النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١ (١٧) - بَابُ بَيَانِ الأَمْرِ بِرَكْعَتَي تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ، وَالإِمَامُ يَخْطُبُ - حديث رقم (٢٠١٨) الأحراس ليُجلسوه، فأبى حتى صلى الركعتين، وقال: ما كنت أدعهما لشيء بعد شيء رأيته من رسول الله صله، وذكر الحديث. قال ابن المنذر تَخُّهُ: وفي قوله: ((إذا جاء أحدكم إلى الجمعة، والإمام يخطب، فليركع ركعتين)) بعد أن علّم سُليكاً أبينُ البيان بأن ذلك عامّ للناس. انتهى كلام ابن المنذر كَّلُ باختصار(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الإمام ابن المنذر كَّهُ في هذه المسألة، ورجَّحه حسنٌ جدّاً. وقد حقق البحث في هذه المسألة الحافظ تَّتُهُ في ((الفتح))، فذكر أدلّة الفريقين، وناقشها بما لا يوجد في غيره، فقال: واستُدلّ به على أن الخطبة لا تمنع الداخل من صلاة تحية المسجد. وتُعُقّب بأنها واقعة عين لا عُموم لها، فيحتمل اختصاصها بسُليك، ويدلّ عليه قوله في حديث أبي سعيد الذي أخرجه أصحاب ((السنن)) وغيرهم: جاء رجل، والنبيّ وَّه يخطب، والرجل في هيئة بَذَّة، فقال له: ((أصليت؟))، قال: لا، قال: ((صلّ ركعتين، وحَضَّ الناس على الصدقة ... )) الحديث، فأَمَرَهُ أن يصلي ليراه بعض الناس، وهو قائم، فيُتَصدَّق عليه. ويؤيِّده أن في الحديث عند أحمد أن النبيّ وَّ وقال: ((إن هذا الرجل دخل المسجد في هيئة بذّة، فأمرته أن يُصلي ركعتين، وأنا أرجو أن يَفطن له رجل، فيُتَصدّقَ علیه)). وعُرف بهذه الرواية الردّ على من طعن في هذا التأويل، فقال: لو كان كذلك لقال لهم: إذا رأيتم ذا بَذَّةٍ، فتصدّقوا عليه، أو إذا كان أحد ذا بذّة، فلیقم، فلیرکع حتی یتصدّق الناس عليه. والذي يظهر أنه لو كان يعتني في مثل هذا بالإجمال دون التفصيل، كما كان يصنع عند المعاتبة. ومما يُضعف الاستدلال به أيضاً على جواز التحية في تلك الحال أنهم أطلقوا أن التحية تفوت بالجلوس. (١) ((الأوسط)) ٤ / ٩٤ - ٩٦. ٣٤٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة وورد أيضاً ما يُؤكّد الخصوصية، وهو قوله ◌َ ﴿ لسليك في آخر الحديث: ((ولا تعودنّ لمثل هذا)). أخرجه ابن حبان. انتهى ما اعتلّ به من طَعَنَ في الاستدلال بهذه القصّة على جواز التحيّة. وكله مردود؛ لأن الأصل عدم الخصوصيّة، والتعليل بكونه ◌َ﴾ قصد التصدق عليه لا يمنع القول بجواز التحية، فإن المانعين منها لا يُجيزون التطوّع لعلة التصدّق. قال ابن المنيّر في ((الحاشية)): لو ساغ ذلك لساغ مثله في التطوّع عند طلوع الشمس، وسائر الأوقات المكروهة، ولا قائل به. ومما يدلّ على أن أمره بالصلاة لم ينحصر في قصد التصدّق معاودته وَله بأمره بالصلاة أيضاً في الجمعة الثانية بعد أن حَصَّلَ له في الجمعة الأولى ثوبين، فدخل بهما في الثانية، فتصدّق بأحدهما، فنهاه النبيّ وَلّر عن ذلك، أخرجه النسائيّ، وابن خزيمة من حديث أبي سعيد أيضاً، ولأحمد، وابن حبان أنه كرر أمره بالصلاة ثلاث مرّات في ثلاث جمع، فدلّ على أن قصد التصدّق عليه جزء علّة، لا علّة كاملة. وأما إطلاق من أطلق أن التحيّة تفوت بالجلوس، فقد حَكَى النووي في ((شرح مسلم)) عن المحققين أن ذلك في حق العامد العالم (١)، أما الجاهل، أو الناسي فلا، وحالُ هذا الداخل محمولة في الأولى على أحدهما، وفي المرّتين الأخريين على النسيان. والحامل للمانعين على التأويل المذكور أنهم زعموا أن ظاهره معارض للأمر بالإنصات، والاستماع للخطبة. قال ابن العربي: عارض قصّةَ سُليك ما هو أقوى منها، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، وقوله وَّهِ: ((إذا قلتَ لصاحبك: أنصتْ، والإمام يخطب يوم الجمعة، فقد لغوت))، متفق عليه. قال: فإذا امتنع الأمر بالمعروف، وهو أمر اللاغي بالإنصات مع قصر زمنه، فمنع التشاغل بالتحيّة مع طول زمنها أولى. (١) قد سبق لك ترجيح القول بعدم الفوات بالجلوس للعامد أيضاً، فلا تغفل. ٣٤٣ (١٧) - بَابُ بَيَانِ الأَمْرِ بِرَكْعَتَي تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ، وَالإِمَامُ يَخْطُبُ - حديث رقم (٢٠١٨) وعارضوا أيضاً بقوله وَله، وهو يخطب للذي دخل يتخطى رقاب الناس: ((اجلس، فقد آذيت))، أخرجه أبو داود، والنسائيّ، وصححه ابن خزيمة، وغيره من حديث عبد الله بن بُسر، قالوا: فأمره بالجلوس، ولم يأمره بالتحيّة. وروى الطبرانيّ من حديث ابن عمر، رفعه: ((إذا دخل أحدكم، والإمام على المنبر، فلا صلاة، ولا كلام، حتى يفرغ الإمام)). والجواب عن ذلك كلّه أن المعارضة التي تؤول إلى إسقاط أحد الدليلين إنما يُعمل بها عند تعذّر الجمع، والجمع هنا ممكن: أما الآية، فليست الخطبة كلها قرآناً، وأما ما فيها من القرآن، فالجواب عنه كالجواب عن الحديث، وهو تخصيص عمومه بالداخل. وأيضاً فمصلي التحيّة يجوز أن يُطلق عليه أنه منصت، فقد تقدّم في افتتاح الصلاة من حديث أبي هريرة ربه، أنه قال: ((يا رسول الله سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول فيه؟)) فأطلق على القول سرّاً السكوتَ. وأما حديث ابن بُسْر ◌َظُه، فهو أيضاً واقعة عين لا عموم فيها، فيَحْتَمِل أن يكون ترك أمره بالتحيّة قبل مشروعيتها، وقد عارض بعضهم في قصّة سُليك بمثل ذلك. ويَحْتَمِل أن يُجمَعَ بينهما بأن يكون قوله له: ((اجلس)) أي: بشرطه، وقد عُرِف قوله للداخل: ((فلا تجلس حتى تصلي ركعتين))، فمعنى قوله: ((اجلس))؛ أي: لا تتخطّ، أو ترك أمره بالتحيّة؛ لبيان الجواز، فإنها ليست واجبة، أو لكون دخوله وقع في أواخر الخطبة بحيث ضاق الوقت عن التحيّة، وقد اتفقوا على استثناء هذه الصورة. ويَحْتَمِل أن يكون صلى التحيّة في مؤخّر المسجد، ثم تقدّم ليقرب من سماع الخطبة، فوقع منه التخطي، فأنكر عليه. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن هذا الوجه هو الأولى والأقرب في الجواب من جميع الاحتمالات المذكورة، والله تعالى أعلم. قال: والجواب عن حديث ابن عمر ﴿يا بأنه ضعيف، فيه أيوب بن نَهيك، وهو منكر الحديث، قاله أبو زرعة، وأبو حاتم، والأحاديث الصحيحة لا تُعَارَضُ بمثله. ٣٤٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة وأما قصّة سُليك، فقد ذكر الترمذيّ أنها أصحّ شيء رُوي في هذا الباب، وأقوى. وأجاب المانعون أيضاً بأجوبة غير ما تقدّم، اجتمع لنا منها زيادة على عشرة، أوردتها مُلخّصةً مع الجواب عنها، لتُستَفاد: الأول: قالوا: إنه وس# لما خاطب سُليكاً سكت عن خطبته حتى فرغ سُليك من صلاته، فعلى هذا فقد جمع سُليك بين سماع الخطبة، وصلاة التحيّة، فليس فيه حجة لمن أجاز التحية، والخطيب يخطب. والجواب أن الدارقطنيّ الذي أخرجه من حديث أنس قد ضعفه، وقال: إن الصواب أنه من رواية سليمان التيميّ مرسلاً، أو معضَلاً. وقد تعقبه ابن المنيّر في ((الحاشية)) بأنه لو ثبت لم يَسُغ على قاعدتهم؛ لأنه يستلزم جواز قطع الخطبة لأجل الداخل، والعمل عندهم لا يجوز قطعه بعد الشروع فيه، لا سيما إذا كان واجباً . الثاني: لما تشاغل النبيّ وَّه بمخاطبة سُليك سقط فرض الاستماع عنه؛ إذ لم يكن منه حينئذ خطبة لأجل تلك المخاطبة. قاله ابن العربي، وادعى أنه أقوى الأجوبة. وتُعُقّب بأنه من أضعفها؛ لأن المخاطبة لما انقضت رجع رسول الله وَلـ إلى خطبته، وتشاغل سليك بامتثال ما أَمَره به من الصلاة، فصحّ أنه صلى في حال الخطبة. الثالث: قيل: كانت هذه القصة قبل شروعه وَّ في الخطبة، ويدلّ عليه قوله في رواية الليث عند مسلم: ((والنبيّ وَّ قاعد على المنبر)). وأجيب بأن القعود على المنبر لا يختصّ بالابتداء، بل يَحْتَمِل أن يكون بين الخطبتين أيضاً، فيكون كلمه بذلك، وهو قاعد، فلما قام ليصلي قام النبيّ وَ﴿ للخطبة؛ لأن زمن القعود بين الخطبتين لا يطول. ويَحْتَمِل أيضاً أن يكون الراوي تجوّز في قوله: ((قاعد))؛ لأن الروايات الصحيحة كلها مُطْبِقة على أنه دخل، والنبيّ وَّ يخطب. الرابع: قيل: كانت هذه القصّة قبل تحريم الكلام في الصلاة. وتُعقّب بأن سُليكاً متأخر الإسلام جدّاً، وتحريم الكلام متقدِّم، كما مرّ ٣٤٥ (١٧) - بَابُ بَيَانِ الأَمْرِ بِرَكْعَتَي تَحِيَّةِ الْمَسْجِدٍ، وَالإِمَامُ يَخْطُبُ - حديث رقم (٢٠١٨) في موضعه، فكيف يُدّعَى نسخ المتأخّر بالمتقدّم، مع أن النسخ لا يثبت بالاحتمال. وقيل: كانت قبل الأمر بالإنصات، وقد تقدّم الجواب عنه، وعورض هذا الاحتمال بمثله في الحديث الذي استدلّوا به، وهو ما أخرجه الطبراني عن ابن عمر ◌ًّا: ((إذا خرج الإمام، فلا صلاة، ولا كلام))؛ لاحتمال أن يكون ذلك قبل الأمر بصلاة التحيّة، والأولى في هذا أن يُقال - على تقدير تسليم ثبوت رفعه -: يخصّ عمومه بحديث الأمر بالتحية خاصة، كما تقدَّم. الخامس: قيل: اتفقوا على أنّ منع الصلاة في الأوقات المكروهة، يستوي فيه من كان داخل المسجد أو خارجه، وقد اتفقوا على أن من كان داخل المسجد يمتنع عليه التنفّل حال الخطبة، فليكن الآتي كذلك، قاله الطحاويّ. وتُعُقّب بأنه قياس في مقابلة النّصّ، فهو فاسد، وما نقله من الاتفاق وافقه عليه الماورديّ وغيره. وقد شذّ بعض الشافعية، فقال: ينبني على وجوب الإنصات، فإن قلنا به امتنع التنفّل، وإلا فلا. السادس: قيل: اتفقوا على أن الداخل، والإمام في الصلاة تسقط عنه التحية، ولا شكّ أن الخطبة صلاة، فتسقط عنه فيها أيضاً. وتُعُقّب بأن الخطبة ليست صلاةً من كل وجه، والفرق بينهما ظاهر من وجوه كثيرة، والداخل في حال الخطبة مأمور بشغل البقعة بالصلاة قبل جلوسه، بخلاف الداخل في حال الصلاة، فإن إتيانه بالصلاة التي أقيمت يحصل المقصود، هذا مع تفريق الشارع بينهما، فقال: ((إذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة))، وقد وقع في بعض طرقه: ((فلا صلاة إلا التي أُقيمت))، ولم يقل ذلك في حال الخطبة، بل أمرهم فيها بالصلاة. السابع: قيل: اتفقوا على سقوط التحيّة عن الإمام مع كونه يجلس على المنبر، مع أن له ابتداء الكلام في الخطبة دون المأموم، فيكون ترك المأموم التحية بطريق الأولى. ٣٤٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة وتُعُقّب بأنه أيضاً قياس في مقابلة النصّ، فهو فاسد، ولأن الأمر وقع مقيّداً بحال الخطبة، فلم يتناول الخطيب. وقال الزين ابن المنير: منع الكلام إنما هو لمن شهد الخطبة، لا لمن خطب، فكذلك الأمر بالإنصات، واستماع الخطبة. الثامن: قيل: لا نُسلّم أن المراد بالركعتين المأمور بهما تحيّة المسجد، بل يَحْتَمِل أن تكون صلاة فائتة، كالصبح مثلاً، قاله بعض الحنفيّة، وقوّاه ابن المنيّر في ((الحاشية))، وقال: لعله وَّ ر كان كُشف له عن ذلك، وإنما استفهمه مُلاطفةً له في الخطاب، قال: ولو كان المراد بالصلاة التحيّةَ لم يحتج إلى استفهامه؛ لأنه قد رآه لَمّا دخل. وقد تولّى ردّه ابن حبان في ((صحيحه))، فقال: لو كان كذلك لم يتكرر أمره له بذلك مرّةً أخرى، ومن هذه المادّة قولهم: إنما أمره بسنة الجمعة التي قبلها، ومستندهم قوله في قصّة سُليك عند ابن ماجه: ((أصليت قبل أن تجيء))؛ لأن ظاهره قبل أن تجيء من البيت، ولهذا قال الأوزاعيّ: إن كان صلى في البيت قبل أن يجيء، فلا يصلي إذا دخل المسجد. وتعقّب بأن المانع من صلاة التحيّة لا يُجيز التنفل حال الخطبة مطلقاً. ويَحْتَمِل أن يكون معنى: ((قبل أن تجيء)) أي: إلى الموضع الذي أنت به الآن، وفائدة الاستفهام احتمال أن يكون صلاها في مؤخر المسجد، ثم تقدّم ليقرب من سماع الخطبة، كما تقدم في قصة الذي تخطى، ويؤكده أن في رواية لمسلم: ((أصليت الركعتين)) بالألف واللام، وهو للعهد، ولا عهدَ هناك أقرب من تحيّة المسجد، وأما سنة الجمعة التي قبلها، فلم يثبت فيها شيء، كما سیأتي في بابه. التاسع: قيل: لا نسلم أن الخطبة المذكورة كانت للجمعة، ويدلّ على أنها كانت لغيرها قوله للداخل: ((أصليت))؛ لأن وقت الصلاة لم يكن دخل. وهذا ينبني على أن الاستفهام وقع عن صلاة الفرض، فيحتاج إلى ثبوت ذلك، وقد وقع في حديث الباب، وفي الذي بعده أن ذلك كان يوم الجمعة، فهو ظاهر في أن الخطبة كانت لصلاة الجمعة. قال جماعة، منهم القرطبيّ: أقوى ما اعتمده المالكية في هذه المسألة ٣٤٧ (١٧) - بَابُ بَيَانِ الأَمْرِ بِرَكْعَتَّي تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ، وَالإِمَامُ يَخْطُبُ - حديث رقم (٢٠١٨) عمل أهل المدينة خلفاً عن سلف من لدن الصحابة إلى عهد مالك أن التنفل في حال الخطبة ممنوع مطلقاً . وتُعُقّب بمنع اتفاق أهل المدينة على ذلك، فقد ثبت فعل التحيّة عن أبي سعيد الخدريّ، وهو من فقهاء الصحابة، من أهل المدينة، وحمله عنه أصحابه من أهل المدينة أيضاً . فَرَوَى الترمذيّ، وابن خُزيمة، وصححاه عن عياض بن أبي سرح: ((أن أبا سعيد الخدريّ دخل، ومروان يخطب، فصلى الركعتين، فأراد حَرَس مروان أن يمنعوه، فأبى حتى صلاهما، ثم قال: ما كنت لأدعهما بعد أن سمعت رسول الله (* يأمر بهما)). انتهى. ولم يثبت عن أحد من الصحابة صريحاً ما يخالف ذلك. وأما ما نقله ابن بطال عن عمر، وعثمان، وغير واحد من الصحابة من المنع مطلقاً، فاعتماده على روايات عنهم، فيها احتمالات، كقول ثعلبة بن أبي مالك: ((أدركت عمر، وعثمان - وكان الإمام - إذا خرج تركنا الصلاة)). ووجه الاحتمال أن يكون ثعلبة عَنَى بذلك من كان داخل المسجد خاصّة. قال الحافظ العراقيّ في ((شرح الترمذيّ)): كلّ من نقل عنه - يعني: من الصحابة - منع الصلاة، والإمام يخطب محمول على من كان داخل المسجد؛ لأنه لم يقع عن أحد منهم التصريح بمنع التحيّة، وقد ورد فيها حديث يخصّها، فلا تترك بالاحتمال. انتهى. قال الحافظ: ولم أقف على ذلك صريحاً عن أحد من الصحابة. وأما ما رواه الطحاويّ عن عبد الله بن صفوان أنه دخل المسجد، وابن الزبير يخطب، فاستلم الركن، ثم سلّم عليه، ثم جلس، ولم يركع. وعبد الله بن صفوان، وعبد الله بن الزبير صحابيّان صغيران، فقد استدلّ به الطحاويّ، فقال: لَمّا لم ينكر ابن الزبير على ابن صفوان، ولا من حضرهما من الصحابة ترك التحيّة دلّ على صحة ما قلناه. وتُعُقّب بأن تركهم النكير لا يدلّ على تحريمها، بل يدلّ على عدم وجوبها، ولم يقل به مخالفوهم. ٣٤٨ البحر المحيط الثجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة وسيأتي في أواخر الكلام على هذا الحديث البحث في أن صلاة التحيّة، هل تعمّ كلّ مسجد، أو يُستثنى المسجد الحرام؛ لأن تحيته الطواف؟