النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
(٤) - بَابٌ فِي بَيَانِ إِغْمَاضِ الْمَيْتِ - حديث رقم (٢١٣٠)
حضره الموت، وصار ينظر إلى الشيء، لا يرتدّ إليه طرفه. انتهى(١).
وقال القرطبيّ تَخَُّهُ: صوابه، وصحيحه شَقَّ بفتح الشين مبنيّاً للفاعل،
وبرفع البصر؛ أي: انفتح، يقال: شَقّ بصر الميت، وشَقَّ الميتُ بصرَهُ: إذا
شَخَصَ بصرَهُ، بفتح الخاء أيضاً، قاله صاحب ((الأفعال))، ولم يَعرف أبو زيد
(٢)
الضمّ. انتهى (٢).
(فَأَغْمَضَهُ) أي: سدّ ◌ََّ أجفان أبي سلمة رَظُه بعد موته، وغطّاها؛ لئلا
يقبح منظره.
(ثُمَّ قَالَ) بَرِ ((إِنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ) بالبناء للمفعول (تَبِعَهُ الْبَصَرُ))) معناه
إذا خرج الروح من الجسد يتبعه البصر ناظراً أين يَذْهَب، وفي الروح لغتان
التذكير، والتأنيث، وهذا الحديث دليل للتذكير.
قال التوربشتيّ كَُّ: يَحْتَمِل هذا وجهين:
أحدهما: أن الروح إذا قُبض تبعه البصر؛ أي: في الذهاب، فلهذا
أغمضته؛ لأن فائدة الانفتاح ذهبت بذهاب البصر عند ذهاب الروح.
والوجه الثاني: أن روح الإنسان إذا قبضتها الملائكة نظر إليها الذي
حضره الموت نظراً شزراً لا يرتدّ إليه طرفه حتى تضمحلّ بقيّة القوّة الباصرة
الباقية بعد مفارقة الروح الإنسانيّ التي يقع لها الإدراك والتمييز دون الحيوانيّ
الذي به الحسّ والحركة، وغير مستنكر من قدرة الله تعالى أن يكشف عنه
الغطاء ساعتئذ حتى يصير ما لم يكن يبصره، وهذا الوجه في حديث أبي هريرة
الآتي أظهر. انتهى (٣).
(فَضَجَّ) بتشديد الجيم: أي رفع الصوت بالبكاء، وصاح (نَاسٌ مِنْ أَهْلِهِ)
أي: من أهل أبي سلمة حظُه (فَقَالَ) بَّهِ: ((لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِلَّا بِخَيْرٍ)
أي: لا تدعوا بالويل والثبور على عادة الجاهليّة، وقال القرطبيّ: ويمكن أن
يكون المراد أنهم إذا تكلّموا في حقّ الميت بما لا يرضاه الله حتى يرجع تبعته
(١) ((شرح النووي)) ٢٢٢/٦ - ٢٢٣.
(٣) ((المرعاة)) ٣١١/٥.
(٢) «المفهم)) ٢/ ٥٧٢.

١٦٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
إليهم، فكأنهم دعوا على أنفسهم بشرّ، أو يكون المعنى كما في قوله تعالى:
﴿وَلَا نَقْتُلُوَأْ أَنفُسَكُمْ﴾ الآية [النساء: ٢٩]، يعني بعضكم بعضاً. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: ما ذكره القرطبيّ من الاحتمالين مما لا يخفى
بُعده، بل المعنى هو ما ذكرناه أوّلاً، فتبصّر.
(فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ)) أي: في دعائكم من خير أو شرّ
(ثُمَّ قَالَ) بَرِ ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَبِي سَلَمَةَ، وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمَهْدِيِّينَ) بتشديد الياء
الأولى؛ أي: اجعله في زمرة الذين هديتهم إلى الإسلام، ورفعت درجتهم به
(وَاخْلُفْهُ) بوصل الهمزة، وضمّ اللام، من خَلَف يَخلُّفُ: إذا قام مقام غيره في
رعاية أمره، وحفظ مصالحه؛ أي: كن خليفة له (فِي عَقِهِ) بكسر القاف؛ أي:
أولاده، وقيل: من يعقُبه، ويتأخّر عنه من ولد وغيره، ولذا أبدل عن ((عقبه))
قوله: (فِي الْغَابِرِينَ) بإعادة الجارّ، أي الباقين في الأحياء من الناس، يعني كن
خليفة له في أولاده الباقين، فاحفظ أمورهم، ومصالحهم، ولا تكلهم إلى
غيرك.
وقال الأشرف تَّتُ: قوله: ((في الغابرين)) بدلٌ من ((عَقِبه))؛ أي: كن
خليفة له في الباقين من عقبه.
قال الطيبيّ: أقول: ويمكن أن يكون ((في عقبه)) متعلّقاً بالفعل، و((في
الغابرين)) حالاً من ((عقبه))، والمعنى: أوقع خلافتك في عَقِبه، حال كونهم
كائنين في جملة الباقين من الناس، بأن يستميل قلوب الناس إليهم حتى يكونوا
مقبولين بينهم، يُراعون أحوالهم، ينفعون ولا يضرّون. انتهى (١).
(وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ) فيه استحباب تقديم النفس في الدعاء
(وَافْسَحْ) بوصل الهمزة، فعل طلب من فسح يفسح، من باب فتح؛ أي: أوسع
(لَهُ فِي قَبْرِهِ) قال القاري تَُّهُ: دعاء له بعد الضغط، وفي حديث أبي
هريرة ربه الطويل عند أحمد وغيره: ((فينادي مناد في السماء أن صدق عبدي،
فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له باباً إلى الجنة، قال: فيأتيه
من رَوْحها وطيبها، ويُفْسَح له في قبره مَدَّ بصره)).
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٣٧٤/٤.

