النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١
(٧) - بَابُ فَضْلِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ - حديث رقم (١٩٧٦)
الإطلاق الثاني؛ أي: ما مقداره كألف سنة، فيكون مكثه فيها زماناً طويلاً(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: مثل هذا الخلاف مما لا فائدة فيه، حیث
لم يَسْتَنِد إلى نصّ صحيح، فلا ينبغي الاشتغال به، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: قيل: هذه القضايا ليست لذكر فضيلة يوم الجمعة؛ لأن إخراج
آدم، وقيام الساعة، لا يُعَدّان فضيلةً، وإنما هو لبيان ما وقع فيه من الأمور
العظام.
وقيل: بل جميعها فضائل، وخروج آدم ظلّلا ليس طرداً، كخروج إبليس،
وإنما كان خروجه منها مسافراً لقضاء أوطار، من وجود الذرّيّة الطيبة، من
الرسل، والأنبياء، والصالحين، والعود إلى تلك الدار، وموته سبب لنيل ما
أُعدّ له، ولذرّيّته الصالحين، من الكرامات، وقيام الساعة أعظم سبب لظهور
رحمة الله تعالى، وإنجاز وعده لعباده الصالحين وتعجيل جزائهم.
وقال القرطبيُّ: كون يوم الجمعة أفضل الأيام لا يرجع ذلك إلى عين
اليوم؛ لأن الأيام متساوية في أنفسها(٢)، وإنما يَفضُلُ بعضُها بعضاً بما يُخَصّ
به من أمر زائد على نفسه، ويوم الجمعة قد خُصّ من جنس العبادات بهذه
الصلاة المعهودة التي يجتمع لها الناس، وتتفق هممهم، ودواعيهم، ودعواتهم
فيها، ويكون حالهم فيها كحالهم يوم عرفة، ليُستجاب لبعضهم في بعضهم،
ويُغفر لبعضهم ببعض، ولذلك قال النبيّ وَّ ل: ((الجمعة حج المساكين))(٣)؛
أي: يحصل لهم فيها ما يحصل لأهل عرفة، ثم إن الملائكة يشهدونهم،
ويكتبون ثوابهم، ولذلك سُمي هذا اليومُ اليومَ المشهودَ، ثم يحصل لقلوب
العارفين من الألطاف، والزيادات حسبما يدركونه من ذلك، ولذلك سُمي يوم
(١) راجع: ((المرعاة)) ٤٢٢/٤ - ٤٢٣.
(٢) هذا الكلام من القرطبيّ فيه نظر لا يخفى؛ لأن ظاهر النصّ يدلّ على أن فضله في
نفسه، وذلك بتفضيل من الله تعالى، ولكون فضله في نفسه حصلت فيه هذه الأمور
العظام، فتبصّر، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(٣) حديث ضعيف، أخرجه ابن زنجويه في ((ترغيبه))، والقضاعيّ من حديث ابن
عبّاس ﴿ه، راجع: ((ضعيف الجامع)) للشيخ الألبانيُّ كَُ (ص٣٩٤).
