التاريخ الأوسط)) من طريق الأعمش، عن شقيق، قال: لما مات خالد بن الوليد، اجتَمَع نسوة بني المغيرة؛ أي: ابن عبد الله بن عُمَرِ بن مخزوم، وهنّ بنات عم خالد بن الوليد بن المغيرة، يبكين عليه، فقيل لعمر: أَرْسِل إليهنّ، فانههنّ، فذكره، وأخرجه ابن سعد عن وكيع، وغير واحد، عن الأعمش. وقوله: ((ما لم يكن نقع، أو لقلقة)) بقافين الأولى ساكنةٌ، وقد فسره البخاريّ بأن النقع التراب؛ أي: وضعه على الرأس، واللقلقة الصوت؛ أي: المرتفع، وهذا قول الفراء، فأما تفسير اللقلقة فمتفق عليه، كما قال أبو عبيد في ((غريب الحديث))، وأما النقع فرَوَى سعيد بن منصور، عن هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: النقع الشّقّ؛ أي: شقُّ الجيوب، وكذا قال وكيع، فيما رواه ابن سعد عنه، وقال الكسائيّ: هو صنعة الطعام للمأتم، كأنه ظنه من النقيعة، وهي طعام المأتم، والمشهور أن النقيعة طعام القادم من السفر، وقد أنكره أبو عبيد عليه، وقال: الذي رأيت عليه أكثر أهل العلم أنه رفع الصوت، يعني: بالبكاء، وقال بعضهم: هو وضع التراب على الرأس؛ لأن النقع هو الغبار، وقيل: هو شق الجيوب، وهو قول شَمِر، وقيل: هو صوت لَظْم الخدود، حكاه الأزهريّ، وقال الإسماعيلي معترضاً على البخاريّ: النقع لعمري هو الغبار، ولكن ليس هذا موضعه، وإنما هو هنا الصوت العالي، واللقلقة ترديد صوت النواحة. انتهى. قال الحافظ: ولا مانع من حمله على المعنيين، بعد أن فسر المراد بكونه وضع التراب على الرأس؛ لأن ذلك من صنيع أهل المصائب، بل قال ابن الأثير: المرجح أنه وضع التراب على الرأس، وأما من فسره بالصوت، فيلزم موافقته للقلقة، فحمل اللفظين على معنيين أولى من حملهما على معنى واحد. وأجيب بأن بينهما مغايرة من وجه كما تقدم، فلا مانع من إرادة ذلك. [تنبيه]: كانت وفاة خالد بن الوليد له بالشام سنة إحدى وعشرين، قاله في ((الفتح)) ٤/ ٤٢ - ٤٤. ٢٢٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢١٤٧] (.) - (وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ صَفْوَانَ أَبُو يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: لَمَّا أُصِيبَ عُمَرُ، أَقْبَلَ صُهَيْبٌ مِنْ مَنْزِلِهِ، حَتَّى دَخَلَ عَلَى عُمَرَ، فَقَامَ بِحِيَالِهِ يَبْكِي، فَقَالَ عُمَرُ: عَلَامَ تَبْكِي؟ أَعَلَّيَّ تَبْكِي؟ قَالَ: إِي وَاللهِ لَعَلَيْكَ أَبْكِي، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: وَاللهِ لَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: ((مَنْ يُبْكَى عَلَيْهِ يُعَذَّبُ))، قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِمُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، فَقَالَ: كَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ: إِنَّمَا كَانَ أُولَئِكَ الْيَهُودَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (شُعَيْبُ بْنُ صَفْوَانَ أَبُو يَحْيَى) هو: شعيب بن صفوان بن الربيع بن الرُّكَين الثقفيّ الكوفيّ كاتب عبد الله بن شُبْرُمة القاضي، كان يكتب في الديوان ببغداد، لا بأس به(١) [٧]. رَوَى عن أبي إسحاق السَّبِيعيّ، وعبد الملك بن عُمير، وحمزة الزيّات، ويونس بن خباب، وعطاء بن السائب، وغيرهم. وروى عنه أبو إبراهيم التُّرْجمانيّ، وأبو داود الطيالسيّ، وعبد الرحمن بن مهديّ، وعلي بن حُجر، وغيرهم. قال أبو داود، عن أحمد: ما ظننت أن عبد الرحمن بن مهديّ رَوَى عنه، وقال صالح بن محمد: سألت أحمد عنه، فقلت: روى عنه ابن مهديّ، فقال: لا بأس به، وكان ها هنا من الأبناء، وهو صحيح الحديث، وقال إبراهيم بن الجنيد، عن ابن معين: ليس حديثه بشيء، قال: وأَيْشٍ كان عنده؟ كان عنده سَمَر، وقال يزيد بن الهيثم الْبَادَا: سمعت يحيى بن معين يقول: شعيب بن صفوان ليس بشيء، التُّرجمانيّ يروي عنه، وليس يبالي عمن رَوَى، وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه، ولا يُحتجّ به، وروى له أبو أحمد بن عديّ أحاديث، ثم (١) وقال في ((التقريب)): مقبول، وما قلته أولى، كما وصفه به الإمام أحمد، فتنبّه. ٢٢٣ (٩) - بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ الْمَيْتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ - حديث رقم (٢١٤٧) قال: ولشعيب غيرُ ما ذكرتُ، وليس بالكثير، وعامّة ما يرويه لا يتابعه عليه أحدٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: سكن بغداد، ومات بها في أيام هارون، وكان ربما يخطئ. أخرج له المصنّف، والترمذيّ، في ((الشمائل))، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٩٢٧)، وحديث (٢٩٣٤): ((إن الدجال يخرج، وإن معه ماءً ... )) الحديث. ٢ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ) بن سُويد اللَّخْميّ الْقَرَشيّ، أبو عمر الكوفيّ، ثقةٌ فقيه، تغيّر حفظه، وربما دلّس [٣] (ت١٣٦) وله (١٠٣) (ع) تقدم في «الإیمان)) ٢٩٦/٤٦. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (فَقَامَ بِحِيَالِهِ) بكسر الحاء المهملة، يقال: قُمت بحياله: أي قُبالته، وقال النوويّ: أي بحذائه، وعنده. وقوله: (عَلَامَ تَبْكِي؟) هي ((ما)) دخلت عليها ((على)) الجارّة، فحُذفت ألفها، كما قال في ((الخلاصة)): وَ((مَا)) فِ الاسْتِفْهَامِ إِنْ جُرَّتْ حُذِفْ أَلِفَا وَأَوْلِهَا الْهَا إِنْ تَقِفْ والاستفهام إنكاريّ، وتوبيخيّ. وقوله: (إِي وَاللهِ) ((إي)) بكسر الهمزة، وسكون الياء التحتانيّة: بمعنى (نَعَم))، ولا تقع إلا قبل القسم، كما قاله ابن هشام في ((مغنيه)(١). وقوله: ((مَنْ يُبْكَى عَلَيْهِ يُعَذَّبُ))) هكذا هو في الأصول ((يُبكَى)) بإثبات حرف العلّة، فتكون ((من)) موصولة بمعنى ((الذي))، ويجوز أن تكون شرطيّةً، وثبت حرف العلّة على قلّة، كما في قول الشاعر [من الطويل]: أَلَمْ يَأْتِيكَ وَالأَنْبَاءُ تَنْمِي بِمَا لَاقَتْ لَبُونُ بَنِي زِيَادِ وقوله: (فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِمُوسَى بْنِ طَلْحَةَ) القائل: ((فذكرت)) هو عبد الملك بن عمير(٢) . (١) راجع: ((مغني اللبيب)) ١٥٩/١. (٢) (شرح النوويّ)) ٦/ ٢٣٠. ٢٢٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز وقوله: (كَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ: إِنَّمَا كَانَ أُولَئِكَ الْيَهُودَ) قد تقدّم الجواب عن قول عائشة فيها هذا قريباً، وحديثها سيأتي قريباً، وسنعيد الجواب هناك أيضاً - إن شاء الله تعالى -. والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق تمام شرحه، وبيان مسائله قريباً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢١٤٨] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّقِدُ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَمَّا طُعِنَ، عَوَّلَتَّ عَلَيْهِ حَفْصَةُ، فَقَالَ(١): يَا حَفْصَةُ، أَمَا سَمِعْتِ رَسُولَ اللهِوَهِ يَقُولُ: ((الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ يُعَذَّبُ))؟، وَعَوَّلَ عَلَيْهِ صُهَيْبٌ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا صُهَيْبُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْمُعَوَّلَ عَلَيْهِ يُعَذَّبُ؟). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو عمرو بن محمد بن بُكير، تقدّم قريباً. ٢ - (عَقَّانُ بْنُ مُسْلِم) الصفّار الباهليّ، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [١٠] (ت٢٢٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤٤/٦. ٣ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) أبو سلمة البصريّ، ثقةٌ عابدٌ تغيّر حفظه بآخره، من كبار [٨] (ت١٦٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٠. ٤ - (ثَابِتُ) بن أسلم البُنانيّ، تقدّم في الباب الماضي. ٥ - (أَنَسُ) بن مالك ◌ُه، تقدّم في الباب الماضي أيضاً. وقوله: (عَوَّلَتْ عَلَيْهِ حَفْصَةُ) بتشديد الواو، من التعويل: يقال: عوّل عليه، وأعول عليه: إذا رفع صوته بالبكاء والصياح، والاسم الْعَوْلُ، والْعَوْلَةُ، والْعَوِيلُ، أفاده في (القاموس))(٢). وقال النوويّ تَّتُهُ: قال محقّقو أهل اللغة: يقال: عَوَّلَ عليه، وأعول (١) وفي نسخة: ((قال: يا حفصة)). (٢) راجع: ((القاموس المحيط)) ٢٢/٤. ٢٢٥ (٩) - بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ الْمَيْتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ - حديث رقم (٢١٤٩) لغتان، وهو البكاء بصوت، وقال بعضهم: لا يقال: إلا أعول، وهذا الحديث يدلّ علیه. انتھی(١). والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق تمام شرحه، وبيان مسائله قريباً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢١٤٩] (٩٢٨) - (حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ: كُنْتُ جَالِساً إِلَى جَنْبِ ابْنِ عُمَرَ، وَنَحْنُ نَنْتَظِرُ جَنَازَةَ أُمَّ أَبَانَ بِنْتِ عُثْمَانَ(٢)، وَعِنْدَهُ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، فَجَاءَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُودُهُ قَائِدٌ(٣)، فَأُرَاهُ أَخْبَرَهُ بِمَكَانِ ابْنِ عُمَرَ، فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ إِلَى جَنْبِي، فَكُنْتُ بَيْنَهُمَا، فَإِذَا صَوْتٌ مِنَ الدَّارِ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ، كَأَنَّهُ يَعْرِضُ عَلَى عَمْرٍو أَنْ يَقُومَ فَنْهَاهُمْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: ((إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُّكَاءِ أَهْلِهِ)(٤)، قَالَ: فَأَرْسَلَهَا عَبْدُ اللهِ مُرْسَلَةً، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كُنَّا مَعَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ، إِذَا هُوَ بِرَجُلِ نَازِلٍ فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ، فَقَالَ لِي: اذْهَبْ، فَاعْلَمْ لِي مَنْ ذَكَ الرَّجُلُ؟ فَذَهَبْتُ، فَإِذَا هُوَ صُهَيْبٌ، فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: إِنَّكَ أَمَرْتَنِي أَنْ أَعْلَمَ لَكَ مَنْ ذَكَ؟(٥)، وَإِنَّهُ صُهَيْبٌ، قَالَ: مُرْهُ، فَلْيَلْحَقْ بِنَا، فَقُلْتُ: إِنَّ مَعَهُ أَهْلَهُ، قَالَ: وَإِنْ كَانَ مَعَهُ أَهْلُهُ، وَرُبَّمَا قَالَ أَيُّوبُ: مُرْهُ، فَلْيَلْحَقْ بِنَا، فَلَمَّا قَدِمْنَا (٦)، لَمْ يَلْبَتْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ أُصِيبَ، فَجَاءَ صُهَيْبٌ يَقُولُ: وَا أَخَاهْ، وَا صَاحِبَاهْ، فَقَالَ عُمَرُ: أَلَمْ تَعْلَمْ؟، أَوْ لَمْ تَسْمَعْ؟، قَالَ أَيُّوبُ: أَوْ قَالَ: أَوَ لَمْ تَعْلَمْ؟، أَوَ لَمْ تَسْمَعْ؟ أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ قَالَ: ((إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ)(٧)، قَالَ: فَأَمَّا عَبْدُ اللهِ فَأَرْسَلَهَا مُرْسَلَةً، وَأَمَّا (١) ((شرح النوويّ)) ٢٣٠/٦ - ٢٣١. (٣) وفي نسخة: ((قائده)). (٥) وفي نسخة: ((من ذاك الرجل)). (٧) زاد في نسخة: ((علیه)). (٢) وفي نسخة: ((ابنة عثمان)). (٤) زاد في نسخة: ((عليه)). (٦) وفي نسخة: ((فلما قدمنا المدينة)). البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز ٢٢٦ عُمَرُ، فَقَالَ: ((بِبَعْضِ))، فَقُمْتُ، فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ، فَحَدَّثْتُهَا بِمَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ، فَقَالَتْ: لَا، وَاللهِ مَا قَالَهُ رَسُولُ اللهِ وَهِ قَطُ: إِنَّ الْمَبِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَحَدٍ، وَلَكِنَّهُ قَالَ: إِنَّ الْكَافِرَ يَزِيدُهُ اللهُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَذَاباً، وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ: ﴿أَضْحَكَ وَبَّكَى﴾ [النجم: ٤٣]، ﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْدَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، قَالَ أَيُّوبُ: قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: لَمَّا بَلَغَ عَائِشَةَ قَوْلُ عُمَرَ وَابْنٍ عُمَرَ، قَالَتْ: إِنَّكُمْ لَتُحَدِّثُونِّي (١) عَنْ غَيْرِ كَاذِبَيْنٍ، وَلَا مُكَذَّبَيْنٍ، وَلَكِنَّ السَّمْعَ يُخْطِئُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ) الهاشميّ مولاهم الْخُوَارزميّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت٢٣٩) (خ م د س ق) تقدم في ((الإيمان) ١٤٨/١٠. ٢ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) ابن إبراهيم بن مقسم الأسديّ مولاهم، أبو بشر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٨] (ت١٩٣) (٨٣) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢. ٣ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة كيسان السَّخْتيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حجةٌ، من كبار الفقهاء العبّاد [٥] (ت١٣١) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص ٣٠٥. ٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) هو: عبد الله بن عُبيد الله بن أبي مليكة التيميّ المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٣] (ت١١٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٢/٤. ٥ - (ابْنُ عُمَرَ) هو: عبد الله بن عمر بن الخطّاب ◌َّ المذكور في الباب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف وَّلُهُ. (١) وفي نسخة: (لتحدّثونني))، وفي أخرى: ((لتحدّثون)). ٢٢٧ (٩) - بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ الْمَيْتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ - حديث رقم (٢١٤٩) ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أن شيخه بغداديّ، وابن أبي مليكة مكيّ، وابن عمر مدنيّ، والباقيان بصريّان. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وابن عمر عليها سبق الكلام عليه قريباً . شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) هو عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة، نُسب (وَنَحْنُ نَنْتَظِرُ) جملة في لجدّه، أنه (قَالَ: كُنْتُ جَالِساً إِلَى جَنْبِ ابْنِ عُمَرَ) ﴾ محلّ نصب على الحال؛ أي: حال كوننا منتظرين (جَنَازَةَ أُمّ أَبَانَ بِنْتِ عُثْمَانَ) وفي نسخة: ((ابنة عثمان))، هي بنت عثمان بن عفان رَؤُه ماتت بمكة (وَعِنْدَهُ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ) بن عفّان، الأموي، قيل: يكنى أبا عثمان، روى عن أبيه، وأسامة بن زيد، وعنه ابنه عبد الله، وعلي بن الحسين، وسعيد بن المسيب، وأبو الزناد. ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى، وقال: كان ثقة، وله أحاديث، وقال العجلي: مدني ثقة، من كبار التابعين، وقال الزبير بن بكار: كان أكبر أولاد عثمان الذين أعقبوا، قال: وزوّجه معاوية لما ولي الخلافة ابنته رملة، وذكره ابن حبان في الثقات. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديث واحد برقم (١٣٥١) كرره أربع مرات. (يَقُودُهُ قَائِدٌ) وفي نسخة: ((قائده))؛ أي: الشخص (فَجَاءَ ابْنُ عَبَّاسٍ) الذي كان يقود ابن عبّاس ﴿يَا بعد أن عَمِيَ (فَأَرَاهُ) بضم الهمزة؛ أي: أظنّ (بِمَكَانِ ابْنِ عُمَرَ) ﴿ًّا؛ أي: بموضعه القائد (أخبره) أي: أخبر ابن عبّاس الذي جلس فيه (فَجَاءَ) أي: ابن عبّاس ◌ِّهَا (حَتَّى جَلَسَ إِلَى جَنْبِي) قال ابن أبي مليكة: (فَكُنْتُ بَيْنَهُمَا) أي: بين ابن عمر، وابن عبّاس ﴿ه، والظاهر أن ٢٢٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز المكان الذي جلس فيه ابن عبّاس ظما كان أرفق به من الجلوس إلى جنب ابن عمر ◌ًا، أو اختار أن لا يقيم ابن أبي مليكة من مكانه، ويجلسَ فيه؛ للنهي عن ذلك. (فَإِذَا) هي الفُجائيّة؛ أي: ففاجأنا (صَوْتٌ مِنَ الدَّارِ) أي: من بكاء النساء، ففي رواية النسائيّ: ((فبكين النساءُ)) (فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ) ﴿يَا (كَأَنَّهُ يَعْرِضُ) بفتح أوله، وكسر ثالثه، من باب ضرب، قال في ((القاموس)): عَرَضَ عليه الشيءَ: أراه إياه. انتهى(١). والمعنى كأنّ ابن عمر ظنًّا ذكر هذا الحديثَ؛ ليَعْرِضَ هذا الصوت (عَلَى عَمْرٍو) بن عثمان، ويُريه إياه؛ لأجل (أَنْ يَقُومَ) من مجلسه (فَيَنْهَاهُمْ) أي: ينهى أهل الدار عن رفع صوتهم بالصياح والعويل، وقوله: (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ﴿) مقول ((فقال ابن عمر)) . وفي رواية البخاريّ: ((فقال عبد الله بن عمر لعمرو بن عثمان: ألا تنهى عن البكاء، فإن رسول الله وَ القر قال))، وفي رواية النسائيّ: ((فقال ابن عمر ظل﴾ها: ألا تنهى هؤلاء عن البكاء، فإني سمعت رسول الله وَ ات)). ففي هذه الرواية التصريح بأن ابن عمر ﴿يا سمعه بنفسه، ويُجمع بينها وبين ما تقدّم من أنه سمعه من أبيه عمر ﴿به باحتمال أنه سمعه من أبيه أوّلاً، ثم يسمعه من النبيّ ◌َّز، فكان يحدّث بهما، والله تعالى أعلم. (يَقُولُ: ((إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ))) زاد في بعض النسخ: ((عليه)) (قَالَ) ابن أبي مليكة: (فَأَرْسَلَهَا عَبْدُ اللهِ مُرْسَلَةً) أي: أطلق عبد الله بن عمر هذه الجملة، ولم يقيّدها بشيء مما قيّد به