النص المفهرس
صفحات 301-320
٣٠١ (١٥) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الصَّلَاةِ قَصْدَاً، وَالْخُطْبَةِ قَصْداً، ... إلخ - حديث رقم (٢٠٠٨) بكلامه استماله برقّته، وحسن تركيبه. انتهى(١). (وَقَوْلَ الشُّعَرَاءِ) بالضمّ جمع شاعر، قال الفيّوميّ تَّتُهُ: والشِّعْر العربيّ: هو النظم الموزون، وحَدُّه ما ترگَّب تركباً متعاضداً، وكان مُقَفَّى موزوناً مقصوداً به ذلك، فما خلا من هذه القيود، أو من بعضها فلا يُسَمَّى شِعْراً، ولا يسمى قائله شاعراً، ولهذا ما ورد في الكتاب أو السنة موزوناً، فليس بشعر؛ لعدم القصد، أو التقفية، وكذلك ما يجري على ألسنة بعض الناس من غير قصد؛ لأنه مأخوذ من شَعَرْتُ: إذا فَطِنتَ وعَلِمتَ، وسُمِّي شاعراً؛ لفطنته، وعلمه به، فإذا لم يقصده، فكأنه لم يَشْعُر به، وهو مصدر في الأصل، يقال: شَعَرتُ أَشْعُر، من باب قتل: إذا قلته. وجَمْعُ الشاعر شُعَراء، وجمع فاعل على فُعَلاء نادر، ومثله عاقل وعُقلاء، وصالح وصُلَحاء، وبارح وبُرَحاء، عند قوم، وهو شِدّة الأَذَى، من التبريح، وقيل: الْبُرَحاء غير جمع، قال ابن خالويه: وإنما جُمع شاعر على شُعَراء؛ لأن من العرب من يقول: شَعُر بالضم، فقياسه أن تجيء الصفة على فَعِيل، نحو شُرُفَ فهو شَرِيف، فلو قيل كذلك لالتبس بشَعِير الذي هو الْحَبّ، فقالوا: شاعر، ولَمَحُوا في الجمع بناءه الأصليَّ، وأما نحو عُلَماء، وحُلَماء فجمع، علیم، وحلیم. انتھی(٢). (فَمَا سَمِعْتُ مِثْلَ كَلِمَاتِكَ هَؤُلَاءِ، وَلَقَدْ بَلَغْنَ نَاعُوسَ الْبَحْرِ) قال النوويّ كَخَّتُهُ: ضبطناه بوجهين، أشهرهما ((ناعوس)) بالنون والعين، هذا هو الموجود في أكثر نسخ بلادنا، والثاني ((قاموس)) بالقاف والميم، وهذا الثاني هو المشهور في روايات الحديث في غير ((صحيح مسلم)). وقال القاضي عياض: أكثر نسخ ((صحيح مسلم)) وقع فيها ((قاعوس)) بالقاف والعين، قال: ووقع عند أبي محمد بن سعيد ((تاعوس)) بالتاء المثناة فوقُ، قال: ورواه بعضهم ((ناعوس)) بالنون والعين، قال: وذكره أبو مسعود الدمشقيّ في ((أطراف الصحيحين))، والحميديّ في ((الجمع بين الصحيحين)) ((قاموس)) بالقاف والميم، قال بعضهم: هو الصواب، قال أبو عبيد: قاموس البحر: وسطه، وقال ابن دُريد: لُجَّته، وقال صاحب ((كتاب العين)): قَعْرُه الأقصى. (١) ((المصباح)) ٢٦٧/١ - ٢٦٨. (٢) ((المصباح المنير)) ٣١٥/١. ٣٠٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة وقال الحربيّ: قاموسُ البحر: قعره، وقال أبو مروان بن سرّاج: ((قاموس)) فاعول، من قَمَسته: إذا غمسته، فقاموس البحر لُجَّته التي تضطرب أمواجها، ولا تستقرّ مياهها، وهي لفظة عربيةٌ صحيحةٌ. وقال أبو عليّ الجيانيّ: لم أجد في هذه اللفظة ثَلْجاً، وقال شيخنا أبو الحسين: قاعوس البحر بالقاف والعين صحيحٌ بمعنى قاموس، كأنه من القعس، وهو تطامن الظهر، وتعمقه، فيرجع إلى عُمْق البحر ولجّته، هذا آخر كلام القاضي ◌َّثُ . وقال أبو موسى الأصفهانيّ: وقع في ((صحيح مسلم)): ناعوس البحر بالنون والعين، قال: وفي سائر الروايات ((قاموس))، وهو وسطه ولُجَّته، قال: وليست هذه اللفظة موجودة في مسند إسحاق ابن راهويه الذي رَوَى مسلم هذا الحديث عنه، لكنه قرنه بأبي موسى، فلعله في رواية أبي موسى، قال: وإنما أورد مثل هذه الألفاظ؛ لأن الإنسان قد يطلبها فلا يجدها في شيء من الكتب، فيتحير، فإذا نظر في كتابي عَرَفَ أصلها ومعناها. انتهى(١). (قَالَ) الراوي (فَقَالَ) ضماد (هَاتٍ) بكسر التاء؛ أي: ناولني (يَدََّ أُبَابِعْكَ) بالجزم في جواب الطلب (عَلَى الْإِسْلَامِ، قَالَ: فَبَايَعَهُ) أي: بايع ضماد النبيّ ◌َّ (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: وَعَلَى قَوْمِكَ؟))) عطف على مقدّر؛ أي: بايعني: على نفسك، وعلى قومك (قَالَ) ضماد (وَعَلَى قَوْمِي) أي: أبايعك على نفسي، وعلى قومي أيضاً (قَالَ: فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ وَلِ سَرِيَّةً) أي: قطعة جيش، فهي فَعِيلةٌ بمعنى فاعلة، سُمّيت بذلك؛ لأنها تسري في خُفية، والجمع سَرَايَا، وسَرِيَّات، مثلُ عَطِيّةٍ وعَطَايَا، وعَطِيّات(٢). (فَمَرُوا بِقَوْمِهِ) أي: مرّت هذه السريّة بقوم ضِماد ◌َُّه (فَقَالَ صَاحِبُ السَّرِيَّةِ) أي: أميرهم (لِلْجَيْشِ: هَلْ أَصَبْتُمْ مِنْ هَؤُلَاءِ) أي: من قوم ضماد (شَيْئاً؟) أي: من المال (فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أَصَبْتُ مِنْهُمْ مِطْهَرَةً) بكسر الميم على الأشهر، ويجوز فتحها، هي: الإداوة، وهي الإناء الذي يكون فيه ماء الطهارة، وقال الفيّوميّ: الْمِطهرة، (١) ((شرح النووي على صحيح مسلم)) ٦/ ١٥٧ - ١٥٨. (٢) ((المصباح))١/ ٢٧٥. ٣٠٣ (١٥) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الصَّلَاةِ قَصْداً، وَالْخُطْبَةِ قَصْداً، ... إلخ - حديث رقم (٢٠٠٨) بكسر الميم: الإداوة، والفتح لغة، ومنه الحديث: ((السِّواك مَظْهَرةٌ للفم))، بالفتح، وكلُّ إناء يُتْطهّر به مَظْهَرَةٌ، والجمع المطاهر. انتهى(١). وإنما أخذ ذلك الرجل تلك المطهرة؛ لظنه أنها مال حربيّ يجوز أخذه؛ حيث لم يعلم أن صاحبها من قوم ضماد، أو لم يعلم بإسلام ضماد أصلاً، والله تعالى أعلم. (فَقَالَ) صاحب السريّة (رُدُّوهَا) أي: رُدّوا تلك المِطهرة، وإنما جمع الضمير؛ لإرادة الرجل