النص المفهرس
صفحات 1-20
التِ الخَيَظُ التَارةِ (2) في شرح جَخُ الأَمْلِ مُسُلِمُ الحَجَاج لَجَامِعِهِ الْفَقِيُرِ الِصَوْلَه الغَنِ الْقَدِرُ ◌ُقَدَابرُ الشَّهُ العُلَّمَ بَكِّنْ آدَمُ بنُمُوسَى الإِنْيِّوُبِالوَلْوِيّ مُخْوَيَدْمِ الْعِلْمُ بِمَكّة المُكرَّة عَفَا اللَّه تَعَالى عَنْهُ، وَعَنْ وَالدِيُّه آمين المَجَلّدِ التَّامِْن عَشْرُ كتابٌ الكَسُوفٌ - كتاب الجنائز رقم الأحَاديث (٢٠٨٩ - ٢٢٦٢) دارابن الجوزي بِشِـ الفتحِالمُطَ الثَماري في شرح جُخَهُ الأمط مُسْلِم ◌َ الحجا حُقُوق الطِّّع محفوظة لِدَارابن الجوزيّ الطّبعَة الأولى صَفَرٌ ١٤٣٢ هـ حقوق الطبع محفوظة ١٤٣٢هـ، لا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي نظام ميكانيكي أو إلكتروني يمكن من استرجاع الكتاب أو ترجمته إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من الناشر. ـن دارابن U للنشر والتوزيع دارابن الجوزي لِلِنّشرٌّ والتّوزيع المملكة العربية السعودية: الدمام - طريق الملك فهد - ت: ٨٤٢٨١٤٦ - ٨٤٦٧٥٩٣، ص ب: ٢٩٨٢ الرمز البريدي: ٣١٤٦١ - فاكس: ٨٤١٢١٠٠ - الرياض - تلفاكس: ٢١٠٧٢٢٨ - جوال: ٠٥٠٣٨٥٧٩٨٨ الإحساء - ت: ٥٨٨٣١٢٢ - جدة - ت: ٦٣٤١٩٧٣ - ٦٨١٣٧٠٦ - ٠٥٦٣٤٧٦٣٨٨ - بيروت - هاتف: ٠٣/٨٦٩٦٠٠ - فاكس: ٠١/٦٤١٨٠١ - القاهرة - ج.م.ع - محمول: ٠١٠٦٨٢٣٧٨٣ - تلفاكس: ٠٢٤٤٣٤٤٩٧٠ - الإسكندرية - ٠١٦٩٠٥٧٥٧٣ - البريد الإلكتروني: aljawzi@hotmail.com - www.aljawzi.com ٥ ١٠ - كتاب الكسوف براسه الرحمن الرحيم يوم الثلاثاء المبارك وقت أذان صلاة الفجر ١٤٢٧/١٠/٣٠ هـ أول الجزء الثامن عشر من شرح ((صحيح الإمام مسلم)» المسمّى ((البحر المحيط النجّاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج» رحمه الله تعالى. ١٠ - (كِتَابُ الْكُسْوفِ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((الكسوف)) لغةً: التغيُّر إلى سواد، ومنه كَسَفَ وجهُهُ وحالُهُ، وكَسَفَت الشمسُ: اسودّت، وذهب شُعاعها . قال الفيوميّ كَُّ: كَسَفَتِ الشمسُ، من باب ضرب، كُسُوفاً، وكذلك القمر، قاله ابن فارس، والأزهريّ، وقال ابن الْقُوطيّة أيضاً: كَسَفَ القمرُ، والشمسُ، والوجهُ: تَغَيَّرَ، وكسَفَها الله، كَسْفاً، من باب ضرب أيضاً، يتعدى، ولا يتعدّى، والمصدر فارق، ونُقل: انكسفت الشمسُ، فبعضهم يجعله مطاوِعاً، مثل كسرته، فانكسَرَ، وعليه حديث: ((انكسفت الشمس على عهد رسول الله (وَ﴾)، وبعضهم يجعله غَلَطاً، ويقول: كَسَفْتُها، فكَسَفَتْ هي، لا غيرُ، وقيل: الكُسُوف ذَهَاب البعض، والخسوف ذَهَاب الكلّ، وإذا عَدَّيتَ الفعلَ، نصبتَ عنه المفعول باسم الفاعل، كما تنصبه بالفعل، قال جَرير [من البسيط]: الشَّمْسُ طَالِعَةً لَيْسَتْ بِكَاسِفَةٍ تَبْكِي عَلَيْكَ نُجُومَ اللَّيْلِ وَالْقَمَرَا في البيت تقديم وتأخيرٌ، والتقديرُ: الشمسُ في حال طلوعها، وبكائها عليك ليست تكسف النجومَ والقمرَ، لعدم ضوئها . وقال أبو زيد: كَسَفت الشمسُ كُسُوفاً: اسودّت بالنهار، وكسفت الشمسُ النجومَ: غَلَبَ ضوءها على النجوم، فلم يبدُ منها شيء. انتهى. وقال في مادة ((خَسَفَ)): وخَسَفَه اللهُ عَلَ - أي: من باب ضرب - يتعدَّى، ولا يتعدَّى، وخَسَفَ القمرُ: ذهب ضوءه، أو نقص، وهو الكسوف ٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الكسوف أيضاً، وقال ثَعْلَبُ: أجود الكلام: خَسَف القمرُ، وكَسَفت الشمسُ، وقال أبو حاتم في الفَرْق: إذا ذهب بعض الشمس، فهو الكُسُوف، وإذا ذهب جميعه، فهو الخُسُوفُ. انتهى. وقال الإمام البخاريّ تَّتُهُ في ((صحيحه)): ((باب هل يقول: كَسَفَت الشمسُ، أو خَسَفَت؟))، وقال الله تعالى: ﴿وَخَسَفَ اَلْقَمَّرُ (جَ﴾ [القيامة: ٨]. انتھی. قال الزين ابن الْمُنَيِّر دَّتُهُ: أَتَى بلفظ الاستفهام إشعاراً منه بأنه لم يترجح عنده في ذلك شيء. قال الحافظ تَخْدَثُ: ولعله أشار إلى ما رواه ابن عُيينة، عن الزهريّ، عن عروة، قال: ((لا تقولوا: كَسَفت الشمسُ، ولكن قولوا: خَسَفت))، وهذا موقوف صحيح، رواه سعيد بن منصور عنه، وأخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى عنه، لكن الأحاديث الصحيحة تخالفه؛ لثبوتها بلفظ الكسوف في الشمس من طرق كثيرة، والمشهور في استعمال الفقهاء أن الكسوف للشمس، والخسوف للقمر، واختاره ثعلب، وذكر الجوهريّ أنه أفصح، وقيل: يتعين ذلك، وحَكَى عياض عن بعضهم عكسه، وغّطه؛ لثبوته بالخاء في القمر في القرآن، وكأن هذا هو السرّ في استشهاد البخاريّ به في الترجمة، وقيل: يقال بهما في كل منهما، وبه جاءت الأحاديث، ولا شكّ أن مدلول الكسوف لغة غير مدلول الخسوف؛ لأن الكسوف التغيُّر إلى سواد، والخسوف النقصان، أو الذلّ، فإذا قيل في الشمس: كَسَفت، أو خَسَفت؛ لأنها تتغير، ويلحقها النقص، ساغ، وكذلك القمر، ولا يلزم من ذلك أن الكسوف والخسوف مترادفان. وقيل: بالكاف في الابتداء، وبالخاء في الانتهاء، وقيل: بالكاف لذهاب جميع الضوء، وبالخاء لبعضه، وقيل: بالخاء لذهاب كل اللون، وبالكاف لتغيره. انتھی. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تلخّص مما ذُكر أن الراجح جواز إطلاق الكسوف، والخسوف لكل من الشمس، والقمر؛ لورود النصوص الكثيرة بذلك، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب. ٧ (١) - بَابُ بَيَانِ كَيْفِيّةٍ صَلَاةِ الْكُسُوفِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٠٨٩) (١) - (جَابُ بَيَانِ كَيْفِيّةٍ صَلَاةِ الْكُسُوفِ، وَمَا جَاءَ مِنَ الأَمْرِ بِالصَّلَاةِ، وَالذِّكْرٍ، والدُّعَاءِ، وَالصَّدَقَةِ عِنْدَ الْكُسُوفِ) [٢٠٨٩] (٩٠١) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ عَائِشَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ لَّهِ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ وَهِ يُصَلِّي، فَأَطَالَ الْقِيَامَ جِدّاً، ثُمَّ رَكَعَ، فَأَطَالَ الرُّكُوعَ جِدَاً، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ جِدّاً، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ، فَأَطَالَ الرُّكُوعَ جِدّاً، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ قَامَ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ، فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَامَ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ، فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ، وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ، فَخَطَبَ النَّاسَ، فَحَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ مِنْ آيَاتِ اللهِ، وَإِنَّهُمَا لَا يَنْخَسِفَانٍ لِمَوْتٍ أَحَدٍ، وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا، فَكَبِّرُوا، وَادْعُوا اللهَ، وَصَلُّوا، وَتَصَدَّقُوا، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، إِنْ مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرَ مِنَ اللهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ، أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَاللهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ، لَبَكَيْتُمْ كَثِيراً، وَلَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟))، وَفِي رِوَايَةٍ مَالِكِ: (إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ)). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٤٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥٠/٦. ٢ - (مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) إمام دار الهجرة الحجة الثبت، رأس المتقنين، كبير المتثبّتين، [٧] (ت١٧٩) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٧٨. ٣ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، تقدّم في الباب الماضي. ٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الكسوف ٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ حافظ متقنٌ سنّيّ، من كبار [٩] (ت١٩٩) عن (٨٤) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢. ٥ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) الأسديّ، أبو المنذر المدنيّ، ثقةٌ فقيه ربما دلّس [٥] (ت١٤٥) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٥٠. ٦ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن العوام الأسديّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت٩٤) على الصحيح (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص ٤٠٧. ٧ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ﴿ًا، ماتت سنة (٥٧) على الصحيح (ع) تقدّمت في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣١٥. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رَّتُهُ، وله فيه إسنادان فرّق بينهما بالتحويل، وسبب ذلك اختلاف شيخيه، فسند قتيبة بالعنعنة، وسند أبي بكر بالتحديث إلى هشام، وفيه أيضاً بيان أن لفظ الحديث لأبي بكر، وأما قتيبة فرواه بالمعنى، فتنبّه لهذه الدقائق. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أن السند الأول مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه، فهو بغلانيّ، وقد دخل المدينة، والثاني مسلسل من هشام، والباقيان كوفیّان. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن، عن أبيه، عن خالته، وتابعيّ، عن تابعيّ. ٥ - (ومنها): أن عروة أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة، وقد تقدّموا غير مرّة. ٦ - (ومنها): أن فيه عائشة ﴿نا، ذات المناقب الجمّة، فهي أمّ المؤمنين، الصدّيقة ابنة الصدّيق ﴿ها، حبيبة رسول الله وَّر، وبنت حبيبه، قد أنزل الله تعالى براءتها في كتابه، وهي من المكثرين السبعة، روت من الحديث (٢٢١٠)، والله تعالى أعلم. ٩ (١) - بَابُ بَيَانِ كَيْفِيّةٍ صَلَاةِ الْكُسُوفِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٠٨٩) شرح الحديث : (عَنْ عَائِشَةَ) ◌ِّ أنها (قَالَتْ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ) فيه دليل على جواز استعمال الخسوف في الشمس، وهي لغة ثابتة، كما تقدّم(١). (فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ وَ﴿) أي: في وقته بالمدينة، وذلك في السنة العاشرة من الهجرة، كما عليه جمهور أهل السير، في ربيع الأول، أو في رمضان، أو في ذي الحجة في عاشر الشهر، وعليه الأكثر(٢). (فَقَامَ رَسُولُ اللهِ وَهِ يُصَلِّي) فيه أنه ينبغي المبادرة بالصلاة عند الخسوف، لقولها: ((فقام ... إلخ)) بالفاء التعقيبيّة، وهو مشروعيّة صلاة الكسوف جماعة، وهو مذهب الجمهور(٣)، كما سيأتي تحقيقه في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -. وقال في ((الفتح)): استُدِلّ به على أنه وَلّ كان يحافظ على الوضوء، فلهذا لم يحتج إلى الوضوء في تلك الحال، وفيه نظرٌ؛ لأن في السياق حذفاً، ففي رواية ابن شهاب: ((خسفت الشمس، فخرج إلى المسجد، فصفّ الناسُ وراءه))، وفي رواية عمرة: ((فخسفت، فرجع ضُحِّى، فمَرّ بين الْحُجَر، ثم قام يصلي))، وإذا ثبتت هذه الأفعال، جاز أن يكون حذف أيضاً ((فتوضأ، ثم قام يصلي))، فلا يكون نصّاً في أنه كان على وضوء. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله الحافظ احتمالاً قد ثبت نصّاً، ففي رواية النسائيّ (١٤٨١/١٣) من طريق أبي حفصة، عن عائشة رضيًا: ((لما كسفت الشمس على عهد رسول الله وَلهم، توضأ، وأمر، فنودي أن الصلاة جامعة ... )) الحديث، فدلّ على أنه توضأ، غايةُ الأمر أن الراوي اختصر في هذا الحديث ذكر الوضوء، والله تعالى أعلم. (فَأَطَالَ الْقِيَامَ) وفي رواية أبي حفصة المذكورة أن عائشة قالت: ((فحسبت قرأ البقرة))، وفي حديث ابن عباس ﴿ما عند البخاري: ((فقرأ نحواً من سورة البقرة في الركعة الأولى))، ونحوه للنسائيّ، ونحوه لأبي داود، من طريق (١) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٢٩٢/٤. (٢) ((عون المعبود)) ٤١/٤. (٣) ((الإعلام)) ٢٩٢/٤. ١٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الكسوف سليمان بن يسار، عن عروة، وزاد فيه: ((أنه قرأ في القيام من الركعة الثانية نحواً من آل عمران)». وقولها: (جِدّاً) بكسر الجيم، منصوب على المصدر؛ أي: يجدّ جِدّاً(١)، والمراد من هذا القيام قيام القراءة. (ثُمَّ رَكَعَ، فَأَطَالَ الرُّكُوعَ جِدّاً) لم يُذكر في الحدیث له حدّ، قال ابن الملقّن رَّقُهُ: ذكر أصحابنا أنه يطوّله بقدر مائة آية من البقرة، واختار غيرهم أنه لا يطوّله إلا بما لا يضرّ بمن خلفه. انتهى (٢). (ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ جِدّاً، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ) في رواية ابن شهاب الآتية: ((ثم قال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد))، واستُدِلّ به على استحباب الذكر المشروع في الاعتدال في أول القيام الثاني من الركعة الأولى. واستشكله بعض متأخري الشافعية من جهة كونه قيام قراءة، لا قيام اعتدال، بدليل اتفاق العلماء ممن قال بزيادة الركوع في كل ركعة على قراءة الفاتحة فيه، وإن كان محمد بن مسلمة المالكيّ خالف فيه. والجواب أن صلاة الكسوف جاءت على صفة مخصوصة، فلا مدخل للقياس فيها، بل كلُّ ما ثبت أنه ل﴿ فعله فيها كان مشروعاً؛ لأنها أصل برأسه، وبهذا المعنى رَدّ الجمهور على من قاسها على صلاة النافلة، حتى منع من زيادة الركوع فيها . وقد أشار الطحاويّ إلى أن قول أصحابه جرى على القياس في صلاة النوافل، لكن اعتُرِض بأن القياس مع وجود النص يَضْمَحِلّ، وبأن صلاة الكسوف أشبه بصلاة العيد ونحوها، مما يجمع فيه من مطلق النوافل، فامتازت صلاة الجنازة بترك الركوع والسجود، وصلاة العيدين بزيادة التكبيرات، وصلاة الخوف بزيادة الأفعال الكثيرة، واستدبار القبلة، فكذلك اختصت صلاة الكسوف بزيادة الركوع، فالأخذ به جامع بين العمل بالنصّ والقياس، بخلاف من لم يعمل به، قاله في ((الفتح))، وهو تحقيقُ نفيسٌ جدّاً. (١) ((شرح النوويّ)) ٦/ ٢٠٠. (٢) ((الإعلام)) ٢٩٣/٤. ١١ (١) - بَابُ بَيَانِ كَيْفِيّةٍ صَلَاةِ الْكُسُوفِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٠٨٩) (ثُمَّ رَكَعَ، فَأَطَالَ الرُّكُوعَ جِدّاً، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ) قال الحافظ كَّهُ: لم أَرَ في شيء من الطرق بيان ما قال فيه، إلا أن العلماء اتفقوا على أنه لا قراءة فيه، وإنما فيه الذكر من تسبيح وتكبير ونحوهما، ولم يقع في هذه الرواية ذكر تطويل الاعتدال الذي يقع فيه السجود بعده، ولا تطويل الجلوس بين السجدتين. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: أما تطويل الاعتدال الذي بعده السجود، فسيأتي في حديث جابر ظّ الآتي بعد باب، وتكلّم فيه النوويّ، وسيأتي الجواب عنه، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (ثُمَّ سَجَدَ) قال النوويّ كَّلُهُ: هذا مما يَحتجّ به من يقول: لا يطوّل السجود، وحجة الآخرين الأحاديث المصرّحة بتطويله، ويُحْمَل هذا المطلق عليها. انتهى(٢). (ثُمَّ قَامَ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ، فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَامَ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ، فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ وَ﴾ أي: سلّم من الصلاة، وفي رواية النسائيّ من طريق عبد الرحمن بن نَمِر، عن الزهريّ: ((ثمّ تشهّد، ثمّ سلّم)) (وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ) وفي رواية ابن شهاب الآتية: ((وانجلت الشمس قبل أن ينصرف)) (فَخَطَبَ النَّاسَ) فيه مشروعيّة الخطبة للكسوف، قال الحافظ تَّتُهُ: والعجب أن مالكاً رَوَى حديث هشام هذا، وفيه التصريح بالخطبة، ولم يقل به أصحابه، قال: واستُدِلّ به على أن الانجلاء لا يُسقِط الخطبة، بخلاف ما لو انجلت قبل أن يشرع في الصلاة، فإنه يُسقط الصلاة والخطبة، فلو انجلت في أثناء الصلاة أتمّها على الهيئة المذكورة عند من قال بها، وعن أصبغ: يتمها على هيئة النوافل المعتادة. انتهى (٣). (١) ((الفتح)) ٤٠٦/٣. (٣) ((الفتح)) ٤٠٦/٣. (٢) ((شرح النوويّ)) ٦/ ٢٠٠. ١٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الكسوف عند النسائيّ زيادةٌ: (فَحَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ) وفي حديث سمرة ((وشَهِد أن لا إله إلا الله، وشهد أنه عبد الله ورسوله)). قال النوويّ كَّتُهُ: فيه دليلٌ على أن الخطبة يكون أولها الحمد لله، والثناء عليه، ومذهب الشافعيّ أن لفظة ((الحمد لله)) متعيّنة، فلو قال معناها لم تصحّ خطبته. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: في عدم صحة الخطبة بذلك نظرٌ لا يخفى، وقد تقدّم تمام البحث في هذا في ((كتاب الجمعة))، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. (ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ مِنْ آيَاتِ اللهِ) وفي رواية: ((آيتان من آيات الله))؛ أي: علامتان دالّتان على وحدانية الله تعالى، وعظيم قدرته، أو على تخويف العباد من بأس الله تعالى وسطوته، ويؤيّده قوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ ◌ِلْآَيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩]، قاله في ((الفتح))(٢). وقال القرطبيّ تَخَّتُهُ؛ أي: دليلان على وجود الله رَك، وقهره، وكمال قدرته، وخصّهما بالذكر لما وقع للناس من أنهما يخسفان لموت عظيم، وهذا إنما صدر عمن لا علم عنده، ممن ضعف عقله، واختَلَّ فهمه، فردّ النبيّ وَليه عليهم جهالتهم، وتضمّن ذلك الردّ على من قال بتأثيرات النجوم، ثم أخبر بالمعنى الذي لأجله يكسفان، وهو أن الله تعالى يُخَوِّف بهما عباده. [فإن قيل]: فأيُّ تخويف في ذلك، والكسوف أمر عاديّ بحسب تقابل هذه النيّرات، وحجب بعضها لبعض، وذلك يجري مجرى حجب الجسم الكثيف نور الشمس عما يقابله من الأرض، وذلك لا يحصل به تخويفٌ؟. [قلنا]: لا نُسلّم أنّ سبب الكسوف ما ادَّعَوه، ومن أين عَرَفوا ذلك؟ بالعقل أم بالنقل؟، وكلّ واحد منهما إما بواسطة نظر، أو بغير واسطة، ودعوى شيء من ذلك ممنوعةٌ، وغايتهم أن يقولوا: ذلك مبنيّ على أمور هندسيّة ورصديّة تُفضي بسالكها إلى القطع، ونحن نمنع أيضاً ما ذكروه إلى القطع (٣)، وهو أول المسألة. (١) ((شرح النووي)) ٦/ ٢٠٠. (٣) كذا النسخة، ولعله: ((من القطع))، فليُحرّر. (٢) ((الفتح)) ٤٠٢/٣. ١٣ (١) - بَابُ بَيَانِ كَيْفِيّةِ صَلَاةِ الْكُسُوفِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٠٨٩) ولئن سلّمنا ذلك جدلاً، لكنا نقول: يحصل بهما تخويف العقلاء من وجوه متعدّدة، أوضحها أن ذلك مذكّر بالكسوفات التي تكون بين يدي الساعة، ويُمكن أن يكون ذلك الكسوف منها، ولذلك قام ◌َ ﴿﴿ فَزِعاً يخشى أن تقوم وَخَسَفَ الْقَمَرُ الساعة، وكيف لا؟ وقد قال الله تعالى: ﴿َإذَا بَرِقَ الْصَرُّ ﴾ الشَّمْسُ وَاُلْقَمَرُ ﴾﴾ [القيامة: ٧ - ٩]، قال أهل التفسير: جمع بينهما في إذهاب نورهما، وقيل غير ذلك. وأيضاً فإن كلّ ما في هذا العالم علويّه وسُفليّه دليلٌ على نفوذ قدرة الله، وتمام قهره واستغنائه، وعدم مبالاته، وذلك كله يوجب عند العلماء بالله خوفه وخشيته، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اَللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوُاْ﴾ [فاطر: ٢٨]، وخصّ هنا خسوفهما بالتخويف؛ لأنهما أمران علويّان نادران طارئان عظيمان، والنادر العظيم مخوّف موجعٌ بخلاف ما يكثر وقوعه، فإنه لا يحصل منه ذلك غالباً، وأيضاً فَلِمَا وقع فيهما من الغلط الكثير للأمم التي كانت تعبدهما، ولِمَا وَقَعَ للجهّال من اعتقاد تأثيرهما. انتهى كلام القرطبيّ تَظّهُ(١). (وَإِنَّهُمَا لَا يَنْخَسِفَانٍ) بفتح أوله، ويجوز الضمّ، وحكى ابن الصلاح منعه(٢). (لِمَوْتٍ أَحَدٍ، وَلَا لِحَيَاتِهِ) إنما قال ◌َِّ هذا ردّاً عليهم حيث قالوا: كَسَفَت الشمس لموت إبراهيم ابن النبيّ ◌َّ، كما سيأتي في الروايات الآتية. وقال النوويّ كَّلُ: قال العلماء: والحكمة في هذا الكلام أن بعض الجاهلية الضُّلال كانوا يعظمون الشمس والقمر، فبيّن ◌َّ أنهما آيتان مخلوقتان الله تعالى، لا صنع لهما، بل هما كسائر المخلوقات، يطرأ عليهما النقص والتغير كغيرهما، وكان بعض الضلال من المنجِّمين وغيرهم يقول: لا ينكسفان الا لموت عظيم، أو نحو ذلك، فبيّن أن هذا باطل لا يُغْتَرّ بأقوالهم، لا سيما وقد صادف موت إبراهيم رُه. انتهى (٣). [تنبيه]: قال في ((الفتح)): استُشكلت قوله: ((ولا لحياته))؛ لأن السياق إنما ورد في حقّ من ظنّ أن ذلك لموت إبراهيم، ولم يذكروا الحياة. (١) ((المفهم)) ٥٥٢/٢ - ٥٥٣. (٣) ((شرح النووي)) ٦/ ٢٠١. (٢) ((الفتح)) ٤٠٣/٣. ١٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الكسوف والجواب أن فائدة ذكر الحياة دفع توهّم من يقول: لا يلزم من نفي كونه سبباً للفقد أن لا يكون سبباً للإيجاد، فعمّم الشارع النفي؛ لدفع هذا التوهّم. (١) انتھی(١). وتعقّبه الصنعانيّ ◌َّلُهُ، فقال: لا يخفى أن في كلام الحافظ بحثين: الأول أن القائلين: ((كَسَفت الشمس لموت إبراهيم)) جعلوا الكسوف مُسبّباً عن موته، لا سبباً، كما قاله الحافظ. الثاني: أن التوهّم بالكسوف يكون سبباً للإيجاد فيه البحث الأول؛ إذ الكلام في المسبّب لا في السبب، ثم إن كون الكسوف سبباً للإيجاد ليس بمعروف عن العرب، ولا عن غيرهم، ولا مناسبة لذلك أصلاً حتى يُتوهّم، فإنه إنما حصل توهّم أن الكسوف سببٌ عن موت عظيم من عظماء أهل الأرض؛ لأن موته تغيّرٌ في العالم السفليّ، فيناسبه تغيّر في العالم العلويّ، وأعظم آيات السماء المشاهدة الشمس والقمر، فتغيّر نورهما يناسب توهّم أنه لتغيّر الأرض بموت عظيم من العظماء، فإن موته يُحدث في الأرض ظلمة معنويّة، كما قال أنس ◌ُبه: ((لما كان اليوم الذي مات فيه رسول الله ويسير أظلم من المدينة كلُّ شيءٍ))، وهو كثير في المراثي والأشعار، وحينئذ يظهر ما تخيّلوه، وتوهّموه من مناسبة الكسوف لموت عظيم من عظماء الأرض، وأما توهّم أنه يكون كسوفهما مسبّباً عن إيجاد عظيم من عظماء الأرض مثلاً، أو خلوصه من علّة يُخاف عليه منها، أو نحو ذلك، فلا مناسبة لتوهّمه أصلاً، ولا وقع هذا التوهّم لأحد، بل وجوده وعافيته مثلاً تناسب