النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
(١٣) - بَابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا رَأَوْ تِجَرَةً أَوْ لَوَا أَنْفَضُواْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوَكَ قَيِمًا﴾ - حديث رقم (١٩٩٩)
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي: بإسناد حصين بن عبد الرحمن السابق، وهو
عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر بن عبد الله فيها.
[تنبيه]: رواية عبد الله بن إدريس، عن حُصين هذه ساقها أبو نعيم تَخْذَّتُهُ
في ((مستخرجه)) (٢/ ٤٥٢) فقال:
(١٩٤٤) حدّثنا أبو بكر الطلحيّ، ثنا عبيد بن غنام، ثنا أبو بكر بن أبي
شيبة، حدّثنا ابن إدريس، عن حُصين، عن سالم، عن جابر، قال: أقبلت عِيرٌ
بتجارة يوم جمعة، ورسول الله وسلم يخطب، فانصرف الناس ينظرون، وبقي
رسول الله وَ﴿ في اثني عشر رجلاً، فنزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا رَأَوْ تِجَرَةً أَوْ لَمَّوَا
أَنْفَضُواْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قََّيِمًا﴾ [الجمعة: ١١]، قال: رواه مسلم عن أبي بكر. انتهى.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٩٩٩] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا رِفَاعَةُ بْنُ الْهَيْئَمِ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، يَعْنِي
الطَّخَّانَ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ سَالِم، وَأَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: كُنَّا
مَعَ النَّبِيِّ ◌َهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَدِمَّتْ سُوَيْقَةٌ، قَالَ: فَخَرَجَ النَّاسُ إِلَيْهَا، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا
اثْنَا عَشَرَ رَجُلاً، أَنَا فِيهِمْ، قَالَ فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿وَإِذَا رَأَوْ تِجَرَةً أَوْ لَمُوا أَنْفَضُواْ إِلَيْهَا
وَرَكُوكَ قَِّمًا﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (رِفَاعَةُ بْنُ الْهَيْئَمِ الْوَاسِطِيُّ) رفاعة بن الهيثم بن الحكم، أبو سعيد
الواسطيّ، مقبول [١٠].
رَوَى عن خالد بن عبد الله الواسطيّ وهشيم، وروى عنه مسلم، وأسلم بن
سهل وعبد الله بن محمد بن شيرويه، وإبراهيم بن محمد الصَّيدلانيّ.
تفرّد به المصنّف، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث(١)، برقم (٨٦٣)
و(١٨٢١) و(١٨٥٦) و(٢١٣٣) و(٢٤٩٤).
(١) قال في ((تهذيب التهذيب)): ذكر بعضهم أن مسلماً روى عنه ثلاثة أحاديث. انتهى.
وهذا فيه نظر، والصواب ما ذكرته هنا.

٢٤٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
٢ - (خَالِدٌ الطَّخَّانَ) هو: خالد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن يزيد
الطحّان الواسطيّ المزنيّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٢) (ع) تقدم في
((الإيمان)) ٤٠٧/٧٨.
٣ - (أَبُو سُفْيَانَ) طلحة بن نافع الواسطيّ، أبو سفيان الإسكاف، نزيل
مكة، صدوقٌ [٤] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٧/٤.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (فَقَدِمَتْ سُوَيْقَةٌ) هو تصغير سُوق، والمراد: العير المذكورة في
الرواية الأولى، وهي الإبل التي تَحْمل الطعام، أو التجارة، لا تُسَمَّى عِيراً إلا
هكذا، وسُمِّيت سُوقاً؛ لأن البضائع تساق إليها، وقيل: لقيام الناس فيها على
سُوقهم، قاله النوويّ ◌َّهُ(١).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، ومسائله في الحديث السابق،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَذَتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٠٠](٢) ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِم، أَخْبَرَنَا (٣) هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا
خُصَيْنٌ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، وَسَالِم بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ جَّابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: بَيْنَا
النَّبِيُّ ◌َِّ قَائِمٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، إِذْ قَدِمَتْ عِيرٌ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَابْتَدَرَهَا أَصْحَابُ
رَسُولِ اللهِ ◌ِّهِ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مَعَهُ إِلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلاً، فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، قَالَ:
وَنَزَّلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَإِذَا رَأَوْ تِجَرَةً أَوْ لَمْوَا أَنْفَضُّواْ إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١]).
(١) ((شرح النوويّ)) ٦/ ١٥١.
(٢) قال الجامع عفا الله عنه: قد انتهيت - بحمد الله تعالى وتوفيقه - من الألف الثاني
بعد صلاة المغرب ليلة الأربعاء ١٤٢٧/٨/٢٤هـ الموافق ٢٢ / سبتمبر ٢٠٠٦م،
وكانت المدّة التي بين نهاية الألف الأول، ونهاية الألف الثاني سنة كاملةً إلا نحو
ستة أيام، وذلك لأني انتهيت من الألف الأول، ودخلت في الثاني ١٤٢٦/٨/٢٩ هـ
وهذا من عظيم فضل الله تعالى عليّ، وحسن توفيقه، الحمد لله ربّ العالمين،
الحمد لله حمداً كثيراً طيّباً مباركاً فيه، سبحانك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما
أثنيت على نفسك، سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك، وأتوب إليك.
(٣) وفي نسخة: ((حدّثنا)).