المصيب، ومن معه من أصحابه (فَإِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمُ ضِمَادٍ) يعني: أنهم مسلمون، فلا يجوز التعرّض لأنفسهم، ولا لأموالهم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﴿ّ هذا من أفراد المصنّف تَخْذُّهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٠٠٨/١٥] (٨٦٨)، و(النسائيّ) مختصراً في ((النكاح)) (٣٢٧٩) و((الكبرى)) (٥٥٢٧)، و(ابن ماجه) في ((النكاح)) (١٨٩٣)، و(أحمد) في («مسنده)) (٣٠٢/١ و٣٥٠)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٩٥٤)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٦٥٦٨)، و(ابن منده) في ((الإيمان)) (١٣٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢١٤/٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان مشروعيّة الخطبة. ٢ - (ومنها): استحباب قول الخطيب في خطبته: ((أما بعد)). ٣ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ وَليل من جراءة قومه عليه، حتى إنهم يصفونه بالجنون، وهم المجانين. ٤ - (ومنها): منقبة ضماد بن ثعلبة الأزديّ رظُه حيث اهتدى بمجرّد سماع خطبة النبيّ بَير، مع أن قريشاً كان تسمع منه باستمرار الآيات القرآنيّة، (١) ((المصباح)) ٣٨٠/٢. ٣٠٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة ولكنها لم ترفع لها رأساً، بل تكبّرت، وعاندت الحقّ، ﴿وَاللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النور: ٤٦]. ٥ - (ومنها): أن الهداية بيد الله تعالى، فإن النبيّ وَلقر مع شدّة حرصه على إيمان قومه، وشدّة مواصلتهم في دعوتهم إلى الحقّ، لم يستطع أن يهدي منهم إلا من شاء الله تعالى هدايته، وقصّة محاولته بير في إسلام عمّه أبي طالب أكبر شاهد على ذلك حتى نزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ الآية [البقرة: ٢٧٢]. ٦ - (ومنها): أن أموال أهل الحرب مباحة، يجوز للمسلمين أن يأخذوا منها ما داموا محاربين لهم، وإنما تحرم إذا عقدوا الصلح مع المسلمين، أو دخلوا دار الإسلام بأمان. ٧ - (ومنها): بيان حرمة أموال المسلمين، قليلها وكثيرها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٠٠٩] (٨٦٩) - (حَدَّثَنِي(١) سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبْجَرَ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ وَاصِلِ بْنِ حَيَّانَ، قَالَ: قَالَ أَبُو وَائِلِ: خَطَبَنَا عَمَّارٌ، فَأَوْجَزَ، وَأَبْلَغَ، فَلَمَّا نَزَلَ قُلْنَا: يَا أَبَا الْيَقْظَانِ، لَقَدْ أَبْلَغْتَ، وَأَوْجَزْتَ، فَلَوْ كُنْتَ تَنَفَّسْتَ؟ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ لَّهِ يَقُولُ: (إِنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ، وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ، فَأَطِلُوا الصَّلَاةَ، وَاقْصُرُوا الْخُطْبَةَ، وَإِنَّ مِنَ الْبَيّانِ سِحْراً))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ) بن إبراهيم البغداديّ أبو الحارث، مَرُّوذيُّ الأصلِ، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (٢٣٥) (خ م س) تقدم في ((الإيمان)) ٢٠٩/٢٥. ٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبْجَرَ) هو: عبد الرحمن بن (١) وفي نسخة: ((وحدّثني)). ٣٠٥ (١٥) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الصَّلَاةِ قَصْداً، وَالْخُطْبَةِ قَصْداً، ... إلخ - حديث رقم (٢٠٠٩) عبد الملك بن سعيد بن حيان - بمهملة، وتحتانية - ابن أبجر - بموحدة، وجيم، وزن أحمد - الْهَمْدانيّ، ويقال: الكِنَانيّ الكوفي ثقةٌ، من كبار [٩]. رَوَى عن أبيه، والثوريّ، والمفضل بن يونس الجعفيّ. ورَوَى عنه ابنه عبد الملك، وإسماعيل بن محمد بن جُحادة، وهو من أقرانه، ويحيى بن عبد الرحمن الأَرْحَبِيّ، وسعيد بن محمد الْجَرْميّ، وسريج بن یونس، وغیرهم. قال ابن معين: صالحٌ، وقال ابن سعد: هو كنانيّ، من أَنْفُسهم، وكان خيّراً فاضلاً، صاحب سنة، وقال العجليّ: كوفيّ ثقةٌ، وذكره ابن حبان في (الثقات))، وقال: مستقيم الحديث، ووثّقه الدارقطنيّ، ومحمد بن عبد الله بن نمير. قال ابن نمير، وابن سعد: مات سنة إحدى وثمانين ومائة. تفرّد به المصنّف، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط(١)، برقم (٨٦٩) و(٩٩٦). ٣ - (أَبُوهُ) عبد الملك بن سعيد بن حيان بن أبجر الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ [٦] (م د ت س) تقدم في ((الإيمان) ٩٠/ ٤٧٢. ٤ - (وَاصِلُ بْنُ حَيَّانَ) الأحدب الأسديّ الكوفىّ، بَيَّاع السابِرِيّ(٢)، ثقةٌ ثبتٌ [٦] (ت١٢٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٧٩/٤٢. ٥ - (أَبُو وَائِلِ) شقيق بن سلمة الأسديّ الكوفيّ، ثقةٌ مخضرمٌ [٢] مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وله مائة سنة (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٧. ٦ - (عَمَّارُ) بن ياسر بن عامر بن مالك الْعَنْسيّ - بنون ساكنة، ومهملة - أبو الْيَفْظان، مولى بني مخزوم الصحابي الجليل المشهور ◌ُبه، قُتِل مع عليّ رّ بصفين سنة سبع وثلاثين (ع) تقدم في ((الحيض)) ٢٧/ ٨٢٤. (١) وقال في ((تهذيب التهذيب)): له عند مسلم حديثُ عمار في قصر الخطبة، وحديث ابن عمرو في نفقة الرقيق. (٢) قال في ((القاموس)): السابريّ: ثوبٌ رقيقٌ جيّد. اهـ. ٣٠٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رَّلُهُ. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى شيخه، كما مرّ آنفاً. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه. ٤ - (ومنها): أن عمّاراً وَظُله صحابي ابن صحابيّين، من السابقين الأولین، ومن البدریّین [تنبيه]: هذا الإسناد مما استدركه الدار قطنيّ في ((التّتبّع))، فقال: تفرد به ابن أبجر، عن واصل، حدّث به ابنه عبد الرحمن، وسعيد بن بشير، وخالفه الأعمش، وهو أحفظ لحديث أبي وائل منه، فحدّث به عن أبي وائل، عن عَمرو بن شُرحبيل، عن عبد الله بن مسعود رَؤُه قولَهُ غير مرفوع، قاله الثوريّ وغيره، عن الأعمش. انتهى. وهذا نصّه في ((التتبّع))(١) . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الاستدراك لا يؤثّر على غرض المصنّف ◌َّتُهُ؛ لأن ابن أبجر ثقة، تُقبل زيادته، ولا سيّما مع وجود الشواهد، فيكون الحديث مرويّاً بالطريقين. ومما يؤيّد ذلك أن الدارقطنيّ حكم في ((العلل)) للطريقين بكونهما محفوظین، حيث سئل عن هذا الحديث، فقال: يرويه أبو وائل، واختلف عنه، فرواه الأعمش، عن أبي وائل، عن عمرو بن شُرَحبيل، عن عبد الله، رواه ابن فضيل، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله موقوفاً، وخالف الأعمشَ واصل بن حَيّان، فرواه عن أبي وائل، عن عمار بن ياسر، عن النبيّ وَّ، تفرّد به عبد الملك بن أبجر، عن واصل، وقد روي هذا الكلام عن عبد الله من وجه آخر موقوفاً، أيضاً وروي عن عمار بن ياسر أيضاً من وجهه آخر، رواه عديّ بن ثابت، واختُلف عنه، فرواه العلاء بن صالح، عن عديّ بن ثابت، عن أبي راشد، عن عمار، ورواه مِسْعَر، عن عديّ بن ثابت، عن عمار مرسلاً، والقولان عن أبي وائل محفوظان، قول الأعمش، وقول واصل جميعاً. انتهى (١) راجع: ((التتبّع)) ص ١٨٢ - ١٨٥ نسخة الشيخ ربيع المدخليّ. (١٥) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الصَّلَاةِ قَصْداً، وَالْخُطْبَةِ قَصْداً، ... إلخ - حديث رقم (٢٠٠٩) ٣٠٧ حاصل كلام الدارقطنيّ كَظُّهُ(١) . فقد تبيّن من هذا أن الدار قطنيّ كَُّ يرى صحّة الحديث عن الطريقين، وأن الرفع الذي اختاره المصنّف صحيح. ومما يؤيّد هذا أيضاً أن الحديث روي عن عمّار أيضاً مرفوعاً، من وجه آخر، فقد أخرجه أبو داود بسند صحيح إلى أبي راشد، عن عمار بن ياسر قال: أمرنا رسول الله وَله بإقصار الْخُطَب. وأبو راشد وثّقه ابن حبّان، وقال الذهبيّ في ((الميزان)): لا يُعرف، فمثله يصلح للاعتبار. ومما يشهد للحديث أيضاً ما تقدّم من حديث جابر بن سمرة ظًا، قال: كنت أصلي مع رسول الله وَله، فكانت صلاته قصداً، وخطبته قصداً. ويشهد للجزء الأخير حديث ابن عمر فقال: جاء رجلان من المشرق فخطبا، فقال النبي ◌َّ: ((إن من البيان لسحراً))، رواه البخاريّ. فقد تبيّن بهذا أن حديث عمّار ظبه هذا صحيح مرفوعاً، كما أراده المصنّف تَخْتُ، كما أنه صحّ أيضاً موقوفاً على ابن مسعود ظه، فقد أخرجه البيهقيّ ◌َُّهُ في ((السنن الكبرى))، بإسناد صحيح، عن الثوريّ، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عمرو بن شُرَحبيل، قال: قال عبد الله: ((إن طُول الصلاة، وقِصَر الخطبة مَئِنّة من فقه الرجل)). وأخرجه أيضاً بإسناد صحيح عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن عبد الله بن مسعود ظه، قال: ((أطيلوا هذه الصلاة، وأقصروا هذه الخطبة)) - يعني: صلاة الجمعة - انتهى (٢). والحاصل أن الحديث صحيح، مرفوعاً موقوفاً، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب. (١) ((العلل الواردة في الأحاديث النبوية)) ٢٢٣/٥ - ٢٢٤. (٢) ((سنن البيهقي الكبرى)) ٢٠٨/٣. ٣٠٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة شرح الحديث: (عَنْ وَاصِلِ بْنِ حَيَّنَ) بتحتانيّة مشدّدة، أنه (قَالَ: قَالَ أَبُو وَائِلٍ) شقيق ابن سلمة (خَطَبَنَا عَمَّارٌ) أي: ابن ياسر ◌َا (فَأَوْجَزَ، وَأَبْلَغَ) أي: أبلغ في المعنى، ء وأوجز في اللفظ، وهذه هي المسمّاة بالبلاغة والفصاحة عند علماء البلاغة (فَلَمَّا نَزَلَ) أي: عن المنبر (قُلْنَا: يَا أَبَا الْيَقْظَانِ) كنية عمّار ◌َته (لَقَدْ أَبْلَغْتَ، وَأَوْجَزْتَ، فَلَوْ كُنْتَ تَنَفَّسْتَ؟) أي: أطلت الكلام شيئاً، يقال: نفّس الله في عمرك؛ أي: أطاله (فَقَالَ) عمّار ◌َُّهُ (إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: ((إِنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ) أي: إطالتها (وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ) بكسر القاف، وفتح الصاد؛ أي: تقصيرها (مَئِنَّةٌ) - بِفَتْحِ الْمِيم، وَبَعْدَهَا هَمْزَةٌ مَكْسُورَةٌ، ثُمَّ نُونٌ مُشَدَّدَةٌ -؛ أَيْ: عَلَامَةٌ (مِنْ فِقْهِهِ) أي: علامةَ يتحقّق بها فقهه، فهي مِفْعَلةٌ، بُنيت من ((إِنَّ) المكسورة المشدّدة، وحقيقتها مَظِنَّةٌ ومكانٌ لقول القائل: إنه فقيهٌ؛ لأن الصلاة مقصودة بالذات، والخطبة توطئة لها، فتُصرف العنايةُ إلى الأهمّ، كذا قيل، أو لأنّ حال الخطبة توجهه إلى الخلق، وحال الصلاة مقصده الخالق، فمن فقاهة قلبه إطالة معراج ربّه، أو لأن الصلاة هي الأصل، والخطبة هي الفرع، ومن القضايا الفقهيّة أن يُؤْثَر الأصل على الفرع بزيادة. وقال الطيبيّ تَُّهُ: قوله: ((من فقهه)) صفةُ ((مَئِنّة))؛ أي: مئِنّةٌ ناشئةٌ من فقهه . وقال في ((النهاية)): أي: ذلك مما يُعرف به فقه الرجل، فكلُّ شيء دلّ على شيء فهو مئنّةٌ له، وحقيقتها أنها مِفْعَلة، من معنى ((إِنَّ) التي للتحقيق والتأكيد، غيرُ مشتقّة من لفظها؛ لأن الحروف لا يُشْتَقّ منها، وإنما ضُمِّنت حروفها؛ دلالةً على أن معناها فيها، ولو قيل: إنها اشتُقّت من لفظها بعدما جُعلت اسماً لكان قولاً. ومن أغرب ما قيل فيها: إن الهمزة بدل من ظاء الْمِظَّنة، والميمُ في ذلك كله زائدة، وقال أبو عبيد: معناه أن هذا مما يُستدلّ به على فقه الرجل، قال الأزهريّ: جعل أبو عبيد فيه الميم أصليةً، وهي ميم مِفْعَلة. انتهى(١). (١) (النهاية في غريب الأثر)) ٢٩٠/٤ - ٢٩١. ٣٠٩ (١٥) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الصَّلَاةِ قَصْداً، وَالْخُطْبَةِ قَصْداً، ... إلخ - حديث رقم (٢٠٠٩) وقال النوويّ: قال الأزهريّ والأكثرون: الميم فيها زائدة، وهي مِفْعَلة، قال الهرويّ: قال الأزهريّ: غَلِطَ أبو عبيد في جعله الميم أصليةً، قال القاضي عياض: قال شيخنا ابن سراج: هي أصلية. انتهى. وقال الشوكانيّ: وإنما كان إقصار الخطبة علامة فقه الرجل؛ لأن الفقيه هو المطلع على جوامع الألفاظ، فيتمكّن بذلك من التعبير باللفظ المختصر عن المعاني الكثيرة. انتهى. وقال القرطبيّ تَخْلُهُ: قوله: ((مَئِنّةٌ من فقهه)) الرواية في هذا اللفظ ((مَئِنَةٌ)) بالهمز والقصر وتشديد النون، ووقع لبعضهم ((مائنّة)) بالمدّ، وهو غَلَطٌ، وكذلك كلُّ تقييد خالف الأول، قال الأصمعيّ: سألني شعبة عن ((مَئِنّة))، فقلت: هو كقولك علامةٌ، وخَلِيقٌ، قال أبو زيد: هو كقولك مَخْلَقَةٌ ومَجْدَرَةٌ، قال أبو عبيد: يعني: أن هذا مما يُعْرَف به فقه الرجل، ويُستدل به عليه، قال: وكل شيء دَلَّك على شيء فهو مئنة له، وأنشد لِلْمَرَّار: فَتَهَامَسُوا سِرّاً فَقَالُوا عَرِّسُوا مِنْ غَيْرِ تَمْئِنَةٍ لِغَيْرِ مُعَرَّسٍ(١) قال أبو منصور: والذي رواه أبو عبيد عن الأصمعيّ وأبي زيد في تفسير المئنة صحيحٌ، وأما احتجاجه برأيه ببيت المرَّار في التمئنة للمئنة، فهو غَلَطٌ وسهو؛ لأن الميم في التمئنة أصلية، وهي في مئنة مَفْعِلة، ليست بأصلية. انتھی (٢) (فَأَطِيلُوا الصَّلَاةَ) بقطع الهمزة، من الإطالة (وَاقْصُرُوا الْخُطْبَةَ) بوصل الهمزة، وضمّ الصاد، من باب نصر، يقال: قَصَر الصلاةَ، ومنها قَصْراً، ضدّ أطالها، هذه هي اللغة العالية التي جاء بها القرآن، قال الله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَامُ أَنْ نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوَةِ﴾ الآية [النساء: ١٠١]، وقُصِرت الصلاةُ بالبناء للمفعول، فهي مقصورة، وفي حديث ذي اليدين ظ ◌ُبه: ((أَقُصِرَتِ الصلاةُ؟))، وفي لغة يتعدّى بالهمزة، والتضعيف، فيقال: أقصرتها، وقَصَّرتها، أفاده (١) معناه: أي: لم يتأكّدوا من وقت التعريس، ويقال: أتاني فلانٌ ما مأنتُ مأنه، ولا شأنتُ شأنه؛ أي: لم أُفكّر فيه، ولم أتهيّأ له. انتهى. ((المفهم)) ٥٠٤/٢. (٢) (لسان العرب)) ٢٩/١٣، و((المفهم)) ٥٠٤/٢. ٣١٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة الفيّوميّ ◌َُّهُ(١). وعلى هذه اللغة الأخيرة يجوز هنا: ((وأَقْصِروا الخطبة)»، بقطع الهمزة، رباعيّاً، فقول النوويّ تَخْتُهُ في ((شرحه)): الهمزة في ((واقصُروا)) همزة وصل، إن أراد الرواية، فنعم، وإلا فيجوز قطعها؛ لما علمت آنفاً، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وليس هذا الحديث مخالفاً للأحاديث المشهورة في الأمر بتخفيف الصلاة، ولا لقوله في حديث جابر بن سمرة طها المتقدّم: ((وكانت صلاته قصداً، وخطبته قصداً))؛ لأن المراد بحديث عمّار تظله هذا الذي نحن فيه أن الصلاة تكون طويلةً بالنسبة إلى الخطبة، لا تطويلاً يَشُقّ على المأمومين، وهي حينئذ قَصْدٌ؛ أي: معتدلةٌ، والخطبة قصدٌ، بالنسبة إلى وضعها، قاله النوويّ ◌َُّهُ(٢). وقال القرطبيّ كَخَّتُهُ: هذا الحديث ليس مخالفاً لقوله: ((كانت صلاته قصداً، وخطبته قصداً))؛ لأن كلّ واحد قَصْدٌ في بابه، لكن الصلاة ينبغي أن تكون أطول من الخطبة مع القصد في كلّ منهما. انتهى (٣). وقال في ((المرقاة)): قال ابن الملك: المراد بهذا الطول ما يكون على وفاق السنة، لا أقصر منها، ولا أطول؛ ليكون توفيقاً بين هذا الحديث والحديث قبله. انتهى. قال القاريّ: أقول: لا تنافي بينهما، فإن الأوّل دلّ على الاقتصاد فيهما، والثاني على اختيار المزيّة في الثانية منهما. ثم لا ينافي هذا ما أخرجه مسلم في ((صحيحه)) عن أبي زيد عمرو بن أخطب ظ ◌ُبه قال: ((صلى بنا رسول الله وَل الفجر، وصعد المنبر، فخطبنا حتى حضرت الظهر، فنزل، فصلى، ثم صعد المنبر، فخطبنا حتى حضرت العصر، ثم نزل، فصلى، ثم صَعِد المنبر، فخطبنا حتى غربت الشمس، فأخبرنا بما كان وبما هو كائن، فَأَعْلَمُنا أحفظنا))؛ لكونه نادراً اقتضاه الوقت، ولكونه بياناً (١) راجع: ((المصباح المنير)) ٥٠٥/٢. (٣) ((المفهم)) ٥٠٤/٢. (٢) ((شرح النووي)) ١٥٨/٦ - ١٥٩. ٣١١ (١٥) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الصَّلَاةِ قَصْداً، وَالْخُطْبَةِ قَصْداً، ... إلخ - حديث رقم (٢٠٠٩) للجواز، وكأنه كان واعظاً، والكلام في الْخُطَب المتعارفة. انتهى (١). (وَإِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْراً))) قال