١٦٣
(٤) - بَابٌ فِي بَيَانِ إِغْمَاضِ الْمَيْتِ - حديث رقم (٢١٣٠)
(وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ))) أي: في قبره، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أم سلمة
هذا من أفراد المصنّف تخذله .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢١٣٠/٤ و٢١٣١] (٩٢٠)، و(أبو داود) في
((الجنائز)) (٣١١٨)، و(النسائيّ) في ((المناقب)) من ((الكبرى)) (٨٢٨٥)، و(ابن
ماجه) في ((الجنائز)) (١٤٥٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٩٧/٦)، و(أبو نعيم)
في ((مستخرجه)) (٢٠٥٩ و٢٠٦٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب إغماض الميت، قالوا: والحكمة فيه أن لا
يَقبُحَ منظره لو تُرِك إغماضه، قال القرطبيّ تَُّ: وهو سنّة عَمِلَ بها المسلمون
كافّةً، والمقصود تحسين وجه الميّت، وستر تغيّر بصره. انتهى(١).
٢ - (ومنها): بيان استحباب الدعاء للميت عند موته، ولأهله وعقبه بأمور
الدنيا والآخرة.
٣ - (ومنها): أن فيه دلالةً على أن الميت يُنْغَّم في قبره، أو يُعذّب.
٤ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ تَخَّثهُ: هذا الحديث بلفظ الروح، وحديث
أبي هريرة ظه الآتي بلفظ: ((فذلك حين يتبع بصره نفسه)» دليلٌ على أن الروح
والنفس عبارتان عن معنى واحد، وهو الذي يُقبض بالموت، وفيهما ما يدلّ
على أن الموت ليس عدماً، ولا إعداماً، وإنما انقطاع تعلّق الروح بالبدن
ومفارقته، والحيلولة بينهما، ثم إن البدن يبلى، ويفنى إلا عَجْبَ الذنب الذي
منه بُدِىء خلق الإنسان، ومنه يُركَّب الخلق يوم القيامة. انتهى(٢).
٥ - (ومنها): ما قاله النوويّ كَُّ: وفيه دليل لمذهب أصحابنا
المتكلمين، ومن وافقهم أن الروح أجسام لطيفة، مُتَخَلْلة في البدن، وتذهب
(١) ((المفهم)) ٥٧٢/٢ - ٥٧٣.
(٢) («المفهم)) ٥٧٣/٢.

١٦٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
الحياة من الجسد بذهابها، وليس عَرَضاً كما قاله آخرون، ولا دَماً كما قاله
آخرون، وفيها كلام متشعب للمتكلمين. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا البحث من فضول الكلام، بل مما لا ينبغي
أن يُصرف إليه النظر؛ لأنه مما سدّ الشارع بابه، حيث قال: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الرُّوحُ
قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّ وَمَا أُوِتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا
[الإسراء: ٨٥]، فيا ليت
العلماء لم يخوضوا في مثله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢١٣١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْقَطَّانُ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا
الْمُثَنَّى بْنُ مُعَاذِ بْنٍ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ الْحَسَنِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ
الْحَذَّاءُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((وَاخْلُفْهُ فِي تَرِكَتِهِ))، وَقَالَ: ((اللَّهُمَّ
أَوْسِعْ لَهُ فِي قَبْرِهِ»، وَلَمْ يَقُل: ((افْسَحْ لَهُ))، وَزَادَ: قَالَ خَالِدٌ الْحَذَّاءُ: وَدَعْوَةٌ
أُخْرَى سَابِعَةٌ نَسِيتُهَا).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْقَطَّانُ الْوَاسِطِيُّ) هو: محمد بن موسى بن عمران
القطان، أبو جعفر الواسطي ابن عمة أحمد بن سنان، صدوقٌ [١١].
رَوَى عن يزيد بن هارون، وأبي أحمد الزبيريّ، وأبي عامر العقديّ
ووهب بن جرير بن حازم، والمثنى بن معاذ بن معاذ العنبريّ، وحماد بن عيسى
الجهنيّ، ومعلى بن عبد الرحمن الواسطيّ، وغيرهم.
وروى عنه البخاريّ، ومسلم، وابن ماجه، وأبو إسماعيل السلميّ،
ومحمد بن عبد الله الحضرميّ، وأسلم بن سهل الواسطيّ، ومحمد بن
إسماعيل بن سالم الصائغ، وأبو بكر البزار، وغيرهم.
ذكره ابن حبان في ((الثقات)).
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٢٣/٦.

١٦٥
(٤) - بَابٌ فِي بَيَانِ إِغْمَاضِ الْمَيْتِ - حديث رقم (٢١٣١)
روى له البخاريّ، والمصنّف، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا
هذا الحديث(١).
٢ - (الْمُثَنَّى بْنُ مُعَاذِ بْنِ مُعَاذٍ) العنبريّ، أخو عبيد الله، من صغار [٩].
رَوَى عن أبيه، ومعتمر بن سليمان، وخالد بن الحارث، وبشر بن
المفضل، ويحيى القطان، وأبي قتيبة، وابن مهديّ، وعثمان بن عمر بن
فارس، وغندر، ومعاذ بن هشام، ومؤمل بن إسماعيل، وغيرهم.
وروى عنه ابناه: الحسن ومعاذ، وأخوه عبيد الله بن معاذ، وأبو خيثمة،
ومحمد بن موسى بن عمران القطان، وأبو زرعة، ويعقوب بن شيبة، وعباس
الدوري، وغيرهم.
قال إبراهيم بن الجنيد، عن ابن معين: لا بأس به، وقال الحسين بن
حبان: رجل صدق، ثقة صدوق، من خيار المسلمين، ما زال منذ هو حَدَثٌ
خيراً من أخيه عبيد الله مائة مرة، وقال ابنه معاذ وغيره: مات سنة ثمان
وعشرين ومائتين، وله إحدى وستون سنةً.
تفرّد به المصنّف، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
٣ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان العنبريّ، أبو المثنّى البصريّ
القاضي، ثقةٌ متقنٌّ، من كبار [٩] (ت١٩٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣/ ٧.
٤ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ الْحَسَنِ) بن الحصين بن أبي الحرّ الْعَنْبَريّ القاضي
البصريّ، ثقةٌ فقيهٌ، لكن عابوا عليه مسألة تكافىء الأدلّة(٢) [٧].
رَوَى عن خالد الحذّاء، وداود بن أبي هند، وسعيد الجريريّ، وهارون بن
ریاب، وآخرین.
وروى عنه ابن مهديّ، وخالد بن الحارث، ومعاذ بن معاذ العنبريّ،
ومحمد بن عبد الله الأنصاريّ، وغيرهم.
قال الآجريّ: قلت لأبي داود: عبيد الله بن الحسن عندك حجةٌ؟ قال:
(١) هذا ما في برنامج الحديث، وقال في ((تهذيب التهذيب)): قال في ((الزهرة)): رَوَى
عنه البخاريّ أربعة أحاديث، ومسلم حديثين. انتهى. فليُنظر.
(٢) سيأتي قريباً أنه رجع عن هذا الرأي.

١٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
كان فقيهاً، قال النسائيّ: فقيه بصريّ ثقةٌ، وقال ابن سعد: ولي قضاء البصرة،
وكان ثقةً محموداً عاقلاً من الرجال، قال العجليّ: لَمّا مات سَوّار بن عبيد الله
طلبوا عبيد الله بن الحسن، فهرب، ثم استُقضِي، وقال أبو خليفة، عن
محمد بن سلام، قال: أتى رجل عبيد الله بن الحسن، فقال: كنا عند الأمير
محمد بن سليمان، فذُكِرتَ بكل الجميل إلا المزاح، فقال: والله إني لأمزح،
وما أقول إلا الحقّ، وقال ابن مهديّ: كنا في جنازة، فسألته عن مسألة، فغلط
فيها، فقلت له: أصلحك الله، أتقول فيه كذا وكذا؟، فأطرق ساعةً، ثم رفع
رأسه، فقال: إذاً أَرْجِع، وأنا صاغرٌ؛ لأن أكون ذَنَباً في الحقّ أحب إليّ من
أن أكون رأساً في الباطل، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: من سادات
أهل البصرة فقهاً وعلماً.
وذكر عُمر بن شَبَّة في ((تاريخ البصرة)) أن المهديّ عَزَله سنة (٦٦)(١)،
وقال ابن أبي خيثمة: أخبرني سليمان بن أبي شيخ، قال: كان عبيد الله بن
الحسن اتَّهِم بأمر عظيم، ورُوي عنه كلام رديء، يعني قوله: كلُّ مجتهد
مصيب، ونقل محمد بن إسماعيل الأزديّ في ((ثقاته)) أنه رجع عن المسألة التي
ذُكِرت عنه لَمَّا تَبَيَّن له الصواب، والله أعلم، وقال ابن قتيبة في ((اختلاف
الحديث)): ثم نصير إلى عبيد الله بن الحسن العنبريّ، فنهجُم من قبيح مذهبه،
وشدّة تناقض قوله على ما هو أولى مما أنكره، وذلك أنه كان يقول: إن القرآن
يدلّ على الاختلاف، فالقول بالقدر صحيح، والقول بالإجبار صحيح، ولهما
أصل في الكتاب، فمن قال بهذا فهو مصيب، ومن قال بهذا فهو مصيب،
هؤلاء قومٌ عَظّموا الله، وهؤلاء قوم نزَّهوا الله، وكان يقول في قتال عليّ لطلحة
والزبير وقتالهما إياه: كلُّه لله طاعة.
قال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: أنه وُلد سنة (١٠٥) ويقال: سنة
(١٠٦) وولي القضاء سنة (٥٧)(٢)، وقال أبو حسان الزياديّ: مات في ذي
القعدة سنة ثمان وستين ومائة.
(١) أي: بعد المائة.
(٢) أي: بعد المائة.

١٦٧
(٥) - بَابٌ فِي شُخُوصِ بَصَرِ الْمَيْتِ يَتْبَعُ نَفْسَهُ - حديث رقم (٢١٣٢)
تفرّد به المصنّف، وأبو داود في ((الناسخ والمنسوخ))، وليس له في هذا
الكتاب إلا هذا الحديث.
و((خالد الحذّاء)) ذُكر قبله.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ) أي: بإسناد خالد الحذّاء الماضي، وهو:
عن أبي قلابة، عن قبيصة بن ذُؤيب، عن أم سلمة مێا.
وقوله: (غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ ... إلخ) فاعل ((قال)) ضمير عبيد الله بن الحسن.
وقوله: (وَاخْلُفْهُ فِي تَرِكَتِهِ) أي: فيمن تركه من أهله، فهو بمعنى قوله
الماضي: ((واخلفه في عقبه في الغابرين)).
وقوله: (وَزَادَ: قَالَ خَالِدٌ الْحَذَّاءُ: وَدَعْوَةٌ أُخْرَى سَابِعَةٌ نَسِيتُهَا) يعني
أنه وَلّ دعا أيضاً دعوة أخرى سابعةً، غير ما سبق من الستة التي هي أولها
قوله: ((اللهم اغفر لأبي سلمة))، وثانيها: ((وارفع درجته في المهديين))، وثالثها :
((واخلُفه في عقبه في الغابرين))، ورابعها: ((واغفر لنا وله يا ربّ العالمين))،
وخامسها: (وافسح له في قبره))، وسادسها: ((ونَوِّر له فيه)).
[تنبيه]: رواية عبيد الله بن الحسن، عن خالد الحذاء هذه لم أجد من
ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنْبُ﴾ .
(٥) - (بَابٌ فِي شُخُوصٍ بَصَرِ الْمَيْتِ يَتْبَعُ نَفْسَهُ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢١٣٢] (٩٢١) - (وَحَدَّثَنَا(١) مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ،
أَخْبَرَنَا (٢) ابْنُ جُرَيْج، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ يَعْقُوبَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا
هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَّسُولُ اللهِ وَّهِ: ((أَلَمْ تَرَوُا الْإِنْسَانَ إِذَا مَاتَ شَخَصَ بَصَرُهُ؟))
قَالُوا: بَلَى، قَالَ: ((فَذَلِكَ حِينَ يَتْبَعُ بَصَرُهُ نَفْسَهُ))).
(١) وفي نسخة: ((حدّثنا)).
(٢) وفي نسخة: ((حدّثنا)).

١٦٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) تقدّم قريباً .
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بَن همّام، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظ، عَمِي في
آخره، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت٢١١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
٣ - (ابْنُ جُرَيْج) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ المكيّ،
ثقةٌ فاضلٌ، يدلّس ويَّرسل [٦] (ت١٥٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٩/٦.
٤ - (الْعَلَاءُ بْنُ يَعْقُوبَ) هو: العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، نُسب
في هذا السند لجدّه، الْحُرَقِيّ مولاهم، أبو شِبْل المدنيّ، صدوقٌ، ربّما وَهِمَ
[٥] مات سنة بضع (١٣٠) (ز م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٥/٨.
٥ - (أَبُوهُ) عبد الرحمن بن يعقوب الجهنيّ مولاهم المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ز
م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٥/٨.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ◌ُْه تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َّلُهُ .
٢ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ عن تابعيّ.
٣ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة رَظُله رأس المكثرين السبعة، روى
(٥٣٧٤) حديثاً .
شرح الحديث:
(عَنِ الْعَلَاءِ) بن عبد الرحمن (بْنِ يَعْقُوبَ) الحُرَقيّ مولاهم أنه (قَالَ:
أَخْبَرَنِي أَبِي، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) رَهُ (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((أَلَمْ تَرَوُا
الْإِنْسَانَ إِذَا مَاتَ شَخَصَ بَصَرُهُ؟))) بفتح الخاء المعجمة، كمَنَعَ يَمْنَعُ شُخُوصاً:
أي ارتفع، ولم يرتدّ، قال الفيّوميّ تَخُّْهُ: وشَخَصَ البصرُ: إذا ارتفع، ويتعدّى
بنفسه، فيقال: شَخَص الرجلُ بصره: إذا فتح عينيه، لا يَظْرِفُ، وربّما يُعدَّى
بالباء، فقيل: شخص الرجلُ ببصره، فهو شاخصٌ. انتهى(١).
(١) ((المصباح المنير)) ٣٠٦/١.

١٦٩
(٥) - بَابٌ فِي شُخُوصِ بَصَرِ الْمَيْتِ يَتْبَعُ نَفْسَهُ - حديث رقم (٢١٣٣)
(قَالُوا: بَلَى) هي حرف إيجاب، فإذا قيل: ما قام زيد، وقلت في الجواب:
بلى، فمعناه إثبات القيام، وإذا قيل: أليس كان كذا، وقلت في الجواب: بلى،
فمعناه التقرير والإثبات، ولا تكون إلا بعد نفي، إما في أول الكلام، كما تقدّم،
وإما في أثنائه، كقوله تعالى: ﴿أَخَسَبُ آلْإِنْسَنُ أَّنْ تَجْمَعَ عِظَامَهُ ٣ بَ﴾ الآية [القيامة:
٣ - ٤]، والتقدير: بلى نجمعها، وقد تقدّم البحث في هذا غير مرّةً (١). (قَالَ:
((فَذَلِلَكَ حِينَ يَتْبَعُ بَصَرُهُ) مرفوع على الفاعليّة (نَفْسَهُ))) منصوب على المفعوليّة.
قال النوويّ كَُّهُ: المراد بالنفس هنا الروح، قال القاضي: وفيه أن
الموت ليس بإفناء وإعدام، وإنما هو انتقال، وتغير حال، وإعدام الجسد دون
الروح، إلا ما استُثْني من عَجْب الذَّنَب، قال: وفيه حجة لمن يقول: الروح
والنفس بمعنى. انتهى(٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة
هذا من أفراد المصنّف تَّلُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢١٣٢/٥ و٢١٣٣] (٩٢١)، و(أبو نعيم) في
(مستخرجه)) (٢٠٦١ و٢٠٦٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٨٥/٣)، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٣٣] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاه قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِي
الدَّرَاوَرْدِيَّ - عَنِ الْعَلَاءِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ).
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل بابين.
٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ) تقدّم قبل بابين أيضاً.
[تنبيه]: رواية الدراورديّ، عن العلاء هذه ساقها أبو نعيم في ((مستخرجه))
(٩/٣) فقال:
(١) ((المصباح)) ٦٢/١.
(٢) ((شرح النووي)) ٢٢٤/٦.

١٧٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
(٢٠٦٢) حدّثنا أبو الهيثم الأحمسيّ جعفر بن محمد، ثنا أبو الحصين
الوادعيّ، ثنا يحيى بن عبد الحميد، ثنا عبد العزيز، ثنا محمد (١)، عن العلاء بن
عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وٍَّ: ((كلُّ مولود
يولد على الفطرة))، وقال: ((ألم تر إلى الإنسان إذا شخص؟))، قالوا: بلى،
قال: ((فذاك حين يتبع بصره نفسه)). انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنْبُ﴾ .
(٦) - (بَابُ الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيْتِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢١٣٤] (٩٢٢) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ،
وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنٍ عُبَيْنَةَ، قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ
ابْنِ أَبِي نَجِيحِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، قَالَ: قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: لَمَّا مَاتَ أَبُو
سَلَمَةَ، قُلْتُ: غَرِيبٌ، وَفِي أَرْضٍ غُرْبَةٍ، لَأَبْكِيَنَّهُ بُكَاءً، يُتَحَدَّثُ عَنْهُ، فَكُنْتُ قَدْ
تَهَيَّأْتُ لِلْبُكَاءِ عَلَيْهِ، إِذْ أَقَبَلَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الصَّعِيدِ، تُرِيدُ أَنْ تُسْعِدَنِي، فَاسْتَقْبَلَهَا
رَسُولُ اللهِ وَّهِ، وَقَالَ: ((أَتْرِيدِينَ أَنْ تُدْخِلِي الشَّيْطَانَ، بَيْتاً أَخْرَجَهُ اللهُ مِنْهُ مَرَّتَيْنِ؟))
فَكَفَفْتُ عَنِ الْبُكَاءِ، فَلَمْ أَبْكِ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً) تقدّم قبل بابين.
٢ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه الحنظليّ المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ
إمامٌ [١٠] (ت٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥.
(١) هكذا النسخة، والظاهر أنه غلطً، والصواب: ((حدّثنا عبد العزيز بن محمد، عن
العلاء ... )) إلخ، كما هو عند مسلم، فتنبّه.

١٧١
(٦) - بَابُ الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيْتِ - حديث رقم (٢١٣٤)
٤ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) الهلاليّ، أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ
حجة إمام، من كبار [٨] (ت١٩٨) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ١ ص٣٨٣.
٥ - (ابْنُ أَبِي نَجِيح) هو: عبد الله بن أبي نَجِيح يسار الثقفيّ مولاهم،
أبو يسار المكيّ، مولى الأخنس ابن شَرِيق، ثقةٌ رُمي بالقدر، وربّما دلّس [٦].
رَوَى عن أبيه، وعطاء، ومجاهد، وعكرمة، وطاووس، وجماعة.
وروى عنه شعبة، وأبو إسحاق، ومحمد بن مسلم الطائفيّ، والسفيانان،
وورقاء، وإبراهيم بن نافع، وعبد الله بن سعيد، وابن علية، وغيرهم.
قال وكيع: كان سفيان يصحح تفسير ابن أبي نَجِيح، وقال أحمد: ابن
أبي نجيح ثقة، وكان أبوه من خيار عباد الله، وقال ابن معين، وأبو زرعة،
والنسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن أبي حاتم: قلت لأبي: ابن أبي نجيح عن مجاهد
أحب إليك، أو خُصَيف؟ قال: ابن أبي نجيح، إنما يقال في ابن أبي نجيح
القدرُ، وهو صالح الحديث.
وقال ابن سعد: قال محمد بن عمر: كان ثقةً، كثير الحديث، ويذكرون
أنه كان يقول بالقدر، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: قال يحيى بن
سعيد: لم يسمع ابن أبي نجيح التفسير من مجاهد، قال ابن حبان: ابن أبي
نجيح نظير ابن جريج في كتاب القاسم بن أبي بَزَّة عن مجاهد في التفسير،
رويا عن مجاهد من غير سماع، وقال الساجيّ عن ابن معين: كان مشهوراً
بالقدر، وعن أحمد بن حنبل قال: أصحاب ابن أبي نجيح قدريّةٌ كلهم، ولم
يكونوا أصحاب كلام، وعن أيوب قال: أيَّ رجل أفسدوا، يعني ابن أبي
نجيح، وقال العجليّ: مكيّ ثقة، يقال: كان يرى القدر، أفسده عمرو بن
عبيد، وقال أحمد: قال سفيان: لَمّا مات عمرو بن دينار، كان يفتي بعده ابن
أبي نجيح، وذكره النسائيّ فيمن كان يدلِّس.
قال ابن عيينة: مات سنة إحدى وثلاثين ومائة، وقال ابن المدينيّ:
سنة (٢).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١١) حديثاً.
٦ - (أَبُوهُ) أبو نَجِيح يسار الثقفيّ مولى الأخنس بن شَرِيق المكيّ، مشهور
بكنيته، ثقة [٣].