١٦٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
المزيد، ثم إن الله تعالى قد خصه بالساعة التي فيه، وبأن أوقع فيه هذه الأمور
العظيمة التي هي خلق آدم ظلّ الذي هو أصل البشر، ومن وَلَدِهِ الأنبياءُ،
والأولياءُ، والصالحون، ومنها إخراجه من الجنة التي حصَلَ عنده إظهار
معرفة الله تعالى، وعبادته في هذا النوع الآدمي، مع إجرامه، ومخالفته، ومنها
موته الذي بعده وُفّي به أجره، ووصل إلى مأمنه، ورجع إلى المستقرّ الذي
خرج منه، ومن فَهِمَ هذه المعاني فَهمَ فضيلة هذا اليوم، وخصوصيّته بذلك،
فحافظ عليه، وبادر إليه. انتهى(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة به هذا من أفراد المصنّف ◌َظُّهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٩٧٦/٧ و١٩٧٧] (٨٥٤)، و(أبو داود) في
((الصلاة)) (١٠٤٦)، و(الترمذيّ) في (الصلاة)) (٤٩١)، و(النسائيّ) في ((الجمعة))
(١٣٧٣)، و((الكبرى)) (١٦٦٣ و١٦٦٤)، و(مالك) في ((الموطأ)) (١٠٨/١)،
و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٠١/٢ و٤١٨ و٥١٢ و٥٤٠)، و(ابن خزيمة) في
((صحيحه)) (١٧٢٩)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٥٤٢ و٢٥٤٣ و٢٥٤٤
و٢٥٤٥)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٩٢٢ و١٩٢٣)، و(البغويّ) في ((شرح
السنّة)) (٢٠٣/٤ - ٢٠٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل يوم الجمعة، قال النوويُّ كَظّفُهُ: في هذا الحديث
فضيلة يوم الجمعة، ومزيّته على سائر الأيام، وفيه دليل لمسألة غريبة حسنة،
وهي لو قال لزوجته: أنت طالق في أفضل الأيام، وفيها وجهان لأصحابنا
- يعني: الشافعية - أصحهما تطلق يوم عرفة، والثاني يوم الجمعة لهذا
الحديث، وهذا إذا لم يكن له نية، فأما إن أراد أفضل أيام السنة، فيتعيّن يوم
(١) ((المفهم)) ٢ /٤٩٠ - ٤٩١.
١٦٣
(٧) - بَابُ فَضْلِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ - حديث رقم (١٩٧٧)
عرفة، وإن أراد أفضل أيام الأسبوع، فيتعيّن الجمعة، ولو قال أفضل ليلة تعيّنت
ليلة القدر، وهي عند أصحابنا والجمهور، منحصرة في العشر الأواخر من
رمضان، فإن كان هذا القول قبل مضيّ أول ليلة من العشر طلقت في أول جزء
من الليلة الأخيرة من الشهر، وإن كان بعد مضيّ ليلة من العشر، أو أكثر لم تطلق
إلا في أول جزء من مثل تلك في السنة الثانية، وعلى قول من يقول: هي منتقلة،
لا تطلق إلا في أول جزء من الليلة الأخيرة من الشهر، والله أعلم. انتهى.
٢ - (ومنها): أن هذه الأشياء، من خلق آدم، وإدخاله الجنة، وإخراجه
منها، وكذا قيام الساعة فضائل عظيمة، كما ذكرنا وجهه سابقاً، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٩٧٧] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ، يَعْنِي الْحِزَامِيَّ،
عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ قَالَ: ((خَيْرُ يَوْم طَلَعَتْ
عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ، وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنَّهَا، وَلَا
تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (الْمُغِيرَةُ الْحِزَامِيُّ) هو: المغيرة بن عبد الرحمن بن عبد الله بن
خالد بن حِزَام - بمهملة، وزاي - الحِزامي المدنيّ، كان قد نزل عسقلان، لقبه
قُصَيّ، ثقةٌ له غرائب [٧] من السابعة (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦٥٣/٢٦.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: قوله: (وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ) تكلّم فيها الإمام ابن
خزيمة ◌َظُّ في ((صحيحه))، ودونك نصّه (١١٥/٣):
(١٧٢٨) نا الربيع بن سليمان المراديّ، نا عبد الله بن وهب، قال:
وأخبرني ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن موسى بن أبي عثمان، عن أبي هريرة،
قال: قال رسول الله وَلجر: ((سيد الأيام يوم الجمعة، فيه خُلق آدم، وفيه أُدخل
الجنة، وفيه أُخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا يوم الجمعة)).
١٦٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
قال أبو بكر(١): غَلِطنا في إخراج هذا الحديث؛ لأن هذا مرسلٌ،
موسى بن أبي عثمان لم يسمع من أبي هريرة، أبوه أبو عثمان التَّان، رَوَى عن
أبي هريرة أخباراً سمعها منه.
(١٧٢٩) نا يعقوب بن إبراهيم الدَّوْرقيّ، حدّثنا محمد بن مصعب؛ يعني:
القرقسائيّ، ثنا الأوزاعيّ، عن أبي عَمّار، عن عبد الله بن فَرُّوخ، عن أبي
هريرة، عن النبيّ وَّه قال: ((خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق
آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، وفيه تقوم الساعة)).
قال أبو بكر: قد اختلفوا في هذه اللفظة، في قوله: ((فيه خُلق آدم)) إلى
قوله: ((وفيه تقوم الساعة))، أهو عن أبي هريرة، عن النبيّ وَّ، أو عن أبي
هريرة، عن كعب الأحبار؟ قد خرجت هذه الأخبار في كتاب ((الكبير))، مَن
جعل هذا الكلام روايةً من أبي هريرة، عن النبيّ بَّر، ومن جعله عن كعب
الأحبار، والقلب إلى رواية مَن جعل هذا الكلام، عن أبي هريرة، عن كعب
أميل؛ لأن محمد بن يحيى حدّثنا، قال: نا محمد بن يوسف، ثنا الأوزاعيّ،
عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: ((خير يوم طلعت فيه الشمس يوم
الجمعة، فيه خُلق آدم، وفيه أُسكن الجنة، وفيه أخرج منها، وفيه تقوم
الساعة))، قال: قلت له: أشيء سمعته من رسول الله وَ﴾؟، قال: بل شيء
حدّثناه كعب، وهكذا، رواه أبان بن يزيد العطار، وشيبان بن عبد الرحمن
النحويّ، عن یحیی بن أبي کثیر.
قال أبو بكر: وأما قوله: ((خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة))، فهو
عن أبي هريرة، عن النبيّ وََّ، لا شك، ولا مِرْية فيه، والزيادة التي بعدها:
(فيه خُلِق آدم)) إلى آخره، هذا الذي اختلفوا فيه، فقال بعضهم: عن النبيّ وَّ،
وقال بعضهم: عن كعب. انتهى كلام ابن خزيمة تَذْتُهُ(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: حاصل ما أشار إليه ابن خزيمة تَّتُهُ في كلامه
السابق أنه يرى أن قوله: ((ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة))، ليس من كلام
(١) هو ابن خزيمة.
(٢) ((صحيح ابن خزيمة)) ١١٥/٣ - ١١٦.
١٦٥
(٧) - بَابُ فَضْلِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ - حديث رقم (١٩٧٧)
النبيّ وَّ، بل هو مما رواه أبو هريرة ظبه عن كعب الأحبار، واستدَلّ على
ذلك بما رواه يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة نظُبه، وسؤال
أبي سلمة له، هل سمعه من النبيّ وَّر؟ وجوابه له بأنه إنما أخذه عن كعب.
هذا حاصل ما أشار إليه، والذي يظهر لي أنه صحيح من كلام النبيّ ◌َّ؛
لأمور :
(الأول): تصحيح مسلم له، فقد أخرجه هنا ساكتاً، ولم يُشِر إلى الطعن
فيها، كما هي عادته في كثير من الروايات التي تقع فيها العلّة، وهي مؤثّرة
عنده، كما وَعَدَ في مقدّمة صحيحه.
(الثاني): أن هذه الزيادة ثبتت عن أبي هريرة ظه في غير هذا الطريق،
فقد أخرجها الحاكم في ((المستدرك)) (٤١٢/١)، من الوجه الذي أخرجه ابن
خزيمة عن موسى بن أبي عثمان، عن أبيه، عن أبي هريرة ظُه، فاتّصل
الإسناد بذكر «أبیه)).
(والثالث): أن الحديث أخرجه الإمام أحمد تَُّ من طريق آخر، في
((مسنده)) (٥٤٠/٢) فقال:
(١٠٥٨٧) حدّثنا محمد بن مصعب، حدّثنا الأوزاعيّ، عن أبي عَمّار،
عن عبد الله بن فَرُّوخ، عن أبي هريرة، عن النبيّ وَّر قال: ((خير يوم طلعت فيه
الشمس يوم الجمعة، فيه خُلق آدم، وفيه أُدخل الجنة، وفيه أُخرج منها، وفيه
تقوم الساعة)).
وهذا إسناد حسنٌ، و((أبو عمّار)) اسمه شدّاد بن عمار، وثّقه أبو حاتم،
والعجليّ، وغيرهما، و((عبد الله بن فَرُّوخ) وإن قال أبو حاتم: مجهول، إلا أنه
روى عنه جماعة، وأخرج له مسلم حديثين، ووثقه العجليّ، فأقلّ أحواله أنه
حسن الحديث، فتنبّه.