، فلعل ابن صفوان كان يرى أن تحيّته استلام الركن فقط. قال الجامع عفا الله عنه: كون تحيّة المسجد الحرام الطوافَ فيه نظرٌ، بل الصواب أن تحيّته هي الصلاة، فمن طاف وصلى ركعتين، فلم يخرج من كونه صلى ركعتي التحيّة؛ لأنه لم يجلس قبلهما . والحاصل أن الأمر بركعتي التحيّة يشمل من دخل المسجد الحرام، وأن ركعتي الطواف يتأدّى بهما الأمران جميعاً، فتبصّر، والله تعالى أعلم. قال: وهذه الأجوبة التي قدّمناها تندفع من أصلها بعموم قوله وَّ في حديث أبي قتادة ظُه: ((إذا دخل أحدكم المسجد، فلا يجلس حتى يُصلي ركعتين))، متفق عليه، وقد تقدّم الكلام عليه. وورد أخصّ منه في حال الخطبة، ففي رواية شعبة، عن عمرو بن دينار، قال: سمعت جابر بن عبد الله ما يقول: قال رسول الله وَله، وهو يخطب: ((إذا جاء أحدكم، والإمام يخطب - أو قد خرج - فليُصلّ ركعتين)) متفق عليه أيضاً، ولمسلم من طريق أبي سفيان، عن جابر نظره، أنه قال ذلك في قصّة سُليك، ولفظه بعد قوله: ((فاركعهما، وتجَوَّزْ فيهما)): ثم قال: ((إذا جاء أحدكم يوم الجمعة، والإمام يخطب، فليركع ركعتين، وليتجوّز فيهما)). قال النوويّ كَّلُهُ: هذا نصّ لا يتطرّق إليه التأويل، ولا أظنّ عالِماً يبلغه هذا اللفظ، ويعتقده صحيحاً، فيخالفه. وقال أبو محمد بن أبي جمرة: هذا الذي أخرجه مسلم نصّ في الباب، لا يحتمل التأويل. وحكى ابن دقيق العيد أن بعضهم تأوّل هذا العموم بتأويل مستكره. وكأنه يُشير إلى بعض ما تقدّم من ادّعاء النسخ، أو التخصيص. وقد عارض بعض الحنفية والشافعيّةً بأنهم لا حجة لهم في قصّة سُليك؛ لأن التحيّة عندهم تسقط بالجلوس، وقد تقدّم جوابه. وعارض بعضهم بحديث أبي سعيد رضيُه رفعه: ((لا تصلّوا، والإمام یخطب)). ٣٤٩ (١٧) - بَابُ بَيَانِ الأَمْرِ بِرَكْعَتَي تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ، وَالِإِمَامُ يَخْطُبُ - حديث رقم (٢٠١٨) وتعقّب بأنه لا يثبت، وعلى تقدير ثبوته، فيخصّ عمومه بالأمر بصلاة التحيّة. وبعضهم بأن عمر ربه لم يأمر عثمان به بصلاة التحيّة مع أنه أنكر عليه الاقتصار على الوضوء. وأجيب باحتمال أن يكون صلّاهما. [فائدة]: قيل: يُخصّ عموم حديث الباب بالداخل في آخر الخطبة، كما تقدّم. قال الشافعيّ تَخَّتُهُ: للإمام أن يأمر الآتي بالركعتين، ويزيد في كلامه ما يُمكنُّهُ الإتيان بهما قبل إقامة الصلاة، فإن لم يفعل كرهت ذلك. وحَكَى النوويّ عن المحققين أن المختار إن لم يفعل أن يقف حتى تقام الصلاة؛ لئلا يكون جالساً بغير تحيّة، أو متنفّلاً حال إقامة الصلاة. واستثنى المحامليّ المسجد الحرام؛ لأن تحيّته الطواف. قال الحافظ تَخُّْ: وفيه نظر؛ لطول زمن الطواف بالنسبة إلى الركعتين. والذي يظهر من قولهم: إن تحية المسجد الحرام الطواف، إنما هو في حقّ القادم؛ ليكون أول شيء يفعله الطواف، وأما المقيم، فحكم المسجد الحرام وغيره في ذلك سواء، ولعل قول من أطلق أنه يبدأ في المسجد الحرام بالطواف؛ لكون الطواف يعقبه صلاة الركعتين، فيحصل شغل البقعة بالصلاة غالباً، وهو المقصود، ويختصّ المسجد الحرام بزيادة الطواف، والله تعالى أعلم. انتهى كلام الحافظ تَُّ(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما تقَدَّم أن الصواب، والقول الحقّ الواضح في هذه المسألة هو ما ذهب إليه المجوّزون لأداء ركعتي التحيّة لمن دخل المسجد، والإمام يخطب؛ لوضوح أدلته، وضعف ما عارضه مما ذكره المانعون، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. (١) ((الفتح)) ٧٢/٣ - ٧٧. ٣٥٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٠١٩] ( ... ) - (حَدَّثَنَا (١) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَيَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَمْرٍو(٢)، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ وَلِ كَمَا قَالَ حَمَّاٌ، وَلَمْ يَذْكُرِ الرَّكْعَتَيْنِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (يَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ) هو: يعقوب بن إبراهيم بن كثير بن زيد بن أفلح العبديّ مولاهم، أبو يوسف الدَّوْرقيّ البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٥٢) وله ست وثمانون سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٠٩/٢٥. ٣ - (ابْنُ عُلَيَّةَ) هو: إسماعيل بن إبراهيم بن مِقْسَم الأَسَديّ مولاهم، أبو بشر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٨] (ت١٩٣) وهو ابن ثلاث وثمانين سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢. ٤ - (أَيُّوبُ) بن أبي تَمِيمة كيسان السَّخْتِيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حجةٌ، من كبار الفقهاء الْعُبّاد [٥] (ت١٣١) وله خمس وستون سنةً (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص ٣٠٥. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (كَمَا قَالَ حَمَّادٌ) يعني: أن أيوب السَّخْتيانيّ، روى هذا الحديث عن عمرو بن دينار كرواية حمّاد بن زيد، عنه الماضي، غير أنه. وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرِ الرَّكْعَتَيْنِ) يعني: أن أيوب لم يذكر قوله: ((صلّ الركعتين))، بل اقتصر على قوله: ((قم فاركع))، وهذا مثل رواية حمّاد، وإنما ذكره تأكيداً لقوله: ((كما قال حمّاد)»، فتفطّن. [تنبيه]: رواية أيوب، عن عمرو هذه ساقها أبو نعيم كَّلُهُ في (مستخرجه)) (٤٦٠/٢) فقال: (١٩٦٤) حدّثنا إبراهيم بن محمد بن يحيى، ثنا محمد بن إسحاق بن (١) وفي نسخة: ((وحدّثنا)). (٢) وفي نسخة: ((عن عمرو بن دينار)). ٣٥١ (١٧) - بَابُ بَيَانِ الأَمْرِ بِرَكْعَتَي تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ، وَالإِمَامُ يَخْطُبُ - حديث رقم (٢٠٢٠) خزيمة، ثنا يعقوب بن إبراهيم (ح) وثنا أبو محمد بن حيان، ثنا ابن أبي عاصم، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قالا: ثنا ابن عُلَيّة، عن أيوب، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله، قال: دخل رجل والنبيّ وَّ يخطب، فقال: ((أصليت؟))