١٧٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
رَوَى عن معاوية، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وابن عباس، وابن عمر،
وعبيد بن عمير، وغيرهم، وأرسل عن عمر، وسعد، وقيس بن سعد بن عبادة،
ومخرمة بن نوفل.
وروى عنه ابنه عبد الله، وعمرو بن دينار، وهارون بن رئاب،
وعبد الرحمن بن خضير.
قال وكيع: ثقةٌ، وقال الميمونيّ عن أحمد: ابن أبي نجيح ثقةٌ، وكان
أبوه من خيار عباد الله تعالى، وقال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال
ابن أبي حاتم: سئل أبو زرعة عن أبي نجيح، والد عبد الله، فقال: يسار مكيّ
ثقةٌ، وقال ابن سعد: كان ثقةً قليل الحديث.
قال عمرو بن عليّ وغيره: مات سنة تسع ومائة.
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا
الكتاب هذا الحديث فقط.
٧ - (عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ) بن قتادة الليثيّ، أبو عاصم المكيّ، قاصّ أهل
مكة، مجمع على ثقته [٢] (ت٦٨) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٧٣.
٨ - (أُمُّ سَلَمَةَ) ﴿ّ تقدّمت في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف تَخْذَثُ، وله فيه ثلاثة من الشيوخ
قرن بينهم، ثم فصّل؛ لما أسلفناه غير مرّة.
٢ - (ومنها): مسلسلٌ بالمكيين من ابن عيينة.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
شرح الحديث:
(عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ) الليثيّ أنه (قَالَ: قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ) ◌ِّا (لَمَّا مَاتَ أَبُو
(قُلْتُ: غَرِيبٌ) خبر لمحذوف؛ أي: هو رجل غريب (وَفِي
سَلَمَةَ) زوجها .
أَرْضِ غُرْبَةٍ) بالإضافة؛ أي: لأنه كان مكيّاً هاجر إلى المدينة، ومات بها؛
أي: فليس معه من يبكيه غيري، فمرادها بهذه الجملة تعليل بكائها الهائل الذي
عزمت عليه، وقولها: (لَأَبْكِيَنَّهُ) بتشديد النون جواب لقسم محذوف، والله

١٧٣
(٦) - بَابُ الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيْتِ - حديث رقم (٢١٣٤)
لأبكينّه (بُكَاءً) أي: شديداً، فالتنوين للتعظيم (يُتَحَدَّثُ عَنْهُ) بالبناء للمفعول؛
أي: يَتَحدّث الناس به، ويتعجّبون منه؛ لشدّته، قال القرطبيّ كَُّ: أرادت أن
تنوح عليه نياحة شديدة، وذلك منها على ما كانوا عليه من النياحة، والاجتماع
لها قبل أن يبلغها تحريم النياحة. انتهى.
(فَكُنْتُ قَدْ تَهَيَّأْتُ لِلْبُكَاءِ عَلَيْهِ) أي: بالقصد والعزيمة، وتهيئة أسباب
الحزن من الثياب السود وغيرها، مما تُعدّه النائحة وتهيّؤه.
قال الطيبيّ كَّثُ: قوله: ((فكنت ... إلخ)) الفاء متّصلة بقولها: ((قلتُ))؛
أي: قلت عقب ما تهيّأت للبكاء، ولا يجوز أن تتصل بالقول إلا مع الواو؛
لیکون حالاً. انتهى(١).
وقال ابن حجر الهيتميّ تَّثُ: قوله: ((فكنت ... إلخ)) عطف على
((قلت))؛ أي: عقب قولي ذلك وقع مني تمام التهيّء. انتهى (٢).
(إِذْ أَقَبَلَتِ امْرَأَةٌ) ((إذ)) ظرف لـ((تهيّأتُ))، أو لـ((قلت))، وفي رواية البيهقيّ:
((فلما تهيّأت للبكاء عليه إذا امرأة تريد أن تأتيني))، وفي أخرى له: ((فبينا أنا
كذلك، قد تهيّأت للبكاء عليه إذ أقبلت امرأة)).
[تنبيه]: هذه المرأة لا تُعرف، قاله في ((التنبيه))(٣).
(مِنَ الصَّعِيدِ) أصل الصعيد أعالي الأرض، والمراد هنا عوالي المدينة،
ومنه صعيد مصر؛ أي: أعلى بلادها. انتهى (٤). (تُرِيدُ أَنْ تُسْعِدَنِي) بضم أوله،
من الإسعاد، وهو الإعانة؛ أي: تساعدني في البكاء والنوح، وتوافقني عليه،
وقال ابن الأثير تَخَّثُهُ: هو إسعاد النساء في المناحات، تقوم المرأة، فتقوم معها
أخرى من جاراتها، فتساعدها على النياحة. انتهى(٥).
(فَاسْتَقْبَلَهَا) أي: تلك المرأة التي أرادت أن تُسعدها على البكاء،
ولعله ◌َ ﴿ كان داخل البيت، فقد سبق في الرواية: ((أنه وَلقر دخل على أبي
سلمة، وقد شقّ بصره، فأغمضه)) (رَسُولُ اللهِ وَلِهِ، وَقَالَ) لَمّا علم أنها تريد
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٤٢٧/٤.
(٢) انظر: ((المرعاة)) ٤٩٥/٥.
(٤) ((المفهم)) ٢/ ٥٧٤.
(٣) راجع: ((تنبيه المعلم)) ص١٧٣.
(٥) ((النهاية)) ٣٦٦/٢.