(٩٩٣٠) قال: قرأت على عبد الرحمن: مالك، عن يزيد بن عبد الله بن
الهاد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيميّ، عن أبي سلمة بن
عبد الرحمن، عن أبي هريرة، أنه قال: خرجت إلى الطور، فلَقِيت كعب
الأحبار، فجلست معه، فحدَّثني عن التوراة، وحدّثته عن رسول الله وَالت، فكان
فيما حدثته أن قلت: إن رسول الله وَ ل قال: ((خير يوم طلعت فيه الشمس يوم
١٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
الجمعة، فيه خُلِق آدم، وفيه أُهبط، وفيه تِيب عليه، وفيه مات، وفيه تقوم
الساعة، وما من داّة، إلا وهي مُسِيخة يوم الجمعة، من حين تصبح حتى تطلع
الشمس؛ شفقاً من الساعة، إلا الجنّ والإنس، وفيها ساعة لا يصادفها
عبد مسلم، وهو يصلي، يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه))، قال كعب: ذلك في
كلّ سنة مرة، فقلت: بل هي في كل جمعة، فقرأ كعب التوراة، فقال: صدق
رسول الله ◌َ، قال أبو هريرة: ثم لقيت عبد الله بن سلام، فحدثته بمجلسي
مع كعب، وما حدثته في يوم الجمعة، فقلت له: قال كعب: ذلك في كل سنة
يوم، قال عبد الله بن سلام: كَذَبَ كعب، ثم قرأ كعب التوراة، فقال: بل هي
في كل جمعة، قال عبد الله بن سلام: صَدَقَ كعب.
وهذا إسناد صحيح.
(١٠١٦٧) حدّثنا يزيد (١)، أخبرنا محمد(٢)، عن أبي سلمة، عن أبي
هريرة، قال: قال رسول الله وَ الر: ((خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه
خُلق آدم، وفيه أُدخل الجنة، وفيه أهبط منها، وفيه تقوم الساعة، وفيه ساعة لا
يوافقها مؤمن يصلي، وقَبَضَ أصابعه يُقَلِّلها، يسأل الله رَت خيراً إلا أعطاه إياه)).
وهذا إسناد حسنٌ.
والحاصل أن الحديث صحيح ثابتٌ من حديث أبي هريرة ظُه، عن
النبيّ ◌َّة، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(٨) - (بَابُ هِدَايَةِ اللهِ تَعَالَى هَذِهِ الأُمَّةَ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْلَتُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٩٧٨] (٨٥٥) - (وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي
الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((نَحْنُ الْآخِرُونَ،
(١) هو ابن هارون.
(٢) هو ابن عمرو بن علقمة.
١٦٧
(٨) - بَابُ هِدَايَةِ اللهِ تَعَالَى هَذِهِ الأُمّةَ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ - حديث رقم (١٩٧٨)
وَنَحْنُ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، بَيْدَ أَنَّ كُلَّ أُمَّةٍ أُوتِيَتِ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، وَأُوتِينَاهُ مِنْ
بَعْدِهِمْ، ثُمَّ هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْنَا، هَدَانَا اللهُ لَهُ، فَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ،
الْيَهُودُ غَداً، وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (عَمْرٌو النَّاتِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، أبو عثمان
البغداديّ، نَزَل الرَّقَّة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٣٢) (خ م د س) تقدم في
((المقدمة)) ٤/ ٢٣.
٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) بن أبي عمران ميمون الهلاليّ، أبو محمد
الكوفيّ، ثم المكيّ الثقة الحافظُ الفقيه الإمام الحجة، من رؤوس الطبقة [٨]
مات في رجب سنة (١٩٨) وله إحدى وتسعون سنة (ع) تقدّم في ((شرح
المقدّمة)) ج١ ص٣٨٣.
٣ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان، تقدّم في السند الماضي.
٤ - (الْأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز، تقدّم في السند الماضي أيضاً .
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) رَظُه، تقدّم في السند الماضي أيضاً.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف رَُّهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرج له
الترمذيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، فبغداديّ، ثم رَقّيّ،
وسفيان، فکوفيّ، ثم مكيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: أبو الزناد، عن الأعرج.