(١٣) - بَابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا رَأَوْ نَِةً أَوَ لَوَا أَنْفَضُواْ إِلَيْهَا وَتَكُوَكَ قَآيمًا﴾ - حديث رقم (٢٠٠١)
٢٤٣
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِم) الصائغ البغداديّ، نزيلُ مكة، ثقةٌ [١٠] من
أفراد المصنّف تَخْذُ تقدم في ((أَلحيض)) ١٠/ ٧٤٨.
٢ - (هُشَيْمُ) بن بَشِير بن القاسم بن دينار السّلميّ، أبو معاوية بن أبي
خازم بمعجمتين الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ كثير التدليس والإرسال الخفيّ [٧] (١٨٣)
وقد قارب الثمانين (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣.
والباقون ذُكروا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وسبق شرحه، ومسائله، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٢٠٠١] (٨٦٤) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ،
عَنْ كَعْبٍ بْنِ عُجْرَةَ، قَالَ: دَخَلَ الْمَسْجِدَ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ أُمِّ الْحَكَمِ يَخْطُبُ
قَاعِداً، فَقَالَ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا الْخَبِيثِ، يَخْطُبُ قَاعِداً، وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا
رَأَوَأْ تِجَرَةً أَوْ لَوَّا أَنْفَضُواْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١]).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) بن عبيد الْعَنَزيّ، أبو موسى البصريّ المعروف
بالزَّمِنِ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٥٢) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢.
٢ - (ابْنُ بَشَّارٍ) بن عثمان الْعَبْديّ البصريّ، أبو بكر المعروف ببندار، ثقةٌ
[١٠] (ت٢٥٢) وله بضع وثمانون سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) الْهُذَلِيّ، أبو عبد الله البصريّ المعروف بغُنْدَر، ثقةٌ
صحيح الكتاب [٩] (ت٣ أو ١٩٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢.
٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج بن الْوَرْد الْعَتَكيّ مولاهم، أبو بسطام الواسطيّ،
ثم البصريّ، ثقةٌ حافظٌ متقنٌّ عابدٌ [٧] (ت١٦٠) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة))
جـ١ ص/ ٣٨١.

٢٤٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
٥ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر بن عبد الله السّلميّ، أبو عَتّاب الكوفيّ، ثقةٌ
ثبتٌ، كان لا يدلّس [٦] (١٣٢) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٢٩٦.
٦ - (عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ) بن عبد الله بن طارق الْجَمَليّ المراديّ، أبو عبد الله
الكوفيّ الأعمى، ثقةٌ عابدٌ، كان لا يدلِّس، ورُمِي بالإرجاء [٥] (١١٨) وقيل:
قبلها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٨٥/ ٤٥٢.
٧ - (أَبُو عُبَيْدَةً) بن عبد الله بن مسعود مشهور بكنيته، والأشهر أنه لا
اسم له غيرها، ويقال: اسمه عامر، الكوفيّ، ثقةٌ، من كبار [٣] مات بعد سنة
ثمانین (ع) تقدم في ((الإیمان)) ٤٥٢/٨٥.
٨ - (كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ) الأنصاريّ المدنيّ أبو محمد الصحابي المشهور،
مات رُّه بعد الخمسين، وله نيف وسبعون سنةً (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦٤٣/٢٣.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف ◌َّتُهُ، وله فيه شيخان، قرن
بينهما؛ لاتّحاد كيفية الأخذ والأداء.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أن شيخيه من المشايخ التسعة الذين روى عنهم أصحاب
الأصول الستّة بلا واسطة.
٤ - (ومنها): أنهما كفَرَسي رهان في الحفظ، وماتا في سنة واحدة.
٥ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين إلى شعبة، والباقون كوفيون.
٦ - (ومنها): أن شعبة الإمام المشهور، كان الثوريّ يقول: هو أمير
المؤمنين في الحديث، وكان هو أول مَن فَتَّش بالعراق عن الرجال، وذَبّ عن
السنة.
٧ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض، على قول
من يقول: إن منصوراً تابعيّ، كما ذكره في ((الفتح)).
٨ - (ومنها): أن أبا عبيدة ممن اشتهر بكنية، والمشهور أنه لا اسم له
غيرها، وقيل غير ذلك.
رَُّله من مشاهير الصحابة ﴿ه، نزلت فيه آية
٩ - (ومنها): أن صحابيّه

٢٤٥
(١٣) - بَابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا رَأَوْ نِجَرَةً أَوْ لَمُوا أَنْقَضُواْ إِلَّهَا وَتَرَكُوَكَ فَِّمًا﴾ - حديث رقم (٢٠٠١)
﴿فَنْ كَانَ مِنْكُمْ فَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذَّى مِّن رَأْسِهِ، فَفِدْيَةٌ﴾ الآية [البقرة: ١٩٦]، كما سيأتي
في ((كتاب الحجّ)) - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ) بن عبد الله بن مسعود (عَنْ كَعْبٍ بْنِ عُجْرَةَ) أي: عن
ـّه (قَالَ) الفاعل ضمير أبي عبيدة، وليس ضميرَ كعب ◌َظُه أي: قال
قصّته
أبو عبيدة (دَخَلَ الْمَسْجِدَ) الفاعل ضمير كعب ◌َظُه، يعني: أن كعب بن
عُجرة رَظُهُ دخل المسجد؛ أي: مسجد الكوفة (وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ أُمِّ الْحَكَمِ)
- بفتح المهملة، والكاف - هكذا هو عند المصنف، و(سنن النسائيّ): ((ابن أم
الحكم))، ووقع في ((السنن الكبرى)) للبيهقيّ: ((ابن الحكم) بدون ((أم)).
وعبد الرحمن ابن أمّ الحكم هذا: هو عبد الرحمن بن عبد الله بن
عبد الله بن عثمان الثقفيّ، المعروف بابن أمّ الحكم، وهو ابن أخت معاوية بن
أبي سفيان بن حَرْب، استعمله معاوية ظله أميراً على الكوفة في سنة (٥٨)،
وبعد سنة، أو أكثر عُزِل عنها، توفي بعد معاوية سنة (٨٣)(١).
فـ((عبد الرحمن)) مبتدأ، خبره جملة (يَخْطُبُ) وقوله (قَاعِداً) حال من فاعل
((يخطب))، وجملة المبتدأ والخبر في محلّ نصب على الحال من فاعل ((دَخَل))،
فالحالان متداخلان.
يعني: أن كعب بن عجرة له دخل المسجد، والحال أن عبد الرحمن
ابن أم الحكم يخطب الناس قاعداً، مخالفاً للسنة.
(فَقَّالَ) أي: كعب ◌َظُه منكراً عليه (انْظُرُوا إلَى هَذَا الْخَبِيثِ) وهذا من
غاية غضب هذا الصحابيّ الجليل ظُه على من خالف سنة رسول الله وعليه
(يَخْطُبُ قَاعداً) مع كون السنة أن يخطب قائماً، وفي رواية ابن خزيمة(٢): ((ما
رأيت كاليوم قطّ إماماً يؤم المسلمين يخطب، وهو جالس، يقول ذلك مرتين)).
(١) راجع ترجمته في: ((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم (٢٢٩/٥)، و((مشاهير علماء
الأنصار)) لابن حبّان (ص١٠٦)، و((الكامل)) لابن الأثير (٥١٥/٣).
(٢) هكذا عزاه في ((الفتح)) إلى ابن خزيمة، ولم أره في ((صحيحه))، فليُنظر، والله تعالى
أعلم.

٢٤٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
(وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى) جملة في محل نصب على الحال من فاعل
((يخطب))، والرابط الواو (﴿وَإِذَا رَأَوْ﴾) أي: أبصروا، أو عَرَفوا (﴿تِجَرَةَ﴾)
أي: بيعاً وشراءً (﴿أَوَ لَوْا﴾) قيل: المراد الطبل الذي كان يُضْرَب عند قدوم
التُّجَّارِ (﴿أَنْفَضُّواْ﴾) أي: تفرّقوا (﴿إِلَيَّهَا﴾) أي: إلى تلك التجارة، وما ذكر
معها، فيكون من باب الاكتفاء، ومراعاة أقرب المذكورين، أو اختصّت التجارة
بالذكر؛ لأنها المقصود الأعظم من الأمرين، فإن الطبل كان لإعلام مجيء
أسباب التجارة (﴿وَتَرَّكُوكَ قَيِّمًا﴾) أي: حال كونك قائماً على المنبر، تخطب
الناس.
وقال الطيبيّ كَُّ: قوله: ((وقد قال الله)) حال مُقَرِّرة لجهة الإنكار؛ أي:
كيف يخطب قاعداً، ورسول الله و # كان يخطب قائماً، بدليل قوله تعالى:
﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١]، وذلك أن أهل المدينة أصابهم جوع وغلاء،
فقَدِمَت تجارة من زيت الشام، والنبيّ رَّ يخطب يوم الجمعة، فتركوه قائماً،
وما بقي معه إلا نفر يسير. انتهى(١).
وقال النوويّ كَّثُ: هذا الكلام يتضمن إنكار المنكر، والإنكارَ على ولاة
الأمور، إذا خالفوا السنّة.
رَلو كان يخطب قائماً، وقد
ووجه استدلاله بالآية أن الله أخبر أن النبيّ
قال الله تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَّةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، مع
قوله تعالى: ﴿فَتَّبِعُوهٌ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَآ ءَانَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر:
٧]، مع قوله وَلّ: ((صلَّوا كما رأيتموني أصلي)). انتهى (٢). والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث كعب بن عُجرة طلبه هذا من أفراد
المصنّف تَخْذَّلهُ .
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٢٨٦/٤.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٦/ ١٥٢.

٢٤٧
(١٤) - بَابُ التَّغْلِيظِ فِي تَرْكِ الْجُمُعَةِ - حديث رقم (٢٠٠٢)
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٠٠١/١٣] (٨٦٤)، و(النسائيّ) في ((الجمعة))
(١٣٩٧) و((الكبرى)) (١٧١٢)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٩٤٧)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٩٦/٣ و١٩٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعية قيام الإمام على المنبر في حال الخطبة، وهذا
مما لا خلاف فيه، وإنما الخلاف في اشتراطه، وقد تقدّم تحقيقه.
٢ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة ه من شدّة الغضب على من خالف
السنة، ولو كان ممن تجب طاعته، واحترامه من ولاة الأمور؛ لأنه لا طاعة
للمخلوق في معصية الخالق.
٣ - (ومنها): ذمّ الاشتغال بالتجارة، واللَّهو، وإيثار ذلك عن ذكر الله
وطاعته، قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَلُكُمْ وَلَآَ أَوْلَدُكُمْ عَنْ
[المنافقون: ٩]، والله
ذِكْرِ اللّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(١٤) - (بَابُ التَّغْلِيظِ فِي تَرْكِ الْجُمُعَةِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٠٠٢] (٨٦٥) - (وحَدَّثَنِي(١) الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو
تَوْبَةَ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ، وَهُوَ ابْنُ سَلَّامٍ، عَنْ زَيْدٍ يَعْنِي: أَخَاهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلََّم،
قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَكَمُ بْنُ مِينَاءَ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، وَأَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَاهُ، أَنَّهُمَّا
سَمِعَا رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ عَلَى أَعْوَادِ مِنْبَرِهِ: ((لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ
الْجُمُعَاتِ، أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الْغَافِينَ))).
(١) وفي نسخة: ((حدّثني)).

٢٤٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ) هو: الحسن بن عليّ بن محمد الْهُذَليّ،
أبو عليّ الخلال الْحُلْوَانيّ - بضم المهملة - نزيل مكة، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف
[١١] (ت٢٤٢) (خ م د ت ق) تقدم في ((المقدمة)) ٢٤/٤.
٢ - (أَبُو تَوْبَةَ) الربيع بن نافع، الحلبيّ، نزيل طَرَسُوس، ثقةٌ حجةٌ عابدٌ
[١٠] (ت٢٤١) (خ م د س ق) تقدم في ((الحيض)) ٧/ ٧٢٢.
٣ - (مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّام) - بتشديد اللام - ابن أبي سلّام، أبو سلّام
الدمشقيّ، وكان يسكن حِمْصَّ، ثقةٌ [٧] مات في حدود سنة (١٧٠) (ع) تقدم
في ((الإيمان)) ٣٠٩/٤٩.
٤ - (زَيْدُ) بن سلّام بن أبي سلّام الحَبَشيّ الدمشقيّ، ثقة [٦] (بخ م ٤)
تقدم في ((الطهارة)) ٥٤٠/١.
٥ - (أَبُو سَلََّم) مَمْطُور الأسود الحَبَشيّ الأعرج الدمشقيّ، ويقال:
النُّوبي، وقيل: إن الَّحَبَشيّ نسبة إلى حَيّ من حمير، ثقة يرسل [٣] (بخ م ٤)
تقدم في ((الطهارة)) ٥٤٠/١.
٦ - (الْحَكَمُ بْنُ مِينَاءَ) - بكسر الميم، بعدها تحتانية، ثم نون، ومدٌّ ـ
الأنصاريّ مولاهم المدني، صدوق [٢].
رأى بلالاً ظه يمسح على الخفّين، ورَوَى عن أبي هريرة، وعائشة،
وابن عُمر، وابن عباس، وغيرهم
.
ورَوَى عنه ابنه شُبَيث، وأبو سلّام الأسود، وسعد بن إبراهيم، وغيرهم.
قال أبو زرعة: ثقة، وقال أبو حاتم: مدنيّ يُروَى عنه، وقال ابن سعد:
شهد أبوه ميناء تبوك مع النبيّ وَّر، وعن أبي حاتم: شيخ، وذكره ابن حبّان في
((الثقات)).
أخرج له المصنّف، وأبو داود في ((فضائل الأنصار))، والنسائيّ، وابن
ماجه، وليس له عندهم إلا حديث الباب فقط، وهو مختلف في إسناده، كما
سيأتي - إن شاء الله تعالى -.
والصحابيّان ظ﴿مَا تقدّما قريباً.