زيادة أنوارهما، وظهور إشراقهما؛ لأن إيجاد العظيم يحدث للأرض وأهلها أنواراً وسُرُوراً، ولذا أضاءت الأنوار بمولده وير على ما قيل في أحاديث المولد، فيناسبه زيادة أنوارهما، وإضاءة العالم، كما قيل [من البسيط]: شَمْسُ الضُّحَى وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْقَمَرُ ثَلَاثَةٌ تُشْرِقُ الدُّنْيَا بِبَهْجَتِهَا فجَعَل مَن تُشرق الدنيا بوجوده ودولته ثالث النّرين، ولا يُعرف عن ذي عقل جعل إيجاد عظيم من عظماء الأرض سبباً لكسوف أحد النّرين. (١) ((الفتح)) ٤٠٣/٣. ١٥ (١) - بَابُ بَيَانِ كَيْفِيّةِ صَلَاةِ الْكُسُوفِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٠٨٩) إذا عرفت هذا عرفت ضعف ما ذكره في ((الفتح)) أو بطلانه. ثم أبدى الصنعانيّ تَُّ ما ظهر له في نكتة زيادة ((ولا لحياته)) إلى ((لموت أحد))، فقال: أراد النبيّ ◌َ ﴿ الاستدلال عليهم في ردّ ما زعموه من أن الكسوف سبب عن موت إبراهيم؛ أي: كما أنها لا تكسف لحياة أحد، ولا يقولونه، ولا يتوهّمونه كذلك لا تنكسف لموته، فكما أنه لا مناسبة عقليّة ولا عاديّة، ولا تخييليّة بين الكسوف والحياة كذلك لا يكسفان لموت أحد كما يتخيّلونه من المناسبة في ذلك، فكما أن هذا باطلٌ بإقراركم فكذلك هنا . وحاصله أنه ◌َّير ساق ما لم يدّعوه في نفيه مساق ما ادّعوه لكونه سبباً في الحكم في النفي، ونظيره ما ذكره أئمة التفسير في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَّةً أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤]، فإنه تعالى نفى الاستقدام؛ أي: طلب التقدّم مع أنه معلومٌ عقلاً إحالته، وأنه لا يُتصوّر طلبه، وضمّه إلى نفي التأخّر الممكن عقلاً؛ إعلاماً بأنه قد صار الممكن كالمحال لبيان حاله. وحاصله أنه قد يُضمّ الممكن إلى المحال لبيان إحالة الممكن، ويُضمّ الواقع إلى غير الواقع؛ لبيان عدم وقوعه، كذلك هنا ضمّ ما لم يقولوه، ولا تخيّلوه في النفي إلى ما قالوه وتخيّلوه؛ لبيان أنهما سواء في الحكم المنفيّ، أحدهما لعدم ادّعائهم له وتخيّلهم، والثاني لنفي الشارع؛ أي: كما أنكم لا تدّعون هذا، فلا تدّعوا هذا. انتهى كلام الصنعانيّ تَُّ ببعض تصرّف(١)، وهو تحقیقُ مفيدٌ. (فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا) أي: رأيتم الشمس والقمر مكسوفين؛ أي: إذا رأيتم كسوف أيٍّ منهما، قيل: لا يقع كسوفهما معاً. وقال في ((الفتح)): والمعنى: إذا رأيتم كسوف كلّ منهما؛ لاستحالة وقوع ذلك فيهما معاً في حالة واحدة عادةً، وإن كان ذلك جائزاً في القدرة الإلهيّة. (٢) انتھی (٢). (١) ((العدة حاشية العمدة)) ٢٠١/٣ - ٢٠٣. (٢) ((الفتح)) ٤٠٢/٣. ١٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الكسوف (فَكَبِّرُوا، وَادْعُوا اللهَ، وَصَلُّوا، وَتَصَدَّقُوا) فيه الحثّ على هذه الطاعات، وهو أمر استحباب، قاله النوويّ دخلتُهُ. واستدلّ به على مشروعيّة الصلاة في خسوف القمر، وسيأتي الكلام عليه قريباً . (يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ) فيه معنى الإشفاق، كما يخاطب الوالد ولده إذا أشفق عليه بقوله: يا بُنيّ، كذا قيل، وكان قضيّة ذلك أن يقول: يا أمتي، لكن لعدوله عن المضمر إلى المظهر حكمة، وكأنها بسبب كون المقام مقام تحذير وتخويف، لما في الإضافة إلى الضمير من الإشعار بالتكريم، ومثله: ((يا فاطمة بنت محمد، لا أُغني عنك من الله شيئاً ... )) الحديث. وفي رواية البخاريّ: ((والله يا أمة محمد))، بتقديم اليمين تأكيداً وتعظيماً الشأن الخبر. (إِنْ مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرَ مِنَ اللهِ) ((إن)) نافية تعمل عمل ((ليس))، ((أحدٌ)) اسمها، و(من)) زائدة، و((أغيرَ)) بالنصب على أنه خبرُها، أو هو مجرور صفة لـ(أحد))، وجرّه بالفتحة؛ لكونه غير منصرف، والخبر محذوف؛ أي: موجود، وفي رواية البخاريّ: ((ما من أحد))، فـ((ما)) حجازيّة إعرابها كإعراب ((إن)) المذكور، ويجوز کون «ما)» تميميّة، کقوله: فَأَجَابَ مَا قَتْلُ الْمُحِبِّ حَرَامُ وَمُهَفْهَفِ الأَعْطَافِ قُلْتُ لَهُ انْتَسِبْ و((أحد)) مبتدأ، و((أغير)) خبره. و((أغير)) أفعل تفضيل، من الغَيْرَة - بفتح الغين المعجمة - وهي في اللغة: تغيّر يحصل من الْحَمِيّة والأَنَفَة، وأصلها في الزوجين، والأَهْلِين، وكلّ ذلك محالٌ على الله تعالى؛ لأنه منزّه عن كلّ تغيّر ونقص، فتعيّن حمله على المجاز، فقيل: لما كانت ثمرة الغيرة صونَ الحريم، ومنعهم، وزجر من يقصد إليهم، أطلق عليه ذلك، لكونه مَنَع من فعل ذلك، وزجر فاعله وتوعّده، فهو من باب تسمية الشيء بما يترتّب عليه. وقال ابن فُورك: المعنى: ما أحد أكثر زجراً عن الفواحش من الله، وقال: غيرة الله ما يُغيّر من حال العاصي بانتقامه منه في الدنيا والآخرة، أو في أحدهما، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمُ﴾ الآية [الرعد: ١١]. ١٧ (١) - بَابُ بَيَانِ كَيْفِيّةٍ صَلَةِ الْكُسُوفِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٠٨٩) وقال ابن دقيق العيد: أهل التنزيه في مثل هذا على قولين: إما ساكت، وإما مؤوّل على أن المراد بالغيرة شدّة المنع والحماية، فهو من مجاز الملازمة. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا ادَّعَوُا المجاز هنا، والصواب أنه لا مجاز هنا، ولا محال(١)، فإن الله ◌ُعَلَ له الغيرة على المعنى اللائق بجلاله وعظمته، وإنما يلزم المحال إذا قلنا: له غيرة كغيرة خلقه، وأما إذا قلنا: غيرة تليق بجلاله، وعظمته، لا تشبه غيرة خلقه، ولا نعلم كنهها، وكيفيتها، فهذا حقّ، وهو مذهب السلف الصالح، كسائر صفاته، من النزول، والاستواء، والرضا، والغضب، والمحبة، والتعجّب، ونحوها، مما ورد في النصوص الصحيحة، فكلها ثابتة له على ظاهرها، وإنما المجهول لنا كيفيتها، ﴿لَيِّسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، والله منَ أعلم بالصواب. وقال الطيبي وغيره: وجه اتصال هذا المعنى بما قبله من قوله: ((فاذكروا الله ... إلخ)) من جهة أنهم لما أُمروا باستدفاع البلاء بالذكر، والدعاء، والصلاة، والصدقة، ناسبَ رَدْعهم عن المعاصي التي هي من أسباب جلب البلاء، وخصّ منها الزنا؛ لأنه أعظم في ذلك، وقيل: لَمّا كانت هذه المعصية من أقبح المعاصي، وأشدّها تأثيراً في إثارة النفوس، وغلبة الغضب ناسب ذلك تخويفهم في هذا المقام من مؤاخذة رب الغيرة، وخالقها تُعَالَ . انتھی . (أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ، أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ) ((أن)) مصدريّة، والجملة في تأويل المصدر، مجرور بحرف جرّ مقدّر؛ أي: لزنا عبده، أو زنا أمته، قال (١) قال شيخ الإسلام ابن تيميّة كلفهُ في ردّ الشبهة التي أثاروها في مسألة الغيرة، قال: وقول القائل: إن هذه - يعني: الغيرة - انفعالات نفسانيّة، فيقال: كلّ ما سوى الله مخلوق منفعل، ونحن وذواتنا منفعلة، فكونها انفعالات فينا لغيرنا نعجز عن دفعها لا يوجب أن يكون الله منفعلاً لها عاجزاً عن دفعها، وكان كل ما يجري في الوجود، فإنه بمشيئته وقدرته، لا يكون إلا ما يشاء، ولا يشاء إلا ما يكون، له الملك، وله الحمد. انتهى. ((مجموع الفتاوى)) ١٢٠/٦. ١٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الكسوف الحافظ نَّثُهُ: ولعلّ تخصيص العبد والأمة بالذكر رعاية لحسن الأدب مع الله تعالى؛ لتنزّهه عن الزوجة، والأهل ممن يتعلّق بهم الغيرة غالباً. انتهى. (يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَاللّهِ) صدّر ◌َّيرِ كلامه باليمين؛ لإرادة التأكيد للخبر، وإن كان لا يُرتاب في صدقه (لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ) أي: من عظيم قدرة الله، وانتقامه من أهل الإجرام، وقيل: معناه لو دام علمكم كما دام علمي؛ لأنه متواصل بخلاف غيره، وقيل: معناه لو علمتم من سعة رحمة الله، وحلمه، وغير ذلك ما أعلم لبكيتم على ما فاتكم من ذلك. وقال القرطبيّ تَخُّْهُ: يعني: ما يعلم هو من أمور الآخرة، وشدّة أهوالها، ومما أُعدّ في النار من عذابها وأنكالها، ومما أُعدّ في الجنّة، من نعيمها وثوابها، فإنه ◌َّ قد كان رأى كلّ ذلك مشاهدةً وتحقيقاً، ولذلك كان وعَ ظله متواصل الأحزان، قليل الضحك، جلُّهُ التبسّم. انتهى(١). (لَبَكَيْتُمْ كَثِيراً، وَلَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً) قال الباجيّ ◌َُّ: یرید ◌َ أن الله تعالى قد خصّه بعلم لا يعلمه غيره، ولعله ما رآه في مقامه من النار، وشناعة منظرها . وقال النوويّ تَخْلَثُ: لو تعلمون من عظم انتقام الله تعالى من أهل الجرائم، وشدّة عقابه، وأهوال القيامة، وما بعدها كما علمت، وترون النار كما رأيت في مقامي هذا وفي غيره، لبكيتم كثيراً، ولقلّ ضحككم لفكركم فيما علمتموه . ولا يخفى أنهم علموا بواسطة خبره إجمالاً، فالمراد التفصيل، كعلمه *، فالمعنى: لو تعلمون ما أعلم كما أعلم، والله تعالى