٥ - (ومنها): أن هذا الإسناد أصح أسانيد أبي هريرة ظُبه، على ما نُقل
عن الإمام البخاريّ ◌َّتُهُ.
٦ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة رَظُله رأس المكثرين السبعة، روى
(٥٣٧٤) حديثاً، والله تعالى أعلم.
١٦٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َّهُ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((نَحْنُ الْآخِرُونَ) -
بكسر الخاء المعجمة - أي: المتأخرون زماناً (وَنَحْنُ السَّابِقُونَ) أي: المتقدّمون
على الأمم (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) والمراد أن هذه الأمة، وإن تأخر وجودها في الدنيا
عن الأمم الماضية، فهي سابقة لهم في الآخرة بأنهم أول من يُحْشَر، وأول من
يُحاسَب، وأول من يُقضى بينهم، وأول من يدخل الجنة، وفي حديث
حذيفة ظه الآتي: «نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة،
المقضيّ لهم قبل الخلائق)).
وقال الحافظ ولي الدين العراقيّ كَّتُهُ: والتقييد بـ((يوم القيامة)) يردّ قولَ
من قال: إن المراد سبقهم بيوم الجمعة على الأيام بعده التي هي تَبَعٌ له، وقولَ
من قال: إن المراد سبقهم بالقبول والطاعة التي حُرمُوها، وقالوا: سمعنا
وعصینا .
وصحّ وصف هذه الأمّة بالآخرية، والسبق باعتبارين، فلما اختلف
الاعتبار لم يكن في ذلك تناف.
[فإن قلت]: كون هذه الأمة آخر الأمم أمر واضح، فما فائدة الإخبار به؟.
[قلت]: يَحْتَمِل أنه ذُكِر توطئة لوصفهم بالسبق يوم القيامة، وأنه لا يُتخيّل
من تأخرهم في الزمن تأخّرهم في الحظوظ الأُخرويّة، بل سابقون فيها .
ويَحْتَمِل أن يُراد بذلك الدلالة على أنهم آخر الأمم، وأن شريعتهم باقية
إلى آخر الدهر، ما دام التكليف موجوداً، فسائر الأمم، وإن سبقوا، لكن
انقطعت شرائعهم، ونُسخت، بخلاف هذه الأمة، فإن شريعتها باقية مستمرّة،
وهذا الاحتمال أمكن من الأوّل؛ لأنه يكون حينئذ في وصفهم بالآخريّة شرف،
كما أن في وصفهم بالسبق شرفاً، وعلى الأول يكون ذكره مجرّد توطئة، والله
تعالى أعلم. انتھی(١).
(بَيْدَ أَنَّ كُلَّ أُمَّةٍ أُوتِيَتِ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا) (بَيْدَ)) - بموحّدة، ثم تحتانيّة
ساكنة - مثل ((غير)) وزناً ومعنًى، وبه جزم الخليل، والكسائيّ، ورجحه ابن
(١) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ١٥٢/٣ - ١٥٣.
١٦٩
(٨) - بَابُ هِدَايَةِ اللهِ تَعَالَى هَذِهِ الأُمَّةَ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ - حديث رقم (١٩٧٨)
سِيدَهْ، وَرَوَى ابن أبي حاتم في مناقب الشافعيّ، عن الربيع، عنه أن معنى
(بيد)): ((من أجل))، وكذا ذكره ابن حبّان، والبغويّ، عن المزنيّ، عن
الشافعيّ، وقد استبعده عياض، ولا بُعْدَ فيه، بل معناه: إنا سبقنا بالفضل،
إذا هُدينا للجمعة، مع تأخرنا في الزمان، بسبب أنهم ضلّوا عنها مع
تقدّمهم.
ويشهد له ما في ((فوائد ابن المقري)) من طريق أبي صالح، عن أبي
هريرة رضيه بلفظ: ((نحن الآخرون في الدنيا، ونحن السابقون، أول من يدخل
الجنة؛ لأنهم أوتوا الكتاب من قبلنا)).
وفي ((موطأ)) سعيد بن عُفير، عن مالك، عن أبي الزناد، بلفظ: ((ذلك
بأنهم أوتوا الكتاب)).
وقال الداوديّ: هي بمعنى ((على))، أو ((مع)).
وقال القرطبيّ: إن كانت بمعنى ((غير))، فالنصبُ على الاستثناء، وإن
كانت بمعنى ((مع))، فالنصبُ على الظرفية.
وقال الطيبيّ: هي للاستثناء، وهو من باب تأكيد المدح بما يشبه الذّمّ،
والمعنى: نحن السابقون للفضل، غير أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ووجه
التأكيد فيه ما أُدمج فيه من معنى النسخ؛ لأن الناسخ هو السابق في الفضل،
وإن كان متأخراً في الوجود، وبهذا التقرير يظهر موقع قوله: ((نحن الآخرون))
مع كونه أمراً واضحاً. قاله في ((الفتح)).
وقال الحافظ وليّ الدين كَّثُهُ: ((بيد)) - بفتح الباء الموحدة، وإسكان الياء
المثناة من تحتُ، وفتح الدال المهملة - وحَكَى بعضهم أنه يقال فيها: ((ميد))
بالميم، والمشهور أنها بمعنى ((غير))، وقد جزم بذلك في ((الصحاح))، وقال:
يقال: هو كثير المال بيد أنه بخيل، وذكر في (المحكم)) مثل ذلك عن حكاية
ابن السِّكّيت، ثم قال: وقيل: هي بمعنى ((على))، حكاه أبو عُبيد، والأول
أعلى، وحَكَى في ((المشارق)) قولاً آخر أنها بمعنى ((إلّا))، ثم قال: وقد تأتي
بمعنى ((من أجل))، ومنه قوله ◌َّل: ((بيد أني من قريش))، وقد قيل ذلك في
الحدیث الأول، وهو بعید. انتھی.
وأنشدوا على مجيئها بمعنى ((من أجل)) قولَ الشاعر [من الرجز]:
١٧٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
عَمْداً فَعَلْتُ ذَاكَ بَيْدَ أَنِّي أَخَافُ إِنْ هَلَكْتُ لَمْ تُرِّي(١)
وقد ذكر ابن مالك أن ((بيد)) في قوله {وَله: ((بيد أني من قُريش)) بمعنى
((غير))، مثل قوله [من الطويل]:
وَلَا عَيبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ
وسبقه إلى ذلك ابن الأثير في ((النهاية)).
وعبارة ابن مالك كْثُ في ((التوضيح)): و(بيد)) بمعنى ((غير))، والمشهور
استعمالها متلُوّةً بـ(أَنَّ)، كقوله ◌َّ: ((نحن الآخرون السابقون، بيد أنهم أوتوا
الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم))، ومنه قول الشاعر [من الرمل]:
بَيْدَ أَنَّ اللهَ قَدْ فَضَّلَكُمْ فَوْقَ مَنْ أَحْكَأَ(٢) صُلْباً بِإِزَارِ
وقول الراجز:
البيت
عَمْداً فَعَلْتُ ذَاكَ بَيْدَ أَنِّي
والأصل في رواية من روى ((بيد كلّ أمة)): بيد أنّ كلّ أمة، فحُذفت
((أنّ))، وبطل عملها، وأُضيف ((بيد)) إلى المبتدأ والخبر اللذين كانا معمولي
((أَنّ))، وهذا الحذف في ((أنّ)) نادرٌ، لكنه غير مستبعد في القياس على حذف
((أَنْ)) فإنهما أختان في المصدريّة، وشبيهتان في اللفظ.
وقد حَمَل بعض النحويين على حذف ((أن) قول الزبير
:
فَلَوْلَا بَنُوهَا حَوْلَهَا لَخَطَبْتُهَا
ومما حُذف فيه ((أَنْ))، واكتُفي بصلتها قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ يُرِيِكُمُ
الْبَرَّقَ﴾ الآية [الروم: ٢٤]، والأصل أن يريكم؛ لأن الموضع موضع مبتدأ وخَبَرُهُ
﴿مِّنْ ءَايَتٍِ﴾ .
ومثله قوله ◌َله: ((لا يحلّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تُحِدّ على ميّت
فوق ثلاث))، متّفق عليه.
(١) في نسخة ((الطرح)): ((أن تزني))، وفي ((اللسان)): ((لم تُرِّي))، ولعله الصواب،
ومعناه: لم تصیحي بالبكاء.