، قال: لا، قال: ((قم، فاركع)). قال: لفظ يعقوب، رواه مسلم عن يعقوب، وأبي بكر. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٠٢٠] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، يَقُولُ: دَخَلَ رَجُلٌ الْمَسْجِدَ، وَرَسُولُ اللهِ وَهِ يَخْطُّبُ، يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَالَ: ((أَصَلَّيْتَ؟))، قَالَ: لَا، قَالَ: ((قُمْ، فَصَلِّ الرَّكْعَتَيْنِ))، وَفِي رِوَايَةٍ قُتَيْبَةَ: قَالَ: ((صَلِّ رَكْعَتَيْنٍ))). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل باب. ٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم في الباب الماضي. والباقون ذُكروا في الباب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف رَخْذَلُهُ، وهو (١٣٢) من رباعيّات الكتاب. وقوله: (عَنْ عَمْرٍو) هو ابن دينار، وقد وقع تصريح سفيان بتحديث عمرو له، في هذا الحديث عند أبي نعيم في ((مستخرجه)) رقم (١٩٦٥)(١)، وقد قرنه بأبي الزبير. وقوله: (فَصَلِّ الرَّكْعَتَيْنِ) ((أل)) فيه للعهد؛ أي: الركعتين المعهودتين لمن دخل المسجد. (١) ((المستخرج على صحيح مسلم)) ٢ /٤٦٠. ٣٥٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة [تنبيه]: رواية سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار هذه ساقها البخاريّ نَخْذَلُهُ، فقال: (٩٣١) حدّثنا عليّ بن عبد الله، قال: حدّثنا سفيان، عن عمرو، سمع جابراً، قال: دخل رجل يوم الجمعة، والنبيّ وَّهُ يخطب، فقال: ((أصليت؟))، قال: ((لا))، قال: ((قم، فصلِّ ركعتين)). انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٠٢١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج، أَخْبَرِّنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ، وَالنَّبِيُّ وَ﴿ عَلَى الْمِنْبَرِ، يَوْمَ الْجُمُعَةِ، يَخْطُبُ، فَقَالَ لَهُ: ((أَرَكَعْتَ رَكْعَتَيْنٍ؟))، قَالَ: لَا، فَقَالَ: ((ارْكَعْ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) القشيريّ النيسابوريّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [١١] (ت٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤. ٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكِسّيّ، تقدّم قبل باب. ٣ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمّام بن نافع الْحِمْيَريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظٌ مصنّفٌ شهيرٌ، عَمِيَ في آخر عمره، فتغيَّرَ، وكان يتشيع [٩] (ت٢١١) وله خمس وثمانون سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤. ٤ - (ابْنُ جُرَيْج) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثَقَّةٌ فقيهٌ فاضلٌ، وكان يُدَلِّس، ويرسل [٦] (ت١٥٠) أو بعدها، وقد جاز السبعين (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٩/٦. والباقيان ذُكرا قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. ٣٥٣ (١٧) - جَابُ بَيَانِ الأَمْرِ بِرَكْعَتَي تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ، وَالإِمَامُ يَخْطُبُ - حديث رقم (٢٠٢٢ -٢٠٢٣) وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج تَخّْتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢٠٢٢] ( ... ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو (١)، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّهِ خَطَبَ، فَقَالَ: ((إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَقَدْ خَرَجَ الْإِمَامُ، فَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنٍ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) المعروف ببُندار، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفٍَ) المعروف بغُندر، تقدّم في الباب الماضي أيضاً. ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام المشهور، تقدّم في الباب الماضي أيضاً. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: ((إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَقَدْ خَرَجَ الْإِمَامُ، فَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنٍ))) هذه الرواية مختصرة، تبيّنها رواية أبي الزبير، عن جابر ظُه التالية: قال: جاء سُليك الغَطَفاني يوم الجمعة، ورسول الله وَير قاعد على المنبر، فقعد سُليك قبل أن يُصلي، فقال له النبيّ وَلّ: ((أركعت ركعتين؟)) قال: لا، قال: ((قم، فارکعهما)). وأتمّ منها رواية أبي سفيان، عن جابر ظه الآتية أيضاً: قال: جاء سُليك الغَطَفاني يوم الجمعة، ورسول الله وَلا يخطب، فجلس، فقال له: ((يا سُليك قم، فاركع ركعتين، وتجوَّز فيهما))، ثم قال: ((إذا جاء أحدكم يوم الجمعة، والإمام يخطب، فليركع ركعتين، وليتجوَّزْ فيهما)). والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى بيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَظُّهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٠٢٣] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ رُمْحِ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّهُ قَالَ: جَاءَ سُلَيْك (١) وفي نسخة: ((عن عمرو بن دینار)). ٣٥٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة الْغَطَفَانِيُّ، يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَرَسُولُ اللهِ نَّهِ قَاعِدٌ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَعَدَ سُلَيْكُ، قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((أَرَكَعْتَ رَكْعَتَيْنٍ؟))، قَالَ: لَا، قَالَ: ((قُمْ، فَارْكَعْهُمَا))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح) بن المهاجر النُّجِيبيّ مولاهم المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (م ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٨/١٦. ٢ - (اللَّيْثُ) بن سَعْد بن عبد الرحمن الْفَهْميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمامٌ مشهورٌ [٧] (ت١٧٥) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص ٤١٢. ٣ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوقٌ، إلا أنه يُدَلِّس [٤] (ت١٢٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٩/٤. والباقيان ذُكرا في الباب. وقوله: (جَاءَّ سُلَيْكُ الْغَطَفَانِيُّ(١)) قال في ((الإصابة)): سُلَيك بن عمرو، أو ابن هُذْبة الغَطَفانيّ، ووقع ذكره في ((الصحيح)) من حديث جابر بظلاله أنه دخل يوم الجمعة والنبيّ وَه يخطب، فقال: ((أصليت؟))، وهو في البخاريّ مبهم . ورواه أحمد، والدارقطنيّ من طريق أبي سفيان، عن جابر، فقال عن سليك، قال: قال النبيّ وَله، وأخرجه أحمد من وجه آخر، فقال: عن جابر، جاء رجل من غَطَفان، يقال له سُليك. وروى ابن ماجه، وأبو يعلى، من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، وعن أبي سفيان، عن جابر، قالا: إن سُليكاً جاء، وهو عند مسلم، وأبي داود، وابن خزيمة، من طريق جابر فقط. وروي عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، وله أصل في النسائيّ من طريق عياض، عن أبي سعيد، ورواه جماعة عن أبي الزبير. انتهى (٢). (١) ((سُليك)) مصغّراً، و((الْغَطَفَانيّ)) - بفتح المعجمة، ثم المهملة، بعدها فاء -: نسبة إلى غَطَفان بن سعد بن قيس عَيْلان. (٢) ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ١٦٥/٣. ٣٥٥ (١٧) - بَابُ بَيَانِ الأَمْرِ بِرَكْعَتَي تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ، وَالإِمَامُ يَخْطُبُ - حديث رقم (٢٠٢٤) والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٠٢٤] (.) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَم، كِلَاهُمَا عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، قَالَ ابْنُ خَشْرَمٍ: أَخْبَرَنَا عِيسَى، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: جَاءَ سُلَيْكُ الْغَطَفَانِيُّ، يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَرَسُولُ اللهِ وَّهِ يَخْطُبُ، فَجَلَسَ، فَقَالَ لَهُ: ((يَا سُلَيْكُ، قُمْ، فَارْكَعْ رَكْعَتَبْنِ، وَتَجَوَّزْ فِيهِمَا))، ثُمَّ قَالَ: ((إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، وَلْيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَلِيُّ بْنُ خَشْرَم) بمعجمتين، بوزن جعفر، المروزيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت٢٥٧) أو بعدها،ً وقارب المائة (م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٥/٤. ٢ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبِيعيّ الكوفي، نَزَل الشام مرابطاً، ثقةٌ مأمونٌ [٨] (ت١٨٧) وقيل: سنة إحدى وتسعين (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥. ٣ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران الأسدي الكاهليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عارف بالقراءات، وَرٌِ، لكنه يُدَلِّس [٥] (ت ٧ أو ١٤٨) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٢٩٧. ٥ - (أَبُو سُفْيَانَ) طلحة بن نافع الواسطيّ الإسكاف، نزيل مكة، صدوقٌ [٤] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤/ ١١٧. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (وَتَجَوَّزْ فِيهِمَا) أي: خفّف أداءهما، قال الفيّوميّ تَظُّهُ: تجوّزتُ في الصلاة: ترخّصتُ، فأتيتُ بأقلّ ما يكفي. انتهى(١)، وفيه الأمر بتقصير ركعتي التحيّة حال الخطبة. (١) ((المصباح المنير)) ١١٥/١. ٣٥٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ . (١٨) - (بَابُ بَيَانِ مَشْرُوعِيَّةِ التَّعْلِيمِ فِي حَالْ الْخُطْبَةِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٠٢٥] (٨٧٦) - (وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو رِفَاعَةَ: انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ ◌َّهِ، وَهُوَ يَخْطُبُ، قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، رَجُلٌ غَرِيبٌ، جَاءَ يَسْأَلُ عَنْ دِينِهِ، لَا يَدْرِي مَا دِينُهُ، قَالَ: فَأَقْبَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ وَّةِ، وَتَرَكَ خُطْبَتَهُ، حَتَّى انْتَهَى إِلَيَّ، فَأُنِّيَ بِكُرْسِيٍّ، حَسِبْتُ قَوَائِمَهُ حَدِيداً، قَالَ: فَقَعَدَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ وَِّ، وَجَعَلَ يُعَلِّمُنِي مِمَّا عَلَّمَهُ اللهُ، ثُمَّ أَتَى خُطْبَهُ، فَأَتَّمَّ آخِرَهَا). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ). ٢ - (سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ) القيسيّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقة [٧] (ت١٦٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١١/٣. ٣ - (حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ) العدويّ، أبو نصر البصريّ، ثقة فقيه [٣] (ع) تقدم في ((الحيض)) ٧٩١/٢١. ٤ - (أَبُو رِفَاعَةَ) الْعَدَويّ، قيل: اسمه تَمِيم بن أَسَد، وقيل: ابن ◌ُسيد، وقيل: اسمه عبد الله بن الحارث بن عبد الحارث بن أسد بن عديّ جَرْوَل، وقيل: جَنْدَل بن عامر بن مالك بن تميم بن الدول بن حِسْل بن عديّ بن عبد مناة بن أُدّ بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معدّ بن عدنان. رَوَى عن النبيّ وَّ، وعنه حميد بن هلال، وصِلَة بن أَشْيم العدويان البصريان، قال ابن عبد البر: كان من فضلاء الصحابة يُعَدّ في أهل البصرة، ٣٥٧ (١٨) - بَابُ بَيَانِ مَشْرُوعِيَّةِ التَّعْلِيمِ فِي حَالْ الْخُطْبَةِ - حديث رقم (٢٠٢٥) قُتل بكابُل سنة أربع وأربعين، قال الدارقطنيّ: تميم بن أَسِيد بالفتح، وقال غيره بالضمّ، فالله أعلم، وقال خليفة بن خياط: سنة أربع وأربعين فَتَحَ ابنُ عامر كابلَ، وقُتل بها أبو قتادة العَدَويّ، ويقال: إن الذي قُتل أبو رفاعة العدوي . روى له البخاري في ((الأدب المفرد))، والمصنّف، والنسائيّ، له عندهم هذا الحديث فقط، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف، وهو (١٣٤) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، والصحابيّ، كما أسلفته آنفاً . ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، وشيخه، أُبُليّ، من قرية بالبصرة يقال لها: أُبُلّة. ٤ - (ومنها): أن صحابيّه ظُبه من المقلّين من الرواية، فليس له غير هذا الحديث، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: عَنْ (حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ)، أنه (قَالَ: قَالَ أَبُو رِفَاعَةَ) الْعَدويّ الصحابيّ رضىعنه (انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ وَّهِ﴾ أي: وصلت إلى مجلسه وَّ (وَهُوَ يَخْطُبُ) جملة حاليّة، قال القرطبيّ تَخْتُ: يَحْتَمِل أن تكون تلك الخطبة للجمعة، أو لغيرها، إذ قد كان النبيّ ◌َّي يجمع الناس لغير الجمعة عند نزول النوازل، فيخطبهم، ويعظهم. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: ظاهر صنيع المصنّف ◌َُّ يدلّ على أنه يرى أنها خطبة الجمعة، فتأمّل، والله تعالى أعلم. (١) ((المفهم)) ٥١٤/٢. ٣٥٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة (قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، رَجُلٌ) خبر لمحذوف؛ أي: أنا رجلٌ (غَرِيبٌ) فَعِيل بمعنى فاعل، قال في ((المصباح)): غرُب الشخص بالضم، من باب شَرُف غرابة: بَعُد عن وطنه، فهو غريبٌ، فَعِيل بمعنى فاعلٍ، وجمعه غُرباء (١). (جَاءَ يَسْأَلُ عَنْ دِينِهِ) أي: أمور دينه، وتفاصيلها، وقوله: (لَا يَدْرِي مَا دِينُهُ) جملة حاليّة من فاعل ((يسأل)). قال القرطبيّ كَُّ: قوله: ((رجلٌ غريبٌ ... إلخ)) استلطافٌ في السؤال، واستخراجُ حسَنٌ للتعليم؛ لأنه لَمّا أخبره بذلك تعيّن عليه أن يُعلّمه، وأيضاً، فإن هذا الرجل الغريب الذي جاء سائلاً عن دينه هو من النوع الذي قال فيه النبيّ وَله: ((إن أناساً يأتونكم من أقطار الأرض يطلبون العلم، فاستوصوا بهم خيراً)) (٢)، فإنه و ﴿ كان لا يأمر بشيء إلا كان أوّل آخذ به، وإذا نَهَى عن شيء كان أوّل تارك له. انتهى(٣). (قَالَ) أبو رفاعة ◌َبه (فَأَقْبَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ وَلِهِ، وَتَرََكَ خُطْبَتَهُ) إنما فعل ذلك؛ لتعيّنه عليه في الحال، ولخوف الفوت، ولأنه لا يناقض ما كان فيه من الخطبة، ومشيه وَيقر، وقربه منه في تلك الحال مبادرة لاغتنام الفُرْصة، وإظهار التّهَمُّم بشأن السائل، قاله القرطبيّ تَُّهُ(٤). (حَتَّى انْتَهَى