١٧٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
إسعادها: ((أَتُرِيدِينَ) أيتها المرأة بإعانتك على المعصية، والاستفهام إنكاريّ
وتوبيخيّ، ولعله وَّر علم ما أرادت تلك المرأة من إسعادها بالبكاء بالوحي (أَنْ
تُدْخِلِي الشَّيْطَانَ) أي: أن تكوني سبباً لدخوله (بَيْتاً أَخْرَجَهُ اللهُ) أي: الشيطان
(مِنْهُ) أي: من ذلك البيت، وأبعده من إغواء أهله (مَرَّتَيْنِ؟)) قال القرطبيّ تَخَُّهُ:
يَحْتَمِل ذلك - والله أعلم - أن يكون بسبب صحّة إسلام أبي سلمة، وحسن
هجرته. انتهى(١).
وقال الطيبيّ نَُّ: يَحْتَمِل أن يراد بالمرّة الأولى يوم دخوله في الإسلام،
وبالثانية يوم خروجه من الدنيا مسلماً، ويحتمل أن يراد به التكرير؛ أي:
أخرجه الله تعالى إخراجاً بعد إخراج، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اتَجِعِ الْصَرَ كَرََّةِ﴾ الآية
[الملك: ٤].
وقيل: يَحْتَمل أن يراد بالمرة الأولى هجرته من مكة إلى الحبشة،
وبالثانية هجرته إلى المدينة، فإنه من ذوي الهجرتين.
واستظهره صاحب ((المرعاة)) أن يكون ((مرّتين)) متعلّقاً بـ((قال))؛ أي:
قال ◌َ﴿ هذا الكلام، وأعاده لكمال الاهتمام مرّتين.
(فَكَفَفْتُ) يقال: كفّ عن الشيء كفّاً، من باب نصر: إذا تركه، وهو
عطف على مقدّر؛ أي: قال رسول الله ( 18 كذا، فانزجرت، وكففت؛ أي:
منعت نفسي (عَنِ الْبُكَاءِ) وقولها: (فَلَمْ أَبْكِ) أي: البكاء المذموم، وهو الذي
يصاحبه صراخ وعويل، ونياحة، وندب، قال البيهقيّ تَّتُهُ: هذا في بكاء يكون
معه ندب، أو نياحة. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أمّ سلمة ◌َّ هذا من أفراد المصنّف ◌َظُّهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢١٣٤/٦] (٩٢٢)، و(الحميديّ) في ((مسنده))
(١) (المفهم)) ٢ /٥٧٤ - ٥٧٥.

١٧٥
(٦) - بَابُ الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيْتِ - حديث رقم (٢١٣٥)
(٢٩١)، و(أحمد) في («مسنده)) (٢٨٩/٦)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه))
(٢٠٦٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٦٣/٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان تحريم البكاء المشتمل على النياحة.
٢ - (ومنها): بيان تحريم المساعدة في ذلك؛ لأنه إعانة على المعصية،
قال الله وَت: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِّ وَالنَّقْوَىُّ وَلَ نَعَاوَنُواْ عَلَى الْإِثْرِ وَاَلْعُدْوَنِ﴾ [المائدة: ٢].
٣ - (ومنها): بيان فضل بيت أبي سلمة، وأم سلمة، حيث أخرج الله
تعالى عنه الشيطان، فلا يستطيع أن يتسلط على أهله بالإغواء، والإضلال،
وهذا كما قال الله وَت: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ وَكَفَى بِرَبِّكَ
وَكِيلًا
[الإسراء: ٦٥].
٤ - (ومنها): بيان أن النهي عن المنكر يكون بالحكمة، وذلك ببيان الضرر
المترتّب عليه، فإن هذه المرأة ما نهاها النبيّ وَّهِ نهياً فقط، بل بيّن لها أنها إذا
فعلت ذلك أدخلت الشيطان في بيت أخرجه الله منه، وهذا هو الضرر العظیم،
فينبغي للآمر بالمعروف أن يبيّن محاسن المعروف الذي يأمر به، وما يترتّب عليه
من المثوبة والأجور، وكذا ينبغي للناهي عن المنكر أن يبيّن مساوي ذلك المنكر،
وما يترتّب عليه من المفاسد، والمضارّ، والعقوبات؛ لأن ذلك أدعى للقبول،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْتُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢١٣٥] (٩٢٣) - (حَدَّثَنَا(١) أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ، حَذَّثَنَا حَمَّادٌ - يَعْنِي
ابْنَ زَيْدٍ - عَنْ عَاصِمِ الْأَحْوَلِ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ أُسَامَةَ بْنٍ زَيْدٍ، قَالَ:
كُنَّا عِنْدَ النَّبِّ وَّهِ، فَّأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ إِحْدَى بَنَاتِهِ تَدْعُوهُ، وَتُخْبِرُهُ أَنَّ صَبِيّاً لَهَا، أَوِ ابْنَاً
لَهَا فِي الْمَوْتِ، فَقَالَ لِلرَّسُولِ: ((ارْجِعْ إِلَيْهَا، فَأَخْبِرْهَا أَنَّ للهِ مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا
أَعْطَى، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمَّى، فَمُرْهَا، فَلْتَصْبِرْ، وَلْتَحْتَسِبْ))، فَعَادَ الرَّسُولُ،
(١) وفي نسخة: ((حدّثني)).

١٧٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
فَقَالَ: إِنَّهَا قَدْ أَقْسَمَتْ لَتَأْتِيَنَّهَا، قَالَ: فَقَامَ النَّبِيُّ ◌َِّهِ، وَقَامَ مَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ،
وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَانْطَلَقْتُ مَعَهُمْ، فَرُفِعَ إِلَيْهِ الصَّبِيُّ، وَنَفْسُهُ تَقَعْقَعُ، كَأَنَّهَا فِي شَنَّةٍ،
فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ: مَا هَذَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللهُ
فِي قُلُوبٍ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ) فُضيل بن حسين، تقدّم قريباً.
٢ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) بن درهم الأزديّ الْجهضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ
ثبتٌ فقيه، من كبار [٨] (ت١٧٩) عن (٨١) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٦/٥.
٣ - (عَاصِمُ الأَحْوَلُ) ابن سليمان، أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقةٌ [٤]
مات بعد (١٤٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٧/٥.
٤ - (أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ) عبد الرحمن بن ملّ الكوفيّ، ثم البصريّ، ثقةٌ
ثبتٌ مخضرم، من كبار [٢] (ت٩٥) أو بعدها، وعاش (١٣٠) أو أكثر (ع)
تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣.
٥ - (أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ) بن حارثة بن شَرَاحيل الكلبيّ الأمير، أبو محمد، أو
أبو زيد، الصحابيّ ابن الصحابيّ ◌ًا، مات سنة (٥٤) وهو ابن (٧٥) سنة (ع)
تقدم في ((الإيمان)) ٢٨٤/٤٣.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيات المصنّف تَّلهُ .
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فقد علّق له
البخاريّ، ولم يُخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى الصحابيّ، فمدنيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم.
٥ ۔ (ومنها): أن صحابیه ذو مناقب جمّة، حبُّ رسول وابن حِبِّه
فقد أخرج البخاريّ في ((صحيحه)) عنه، قال: كان رسول الله وَ* يأخذني
فيُقعدني على فخذه، ويقعد الحسن على فخذه الأخرى، ثم يضمهما، ثم
يقول: ((اللهم ارحمهما، فإني أرحمهما))، والله تعالى أعلم.