(٢) أي: شدّ وأحكم.
١٧١
(٨) - بَابُ هِدَايَةِ اللهِ تَعَالَى هَذِهِ الأُمَّةَ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ - حديث رقم (١٩٧٨)
وقوله : ((لا يحل لامرأة تسأل طلاق أختها))، أراد: أن تُحدّ، وأن
تسأل.
قال: والمختار عندي في ((بيد)) أن يُجعل حرف استثناء، ويكون التقدير:
إلا كلّ أمة أوتوا الكتاب من قبلنا، على معنى لكن؛ لأن معنى ((إلا)) مفهوم
منها، ولا دليل على اسميّتها. انتهى كلام ابن مالك تَظَّهُ(١).
وقال الطيبيّ تَخْتُ: أقول: هذا الاستثناء من باب تأكيد المدح بما يُشبه
الذّمّ، قال النابغة [من الطويل]:
فَتَّى كَمُلَتْ أَخْلَاقُهُ غَيْرَ أَنَّهُ جَوَادٌ فَمَا يُبْقِي مِنَ الْمَالِ بَاقِیَا
والبيت يجري في الاستثناء على المنقطع، لا المتّصل بالادّعاء، كما
قوله :
وَلَا عَيبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ
يعني: أنه إذا كان فُلول السيف من القِرَاعِ عَيْباً، فلهم هذاَ العيب، ولكن
هو من أخصّ صفة الشجاعة، وعلى هذا فمعنى الحديث، وتقريره: نحن
السابقون يوم القيامة بما مُنِحنا من الفضائل والكمالات، غير أنهم أوتوا
الكتاب من قبلنا .
وهذا الإيتاء يؤكّد مدح السابقين بما عَقّب من قوله: ((وأوتيناه من
بعدهم))؛ لما أدمج فيه معنى النسخ لكتابهم، فالناسخ هو السابق في الفضل،
وإن كان مسبوقاً في الوجود.
وعلى هذا الأسلوب أيضاً قوله: ((ثم هذا يومهم ... )) إلى آخره، يعني:
أن يوم الجمعة، وإن أُخّر في الوجود، وأوتيناه من بعدهم، فهو سابق في
الفضل والكمال، وإليه أشار ◌َ﴿ بقوله: ((والناس لنا فيه تبعٌ)). انتهى كلام
الطيبيّ ◌َّهُ(٢).
وقال في ((الطرح)): وإنما استبعد القاضي عياض كون ((بيد)) في الحديث
الذي نشرحه بمعنى ((من أجل))؛ لتعلّقه بأقرب مذكور، وهو ((السابقون))، فهو
(١) ((شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح)) ص ١٥٤ - ١٥٦.
(٢) ((الكاشف)) ١٢٦١/٤ - ١٢٦٢.
١٧٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
استثناء منه في المعنى، كأنه استثنى مِن سبقنا كون أهل الكتاب أوتوا الكتاب
من قبلنا، ويتحد(١) في المعنى كونها بمعنى ((غير))، وكونها بمعنى ((على))،
وكونها بمعنى ((إلّا)).
أما إذا جعلناه متعلّقاً بقوله: ((الآخرون)) اتجه كونها بمعنى ((من أجل))؛
أي: نحن الآخرون من أجل أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وهو بعيد كما قال،
لبعده في اللفظ، ولأنه لا يحتاج إلى توجيه كوننا الآخرين بهذا، فإنّ هذا أمر
معلوم، إنما الذي يحتاج إلى توجيه كوننا السابقين، وقد بيّن وجهه، وهو
السبق يوم القيامة إلى الحظوظ الأخروية من الإراحة من كرب الموقف،
ودخول الجنة.
وقد يقال: إذا كان السبق مقيداً بكونه يوم القيامة، فلا حاجة إلى أن
يُستثنى إيتاؤهم الكتاب قبلنا؛ لأن هذا ليس يوم القيامة، وإنما هو في الدنيا،
فالمذكور أوّلاً، وهو سبقنا يوم القيامة، لا استثناء فيه، فإمّا أن يقال: إن هذا
في معنى الاستثناء المنقطع، وإما أن يقال: إيتاؤهم الكتاب قبلنا في الدنيا
يظهر له ثمرة يوم القيامة، فيكون هذا من سبقنا إلى الحظوظ الأخروية؛ أي:
إلا ثمرة إيتائهم قبلنا الكتاب يظهر فيه سبقهم يوم القيامة، وفيه بُعد، وهو
محتاج إلى زيادة نظر.