أعلم، قاله السنديّ نَاتُهُ. وقال في ((الإعلام)): وقيل: معناه: لو دام علمكم كما يدوم علمي به لبكيتم؛ لأن علوم الأنبياء متواصلة لا يلحقها سهو، وعلومنا يدخل عليها الغفلات والجهالات بالانهماك في الشهوات، فتركن النفوس إلى البطالة حتى تصدأ، فلا يصقلها إلا الذكر. (١) ((المفهم)) ٢/ ٥٥٧. ١٩ (١) - بَابُ بَيَانِ كَيْفِيّةِ صَلَاةِ الْكُسُوفِ، ... إلخ - حديث رقم (٢٠٨٩) وقال ابن بزيزة: يَحْتَمِل أن يكون المعنى: إنكم لو علمتم من رحمة الله تعالى وحلمه وعفوه عن ذنوب خلقه، ومعاني كرمه ما أعلم لبكيتم كثيراً، ولضحكتم قليلاً، فبكاؤكم إذ لم تفهموا من ذلك ما فهمت، ولم تعلموا منه ما علمت، وينشأ هذا عن مطالعة جمال الله تعالى، ونعوت أفضاله، ومشاهدة النعم الواسعة التي لا تقصر عن شيء. انتهى (١). وقال الحافظ تَقْدَثُ: قيل: معنى القلّة هنا العدم، والتقدير: لتركتم الضحك، ولم يقع منكم إلا نادراً؛ لغلبة الخوف، واستيلاء الحزن. وحَكَى ابن بطال عن المهلَّب أن سبب ذلك ما كان عليه الأنصار من محبة اللهو والغناء، وأطال في تقرير ذلك بما لا طائل فيه، ولا دليل عليه، ومن أين له أن المخاطَب بذلك الأنصار دون غيرهم؟ والقصة كانت في أواخر زمنه وال حيث امتلأت المدينة بأهل مكة، ووفود العرب، وقد بالغ الزين ابن الْمُنَيِّرِ في الردّ عليه، والتشنيع بما يُستَغنَى عن حكايته. انتهى(٢). [فائدة]: قال الحافظ ابن منده كَّثُ في ((مستخرجه)): قوله: ((لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيراً)) رواه مع عائشة عشرة من الصحابة (٣) انتھی(٣) . (أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟)) قال النوويّ كَثْتُهُ: معناه ما أمرت به من التحذير والإنذار، وغير ذلك، مما أرسل به، والمراد تحريضهم على تحفّظه، واعتنائهم به؛ لأنه مأمور بإنذارهم. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: ((ألا)) أداة استفتاح وتنبيه، و((هل)) يَحْتَمل أن تكون ((هل)) هنا بمعنى ((قد))، كما قيل في قوله تعالى: ﴿هَلْ أَ عَلَى الْإِنسَنِ حِينٌ مِّنَ الذَّهْرِ﴾ الآية [الإنسان: ١]. ويَحْتَمِل أن تكون للاستفهام التقريريّ، أو هي للاستفهام الحقيقيّ، بمعنى أنه وَلّ سألهم هل بلّغهم ما أُمر به، أم لا؟. والاحتمال الأول هو الأولى؛ لأنه يقوّيه قوله في رواية أبي معاوية (١) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٣٠٧/٤ - ٣٠٨. (٢) ((الفتح)) ٤٠٨/٣. (٣) ((الإعلام)) ٣٠٨/٤. ٢٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الكسوف التالية: ((اللهم هل بلّغت؟))، فإن الاستفهام فيه بعيد، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقوله: (وَفِي رِوَايَةٍ مَالِك: ((إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانٍ مِنْ آيَاتِ اللهِ)) يعني: أن في روايته زيادة لفظة (آيتان))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ◌َّا هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٠٨٩/١ و٢٠٩٠ و٢٠٩١ و٢٠٩٢ و ٢٠٩٣ و٢٠٩٦ و٢٠٩٧] (٩٠١)، و(البخاريّ) في ((الكسوف)) (١٠٤٤ و١٠٤٦ و١٠٤٧ و١٠٥٠ و١٠٥٦ و١٠٥٨ و١٠٦٤ و١٠٦٥ و١٠٦٦) و((العمل في الصلاة)) (١٢١٢) و((بدء الخلق)) (٣٢٠٣) و((التفسير)) (٤٦٢٤)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (١١٨٠)، و(النسائيّ) في ((الكسوف)) (١٣٢/٣)، و(ابن ماجه) في ((إقامة الصلاة)) (١٢٦٣)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (١٣٨٧)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٨٤٢)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٤٤٦ و٢٤٤٧ و٢٤٤٨ و٢٤٤٩ و٢٤٥٠)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٢٠٢٧ و٢٠٢٨ و٢٠٢٩ و٢٠٣١ و٢٠٣٠)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٢١/٣)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (١١٤٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان ثبوت الكسوف للشمس والقمر. ٢ - (ومنها): كون الشمس والقمر آيتين دالتين على عظيم قدرة الله تعالی. ٣ - (ومنها): أن تغيّرهما بالانكساف ليس لموت أحد من العظماء، كما هو زعم الجاهلية، بل بتقدير الله تعالى، وحكمته البالغة. ٤ - (ومنها): أن الله ◌ُعَلَ إنما يغير بعض مخلوقاته تخويفاً لعباده، حتى يرتدعوا عن معاصيهم، ويتوبوا إليه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِلَيَتِ إِلَّا تخويفًا﴾ [الإسراء: ٥٩].