١٧٧
(٦) - بَابُ الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيْتِ - حديث رقم (٢١٣٥)
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ) وفي رواية للبخاري في أواخر ((الطبّ)) من طريق
شعبة، عن عاصم، قال: سمعت أبا عثمان (عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ) ◌َهَا أنه (قَالَ:
كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ◌َِّ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ إِحْدَى بَنَاتِهِ) هي زينب، كما وقع في رواية أبي
معاوية، عن عاصم المذكور في ((مصنّف ابن أبي شيبة))، وكذا ذكره ابن
بشكوال (تَدْعُوهُ) جملة في محلّ نصب على الحال (وَتُخْبِرُهُ أَنَّ صَبِيّاً لَهَا، أَوْ)
للشكّ من الراوي (ابْناً لَهَا) قيل: هو عليّ بن أبي العاص بن الربيع، وهو من
زينب، كذا كتب الدمياطيّ بخطه في ((الحاشية)).
قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأنه لم يقع مسمّى في شيء من طرق هذا
الحديث، وأيضاً فقد ذكر الزبير بن بكّار وغيره، من أهل العلم بالأخبار أن
عليّاً المذكور عاش حتى ناهز الحُلُم، وأن النبيّ وَلتر أردفه على راحلته يوم فتح
مكة، ومثل هذا لا يقال في حقه صبيّ عرفاً، وإن جاز من حيث اللغة.
قال: ووجدت في ((الأنساب)) للبلاذريّ أن عبد الله بن عثمان بن عفّان
من رقية بنت النبيّ وَ﴿ لَمّا مات وضعه النبيّ وَّ في حجره، وقال: ((إنما
يرحم الله من عباده الرحماء)).
وفي ((مسند البزّار)) من حديث أبي هريرة، قال: ثقل ابن لفاطمة، فبعثت
إلى النبيّ وَّ، فذكر نحو حديث الباب، وفيه مراجعة سعد بن عبادة في البكاء،
فعلى هذا، فالابن المذكور محسن بن عليّ بن أبي طالب، وقد اتفق أهل العلم
بالأخبار أنه مات صغيراً، في حياة النبيّ وَّ ر، فهذا أولى أن يفسّر به الابن إن
ثبت أن القصّة كانت لصبيّ، ولم يثبت أن المرسلة زينب، لكن الصواب في
حديث الباب أن المرسلة زينب، وأن الولد صبيّة، كما ثبت في ((مسند أحمد))،
عن أبي معاوية، بالسند المذكور، ولفظه: ((أُتِي النبيُّ وَّ ه بأمامة بنت زينب)، زاد
سعدان بن نصر في الثاني من حديثه، عن أبي معاوية بهذا الإسناد: ((وهي لأبي
العاص بن الربيع، ونفسها تقعقع، كأنها في شنّ))، فذكر حديث الباب، وفيه
مراجعة سعد بن عبادة، وهكذا أخرجه أبو سعيد ابن الأعرابيّ في ((معجمه))، عن
سعدان، ووقع في رواية بعضهم ((أميمة)) بالتصغير، وهي أمامة المذكورة، فقد
اتفق أهل العلم بالنسب أن زينب لم تلد لأبي العاص إلا عليّاً، وأمامة فقط.

١٧٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
وقد استُشكِل ذلك، من حيث إن أهل العلم بالأخبار اتفقوا على أن
أمامة بنت أبي العاص من زينب بنت النبيّ وَّر، عاشت بعد النبيّ وَّ، حتى
تزوجها علي بن أبي طالب بعد وفاة فاطمة، ثم عاشت عند عليّ حتى قُتل
عنها .
ويجاب بأن المراد في حديث الباب: ((أن ابنا لي قُبض))؛ أي: قارب أن
يُقبض، ويدلّ على ذلك أن في رواية حماد: ((أرسلت تدعوه إلى ابنها في
الموت))، وفي رواية شعبة: ((أن ابنتي قد حُضِرَت))، وهو عند أبي داود من
طريقه: ((أن ابني))، أو ((ابنتي))، وقد قدّمنا أن الصواب قول من قال: ((ابنتي))،
لا ((ابني».
ويؤيّده ما رواه الطبرانيّ في ترجمة عبد الرحمن بن عوف، في ((المعجم
الكبير)) من طريق الوليد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، عن
جدّه، قال: ((استُعِزَّ بأمامة بنت أبي العاص، فبَعَثَت زينب بنت رسول الله وَهُ
إليه، تقول له ... ))، فذكر نحو حديث أسامة، وفيه مراجعة سعد في البكاء،
وغير ذلك. وقوله في هذه الرواية: ((استُعِزّ)) - بضم المثناة، وكسر المهملة،
وتشديد الزاي ـ: أي اشتدّ بها المرض، وأشرفت على الموت.
قال: والذي يظهر لي أن الله تعالى أكرم نبيّهِ وَ﴿ لَمَا سَلَّمَ لأمر ربه،
وصبّر ابنته، ولم يملك مع ذلك عينيه من الرحمة، والشفقة، بأن عافى الله ابنة
ابنته في ذلك الوقت، فخَلَصَت من تلك الشدّة، وعاشت تلك المدّة، وهذا
ينبغي أن يُذكَر في دلائل النبوّة، والله المستعان. انتهى كلام الحافظ تَخْذُ .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أن الجمع بين هذه
الروايات بتعدد الواقعة أولى، من تخطئة الرواية الصحيحة، فالصواب في
حديث الباب أن المحتضر ((ابن))، لا ((ابنة))، كما هو نصّ حديث الباب.
ثم رأيت القسطلانيّ نقل عن البرماويّ بأنه جمع بين ذلك باحتمال تعدد
الواقعة في بنت، أو بنتين، أرسلت زينب في عليّ، أو أمامة، أو رقيّةُ في
عبد الله بن عثمان، أو فاطمة في ابنها محسن بن عليّ. انتهى. والله تعالى
أعلم.
(فِي الْمَوْتِ) أي: في الاحتضار للموت، وفي رواية البخاريّ: ((إن ابناً