إِلَيَّ) أي: وصل إلى المكان الذي جلست فيه (فَأَتِيَ بِكُرْسِيٍّ) بضمّ الكاف، أشهر من كسرها، والجمع الكراسيّ مثقّل أيضاً، وقد يُخفّف، قال ابن السّكّيت في ((باب ما يُشدّد)): وكلُّ ما كان واحده مشدّداً، شَدَّدتَ (١) ((المصباح المنير)) ٤٤٤/٢. (٢) حديث ضعيف، أخرجه الترمذيّ (٢٦٥٠)، وابن ماجه (٢٤٧) عن أبي هارون العبديّ قال: كنا نأتي أبا سعيد، فيقول: مرحباً بوصية رسول الله وصل﴿، إن رسول الله وَّ﴿ قال: ((إن الناس لكم تَبَعٌ، وإن رجالاً يأتونكم من أقطار الأرضين، يتفقهون في الدين، فإذا أتوكم فاستوصوا بهم خيراً)). قال أبو عيسى: قال علي بن عبد الله: قال يحيى بن سعيد: كان شعبة يضعف أبا هارون العبديّ، قال يحيى بن سعيد: ما زال ابن عون يروي عن أبي هارون العبديّ حتى مات، وأبو هارون اسمه عُمَارة بن جُوَين. انتهى. (٣) ((المفهم)) ٥١٤/٢. (٤) ((المفهم)) ٥١٥/٢. (١٨) - بَابُ بَيَانِ مَشْرُوعِيَّةِ التَّعْلِيمِ فِي حَالْ الْخُطْبَةِ - حديث رقم (٢٠٢٥) ٣٥٩ جمعه، وإن شئتَ خفّفت. أفاده الفيّوميّ(١). (حَسِبْتُ قَوَائِمَهُ حَدِيداً) أي: ظننتُ أن قوائم ذلك الكرسيّ كانت حديداً، ووقع عند النسائيّ بلفظ: ((خِلْتُ)) - بكسر الخاء المعجمة - من أخوات (ظَنّ))، يقال: خال الرجل الشيءَ يَخالُهُ خَيلاً، من باب نال: ظنّه، وخاله يَخِيله من باب باع لغةٌ، وفي المضارع للمتكلّم يقال: إِخاله بكسر الهمزة على غير قياس، وهو أكثر استعمالاً، وبنو أسد يفتحون على القياس. قاله الفيّوميّ. وقال النوويّ كَُّ في ((شرحه)): هكذا هو في جميع النسخ ((حسبت))، ورواه ابن أبي خيثمة في غير ((صحيح مسلم)): ((خلت)) بكسر الخاء، وسكون اللام، وهو بمعنی ((حسبت)). وقال القاضي: ووقع في نسخة ابن الحذّاء ((خشب)) بالخاء، والشين المعجمتين، وفي كتاب ابن قُتيبة ((خلب)) بضم الخاء، وآخره باء موحّدة، وفسّروه باللِّيف، وكلاهما تصحيف، والصواب ((حسبت)) بمعنى ظننت، كما هو في نسخ مسلم، وغيره من الكتب المعتمدة. انتهى (٢). وقال القرطبيّ كَّلُهُ: قوله: ((حسبت قوائمه حديداً)): هكذا صحيح الرواية، وذكره ابن قتيبة، وقال: ((بكرسيّ خُلْب)) قال: والْخُلْب: اللِّيف، وهو تصحيف منه، وإنما هو ((خِلْتُ)) كما رواه ابن أبي شيبة، وهو بمعنى ((حسبت)) الذي رواه مسلم، ووقع في نسخة ابن الحذّاء: ((بكرسيّ خشب))، وهو أيضاً تصحيف، وصوابه ما قدّمناه، وقد فسّره حميد في كتاب ابن أبي شيبة، فقال: أراه کان من عُود أسود، فحسبه من حدید. قال القرطبيّ: وأظنّ أن هذا الكرسيّ هو المنبر، ويعني به: أنه نُقل عن موضعه المعتاد إلى موضع السائل؛ ليجلس عليه النبيّ وَّر. انتهى(٣). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: كون الكرسيّ هذا هو المنبر النبويّ بعيدٌ بل الظاهر أنه كرسيّ آخر، فليُتأمّل، والله تعالى أعلم. (فَقَعَدَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ وَلِّ) إنما قعد نَّهُ على الكرسيّ (قَالَ) رفاعة (١) ((المصباح)) ٥٣٠/٢. (٣) ((المفهم)) ٥١٥/٢. (٢) ((شرح النووي)) ١٦٥/٦. ٣٦٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة ليسمع الباقون كلامه، ويروا شَخْصَه الكريمِ وَّهِ (وَجَعَلَ) أي: شَرَع ◌َّـ (يُعَلِّمُنِي مِمَّا عَلَّمَهُ اللهُ) أي: من الأحكام الشرعيّة التي يجهلها هو (ثُمَّ أَتَّى خُطْبَتَهُ) أي: محلّ خطبته، وهو المنبر المعروف (فَأَتَّمَّ آخِرَهَا). أي: أتمّ الخطبة التي بدأ بها، قال القرطبيّ: أي: لَمّا فرغ من تعليم الرجل رجع إلى أسلوب خطبته المتقدّم، لا يقال: إن هذا الفعل منه ◌َّ قطعٌ للخطبة؛ لِمَا قرّرناه من أن تعليم العلم، والأمر، والنهي في الخطبة لا يكون قاطعاً للخطبة، والجمهور على أن الكلام في الخطبة لأمر يحدُث لا يفسدها، وحَكَى الخطّابيّ عن بعض العلماء أن الخطيب إذا تكلّم في الخطبة أعادها. انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا القول الذي عزاه الخطّابيّ لبعض العلماء من إعادة الخطبة بسبب الكلام قول ضعيفٌ، منابذ للسنّة الصحيحة، كحديث الباب، وحديث قصّة سُليك الغطفانيّ ◌َ به المذكور في الباب الماضي، حيث قال له ◌َ﴾ عن ركعتي تحية المسجد، وأمره بهما، إلى غير ذلك. وكذا قول النوويّ في ((شرحه)) ١٦٤/٦: يَحْتَمِل أن تكون هذه الخطبة التي كان النبيّ ◌َ﴿ فيها خطبة أمر غير الجمعة، ولهذا قطعها بهذا الفصل الطويل، ويَحْتَمِل أنها كانت الجمعة، واستأنفها، ويَحْتَمِل أنه لم يحصل فصل طويل، ويَحْتَمِل أن كلامه لهذا الغريب كان متعلّقاً بالخطبة، فيكون منها، ولا يضرّ المشي في أثنائها. انتهى. فكلّ هذه الاحتمالات مما لا ينبني على دليل، فأين النصّ، أو الإجماع الذي يمنع الخطيب للجمعة من الكلام للحاجة، مثل التعليم، أو غيره؟ ومن أين اشتراط عدم الفصل أثناء الخطبة بكلام ونحوه؟ ومن الغريب قوله: ((واستأنفها)) مع أن نصّ ((صحيح مسلم)): ((فأتمّ آخرها))، إن هذا لشيء عُجاب!، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. (١) ((المفهم)) ٥١٥/٢.