القرطبيّ تَخُّْهُ: البيان هنا الإيضاح البليغ مع اللفظ المستعذَب، وفي هذا الحديث تأويلان: أحدهما: أنه قصد به الذمّ؛ لأن الإبلاغ في البيان يفعل في القلوب من الإمالة، والتحريك، والتطريب، والتحزين ما يفعل السحر، واستَدَلَّ متأوّل هذا بإدخال مالك الحديث في ((موطّئه)) في ((بابُ ما يُكره من الكلام بغير ذكر الله))، وأنه مذهبه في تأويل الحديث. وثانيهما: أنه على جهة المدح، فإن الله تعالى قد امتنّ على عباده بالبيان حيث قال: ﴿خَلَقَ الْإِنسَنَ ﴾ [الرحمن: ٣، ٤]، وشبّهه عَلَّمَهُ الْبَيَانَ بالسحر؛ لميل القلب إليه، وأصل السحر الصرف والبيان يصرف القلوب، ويُمیلها إلى ما يدعو إليه. قال القرطبيّ كَخَّتُهُ: وهذا التأويل أولى؛ لهذه الآية، وما معناها. انتھی(٢). وقال النوويّ نَظّتُهُ: وهذا الثاني هو الصحيح المختار. انتهى (٣). وقال في ((المرقاة)): قوله: ((إن من البيان لسحراً)) أي: بعض البيان يَعمَل عمل السحر، فكما يكتسب الإِثم بالسحر، يكتسب ببعض البيان، أو منه ما يَصْرِف قلوب المستمعين إلى قبول ما يستمعون، وإن كان غير حقٌّ، ففي هذا إشارةٌ إلى بيان الحكمة في قَصْر الخطبة، فإنه في مَعْرِض البلية، فيجب عليه الاحتراز من هذه المحنة، حتى لا يقع في الرياء والسمعة، وابتغاء الفتنة، فهو ذمٌ لتزيين الكلام، وتعبيره بعبارة يتحير فيها السامع؛ كالتحير في السحر، ونَهْيٌّ عنه کنھیه عن السحر. وقيل: بل هو مدح للفصاحة والبلاغة، يريد أن البليغ؛ أي: الذي له مَلَكَةٌ يقتدر بها على تأليف كلام بليغ؛ أي: مطابق لمقتضى الحال، يبعث الناسَ على حب الآخرة، والزهد في الدنيا، وعلى مكارم الأخلاق، ومحاسن (١) راجع: ((مرقاة المفاتيح)) ٤٥١/٣. (٣) ((شرح النوويّ)) ١٥٩/٦. (٢) ((المفهم)) ٥٠٤/٢ - ٥٠٥. ٣١٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة الأعمال، ببلاغته، وفصاحته، فبيانه هو السحر الحلال في اجتذاب القلوب، والاشتمال على الدقائق واللطائف، فهو تشبيهٌ بليغٌ، والظاهر أنه من عطف الجمل، ذَكَره استطراداً . وقال الطيبيّ: الجملة حال من ((اقصُرُوا)) أي: أقصروا الخطبة، وأنتم تأتون بها مَعَانيَ جَمّة في ألفاظ يسيرة، وهو من أعلى طبقات البيان، ولذا قال ◌َله: ((أوتيت جوامع الكلم))(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عمّار بن ياسر ◌ّ هذا من أفراد المصنّف تَخَذْتُهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٠٠٩/١٥] (٨٦٩)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (١١٠٦)، و(أحمد) في («مسنده)) (٢٦٣/٤ و٣٢٠)، و(ابن خزيمة) في (صحيحه)) (١٧٨٢)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٣٦٥/١)، و(أبو نعيم) في (مستخرجه)) (١٩٥٥)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٢٨٩/١)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (١٠٧٧)، وفوائد الحديث واضحة، تُعلم مما سبق، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢٠١٠] (٨٧٠) - (حَدَّثَنَا (٢) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ تَمِيمٍ بْنِ ءُ طَرَفَةَ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمِ، أَنَّ رَجُلاً خَطَبَ عِنْدَ النَّبِيِّ وَِّ، فَقَالَ: ((مَنْ يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنَّ بَعْصِهِمَا فَقَدْ غَوَى))، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهُ: ((بِئْسَ الْخَطِيبُ أَنْتَ، قُلْ: وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ))، قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: فَقَدْ غَوِيَ). (١) ((مرقاة المفاتيح)) ٤٥١/٣ - ٤٥٢. (٢) وفي نسخة: ((وحدّثنا)). (١٥) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الصَّلَاةِ قَصْداً، وَالْخُطْبَةِ قَصْداً، ... إلخ - حديث رقم (٢٠١٠) ٣١٣ رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ رُفَيْع) - بفاء، مُصَغَّراً - الأسديّ، أبو عبد الله المكيّ الطائفيّ، سَكَن الكوفة، ثقةٌ [٤]. رَوَى عن أنس، وابن الزبير، وابن عباس، وابن عمر، وأبي الظُّفَيل، وزيد بن وهب، وتميم بن طَرَفة، وأمية بن صفوان الْجُمَحيّ، وشدّاد بن مَعْقِل، وابن أبي مليكة، وغيرهم. ورَوَى عنه عمرو بن دينار، وهو من شيوخه، والأعمش، ومغيرة، وأبو إسحاق الشيبانيّ، وشعبة، والحسن بن صالح، وشريك وأبو الأحوص، والسیفانان، وآخرون. قال البخاريّ، عن عليّ: له نحو ستين حديثاً، وقال أحمد، ويحيى، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال العجليّ: تابعيّ ثقةٌ، وقال يعقوب بن شيبة: يقوم حديثه مقام الحجة. وقال جرير: كان أتى عليه نيف وتسعون سنةً، فكان يتزوج، فلا تمكث المرأة معه من كثرة جماعه. قال مطين: مات سنة ثلاثين ومائة، وقال ابن حبان: مات بعد الثلاثين ومائة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب تسعة أحاديث بالمكرّر. ٦ - (تَمِيمُ بْنُ طَرَفَةَ) - بفتح الطاء، والراء، والفاء - الطائيّ الْمُسْلِيّ - بضم الميم، وسكون المهملة - الكوفيّ، ثقةٌ [٣] (ت٩٥) (م د س ق) تقدم في ((الصلاة)) ٢٧/ ٩٧١. ٧ - (عَدِيُّ بْنُ حَاتِم) بن عبد الله بن سَعْد بن الْحَشْرَج - بفتح المهملة، وسكون المعجمة، آخرهَ جيم - ابن امرئ القيس بن عديّ بن أخزم بن أبي أخزم بن ربيعة بن جَرْوَل بن ثُعَل بن عمرو بن الْغَوْث بن طيّء الطائيّ، أبو طَرِيف - بفتح المهملة، وآخره فاء - ويقال: أبو وهب. قَدِمَ على النبيّ وَّ﴿ في شعبان سنة سبع، رَوَى عن النبيّ ◌ِّ، وعن عمر رَُّه، وروى عنه عَمرو بن حُريث، وعبد الله بن مَعْقِل بن مُقَرِّن، وتميم بن طَرَفة، وخيثمة بن عبد الرحمن، وآخرون. ٣١٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة قال مُحِلّ بن خَلِيفة، عن عديّ بن حاتم: ما أقيمت الصلاة منذ أسلمت إلا وأنا على وضوء، وقال الشعبيّ، عن عديّ بن حاتم: أتيت عمر بن الخطاب في أناس من قومي، فجَعَل يَفْرِض للرجل من طيء في ألفين، ويُعْرِض عني، فاستقبلته، فقلت: يا أمير المؤمنين أتعرفني؟ قال: فَضَحِك حتى استلقى لقفاه، وقال: نعم والله إني لأعرفك، آمنت إذ كفروا، وعَرَفت إذ أنكروا، ووَفّيت إذ غَدَروا، وأقبلت إذ أدبروا، وأن أول صدقة بيّضت وجه رسول الله ◌َ، ووجوه أصحابه ه صدقة طيّء جئت بها إلى رسول الله وَله، ثم أخذ يعتذر. وقال الخطيب: لَمّا قبض رسول الله وَ ل ثبت عدي بن حاتم وقومه على الإسلام، وجاء بصدقاتهم إلى أبي بكر، وحَضَر فتح المدائن، وشَهِد مع عليّ الْجَمَل وصِفِّين والنَّهْرَوَان، ومات بعد ذلك بالكوفة، وذكره يعقوب بن سفيان في أمراء عليّ يوم الجمل ويوم صفين، قال أبو حاتم السجستانيّ في ((كتاب المعمرين)»: قالوا: وعاش مائة وثمانين سنة، وقال خليفة: بلغ عشرين ومائة سنة، ومات بالكوفة سنة (٦٨)، وقال جرير، عن مغيرة الضبيّ: خرج عدي بن حاتم، وجرير بن عبد الله، وحنظلة الكاتب من الكوفة، فنزلوا قُرقيساء، وقالوا: لا نقيم ببلد يُشْتَم فيها عثمان. قال أبو حاتم: وكان متواضعاً لَمّا أسنَّ استأذن قومه في وِطَاء يجلس عليه في ناديهم؛ كراهيةَ أن يَظُنّ أحد منهم أنه يفعل ذلك تعاظماً، فَأَذِنُوا له. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٨) حديثاً بالمكرّر. والباقون ذُكروا في الباب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َذَتُهُ، وله فيه شيخان، قَرَن بينهما؛ لاتّحاد كيفيّة التحمل والأداء، كما مرّ غير مرّة. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ، وتميم بن طرفَة، فما أخرج له البخاريّ، والترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين من أوله إلى آخره. (١٥) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الصَّلَاةِ قَصْداً، وَالْخُطْبَةِ قَصْداً، ... إلخ - حديث رقم (٢٠١٠) ٣١٥ ٤ - (ومنها): أن عديّاً وعبد العزيز بن رفيع هذا أول محلّ ذكرهما من هذا الكتاب، وقد عرفت آنفاً عدد أحاديثهما فيه. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: عبد العزيز، عن تميم. ٦ - (ومنها): أن صحابيّه ◌ُله من مشاهير الصحابة ﴿لَه، ومن المعمّرين، كان جواداً ابن جواد، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِم) رَظُهُ (أَنَّ رَجُلاًّ خَطَبَ عِنْدَ النَّبِيِّ وَ﴿) وفي رواية النسائيّ: ((تَشَهَّدَ رَجُلَاَنِ عِنْدَ النَّبِيِّ ◌َ﴿، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: مَنْ يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ ... )) الحديث (فَقَالَ: مَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ) - بفتح الشين المعجمة ــ على المشهور الموافق لقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦]؛ إذ المضارع بالضمّ لا يكون للماضي بالكسر، ولذلك لَمّا قرأ شهاب الدين الموصليّ في مجلس الحافظ الْمِزّيّ: رَشِدَ - بالكسر - ردّ عليه الشيخ بقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾، أو بالكسر، ذكره سيبويه في ((كتابه))، وهو الموافق لقوله تعالى: ﴿فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْاْ رَشَدًا﴾ [الجن: ١٤] - بفتحتين - فإن فَعَلاً - بفتحتين - مصدر فَعِلَ - بكسر العين - كفرِحَ فَرَحاً، وسَخِطَ سَخَطاً، ولذلك ردّ الشيخ عليه بقوله تعالى: ﴿فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْاْ رَشَدًا﴾ [الجن: ١٤]، وأنت لو تأمّلت وجدت بكلام المِزّيّ والموصِلِيّ موقعاً عظيماً، ودلالةً باهرةً على فطانتهما، ذكره السنديّ ◌َظُّهُ(١). وقال الفيّوميّ تَذَتُهُ: الرُّشْدُ: الصلاحُ، وهو خلاف الغيّ والضلال، وهو إصابة الصواب، ورَشِدَ، من باب تَعِبَ، ورَشَدَ يَرْشُدُ، من باب قَتَلَ، فهو راشدٌ، والاسم الرَّشَاد. انتهى. (وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَقَدْ غَوَى) بفتح الواو، وقيل: بكسرها أيضاً، وضَعَّفُوه، وقال القاضي عياضٌ دَّثُ: وقع في روايةٍ مسلم بفتح الواو، وكسرها، والصواب الفتح، وهو من الْغَيّ، وهو الانهماك في الشرّ. انتهى (٢). (١) ((شرح السنديّ على النسائيّ)) ٦/ ٩٠. (٢) ((إكمال المعلم)) ٢٧٦/٣. ٣١٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة وقال الفيّومِيّ رَُّ: غَوَى غيّاً، من باب ضَرَب: انهمك في الجهل، وهو خلافُ الرُّشْد، والاسم الْغَوَاية بالفتح. انتهى. وفي ((القاموس)) و((شرحه)): وغَوَى الرجلُ يَغْوِي غيّاً، وغَوَايةً بالفتح، ولا يكسر، هذه هي اللغة الفصيحة المعروفة، واقتصر عليها الجوهريّ، قال أبو عبيد: وبعضهم يقول: غَوِيَ يَغْوَى، کرَضِيَ غَوَّى، وليست بالمعروفة: ضلّ، وخاب، وقال الأزهريّ: أي: فسد، وقال ابن الأثير: الغيّ: الضلال، والانهماك