٢٤٩
(١٤) - بَابُ التَّغْلِيظِ فِي تَرْكِ الْجُمُعَةِ - حديث رقم (٢٠٠٢)
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف ◌َخَّلُهُ.
٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالتحديث، والسماع إلا في موضع.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والابن عن أبيه.
٤ - (ومنها): أن صحابييه من المكثرين السبعة من الصحابة
شرح الحديث:
(عَنْ زَيْدٍ يَعْنِي: أَخَاهُ) أي: أخا معاوية، والظاهر أن العناية من
المصنّف، ويَحْتَمِل أن يكون من غيره، وكذا القول في ((وهو ابن سلّام)) (أَنَّهُ
سَمِعَ أَبَا سَلَّام) يعني: أباه، واسمه ممطور، كما مرّ آنفاً، وقوله: (قَالَ) جملة
حاليّة من المفَّعول (حَدَّثَنِي الْحَكَمُ بْنُ مِينَاءَ) بكسر الميم (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ،
وَأَبَا هُرَيْرَةَ)
[تنبيه]: هكذا في رواية المصنّف من طريق أبي توبة، عن معاوية بن
سلام، عن زيد، عن أبي سلام، عن الحكم بن ميناء: ((أن عبد الله بن عمر،
وأبا هريرة حدّثا))، فجعله من مسند ابن عمر، وأبي هريرة رهًُا.
ووقع في رواية النسائيّ، من طريق الحضرميّ بن لاحق، عن زيد، عن
أبي سلّام، عن الحكم بن ميناء ((أنه سمع ابن عبّاس، وابن عمر))، فجعله من
مسند ابن عبّاس بدل أبي هريرة پا.
ورواية المصنّف هي المحفوظة؛ ويؤيّد ذلك أن النسائيّ رواها في
((الكبرى)) (٥١٦/١) فقال:
(١٦٥٩) أخبرني إبراهيم بن يعقوب، قال: نا سعيد بن الربيع، قال: نا
عليّ بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلّام، عن أبي سلّام،
عن الحكم بن مينا، عن ابن عمر، وابن عباس، قال عليّ: ثم كتب به إليّ عن
ابن عمر وأبي هريرة، أنهما سمعا رسول الله بَّله يقول على أعواد منبره:
((لينتهين أقوام عن وَدْعِهم الجمعات، أو ليختمن على قلوبهم، ثم ليكونن من
الغافلين)).
وأيضاً فقد رواه محمد بن شعيب بن شابور، والوليد بن مسلم، عن

٢٥٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
معاوية بن سلّام، كما قال أبو توبة، قاله في ((تحفة الأشراف))(١).
قال البيهقي: ورواية معاوية بن سلام عن أخيه زيد أولى أن تكون
محفوظة، والله أعلم(٢).
(حَدَّثَاهُ، أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ عَلَى أَعْوَادِ مِنْبَرِهِ) متعلّق بحال
مقدّر؛ أي: حال كونه قائماً على أعواد منبره.
و((الأعواد)) بالفتح: جمع عُود بالضم؛ أي: على درجات منبره، وقال
الصنعانيّ تَخْتُ: أي: منبره الذي كان من عُود، لا على الذي كان من الطين،
ولا على الجذع الذي کان يستند إليه. انتهى.
وفائدة ذكره الدلالةُ على كمال التَّذَكُّرِ، والإشارةُ إلى اشتهار هذا
الحديث.
(لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ) اللام موطئة للقسم المقدَّر، والنون المشددة للتوكيد،
والجملة جواب القسم المقدَّر؛ أي: والله لينتهينّ أقوام، وإنما أبهمهم كراهيةً
كسر قلوب من يُعَيِّنهم لو عَيَّن أشخاصاً؛ لأن النصيحة، في الملا فضيحة.
(عَنْ وَدْعِهِمُ الْجُمُعَات) - بفتح الواو، وسكون الدال ـ: مصدر وَدَعَ؛
أي: عن تركهم إيّاها، والتخلف عنها من غير عذر، من وَدَعَ الشيءَ يَدَعُهُ
وَدْعاً : إذا تركه.
وقول النحاة: إن العرب أماتوا ماضيه ومصدره، واسم فاعله، استغناء
بَتَرَكَ تَرْكاً، فهو تارك: محمول على أن الغالب عدم استعمال ذلك، استغناءً بما
هو أخفّ، لا أنهم لم يستعملوا ذلك أصلاً.
وقيل: قولهم مردود، والحديث حجة عليهم، قال التوربشتيّ كَّلهُ: لا
عبرة بما قال النحاة، فإن قول النبيّ وَّير هو الحجة القاضية على كلّ ذي لهجة
وفصاحة. انتهى.
وقال الفيّوميّ كَّتُهُ: وأصل المضارع الكسر، ومن ثَمَّ حُذفت الواو، ثمّ
فُتح لمكان حرف الحلق، قال بعض المتقدّمين: وزعمت النحاة أن العرب
أماتت ماضيَ ((يَدَعُ))، ومصدرَه، واسم الفاعل، وقد قرأ مجاهد، وعروة،
(١) راجع: ((تحفة الأشراف)) ٣٣٥/٥.
(٢) ((سنن البيهقي الكبرى)) ١٧٢/٣.