غيره. وقال النوويّ كَّلُ: معناه أن ابن عمر ما أطلق في روايته تعذيب الميت ببكاء الحيّ، ولم يقيده بيهوديّ، كما قيدته عائشة ﴿يا، ولا بوَصِيّة، كما قيّده آخرون، ولا قال: ((ببعض بكاء أهله))، كما رواه أبوه عمر ﴿به. انتهى(٢) . (١) راجع: ((القاموس)) ٣٣٤/٢. (٢) ((شرح النوويّ)) ٢٣١/٦. ٢٢٩ (٩) - بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ الْمَيْتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ - حديث رقم (٢١٤٩) (فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﴿هَا (كُنَّا مَعَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) وفي الرواية التالية: ((فقال ابن عبّاس: قد كان عمر يقول بعض ذلك، ثم حدّث، فقال: صدرت مع عمر من مكّة ... )) (حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ) - بفتح الموحّدة، وسكون التحتانية -: مفازة بين مكة والمدينة، قاله العينيّ تَخْذَلُهُ، وقال القاري كْتُ: موضع قريب من ذي الحليفة (إِذَا) فجائيّة (هُوَ بِرَجُلٍ) وفي الرواية التالية: (بركب))، ولا تخالف؛ لأن الرجل هو صُهيب ظُه، وكان معه أهله، فكانوا ركباً (نَازِلٍ فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ) وفي الرواية التالية: «تحت ظلّ سَمُرة))، وهي - بفتح المهملة، وضم الميم -: شجرة عظيمة، من شجر الْعِضَاهِ (فَقَالَ) عمر رَهُ (لِي: اذْهَبْ، فَاعْلَمْ لِي) وفي الرواية التالية: ((فانظر)) (مَنْ ذَاَ الرَّجُلُ؟) وفي رواية النسائيّ: ((انظر من الركب؟)) (فَذَهَبْتُ، فَإِذَا هُوَ صُهَيْبُ) ◌َتُه (فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: إِنَّكَ أَمَرْتَنِي أَنْ أَعْلَمَ لَكَ مَنْ ذَاكَ؟) وفي بعض النسخ: ((من ذاك الرجل؟)) (وَإِنَّهُ صُهَيْبٌ، قَالَ) عمر ◌َبه: (مُرْهُ) فعل أمر من أمر يأمر، من باب نصر، خُفّف بترك الهمزة، وهو تخفيفٌ شاذٌّ، ومثله (خُذ))، و(كُل))، كما قال ابن مالك تَظُّهُ في ((لاميّته)): وَشَذَّ بِالْحَذْفِ (مُرْ)) وَ(خُذْ)) وَ(كُلْ) وَفَشَا وَ((أُمُرْ)) وَمُسْتَنْدَرٌ تَتْمِيمُ ((خُذْ)) وَ((كُلَا)) أي: مُرْ صُهيباً أن يلحق بنا. وفي رواية النسائيّ: ((عليّ بصهيب)). (فَلْيَلْحَقْ بِنَا) أي: فليُدركنا، يقال: لَحِقْتُهُ، ولَحِفْتُ بِه أَلْحَقُ، من باب تَعِبَ لَحَاقاً بالفتح: إذا أدركتَهُ، وألحقتُهُ بالألف مثله، وألحقت زيداً بعمرو: أتبعته إياه، فَلَحِقَ هو، وألحق أيضاً، وفي الدعاء: ((إن عذابك بالكفّار مُلْحِقٌ)) يجوز بالكسر اسمُ فاعل بمعنى لاحِقٌ، ويجوز بالفتح اسم مفعول؛ لأن الله تعالى ألحقه بالكفّار؛ أي: يُنزله بهم، قاله الفيّوميّ تَخْتُهُ(١). (فَقُلْتُ: إِنَّ مَعَهُ أَهْلَهُ) أي: فيشقّ عليه أن يلحق بنا (قَالَ) عمر (١) ((المصباح المنير)) ٥٥٠/٢. ٢٣٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز (وَإِنْ كَانَ مَعَهُ أَهْلُهُ) أي: مره يلحق بنا، وإن كان معه أهله؛ إذ يمكنه أن يحملهم معه (وَرُبَّمَا قَالَ أَيُّوبُ) السختيانيّ الراوي عن ابن أبي مليكة: (مُرْهُ، فَلْيَلْحَقْ بِنَا) يعني: أن أيوب تارةً يُحدّث بلفظ: ((وإن كان أهله معه))، وتارةً يُحدّث بدله بلفظ: ((مُرْهُ فليلحق بنا))، فأعاد الجملة الأولى. زاد في رواية البخاري: («فرجعت إلى صهيب، فقلت: ارتحل، فالحَقْ أمير المؤمنين)). وفي رواية ابن حبّان: ((فقال لي: ادع لي صُهيباً، فصحِبه حتى دخل المدینة)). وهذا من عمر ظُه إشارة إلى تقوية المصاحبة والخصوصيّة الخالصة السابقين الأولين، ولذلك لَمّا طُعن ◌َُّبّه أوصى أن يصلّ صهيب بالمسلمين إلى أن يتّفق أهل الشورى على إمام. (فَلَمَّا قَدِمْنَا) وفي بعض النسخ: ((فلما قدمنا المدينة)) (لَمْ يَلْبَثْ) أي: لم يتأخّر، وهو من باب تَعِبَ، قال في ((القاموس)): اللَّبْثُ؛ أي: بالفتح، ويُضمّ، واللَّبَثُ محرّكَةً، واللِّباتُ، واللُّبَاتُ، واللُّبَاثةُ، واللَِّثَةُ: الْمُكْثُ، لَبِثَ، كسَمِعَ، وهو نادرٌ؛ لأن المصدر من فَعِلَ - بالكسر - قياسه بالتحريك إذا لم يتعدّ. انتھی(١). (أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ أُصِيبَ) بفتح الهمزة مصدريّة، والمصدر المؤوّل بدل من ((أميرُ))، والمعنى أنه لم يتأخّر وقت إصابته بالطعنة التي طعنه أبو لؤلؤة، عبدٌ للمغيرة بن شعبة ◌ُه. [تنبيه]: سبب طعن عمر أنه هو ما رواه ابن سعد في ((الطبقات)) بإسناد صحيح إلى الزهري، قال: ((كان عمر ◌ُّه لا يَأْذَن لسبي قد احتَلَم في دخول المدينة، حتى كتب المغيرة بن شعبة، وهو على الكوفة، يذكر له غلاماً عنده صانعاً، ويستأذنه أن يُدخله المدينة، ويقول: إن عنده أعمالاً تنفع الناس، إنه حدّاد، نقّاش، نجّار، فأذن له، فضرب عليه المغيرة كلَّ شهر مائة، فشكى إلى (١) ((القاموس المحيط)) ١٧٣/١. ٢٣١ (٩) - بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ الْمَيْتَ يُعَذَّبُ بِيُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ - حديث رقم (٢١٤٩) عمر شدّة الخراج، فقال له: ما خراجك بكثير في جنب ما تعمل، فانصرف ساخطاً، فلبث عمر ليالي، فمرّ به العبد، فقال: ألم أُحَدَّث بأنك تقول: لو أشاء لصنعت رحّى، تَطحَن بالريح؟