في الباطل، وقال الراغب: الغَيّ جَهْلٌ من اعتقاد فاسد، وذلك لأن الجهل قد يكون من كون الإنسان غير معتقد اعتقاداً، لا صالِحاً، ولا فاسداً، وهذا النحو الثانيّ، يقال له: غيّ، وأنشد الأصمعيّ للمرقّش (من الطويل]: وَمَنْ يَغْوَ لَا يَعْدَمْ عَلَى الْغَيِّ لَائِمَاَ فَمَنْ يَلْقَ خَيْراً يَحْمَدِ النَّاسُ أَمْرَهُ وقال دُريد بن الصّمّة [من الطويل]: غَوَيْتُ وَإِنْ تَرْشُدْ غَزِيَّةُ أُرْشَدِ وَهَلْ أَنَا إِلَّا مِنْ غَزِيَّةَ إِنْ غَوَتْ انتهى ما في ((القاموس))، وشرحه (تاج العروس)) ببعض تصرّف(١). (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَطِ: ((بِئْسَ الْخَطِيبُ أَنْتَ) الضمير المنفصل هو المخصوص بالذمّ، وهو مبتدأ، خبره جملة ((بئس الخطيب))، أو هو خبر لمبتدأ محذوف وجوباً، كما قال في ((الخلاصة)): وَيُذْكَرُ الْمَخْصُوصُ بَعْدُ مُبْتَدَا أَوْ خَبَرَ اسْمَ لَيْسَ يَبْدُو أَبَدَا وفي رواية أحمد: ((بئس الخطيب أنت قُمْ)) (قُلْ: وَّمَنْ بَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ))) أي: بالاسم الظاهر، لا بالضمير، وقد اختلف في سبب إنكاره وَّ عليه، والأرجح أنه إنما أنكر عليه؛ لأن الخطبة محلّ بسط وإيضاح، لا محلّ إشارة، وإيجاز، وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -. وقوله: (قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: فَقَدْ غَوِيَ) أي: بكسر الواو، يعني: أن شيخه أبا بكر رواه ((فقد غَوَى)) بفتح الواو، من باب ضرب، وشيخه محمد بن عبد الله بن نُمير رواه ((غَوِيَ)) بكسرها، من باب رَضِيَ، وقد تقدّم آنفاً أن الكسر ضعيفٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. (١) ((القاموس))، وشرحه (تاج العروس)) ٢٧٣/١٠. (١٥) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الصَّلَاةِ قَصْداً، وَالْخُطْبَةِ قَصْداً، ... إلخ - حديث رقم (٢٠١٠) ٣١٧ مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عديّ بن حاتم ظُه هذا من أفراد المصنّف نَخَذْتُهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٠١٠/١٥] (٨٧٠)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (١٠٩٩) و((الأدب)) (٤٩٨١)، و(النسائيّ) في ((النكاح)) (٣٢٨٠) و((الكبرى)) (٥٥٣٠)، و(أحمد) في («مسنده)) (٢٥٦/٤ و٣٧٩)، و(أبو نعيم) في (مستخرجه)) (١٩٥٦)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٢٨٩/١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٧٩٨)، و(الطحاويّ) في ((مشكل الآثار)) (٢٩٦/٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان مشروعيّة الخطبة؛ للحاجة. ٢ - (ومنها): بيان ما يُكره للخطيب أن يقوله في خُطبته، وذلك أنه لا يجمع بين الله ورسوله في ضمير واحد، وسيأتي ما قاله أهل العلم في سبب إنكاره * على الخطيب قوله في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -. ٣ - (ومنها): بيان جواز الخطبة أمام النبيّ وَّ بإذنه، وأن قوله تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ اَللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية [الحجرات: ١] محمول على التقدّم بغير إذنه، والله تعالى أعلم. ٤ - (ومنها): مشروعيّة إنكار المنكر لمن كان أهلاً للإنكار، وذلك بأن يَعْرِف كونه منكراً، ويقدر على إزالته بحسب مراتب الإزالة المبيّنة في قوله وَلّ: (من رأى منكم منكراً، فليُغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان))، رواه مسلم من حديث أبي سعيد الخدريّ مضوعنه . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في ذكر ما قاله أهل العلم في إنكاره وَل على الخطيب المذکور: قال أبو العباس القرطبيّ رَّتُهُ: ظاهره أنه أنكر عليه جمعَ اسم الله، واسم رسوله وَّ في ضمير واحد. ويُعارضه: ما رواه أبو داود من حديث ابن مسعود نظُّه أن النبيّ وَسَـ ٣١٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة خطب، فقال في خطبته: ((من يُطع الله ورسوله، فقد رَشَد، ومن يَعصهما، فإنه لا يضرّ إلا نفسه))، وفي حديث أنس رُّبه: ((ومن يعصهما فقد غَوَى))، وهما صحيحان . ويُعارضه أيضاً قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَكَتَهُ يُصَلُونَ عَلَى النَّبِيُّ﴾ الآية [الأحزاب: ٥٦]، فجمع بين ضمير اسم الله وملائكته، ولهذه المعارضة صَرَفَ بعضُ القرّاء هذا الذّمّ إلى أن ذلك الخطيب وقف على: ((ومن يعصهما))، وهذا تأويلٌ لم تساعده الرواية، فإن الرواية الصحيحة أنه أتى باللفظين في مساق واحد، وأن آخر كلامه إنما هو: ((فقد غوى))، ثم إن النبيّ وَ لَ ردّ عليه، وعلّمه صواب ما أخلّ به، فقال: ((قل: ومن يَعص الله ورسوله، فقد غَوَى))، فظهر أن ذمّه له إنما كان على الجمع بين الاسمين في الضمير، وحينئذ يتوجّه الإشكال، ونتخلّص عنه من أوجه: [أحدها]: أن المتكلّم لا يدخل تحت خطاب نفسه إذا وجّهه لغيره، فقوله وَله: ((بئس الخطيب أنت)) منصرفٌ لغير النبيّ وَّ لفظاً ومعنّى. [وثانيها]: أن إنكاره وَ لّ على ذلك الخطيب يَحْتَمِل أن يكون كأنّ هناك من يتوهّم التسوية من جمعهما في الضمير الواحد، فمنع ذلك لأجله، وحيث عُدِمَ ذلك جاز الإطلاق. [وثالثها]: أن ذلك الجمع تشريفٌ، ولله تعالى أن يشرِّفَ من شاء بما شاء، ويمنع من مثل ذلك للغير، كما قد أقسم بكثير من