٢٥١
(١٤) - بَابُ التَّغْلِيظِ فِي تَرْكِ الْجُمُعَةِ - حديث رقم (٢٠٠٢)
ومقاتل، وابن أبي عَبْلَة، ويزيد النحويّ: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ [الضحى: ٣]
بالتخفيف، وفي الحديث: ((لَيَنتَهينّ أقوام عن وَدْعهم الجمعات))؛ أي: عن
تركهم، فقد رُويت هذه الكلمة عن أفصح العرب، ونُقلت من طريق القُرّاء،
فكيف يكون إماتةً، وقد جاء الماضي في بعض الأشعار، وما هذا سبيله،
فيجوز القول بقلّة الاستعمال، ولا يجوز القول بالإماتة. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: فمما أنشدوا لاستعمال ماضيه - كما
أورده ابن منظور تكَّثهُ - قول الشاعر:
أَكْثَرَ نَفْعاً مِنَ الَّذِي وَدَعُوا
وَكَانَ مَا قَدَّمُوا لأَنْفُسِهِمْ
وقول الآخر:
غَالَهُ حَتَّى وَدَعَهْ
لَيْتَ شِعْرِي عَنْ خَلِيلِي مَا الَّذِي
وقول الآخر:
عَنْ وِصَالِي الْيَوْمَ حَتَّى وَدَعَهْ
سَلْ أَمِيرِي مَا الَّذِي غَيَّرَهُ
وقول الآخر:
ثُمَّ لَمْ يُذْرِفُ وَلَا عَجْزاً وَدَعْ
فَسَعَى مَسْعَاتَهُ فِي قَوْمِهِ
ومن استعمال اسم الفاعل له قوله:
حَزِينٌ عَلَى تَرْكِ الَّذِي أَنَا وَادِعُ
فَأَيُّهُمَا مَا أَتْبَعَنَّ فَإِنَّنِي
وقول الآخر:
يُسَاجِلُهَا حَمَّاتُهُ وَتُسَاجِلُهْ
عَلَيْهِ شَرِيبٌ لَيِّنٌ وَادِعُ الْعَصَا
فقول السيوطيّ في ((شرحه)): الظاهر أن استعماله هنا من الرواة المولدين
الذين لا يُحسنون العربية، غير صحيح، كيف يمكن أن يُغَلّط الرواة الثقات
الذين يُعتمد على حفظهم، مع أن أهل اللغة قد أثبتوا استعمال العرب الماضي
منه، وقرأ به من قدّمنا ذكره من القرّاء، وكذا أثبتوا له اسم الفاعل، وثبت في
هذا الحديث استعمال المصدر له؟، إن هذا لشيء عجيب !!.
وغاية ما يقال في مثل هذا: إن استعمال الماضي، والمصدر، واسم
الفاعل منه قليل، لا يكثر كثرة استعمال المضارع والأمر منه.
قال السنديّ نَّثُ ردّاً على كلام السيوطيّ المذكور ما نصه: لا يخفى
على من تتبع كتب العربية أن قواعد العربية مبنية على الاستقراء الناقص، دون

٢٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
التامّ عادةً، وهي مع ذلك أكثريّات، لا كليّات، فلا يناسب تغليط الرواة، والله
تعالى أعلم. انتهى.
(أَوْ لَيَخْتَمَنَّ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ) أي: يَطْبَع عليها، ويُغطّيها بالرَّيْن، قال
القاضي عياضٌ تَخْتُهُ: أصل الختم التغطية؛ أي: غطّى عليها، ومنعها من
الهداية به حتى لا تعرف معروفاً، ولا تُنكر منكراً، ولا تعي خيراً، قالوا في
قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اَللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧]؛ أي: طَبَعَ عليها، قالوا: وأصل
الطبع في اللغة: الوسخُ والدنس، واستُعْمِل فيما يُشبهه من الآثام، ومثله
الرَّيْنُ، وقيل: الرين أيسر من الطبع، والطبع أيسر من الإقفال، والإقفال
أشدّها، وقد اختَلَفَ المتكلّمون في هذا اختلافاً كثيراً، فقيل: هو إعدام
اللطف، وأسباب الخير، والتمكين من أسباب ضدّه، وقيل: هو خَلْق الكفر في
قلوبهم، وهو قول أكثر متكلمي أهل السنّة، وقال غيرهم: هو الشهادة عليهم،
وقيل: هو علامةٌ جعلها الله تعالى في قلوبهم؛ لتعرف بها الملائكة الفرق بين
من یجب مدحه، ومن یجب ذمّه. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الصواب حمل الختم على ظاهره، وأنه
رَّك يجعل على قلوبهم بسبب ذنوبهم شيئاً يمنع قلوبهم عن اتباع الحقّ،
ووصول الخير إليه؛ لما أخرجه الترمذي في ((جامعه)) (٣٣٣٤)، والنسائي في
((عمل اليوم والليلة)) (٤١٨) وفي ((السنن الكبرى)) ٥٠٩/٦، من حديث أبي
هريرة ◌َظُه عن رسول الله وََّ، قال: ((إنّ العبد إذا أخطأ خطيئةً نُكتت في قلبه
نُكتة سوداء، فإذا هو نزع، واستغفر، وتاب صُقِّل قلبُهُ، وإن عاد زيد فيها،
حتى تَعلُو قلبه، وهو الرَّانُ الذي ذكره الله: ﴿كَا بَلِّ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم ◌َا كَانُواْ
[المطففين: ١٤]))، قال الترمذيّ: حديث حسن صحيح، وصححه
١٤
يَكْسِبُونَ
ابن حبّان، والحاكم، ووافقه الذهبيّ، والله تعالى أعلم.
قيل: ومن خُتِمَ على قلبه بالرين قد يتيقظ للخير في بعض الأوقات،
بخلاف الغافل عن مولاه، فلا يتفطن أصلاً، فلهذا ترقّى، فقال (ثُمَّ لَيَكُونُنَّ)
بضم النون الأولى، من الكَوْن، ولفظ أحمد: ((ثم ليُكتَبُنّ)) من الكتابة (منَ
(١) ((إكمال المعلم)) ٢٦٥/٣.