، فالتفت إليه عابساً، فقال: لأصنعنّ لك رَحَّى يتحدّث الناس بها، فأقبل عمر على من معه، فقال: توعّدني العبد، فلبث ليالي، ثم اشتَمَل على خَنْجَر ذي رأسين نصابه وسطه، فكمن في زاوية من زوايا المسجد في الغَلَس حتى خرج عمر يوقظ الناس: ((الصلاةَ الصلاةَ»، وكان عمر يفعل ذلك، فلما دنا منه عمر وثب إليه، فطعنه ثلاث طعنات، إحداهنّ تحت السرّة، قد خرقت الصفاق، وهي التي قتلته)). وفي حديث أبي رافع: ((كان أبو لؤلؤة عبداً للمغيرة بن شعبة، وكان يستغلّه أربعة دراهم - أي كلّ يوم - فلقي عمر، فقال: إن المغيرة أثقل عليّ، فقال: اتّق الله، وأحسن إليه، ومن نيّة عمر أن يَلقَى المغيرةَ، فيكلّمه، فيخفّف عنه، فقال العبد: وَسِعَ الناسَ عدلُهُ غيري، وأضمر على قتله، فصنع له خنجراً، له رأسان، وسَمَّه، فتحرّى صلاة الغداة حتى قام عمر، فقال: أقيموا صفوفكم، فلما كبر طعنه في كتفه، وفي خاصرته، فسقط)). وعند مسلم من طريق معدان بن أبي طلحة: ((أن عمر خطب، فقال: رأيت ديكاً نقرني ثلاث نقرات، ولا أراه إلا حضور أجلي))، وزاد في رواية: ((فما مرّ إلا تلك الجمعة، حتی طُعن)). وقد ساق البخاريّ رحمه الله تعالى قصة قتله رظ ◌ُه في ((صحيحه)) مُطَوَّلة فقال : (٣٧٠٠) - حدّثنا موسى بن إسماعيل، حدّثنا أبو عوانة، عن حصين، عن عمرو بن ميمون، قال: رأيت عمر بن الخطاب ظُله قبل أن يُصاب بأيام بالمدينة، وَقَف على حذيفة بن اليمان، وعثمان بن حُنَيف، قال: كيف فعلتما؟ أتخافان أن تكونا، قد حملتما الأرض ما لا تطيق؟ قالا: حَمَّلْناها أمراً، هي له مطيقة، ما فيها كبير فضل، قال: انظرا، أن تكونا حملتما الأرض، ما لا تطيق، قال: قالا: لا، فقال عمر: لئن سلّمني الله، لأَدَعَنّ أرامل أهل العراق، لا يحتجن، إلى رجل بعدي أبداً، قال: فما أتت عليه إلا رابعة، حتى أصیب، قال: إني لقائم، ما بيني وبينه، إلا عبد الله بن عباس، غداة أصيب، وكان إذا ٢٣٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز مرّ بين الصفين، قال: استووا، حتى إذا لم ير، فيهن خللاً، تقدم، فكبّر، وربما قرأ سورة يوسف، أو النحل، أو نحو ذلك، في الركعة الأولى، حتى يجتمع الناس، فما هو، إلا أن كبّر، فسمعته يقول: قتلني، أو أكلني الكلب، حين طعنه، فطار العِلْج بسكين، ذات طرفين، لا يمرّ على أحد، يميناً ولا شمالاً، إلا طعنه، حتى طعن ثلاثة عشر رجلاً مات منهم سبعة، فلما رأى ذلك رجل من المسلمين، طرح عليه بُرْنُساً، فلما ظن العِلْج أنه مأخوذ، نَحَرَ نفسه، وتناول عمرُ يد عبد الرحمن بن عوف، فقدمه، فمن يلي عمر، فقد رأى الذي أرى، وأما نواحي المسجد، فإنهم لا يدرون، غير أنهم قد فقدوا صوت عمر، وهم يقولون: سبحان الله، سبحان الله، فصلى بهم عبد الرحمن، صلاة خفيفة، فلما انصرفوا، قال: يا ابن عباس، انظر من قتلني، فجال ساعة، ثم جاء، فقال: غلام المغيرة، قال: الصَّنَعُ؟ قال: نعم، قال: قاتله الله، لقد أمرت به معروفاً، الحمد لله الذي لم يجعل ميتتي بيد رجل، يَدَّعي الإسلام، قد كنتَ أنت وأبوك، تحبان أن تكثر العلوج بالمدينة، وكان العباس، أكثرهم رقيقاً، فقال: إن شئت فعلتُ؛ أي: إن شئت قتلنا، قال: كذبتَ، بعدما تكلموا بلسانكم، وصلَّوا قبلتكم، وحجوا حجكم، فاحتُمل إلى بيته، فانطلقنا معه، وكأن الناس، لم تصبهم مصيبة قبل يومئذ، فقائل يقول: لا بأس، وقائل يقول: أخاف عليه، فأُتي بنبيذ، فشربه، فخرج من جوفه، ثم أُتي بلبن، فشربه، فخرج من جرحه، فعلموا أنه ميت، فدخلنا عليه، وجاء الناس، فجعلوا يُثنون عليه، وجاء رجل شابّ، فقال: أبشر يا أمير المؤمنين، ببشرى الله لك، من صحبة رسول الله وَل﴿، وقَدَم في الإسلام، ما قد علمتَ، ثم وليت فعدلت، ثم شهادة، قال: وددت أن ذلك كفاف، لا علي، ولا لي، فلما أدبر، إذا إزاره يمس الأرض، قال: رُدُّوا عليّ الغلام، قال: يا ابن أخي، ارفع ثوبك، فإنه أبقى لثوبك، وأتقى لربك، يا عبد الله بن عمر، انظر ما علي من الدين، فحسبوه، فوجدوه ستة وثمانين ألفاً، أو نحوه، قال: إن وفى له مال آل عمر، فأدِّه من أموالهم، وإلا فسل في بني عديّ بن كعب، فإن لم تف أموالهم، فسل في قريش، ولا تَعْدُهم إلى غيرهم، فأَدِّ عني هذا المال، انطلق إلى عائشة أم المؤمنين، فقل: يَقرَأ عليك عمر السلام، ولا تقل أمير المؤمنين، فإني لست ٢٣٣ (٩) - بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ الْمَيْتَ يُعَذَّبُ بِبُّكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ - حديث رقم (٢١٤٩) اليوم للمؤمنين أميراً، وقل: يستأذن عمر بن الخطاب، أن يدفن مع صاحبيه، فسلَّمَ، واستأذَنَ، ثم دخل عليها، فوجدها قاعدة تبكي، فقال: يقرأ عليك عمر بن الخطاب السلام، ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه، فقالت: كنت أريده لنفسي، ولأوثرنّ به اليوم على نفسي، فلما أقبل، قيل: هذا عبد الله بن عمر، قد جاء، قال: ارفعوني، فأسنده رجل إليه، فقال: ما لديك؟ قال: الذي تحب، يا أمير المؤمنين أذنت، قال: الحمد لله، ما كان من شيء، أهمّ إليّ من ذلك، فإذا أنا قضيتُ، فاحملوني، ثم سلِّم، فقل: يستأذن عمر بن الخطاب، فإن أذنت لي، فأدخلوني، وإن ردتني رُدُّوني إلى مقابر المسلمين، وجاءت أم المؤمنين حفصة، والنساء تسير معها، فلما رأيناها قمنا، فولجت عليه، فبكت عنده ساعة، واستأذن الرجال، فولجتُ داخلاً لهم، فسمعنا بكاءها من الداخل، فقالوا: أَوْصٍ يا أمير المؤمنين، استَخْلِف، قال: ما أجد أحداً أحقّ بهذا الأمر، من هؤلاء النفر، أو الرهط الذين توفي رسول الله وَلخير، وهو عنهم راض، فسمى عليّاً، وعثمان، والزبير، وطلحة، وسعداً، وعبد الرحمن، وقال: يَشْهَدكم عبد الله بن عمر، وليس له من الأمر شيء، كهيئة التعزية له، فإن أصابت الإمرة سعداً، فهو ذاك، وإلا فليستعن به أيكم ما أُمّر، فإني لم أعزله عن عجز، ولا خيانة، وقال: أُوصي الخليفة من بعدي، بالمهاجرين الأولين، أن يعرف لهم حقهم، ويحفظ لهم حرمتهم، وأوصيه بالأنصار خيراً، ﴿ وَلَّذِينَ تَبَوَّهُو الذَّارَ وَاَلْإِيمَنَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ الآية [الحشر: ٩] أن يُقبَل من محسنهم، وأن يُعفَى عن مسيئهم، وأوصيه بأهل الأمصار خيراً، فإنهم رِدْءُ الإسلام، وجُبَاة المال، وغيظ العدو، وأن لا يؤخذ منهم، إلا فضلهم، عن رضاهم، وأوصيه بالأعراب خيراً، فإنهم أصل العرب، ومادة الإسلام، أن يؤخذ من حواشي أموالهم، ويردّ على فقرائهم، وأوصيه بذمة الله، وذمة رسوله وَل، أن يُؤَفَّى لهم بعهدهم، وأن يُقاتَل من ورائهم، ولا يُكَلَّفوا إلا طاقتهم، فلما قُبض خرجنا به، فانطلقنا نمشي، فسلَّم عبد الله بن عمر، قال: يستأذن عمر بن الخطاب، قالت: أَدخلوه، فأُدْخِل، فوضع هنالك، مع صاحبيه، فلما فُرغ من دفنه، اجتمع هؤلاء الرهط، فقال عبد الرحمن: اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم، فقال الزبير: قد جعلت أمري إلى علي، فقال طلحة: قد جعلت أمري إلى ٢٣٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز عثمان، وقال سعد: قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن بن عوف، فقال عبد الرحمن: أيكما تبرأ من هذا الأمر، فنجعله إليه، والله عليه والإسلام، لينظرنّ أفضلهم في نفسه، فأسكت الشيخان، فقال عبد الرحمن: أفتجعلونه إليّ؟ والله علي أن لا آلُوَ عن أفضلكم، قالا: نعم، فأخذ بيد أحدهما، فقال: لك قرابة من رسول الله صل﴾، والقدم في الإسلام، ما قد علمت، فاللهُ عليك لئن أمّرتك لتعدلنّ، ولئن أمّرت عثمان لتسمعنّ، ولتطيعنّ، ثم خلا بالآخر، فقال له مثل ذلك، فلما أخذ الميثاق، قال: ارفع يدك يا عثمان، فبايعه، فبايع له عليّ، ووَلَج أهل الدار، فبایعوه. انتھی. (فَجَاءَ صُھَيْبٌ) (يَقُولُ: وَا أَخَاهْ، وَا صَاحِبَاهْ، فَقَالَ عُمَرُ) ◌َبه: (أَلَمْ تَعْلَمْ؟، أَوْ) بسكون الواو للشكّ من الراوي، هل قال: ((ألم تعلم، أو قال: أَلَمْ تَسْمَعْ؟) فالهمزة هنا مقدّرة (قَالَ أَيُّوبُ) السختيانيّ: (أَوْ قَالَ) أي: ابن أبي مليكة: (أَوَ) بفتح الواو، هي الواو العاطفة دخلت عليها الهمزة (لَمْ تَعْلَمْ، أَوَ لَمْ تَسْمَعْ) بفتح الواو أيضاً كسابقتها، والظاهر على أن عمر رُبّه قال اللفظين للتأكيد، ويَحْتَمِل أن تكون ((أو)) هنا بسكون الواو للشك كسابقه، والله تعالى أعلم. (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ لِ قَالَ: ((إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبَعْضٍ بُكَاءِ أَهْلِهِ))) زاد في بعض النسخ لفظة ((عليه))، قيّده ببعض البكاء، فحُمل على ما فيه نَوْحٌ ونُدبة؛ جمعاً بين الأحاديث، وقيل: المراد بالبعض ما يكون من وصيته. (قَالَ) عبد الله بن أبي مليكة: (فَأَمَّا عَبْدُ اللهِ) بن عمر ◌َِّا (فَأَرْسَلَهَا مُرْسَلَةً) أي: أطلق القصّة، أو القولة التي هي: ((إن الميت يعذّب ببكاء أهله)) (وَأَمَّا عُمَرُ) تَظُهُ (فَ) قيّدها، حيث (قَالَ: ((بِبَعْضٍ))) بكاء أهله، ولم يقل: (ببكاء أهله))، كما قال ابن عمر (فَقُمْتُ، فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ) ◌َّا (فَحَدَّثْتُهَا بِمَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ، فَقَالَتْ: لَا) أي: ليس كذلك (وَاللهِ مَا قَالَهُ) أي: قوله: ((إن الميت يعذّب ... إلخ)) (رَسُولُ اللهِ وَلِ قَطَّ) إنما حلفت عليه؛ لما كان في ظنّها أنه كما قالت، ولكن الواقع خلاف ذلك، فقد ثبت عن جماعة من الصحابة - كما سيأتي ذلك ــ أنهم سمعوا النبيّ وَّر يقوله، فكيف يمكن نفيها؟ فهذا بعيدٌ كلّ البعد. ٢٣٥ (٩) - بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ الْمَيْتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ - حديث رقم (٢١٤٩) قال النوويّ كَّلُهُ: في هذا جواز الحلف بغلبة الظنّ بقرائن، وإن لم يقطع الإنسان، وهذا مذهبنا، ومِنْ هذا قالوا: له الحلف بدين رآه بخط أبيه الميت على فلان، إذا ظنه. [فإن قيل]: فلعلّ عائشة لم تحلف على ظنّ، بل على علم، وتكون سمعته من النبيّ ◌َ﴿ في آخر أجزاء حياته. [قلنا]: هذا بعيد من وجهين: أحدهما: أن عمر، وابن عمر سمعاه وَ الهل يقول: ((يعذّب ببكاء أهله)). والثاني: لو كان كذلك لاحتجّت به عائشة، وقالت: سمعته في آخر حياته وَّيهِ، ولم تحتجّ به، إنما احتجّت بالآية، والله أعلم. انتهى(١). وقوله: (إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَحَدٍ) بدل من الضمير في قولها: ((ما قاله رسول الله (وَ))، تعني أن النبيّ وَّه لم يقل: إن الميت يُعذّب ببكاء أحد من الناس لا مطلقاً ولا مقيّداً، قال القاري كَّهُ: وهذا النفي المؤكّد بالقسم منها بناءٌ على ظنّها وزعمها، أو مقيّدٌ بسماعها، وإلا فمن حَفِظَ حجة على من لم يحفظ، والمثبت مقدّمٌ على النافي، وكيف والحديث رُوي من طرق صحيحة بألفاظ صريحة، مع أنه بعمومه لا ينافي ما قالت بخصوصه. انتهى. وقال القرطبيّ تَخَُّ: أنكرت عائشة ◌َّا هذا الحديث، وصرّحت بتخطئة الناقل، أو نسيانه، وحَمَلَها على ذلك أنها لم تسمعه كذلك، وأنه معارَضٌ بقوله تعالى: ﴿وَلَ نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْدَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] وهذا فيه نظر، أما إنكارها، ونسبة الخطأ لراویه فبعید، وغیر بیِّنٍ، ولا واضح، وبیانه من وجهين: [أحدهما]: أن الرواة لهذا المعنى كثيرون: عمر، وابن عمر، والمغيرة بن شعبة، وقَيْلَة بنت مَخْرَمَة، وهم جازمون بالرواية، فلا وجه لتخطئتهم، وإذا أُقدِم علی ردّ خبر جماعة مثل هؤلاء، مع إمکان حمله على محمل صحیح، فلأن يُردّ خبر راو واحد أولى، فردّ خبرها أولى، على أن الصحيح أن لا يُردّ واحد من تلك الأخبار، ويُنظر في معانيها، كما نُبِيِّنْه. [ثانيهما]: أنه لا معارضة بين ما رَوَت هي، وبين ما رووا هم؛ إذ كلّ (١) (شرح النوويّ)) ٢٣٢/٦. ٢٣٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز واحد منهم أخبر عما سمع وشاهَدَ، وهما واقعتان مختلفتان، وأما استدلالها على ردّ ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَ نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ فلا حجة فيه، ولا معارضة بين هذه الآية والحديث، على ما نُبدِيه من معنى الحديث، إن شاء الله تعالی. وقد اختلف