المخلوقات، ومنعنا من القسم بها، فقال ◌َ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَبِكَتَهُ يُصَلُونَ عَلَى النَّبِيَّ﴾ الآية [الأحزاب: ٥٦]، وكذلك أَذِنَ لنبيّهِ وَ لّر في إطلاق مثل ذلك، ومنع منه الغير على لسان نبيّهِ وَلِله. [ورابعها]: أن العمل بخبر المنع أولى؛ لأوجه: لأنه تقعيد قاعدة، والخبر الآخر يحتمل الخصوص، كما قرّرناه، ولأن هذا الخبر ناقلٌ، والآخر مُبْقٍ على الأصل، فكان الأول أولى، ولأنه قولٌ، والثاني فِعْلٌ، فكان أولى. والله أعلم. انتهى كلام القرطبيّ تَظُّهُ(١). وقال النوويّ لَّهُ: قال القاضي، وجماعة من العلماء: إنما أنكر عليه (١) ((المفهم)) ٥١٠/٢ - ٥١٢. ٣١٩ (١٥) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الصَّلَاةِ قَصْداً، وَالْخُطْبَةِ قَصْداً، ... إلخ - حديث رقم (٢٠١٠) لتشريكه في الضمير المقتضي للتسوية، وأمره بالعطف تعظيماً لله تعالى بتقديم اسمه، كما قال ◌َ﴾ في الحديث الآخر: ((لا يقل أحدكم ما شاء الله، وشاء فلان، ولكن ليقل: ما شاء الله، ثم شاء فلان)). والصواب أن سبب النهي، أن الْخُطَب شأنها البسط والإيضاح، واجتناب الإشارات والرموز، ولهذا ثبت في ((الصحيح)): ((أن رسول الله وسلم كان إذا تكلّم بكلمة أعادها ثلاثاً؛ لِتُفْهَمَ». وأما قول الأولين، فيضعَّف بأشياء، منها: أن مثل هذا الضمير قد تكرّر في الأحاديث الصحيحة من كلام رسول الله صل9، كقوله وَلقول: ((أن يكون الله ورسوله أحبّ إليه مما سواهما))، وغيره من الأحاديث، وإنما نَنَّى الضمير هُهنا؛ لأنه ليس خطبة وعظ، وإنما هو تعليم حكم، فكلّما قلّ لفظه كان أقرب إلى حفظه بخلاف خطبة الوعظ، فإنه ليس المراد حفظه، وإنما يُراد الاتعاظ بها . ومما يؤيّد هذا ما ثبت في ((سنن أبي داود)) بإسناد صحيح، عن ابن مسعود ربه قال: علّمنا رسول الله وَالو خطبة الحاجة: ((الحمد لله، نستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهد الله، فلا مُضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحقّ بشيراً ونذيراً، بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله، فقد رشد، ومن يعصهما، فإنه لا يضرّ إلا نفسه، ولا يضرّ الله شيئاً))، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ تَّتُهُ . وقال الشيخ عزّ الدين: من خصائصه ◌َ ◌ّ أنه كان يجوز له الجمع في الضمير بينه وبين ربّه تعالى، وذلك ممتنع على غيره، قال: وإنما يمتنع من غيره، دونه لأن غيره إذا جمع أوهم إطلاقه التسوية، بخلافه هو، فإن منصبه لا يتطرّق إلیه إيهام ذلك. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الشيخ عزّ الدين كلُ يعكُر عليه حديث أبي داود الذي قبله، حيث علّم ◌َّل غيره أن يقولوا: ((ومن يعصهما))، فدلّ على أنه ليس مخصوصاً به، فالأولى عندي ما رجّحه النوويّ، من أن سبب النهي كون الْخُطَب محل بسط وإيضاح، لا إشارة وإيجاز، فتأمّل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أُسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيْبُ﴾ . ٣٢٠ البحر المحيط الثجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة (١٦) - (بَابُ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الْخُطْبَةِ) وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج تَّهُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢٠١١] (٨٧١) - (حَدَّثَنَا(١) قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً، وَإِسْحَاقُ الْحَنْظَلِيُّ، جَمِيعاً عَنِ ابْنٍ عُيَيْنَةَ، قَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ عَطَاءً، يُخْبِرُ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى، عَنْ أَبِهِ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ وَِّ يَقْرَأُ عَلَى الْمِثْبَرِ: ﴿وَنَادَوْ يَمَلِكُ﴾ [الزخرف: ٧٧]). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رَجَاء الْبَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٤٠) عن (٩٠) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠. ٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (إِسْحَاقُ الْحَنْظَلِيُّ) تقدّم في الباب الماضي أيضاً. ٤ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) الهلاليّ، أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ، ثقةٌ حافظٌ فقيهٌ إمامٌ حجةٌ إلا أنه تغير حفظ، من رؤوس الطبقة [٨] مات في رجب سنة (١٩٨) وله إحدى وتسعون سنةً (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٨٣. ٥ - (عَمْرُو) بن دينار المكيّ، أبو محمد الأثرم الْجُمَحيّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (١٢٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٨٤/٢١. ٦ - (عَطَاءُ) بن أبي رَبَاح أسلم القرشيّ مولاهم المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، لكنه كثير الإرسال [٣] (١١٤) على المشهور، وقيل: إنه تغير بأَخَرَة، ولم يَكْثُر ذلك منه (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٤٢/٨٣. ٧ - (صَفْوَانُ بْنُ يَعْلَى) بن أمية التميميّ المكيّ، ثقةٌ [٣]. رَوَى عن أبيه، وعنه ابن أخيه محمد بن حيي بن يعلى، وعطاء بن أبي رَبَاح، والزهريّ، ومحمد جبير بن مطعم. (١) وفي نسخة: ((وحدّثنا)).