٢٥٣
(١٤) - بَابُ التَّغْلِيظِ فِي تَرْكِ الْجُمُعَةِ - حديث رقم (٢٠٠٢)
الْغَافلينَ))) أي: من جملة من استولت عليهم الغفلة، ونَسُوا اللهَ، فنسيهم،
يعني: أنه يُترقىّ بهم في الشرّ إلى هذه المرتبة.
قال الطيبيّ ◌َخْذُهُ: (ثمّ)) لتراخي الرتبة، فإن كونهم من جملة الغافلين
المشهود عليهم بالغفلة أدعى لشَقَائهم، وأنطق بخسرانهم من مطلق كونهم
مختوماً عليهم، وقيل: المراد: من الدائمين في الغفلة.
وقال القاضي البيضاويّ كَُّهُ: المعنى: أن أحد الأمرين كائن لا مَحَالةَ،
إما الانتهاءُ عن ترك الجمعات، أو ختم الله تعالى على قلوبهم، فإن اعتياد ترك
الجمعة يُغَلِّب الرّينَ على القلب، ويُزَهِّد النفوس في الطاعة، وذلك يؤدي بهم
إلى أن يكونوا من الغافلين؛ أي: عن اكتساب ما ينفعهم من الأعمال، وعن
ترك ما يضرّهم منها .
والحديث من أعظم الزواجر عن ترك الجمعة، والتساهل فيها، ومن أدلّة
أنها من فروض الأعيان.
وهذا كله فيمن تركها تهاوناً وتكاسلاً من غير عذر؛ لِما أخرجه أحمد،
وابن ماجه، وصححه ابن خزيمة، وابن حبّان، والحاكم، عن جابر بن
عبد الله خيرًا قال: قال رسول الله وَله: ((من ترك الجمعة ثلاثاً من غير ضرورة،
طَبَعَ الله على قلبه)).
◌َنَّه قال: قال
ولِما أخرجه أصحاب ((السنن)) عن أبي الجعد الضمريّ رهـ
رسول الله وَله: ((من ترك ثلاث جُمَع؛ تهاوناً بها طَبَع الله على قلبه))(١)، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه
التكلان .
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر، وأبي هريرة
هذا من
أفراد المصنّف نَّهُ .
(١) حديث صحيح، رواه أصحاب السنن، وأحمد، والدارميّ، وصححه ابن خزيمة.

٢٥٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٠٠٢/١٤] (٨٦٥)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه))
(١٩٤٨)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٥٧٨)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة))
(١٠٥٤)، وأخرجه (النسائيّ) (١٣٧٠) و((الكبرى)) (١٦٥٨ و١٦٥٩) من حديث
ابن عبّاس، وابن عمر ﴿، وكذا (أحمد) في ((مسنده)) (٢٣٩/١ و٨٤/٢)،
و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٧٨٥)، وأخرجه (ابن خزيمة) في (صحيحه))
(١٨٥٥) من حديث أبي هريرة، وأبي سعيد الخدريّ ◌َّ، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان التشديد في التخلّف عن الجمعة.
٢ - (ومنها): أنه حجة بيّنة، في كون وجوب الجمعة، وكونها فرضاً؛ إذ
العقاب، والوعيد، والطبع، والختم إنما يكون على ارتكاب الكبائر، وترك
الواجبات .
٣ - (ومنها): استحباب اتّخاذ المنبر للخطبة، وهي سنّة مجمع عليها .
٤ - (ومنها): أن ترك الجمعة تكاسلاً يكون سبباً لختم القلوب، فلا
تعرف معروفاً، ولا تنكر منكراً، بل تكون من الغافلين الذين قال الله تعالى
فيهم: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنّ وَالْإِنسِّ لَمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَمْ أَعْيُنٌ
لَا يُصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ مَاذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَاْ أُوْلَكَ كَالْأَنَِْ بَلَّ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَكَ هُمُ
[الأعراف: ١٧٩].
الْفَفِلُونَ
٥ - (ومنها): أنه ينبغي للواعظ والمذكر أن يُبهم الأشخاص الذين يريد
أن يعظهم، ويذكّرهم، ولا يسميهم بأسمائهم؛ لئلا تعود النصيحة عليهم
فضيحة، فلا يقبلوها، فقد كان من هدي النبيّ وَل﴿ في مواعظه، وخطبه أن
يقول كثيراً: ((ما بال أقوام))، ((ما بال رجال))، ولا يسميهم بأسمائهم؛ لأن ذلك
أدعى لقبول النصح، وامتثال الأوامر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْثُّ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾.

٢٥٥
(١٥) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الصَّلَاةِ قَصْداً، وَالْخُطْبَةِ قَصْداً، ... إلخ - حديث رقم (٢٠٠٣)
(١٥) - (بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الصَّلَاةِ قَصْدَاً، وَالْخُطْبَةِ قَصْداً،
وَكَيْفِيَّةٍ خُطْبَتِهِ وَلِ)
[٢٠٠٣] (٨٦٦) - (حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ،
قَالَا: حَدَّثْنَا أَبُو الْأَخْوَصِ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي مَعَ
رَسُولِ اللهِ وََّ، فَكَانَتْ صَلَاتُهُ قَصْدَاً، وَخُطْبَتُهُ قَصْداً))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وقد تقدّم بعينه قبل بابين، و((الحسن بن الربيع)) هو: الْبُورَانيّ الكوفي،
و ((أبو الأحوص)): هو سلّام بن سُليم، و((سماك)) هو: ابن حرب.
[تنبيه]: من لطائفه أنه من رباعيّات المصنّف ◌َّثُهُ، وهو (١٢٩) من
رباعيّات الكتاب، وأنه مسلسلٌ بالكوفيين.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ) ﴿هَا أنه (قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّ مَعَ رَسُولِ اللهََِّ) وفي
الرواية التالية: ((كنت أُصلي مع النبيّ وَّ الصلوات)) (فَكَانَتْ صَلَاتُهُ قَصْداً،
وَخُطْبَتُهُ قَصْداً) أي: متوسّطةً بين الطول الظاهر، والقصر الماحِقِ، ولا يلزم منه
تساوي الصلاة والخطبة؛ إذ توسّط كلٌّ يُعتبر في بابه، فلا تنافي بين هذا
الحديث وحديث عمار ربه الآتي: ((فأطيلوا الصلاة، واقصُروا الخطبة))،
فالمراد أن تكون الصلاة طويلة بالنسبة إلى الخطبة، لا تطويلاً يشقّ على
المأمومين، فهي حينئذ قصدٌ بالنسبة إلى وضعها .
وقال القرطبيّ تَخْذُهُ: قوله: ((قصداً)) أي: متوسّطة بين الطول والقصر،
ومنه القصد من الرجال، والقصد في المعيشة، والإكثار في الخطبة مرده؛
للتشدّق والإملال بالتطويل. انتهى (١).
والحديث من أفراد المصنّف رَّتُهُ، وقد تقدّم تخريجه قبل بابين، والله
(١) ((المفهم)) ٥٠٣/٢.