العلماء فيه، فقيل: محمله على ما إذا كان النَّوْح من وصيّته وسنته، كما كانت الجاهلية تفعل، حتى قال طرفة [من الطويل]: إِذَا مِتُّ فَانعِينِي بِمَا أَنَا أَهْلُهُ وَشُقِّي عَلَيَّ الْجَيْبَ يَا ابْنَةَ مَعْبَدٍ وقد جمع عبد المطلب بناته عند موته، وأمرهنّ أن ينعينه، ويَندُبنه، ففعلن، وأنشدت كلّ واحدة منهنّ شعراً تمدحه فيه، فلما فرغن قال آخر ما كلّمهنّ: أحسنتنّ، هكذا فانعينني، وإلى هذا نحا البخاريّ. وقيل: معناه أن تلك الأفعال التي يُبكَى بها الميت مما كانوا يفعلونه في الجاهلية، من قتل النفس، وأخذ المال، وإخراب البلاد، وغير ذلك، فأهله يمدحونه بها، ويُعدّدونها عليه، وهو يُعذّب لسببها، وعلى هذا تُحمل رواية من رواه: ((ببعض بكاء أهله))؛ إذ ليس كلّ ما يُعدّدونه من خصاله مذموماً، فقد يكون من خصاله كَرَمٌ، وإعتاق رقاب، وكشف کرب، وقد دلّ على صحّة هذا التأويل حديث عبد الله بن رواحة حيث أُغمي عليه، فجَعَلت أخته عمرة تبكي: واجبلاه، وا كذا، وا كذا، تُعدّد عليه، فأفاق، وقال لها: ما قلتِ شيئاً إلا قيل لي: أنت كذلك؟ فلما مات لم تَبْك عليه، رواه البخاريّ. إلى آخر كلام القرطبيّ كَُّهُ(١)، وقد تقدّم خلاصته في المسألة الثالثة من المسائل التي تقدّمت في شرح حديث عمر نظافته، فراجعها تستفد، وبالله تعالى التوفيق. (وَلَكِنَّهُ) وَ (قَالَ: إِنَّ الْكَافِرَ يَزِيدُهُ اللهُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَذَاباً) فحملت الميت على الكافر، وأنكرت الإطلاق، وقد جاءت الزيادة في عذاب الكافر في قوله رَك: ﴿زِدْنَهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ الآية [النحل: ٨٨]، وقوله: ﴿فَلَن نَزِيدَّكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ [النبأ: ٣٠]، لكن قد يقال: زيادة العذاب بعمل الغير أيضاً مشكلة معارضة بقوله تعالى: ﴿وَلَ نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، فينبغي أن تُحمل الباء في قوله: (١) ((المفهم)) ٥٨١/٢ - ٥٨٤. ٢٣٧ (٩) - بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ الْمَيْتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ - حديث رقم (٢١٤٩) (ببعض بكاء أهله)) على المصاحبة، لا السببيّة، وتخصيص الكافر حينئذ لأنه محلّ الزيادة، قاله السنديّ كَّثُ في ((حاشية النسائيّ)). وقال القاري تَخّْثُ: فيه أن النفي منها ينا هنا مناقض لما قالت سابقاً من أن الحديث ورد في يهوديّة كانوا يبكون عليها، وهي تُعذّب في قبرها. انتھی. وقال الحافظ: هذه التأويلات عن عائشة ﴿يا متخالفة، وفيها إشعار بأنها لم تردّ الحديث بحديث آخر، بل بما استحضرته من معارضة القرآن، قال الداوديّ: رواية ابن عبّاس عن عائشة بيّنت ما نفته عمرة وعروة عنها، إلا أنها خصّته بالكافر؛ لأنها أثبتت أن الميت يزداد عذاباً ببكاء أهله، فأيّ فرق بين أن يزداد بفعل غيره، أو يُعذّب ابتداء. انتهى. (وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ: ﴿أَضْحَكَ وَأَبِّكَ﴾﴾ [النجم: ٤٣] أي: إن العَبْرة لا يملكها ابن آدم، ولا تسبب له فيها، فكيف يعاقب عليها، فضلاً عن الميت، وقال الداوديّ: معناه إن الله تعالى أَذِنَ في الجميل من البكاء، فلا يُعذّب على ما أَذِنَ فيه. انتهى. وقال القرطبيّ تَخُّْهُ قولها: ((والله أضحك وأبكى)) حاصل تقرير لنفي ما ذهب إليه ابن عمر هما من أن الميت يُعذّب ببكاء أهله، وذلك أن بكاء الإنسان، وضحكه، وحزنه وسروره من الله تعالى يُظهرها فيه، فلا أثر لها في ذلك. انتهى. قال في ((المرعاة)) بعد ذكر قول الطيبيّ هذا ما نصّه: وفيه أن الكلّ من عند الله تعالى خلقاً، ومن العبد كسباً، كما هو مقرّر، والشرع قد اعتَبَر ما يترتّب عليه من الأثر، كسائر أفعال البشر، ألا ترى أن التبسّم في وجه المؤمن من الحسنات، وعلى المؤمن على وجه السُّخْريّة من السيّئات، وكذا الحزن والسرور تارةً يكونان من الأحوال السنيّة يثاب الشخص بهما، وتارةً من الأفعال الدنيئة يعاقب عليهما، كما هو مقرّر في محلّه. انتهى(١). (﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْدَ أُخْرَى﴾﴾ [الأنعام: ١٦٤] أي: ولا تحمل نفس حاملة ذنباً ذنب نفس أخرى، وقال الطيبيّ نَّتُهُ: الْوِزْر، والْوِقْرُ أخوان، وَزَرَ الشيءَ: (١) ((المرعاة)) ٤٩٠/٥. ٢٣٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز إذا حَمَلَهُ، و((الوازرة)) صفة للنفس، والمعنى: أن كلّ نفس يوم القيامة لا تَحمل إلا وزرها الذي اقترفته، ولا تؤخذ نفس بذنب نفس أخرى، كما يأخذ جبابرة الدنيا الوليّ بالوليّ، والجار بالجار. انتهى(١). ومحلّ ما ذُكر إنما هو في حقّ من لم يكن له في شيء من ذلك تسبّبٌ، وإلا فهو يشاركه، كما قال تعالى: ﴿وَلَيَحْيُِنَ أَثْقَالَهُمْ وَأَنْقَالًا مَعَ أَنْقَالِهِمٌّ﴾ الآية [العنكبوت: ١٣]، وقوله: ﴿ في قصّة هرقل: ((فإن تولّيت، فإنما عليك إثم الأَرِيسيين))، متّفقٌ عليه(٢). (قَالَ أَيُّوبُ) السختيانيّ (قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن أبي بكر الصدّيق المتوفّى سنة (١٠٦) على الصحيح، تقدّمت ترجمته في ((الحيض)) (٦٩٥/٣). (قَالَ: لَمَّا بَلَغَ عَائِشَةَ) بالنصب على المفعوليّة (قَوْلُ عُمَرَ) ((إن الميت يعذّب ببعض بكاء أهله عليه)) (وَ) قول (ابْنِ عُمَرَ) ((إن الميت يُعذّب ببكاء أهله عليه)) (قَالَتْ: إِنَّكُمْ لَتُحَدِّثُونِّ) بالنون المشدّدة، وهي نون الرفع أُدغمت في نون الوقاية، وفي بعض النسخ: ((لتُحدّثون)) بحذف المفعول (عَنْ غَيْرِ كَاذِبَيْنِ) أي: عن شخصين لم يكنِ الكذب صفة لهما، فهما بريئان منه، ولفظ ابن حبّان: ((عن كذّابين)) (وَلَا مُكَذَّبَيْنٍ) اسم مفعول من كذّبه مضعّفاً: إذا نسبه إلى الكذب، تعني: أنهما لا يكذبان قصداً، ولا يَنسُبُهما أحد إلى