١٧٩
(٦) - بَابُ الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيْتِ - حديث رقم (٢١٣٥)
لي قُبِضَ فأتنا)) وهو بالبناء للمفعول؛ أي: قرُب من أن يُقبَض؛ أي: هو في
حالة القبض، ومعالجة الروح، فأطلقت القبض مجازاً، باعتبار أنه في حالة
كحالة النزع.
(فَقَّالَ) وَلِّ (لِلرَّسُولِ) أي: للرجل الذي أرسلته ابنته ((ارْجِعْ إِلَيْهَا) وفي
رواية البخاريّ: ((فَأَرْسَلَ، يَقْرَأْ السَّلَامَ، ويقول: إن لله ما أخذ ... )) (فَأَخْبِرْهَا
أَنَّ للهِ) بفتح همزة ((أنّ))، فهو بتقدير جر الجرّ؛ أي: بأن لله (مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا
أَعْطَى) أي: فلا حيلة إلا الصبر، وقدّم ذكر الأخذ على الإعطاء، وإن كان
متأخراً في الواقع؛ لأن المقامَ يقتضيه، والمعنى أن الذي أراد أن يأخذه هو
الذي كان أعطاه، فإن أخذه أخذ ما هو له، فلا ينبغي الجزع؛ لأن مُستَودَعَ
الأمانة لا ينبغي له أن يجزع إذا استعيدت منه، ويَحْتَمِل أن يكون المراد
بالإعطاء إعطاء الحياة لمن بقي بعد الميت، أو ثوابهم على المصيبة، أو ما هو
أعمّ من ذلك. أفاده في ((الفتح)).
وقال النوويّ تَخُّْ: قوله: ((إن لله ما أخذ)): معناه الحثّ على الصبر،
والتسليم لقضاء الله تعالى، وتقديره أن هذا الذي أُخذ منكم كان له، لا لكم،
فلم يأخذ إلا ما هو له، فينبغي أن لا تَجزَعوا، كما لا يجزع من استُرِدّت منه
وديعةٌ أو عاريةٌ.
وقوله: ((وله ما أعطى)): معناه: أن ما وهبه لكم ليس خارجاً عن ملكه،
بل هو ك يفعل فيه ما يشاء. انتهى.
ولفظ ((ما)) في الموضعين مصدريّة؛ أي: إن لله الأخذ والإعطاء، ويحتمل
أن تكون موصولة، والعائد محذوف؛ للدلالة على العموم، فعلى الأول التقدير
إن الله الأخذَ والإعطاءَ، أي: أخذ الأولاد، وإعطاءهم، أو ما هو أعمّ من
الأولاد، وعلى الثاني: إن لله الذي أخذه من الأولاد، وله الذي أعطى منهم،
أو ما هو أعمّ من ذلك.
(وَكُلَّ شَيْءٍ) أي: من الأخذ والإعطاء، أو من الأنفس، أو ما هو أعمّ
من ذلك (عِنْدَهُ) رَكْ (بِأَجَلِ مُسَمَّى) أي: مقدّر بأجل معلوم، و((الأجل)) يطلق
على الحدّ الأخير، وعلى مجموع العمر.
وقال النوويّ كَُّ: معنى قوله: ((وكل شيء عنده بأجل مسمى)):

١٨٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجنائز
اصبروا، ولا تجزعوا، فإن كل من مات قد انقضى أجله المسمى، فمحال
تقدّمه أو تأخّره عنه، فإذا علمتم هذا كله فاصبروا، واحتسبوا ما نزل بكم،
وهذا الحديث من قواعد الإسلام المشتملة على جُمَل من أصول الدين،
وفروعه، والآداب. انتهى.
(فَمُرْهَا) أي: بالصبر والاحتساب (فَلْتَصْبِرْ، وَلْتَحْتَسِبْ))) أي: تنوي
بصبرها طلب الثواب من ربها، ليُحْسَبَ لها ذلك من عملها الصالح.
(فَعَادَ الرَّسُولُ) أي: رجع من عندها إلى النبيّ ◌َ ﴿ ﴿فَقَالَ: إِنَّهَا قَدْ
أَقْسَمَتْ) أي: حلفت بالله (لَتَأْتِيَّنَّهَا) بفتح اللام، ونون التأكيد المشددة، والجملة
جواب القسم (قَالَ) أسامة (فَقَامَ النَّبِيُّ وَّ) ووقع في حديث عبد الرحمن بن
عوف ظابه عند الطبرانيّ أنها راجعته مرتين، وأنه إنما قام في ثالث مرة،
وكأنها ألَجَّت عليه في ذلك دفعاً لما يظنه بعض أهل الجهل أنها ناقصة المكانة
عنده، أو ألهمها الله تعالى أن حضور نبيّه وَ ل عندها يدفع عنها ما هي فيه من
الألم ببركة دعائه، وحضوره، فحقّق الله ظنها .
والظاهر أنه امتنع أوّلاً مبالغة في إظهار التسليم لربه، أو ليبيّن الجواز في
أن من دُعي لمثل ذلك لم تجب عليه الإجابة، بخلاف الوليمة مثلاً.
(وَقَامَ مَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ) ذُكر منهم في غير هذه الرواية
عبادةُ بن الصامت، وعبد الرحمن بن عَوَّف، وَأَبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ﴿ه، قال
أسامة ربه: (وَانْطَلَقْتُ) أي: ذهبت (مَعَهُمْ) أي: مع النبيّ ◌َّر، والصحابة
المذكورين (فَرُفِعَ) بالبناء للمفعول، قال في ((الفتح)): كذا هنا بالراء، وفي رواية
حماد ((فدُفع)) بالدال، وبيّن في رواية شعبة أنه وُضع في حجره وَّ .
وفي هذا السياق حذف، والتقدير: فمشينا، إلى أن وصلنا إلى بيتها،
فاستأذنّا، فأذن لنا، فدخلنا، فرُفِع، ووقع بعض هذا المحذوف في رواية
عبد الواحد، ولفظه: ((فلما دخلنا، ناولوا رسول الله وَله الصبيّ ... )) (إِلَيْهِ) وَّلـ
(الصَّبِيُّ) وقوله: (وَنَفْسُهُ تَقَعْقَعُ) أصله ((تتقعقع)) فحُذف منه إحدى التاءين، كما
في قوله تعالى: ﴿فَزَّلُ الْمَلَئِكَةُ﴾ [القدر: ٤]، وقوله: ﴿فَنْتَ لَمُ تَصَدَّى
[عبس: ٦]، وقوله: ﴿نَارًا تَظَى﴾ [الليل: ١٤]، قال في ((الخلاصة)):
فِيهِ عَلَى تَاكَ تَبَیَّنُ الْعِبَرْ»
وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