٢٥٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٢٠٠٤] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا(١) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالًا:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، حَذَّثَنِي سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ جَابِرٍ بْنِ
سَمُرَةَ قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ نَّهِ الصَّلَوَاتِ، فَكَانَتْ صَلَاتُهُ قَصْداً، وَخُطْبَتُهُ
قَصْداً، وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي بَكْرٍ: زَكَّرِيَّاءُ، عَنْ سِمَاكٍ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ
حافظٌ [١٠] (ت٢٣٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ) الْعَبْديّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [٩]
(ت٢٠٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١/ ١٠٧.
٣ - (زَكَرِيَّاءُ) بن أبي زائدة خالد، أو هُبيرة بن ميمون بن فيروز الْهَمْدانيّ
الوادعيّ، أبو يحيى الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (ت٧ أو٨ أو ١٤٩) (ع) تقدم في
((الإيمان)) ٤٤٩/٨٣.
والباقون ذُكروا قبله، وكذا الكلام على الحديث، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاجِ كَُّ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٠٥] (٨٦٧) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ
عَبْدِ الْمَجِيدِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: كَانَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ إِذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، وَعَلَا صَوْتُهُ، وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ، حَتَّى كَأَنَّهُ
مُنْذِرُ جَيْشٍ، يَقُولُ: صَبَّحَكُمْ، وَمَسَّاكُمْ، وَيَقُولُ: ((بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنٍ))،
وَيَقْرُنُ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ: السََّّابَةِ وَالْوُسْطَى، وَيَقُولُ: ((أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ
كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرُ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ، وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ))،
(١) وفي نسخة: ((حدّثنا)).

٢٥٧
(١٥) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الصَّلَاةِ قَصْداً، وَالْخُطْبَةِ قَصْداً، ... إلخ - حديث رقم (٢٠٠٥)
ثُمَّ يَقُولُ: ((أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ، مَنْ تَرََكَ مَالاً فَلِأَهْلِهِ، وَمَنْ تَرَكَ دَيْناً،
أَوْ ضَيَاعاً، فَإِلَيَّ وَعَلَيَّ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قبل باب.
٢ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ) بن الصَّلْت الثقفيّ، أبو محمد
البصريّ، ثقةٌ تغير قبل موته بثلاث سنين [٨] (ت١٩٤) عن نحو من ثمانين سنةً
(ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٧/ ١٧٣.
٣ - (جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب
الهاشميّ، أبو عبد الله المعروف بالصادق، صدوقٌ فقيهٌ إمامٌ [٦] (ت١٤٨) (بخ
م ٤) تقدم في ((الحيض)) ١٠/ ٧٤٩.
٤ - (أَبُوهُ) محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو جعفر
الباقر، ثقةٌ فاضلٌ [٤] مات سنة بضع عشرة ومائة (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٦١.
٥ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) ◌ّا، تقدّم قبل باب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رَّتُهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين اتفق الجماعة بالرواية عنهم بلا
واسطة.
٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، من جعفر، وشيخه وشيخ شيخه
بصریّان .
٥ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وفيه جابر بظلاله من المكثرين
السبعة، روى (١٥٤٠) حديثاً، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ﴾ ﴿ّ أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ إِذَا خَطَبَ
احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، وَعَلَا صَوْتُهُ) بالرفع الفاعليّة؛ أي: ارتفع صوته (وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ)
إنما يفعل ذلك؛ إزالةً للغفلة من قلوب الناس؛ حتى يتمكّن فيها الوعظ فضلَ

٢٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
تمكّن، ويؤثّر فيها حقّ تأثير، أو لأنه يتوجّه فكره إلى الموعظة، فتظهر عليه آثار
الهيبة الإلهيّة، واستُدلّ به على أنه يُستحبّ للخطيب أن يفخّم أمر الخطبة،
ويَرفع صوته وكلامه؛ ليكون مطابقاً للفصل الذي يتكلّم فيه، من ترغيب، أو
ترهيب، ولعلّ اشتداد غضبه وَ﴿ كان عند إنذاره أمراً عظيماً، قاله في
((المرعاة))(١).
وقال القرطبيّ كَّثُ: كان هذا منه وَ﴿ في أحوال، وهذا مشعر بأن
الواعظ حقّه أن يكون منه في وعظه بحسب الفصل الذي يتكلّم فيه ما يطابقه،
حتى لا يأتي بالشيء وضدُّه ظاهرٌ عليه، وأما اشتداد غضبه وَلَّ، فَيَحْتَمل أن
يكون عند نهيه عن أمر خُولف فيه، أو يُريد أن صفته صفة الغضبان. انتهى (٢).
(حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ) هو الذي يجيء مخبراً للقوم بما دَهَمَهم من عدوّ،
أو غيره؛ أي: كمن يُنذر قوماً من قرب جيش عظيم قصد الإغارة عليهم (يَقُولُ)
ذلك المنذر، والجملة في محلّ رفع صفة لـ((منذر))، أو حالٌ؛ لتخصيصه
بالإضافة .
وقال الطيبيّ رَّتُهُ: قوله: ((يقول)) يجوز أن يكون صفةً لـ((منذرُ جيشٍ))،
وأن يكون حالاً من اسم ((كأَنَّ))، والعامل معنى التشبيه، فالقائل إذن
رسول الله وَّيه، و(( يقول)) الثاني عطفٌ على الأول، وعلى الوجه الأول عطفٌ
على جملة ((كأنّه)). انتهى(٣).
(صَبَّحَكُمْ) بتشديد الموحّدة، والفاعل ضمير يعود إلى العدوّ المنذَر به،
والضمير المنوب يعود إلى المنذَرين؛ أي: نزل بكم العدوّ صباحاً، والمراد أنه
سينزل، وعبّر بصيغة الماضي؛ لتحقّقه.
قال الطيبيّ ◌َخُّْهُ: مَثَّلَ حالَ رسول الله وَّ في خطبته، وإنذاره بمجيء
القيامة، وقرب وقوعها، وتهالك الناس فيما يُرديهم بحال من يُنذر قومه عند
غفلتهم بجيش قريب منهم يقصد الإحاطة بهم بغتةً من كلّ جانب بحيث لا
يفوت منهم أحدٌ، فكما أن المنذر يرفع صوته، وتحمرّ عيناه، ويشتدّ غضبه على
(١) راجع: ((المرعاة)) ٤٩٦/٤ - ٤٩٧.
(٣) ((الكاشف)) ١٢٨٣/٤ - ١٢٨٤.
(٢) ((المفهم) ٢ /٥٠٦.