الكذب (وَلَكِنَّ السَّمْعَ يُخْطِئُ) تعني: أن هذا مما أخطأ فيه سمعهما، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر ها هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢١٤٩/٩ و٢١٥٠ و٢١٥١ و٢١٥٢ و ٢١٥٣ و٢١٥٤ و٢١٥٥ و٢١٥٦] (٩٢٨ و٩٢٩ و٩٣٠ و٩٣١ و٩٣٢)، و(البخاريّ) في (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٤٢٥/٤. (٢) راجع: ((الفتح)) ٣٠/٤. ٢٣٩ (٩) - بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ الْمَيْتَ يُعَذَّبُ بِيُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ - حديث رقم (٢١٥٠) ((الجنائز)) (١٢٨٦)، و(النسائيّ) في ((الجنائز)) (١٨٥٨)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٦٦٧٥)، و(الشافعيّ) في ((مسنده)) (٥٥٨/١)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (١٢٨٦)، و(أحمد) في («مسنده)) (٤١/١ و٤٢ و١٣٨/٦)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٢٠٧٦ و٢٠٧٧ و٢٠٧٨)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣١٣٦)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٧٣/٤)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (١٥٣٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن الميت يُعذّب ببكاء أهله عليه، وقد سبق أن المراد إذا كان من سنّته، أو أوصى بذلك؛ جمعاً بين النصوص. ٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه الصحابة ﴿ه من القيام بالنهي عن المنكر، وإن كان بحضرة وليّ الأمر، فإن عمرو بن عثمان كان والياً في ذلك الوقت. ٣ - (ومنها): بيان ما كان عليه عمر رُبه من محافظته على السابقين الأولين، وتنزيلهم منزلة الكرامة والتبجيل. ٤ - (ومنها): ما قاله النوويّ تَخْذَلُ: فيه دليلٌ لجواز الجلوس والاجتماع لانتظار الجنازة، واستحبابه، قال: وأما جلوس ابن أبي مليكة بين ابن عمر وابن عباس ظه، وهما أفضل بالصحبة والعلم والفضل والصلاح والنسب والسنّ وغير ذلك، مع أن الأدب أن المفضول لا يجلس بين الفاضلين إلا لعذر، فمحمول على عذر، إما لأن ذلك الموضع أرفق بابن عباس، وإما لغير ذلك. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢١٥٠] (٩٢٨) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعِ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج، أَخْبِّرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةً، (١) (شرح النوويّ)) ٢٢٣٠/٦. ٢٤٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز قَالَ: تُوُفِّيَتِ ابْنَةٌ لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ بِمَكَّةَ، قَالَ: فَجِثْنَا لِنَشْهَدَهَا، قَالَ: فَحَضَرَهَا ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: وَإِنِّي لَجَالِسٌ بَيْنَهُمَا، قَالَ: جَلَسْتُ إِلَى أَحَدِهِمَا، ثُمَّ جَاءَ الْآخَرُ، فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِي، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ لِعَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، وَهُوَ مُوَاجِهُهُ: أَلَا تَنْهَى عَنِ الْبُكَاءِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ قَالَ: ((إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ»، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَدْ كَانَ عُمَرُ يَقُولُ بَعْضَ ذَلِكَ، ثُمَّ حَدَّثَ، فَقَالَ: صَدَرْتُ مَعَ عُمَرَ مِنْ مَكَّةَ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ، إِذَا هُوَ (١) بِرَكْبٍ تَحْتَ ظِلِّ شَجَرَةٍ(٢)، فَقَالَ: اذْهَبْ، فَانْظُرْ مَنْ هَؤُلَاءِ الرَّكْبُ؟ فَنَظَرْتُ، فَإِذَا هُوَ صُهَيْبٌ، قَالَ: فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: ادْعُهُ لِي، قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَى صُهَيْبٍ، فَقُلْتُ: ارْتَحِلْ، فَالْحَقْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَمَّا أَنْ أُصِيبَ عُمَرُ، دَخَلَ صُهَيْبٌ يَبْكِي، يَقُولُ: وَا أَخَاهْ، وَاصَاحِبَاهْ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا صُهَيْبُ، أَتَبْكِي عَلَيَّ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ))، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: فَلَمَّا مَاتَ عُمَرُ، ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ، فَقَالَتْ: يَرْحَمُ اللهُ عُمَرَ، لَا وَاللهِ مَا حَدَّثَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((إِنَّ اللهَ يُعَذِّبُ الْمُؤْمِنَ بِبُكَاءِ أَحَدٍ))، وَلَكِنْ قَالَ: ((إِنَّ اللهَ يَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَاباً بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ))، قَالَ: وَقَالَتْ عَائِشَةُ: حَسْبُكُمُ الْقُرْآنُ: ﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىْ﴾ [الأنعام: ١٦٤]، قَالَ: وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ عِنْدَ ذَلِكَ: وَاللهُ: ﴿أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ [النجم: ٤٣]، قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: فَوَاللهِ مَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ مِنْ شَيْءٍ). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيَّدٍ) الكسّيّ، ثقة حافظ [١١] (ت٢٤٩) (خت م ت) تقدم في ((الإيمان)) ١٣١/٧. ٣ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام، تقدّم قبل ثلاثة أبواب أيضاً. ٤ - (ابْنُ جُرَيْج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم قبل ثلاثة أبواب أيضاً. (١) وفي نسخة: ((فإذا هو)). (٢) وفي نسخة: ((تحت ظلّ سَمُرة)).