٢٥٩
(١٥) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الصَّلَاةِ قَصْداً، وَالْخُطْبَةِ قَصْداً، ... إلخ - حديث رقم (٢٠٠٥)
تغافلهم، كذلك حال رسول الله وسلم عند الإنذار، وإلى قرب المجيء أشار
بإصبعيه، ونظيره ما رُوي أنه لَمّا نزل قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَينَ
[الشعراء: ٢١٤] صَعِدَ الصفا، فجعل ينادي: ((يا بني فِهر، يا بني عديّ ... ))
الحديث، متّفقٌ عليه. انتهى(١).
(وَمَسَّاكُمْ) بتشديد السين المهملة، مثلُ ((صَبّحكم))، والمراد: الإنذار
بإغارة الجيش في الصباح والمساء.
وقيل: يَحْتَمِل أن يكون ضمير ((يقول)) للنبيّ ◌َّ، والجملة حال، وضمير
(صبّحكم، ومسّاكم)) للعذاب، والمراد به: قَرُب منكم، إن لم تطيعوني هلكتم،
والوجه الأول هو الأظهر، والله تعالى أعلم.
(وَيَقُولُ) أي: النبيّ ◌َُّ، فهو عطف على ((احمرّت عيناه)) ((بُعِثْتُ أَنَا
وَالسَّاعَةُ) ((أنا)) تأكيد للضمير المتّصل، وإنما أكّده به؛ ليصحّ عطف ((والساعةُ))
عليه، كما قال في ((الخلاصة)):
عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ
وَإِنْ عَلَى ضَمِيرٍ رَفْعِ مُتَّصِلْ
فِي النَّظْم فَاشِياً وَضَعْفَهُ اعْتَقِدْ
أَوْ فَاصِلٍ مَّا وَبِلَا فَضْلٍ يَرِدْ
وقال النوويّ كَّلُهُ: رُوي بنصب ((الساعة)) ورفعها، والمشهور نصبها،
على المفعول معه. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: إن أراد النوويّ بالمشهور المشهور من حيث
الروايةُ فذاك، وإلا فمن حيث القاعدةُ النحويّة في مثل هذا الرفعُ أولى؛ لأنه
إذا أمكن العطف بلا ضعف، فهو أحقّ، وهنا كذلك للفصل بالضمير
المنفصل، وإلا فالنصب أحقّ، نحو سرتُ وزيداً؛ لعدم الفصل، وإلى هذا
أشار ابن مالك تَظْلَتُ في ((الخلاصة)) حيث قال:
وَالْعَظْفُ إِنْ يُمْكِنْ بِلَا ضُعْفٍ أَحَقْ وَالنَّصْبُ مُخْتَارُ لَدَى ضَعْفِ النَّسَقْ
وقال القرطبيّ تَخْتُ: قيّدناه بالنصب، والرفع، فأما النصب فهو على
المفعول معه، والرفع على أنه معطوفٌ على التاء في ((بُعِثْتُ))، وفَصَل بينهما
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٢٨٣/٤.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٦/ ١٥٤.

٢٦٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
بـ((أنا))؛ توكيداً للضمير، على ما هو الأحسن عند النحويين، وقد اختار بعضهم
النصب؛ بناءً على أن التشبيه وقع بملاصقة الإصبعين، واتّصالهما، واختار
آخرون الرفعَ؛ بناءً على أن التشبيه وقع بالتفاوت الذي بين رؤوسهما، ويعني:
أن ما بين زمان النبيّ ◌َر، وقيام الساعة قريب كقرب السبّابة من الوسطى،
وهو واقع، والله أعلم(١) .
وقد جاء من حديث المستورد بن شدّاد ◌َظُبه عن النبيّ وَ﴿ أنه قال:
(بُعثتُ في نفس الساعة، فسَبَقتها كما سبقت هذه)) لإصبعيه السبّابة
والوسطى(٢).
(كَهَاتَيْنِ))) ((ها)) هي حرف تنبيه، و((تين)) تثنية ((تا)) ضمير للمؤنّثة، مجرور
بالكاف؛ أي: مثل هاتين الإصبعين (وَيَقْرُنُ) بضمّ الراء على المشهور الفصيح،
وحُكي كسرها، قاله النوويّ كَذَهُ(٣).
وقال الفيّوميّ كَّقُ: قَرَنَ بين الحجّ والعمرة، من باب قَتَلَ، وفي لغة من
باب ضَرَبَ: جَمَع بينهما في الإحرام. انتهى (٤).
(بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ) تقدّم أن فيها عشر لغات، وهي تثليث الهمزة، مع تثليث
الموحّدة، والعاشرة أُصْبُوع، بالضمّ، بوزن عُصْفُور، وأفصحها كسر الهمزة،
مع فتح الموحّدة، وقوله: (السََّّابَةِ) بالجرّ بدل من ((إصبعيه))، ويجوز قطعها إلى
الرفع بتقدير مبتدأ؛ أي: هي، والنصب بتقدير فعل؛ أي: أعني، وهي بتشديد
الموحّدة: الإصبع التي تلي الإبهام، سُمّيت بذلك؛ لأنهم يشيرون بها عند
السبّ (وَالْوُسْطَى) بضمّ الواو، مقصوراً، تأنيث الأوسط، وهي الإصبع التي
تلي السّابة.
قال السنديّ تَخْتُ: التشبيه في المقارنة بينهما؛ أي: ليس بينهما إصبع
أخرى، كما أنه لا نبيّ بينه وّ وبين الساعة، أو في قلّة التفاوت بينهما، فإن
الوسطى تزيد على المسبحة بقليل، فكأن ما بينه وَله وبين الساعة في القلّة قدرُ
(١) ((المفهم)) ٢ /٥٠٦ - ٥٠٧.
(٢) أخرجه الترمذيّ ٤٩٦/٤، وهو ضعيف؛ لأن في سنده مجالد بن سعيد، ضعيف.
(٤) ((المصباح المنير)) ٢/ ٥٠٠.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٥٤/٦.