وذكر القاضي عياض أنه وقع عند بعض رواة مسلم ((بأيد)) بكسر الباء،
بعدها همزة مفتوحة، كقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَيْنَهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات: ٤٧]؛ أي:
بقوة أعطاناها الله، وفَضّلنا بها لقبول أمره وطاعته، قال: وعلى هذا تكون
(إنهم)) مكسورة لابتداء الكلام، واستئناف التفسير، قال: وقد صُحّف،
والصواب الأول عند أكثرهم. انتهى.
[واعلم]: أن الحديث في ((مسند الشافعي)) من طريق طاوس، عن أبي
هريرة نظَبه بلفظ ((بَيْدَ)) كما هو الرواية المشهورة.
(١) هكذا نسخة ((الطرح)): ((ويتّحد))، ولعل الصواب: ((ويتّجه))، كما يدلّ عليه كلامه
الآتي، فتأمل.
١٧٣
(٨) - بَابُ هِدَايَةِ اللهِ تَعَالَى هَذِهِ الأُمَّةَ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ - حديث رقم (١٩٧٨)
ومن طريق أبي الزناد، عن الأعرج، وطريق محمد بن عمرو، عن أبي
سلمة، كلاهما عن أبي هريرة بلفظ ((بايد))، واختلفت النسخ في ضبطه، ففي
بعضها مفتوح الآخر، مثل ((بيد))، إلَّا أنه زاد ألفاً بعد الباء، فكسر لذلك الياء
لالتقاء الساكنين، وفي بعضها ((بأيد))؛ ومعناه: بقوّة، كما حكاه القاضي عن
بعض رواة مسلم، والأولُ هو الذي ذكره في ((النهاية))، فقال: وجاء في بعض
الروايات ((بايد أنهم))، ولم أره في اللغة بهذا المعنى، ثم قال: وقال بعضهم:
إنها ((بأيد)) أي: بقوّة.
ورواه البيهقيّ في ((سننه)) من غير وجه عن ابن عيينة، عن أبي الزناد
(بايد))، وهو مضبوط في الأصل بفتح آخره، والشافعي لما رواه كذلك من
طريق أبي الزناد رواه عن ابن عيينة، عنه. انتهى كلام ولي الدين كَظُّهُ(١).
وقوله: (أُوتِيَتِ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا) أي: أعطيته، واللام للجنس، والمراد
التوراة والإنجيل، والضمير في قوله: ((وأوتيناه)) للقرآن، وقال القرطبيّ: المراد
بـ ((الكتاب)) التوراة، وفيه نظر؛ لقوله: ((وأوتيناه من بعدهم))، فأعاد الضمير
على الكتاب، فلو كان المراد التوراة لما صحّ الإخبار؛ لأنا إنما أوتينا القرآن،
قاله في ((الفتح)).
(وَأُوتِينَاهُ) أي: الكتاب، والمراد القرآن (مِنْ بَعْدِهِمْ) أي: من بعد انقضاء
زمن كلّ الأمم السابقة.
(ثُمَّ) هي لترتيب الإخبار، ويَحْتَمِل أن تكون لترتيب المخبَر به، والمراد:
أنهم أوتوا الكتاب، ثم فُرِضَ عليهم هذا اليوم(٢). (هَذَا الْيَوْمُ) المراد باليوم
يوم الجمعة، وأُشير إليه بـ ((هذا)) لكونه ذُكر في أول الكلام، كما هو في الرواية
التالية عن أبي هريرة، وحذيفة ﴿ه قال: قال رسول الله وَله: ((أضلّ الله عن
الجمعة من كان قبلنا ... )) الحديث.
(الَّذِي كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْنَا) أي: فرض الله تعالى علينا أيتها الأمة المحمّدية
تعظيمه، وفي الرواية التالية: ((وهذا يومهم الذي فُرض عليهم، فاختلفوا فيه))
(هَدَانَا اللهُ لَهُ) أي: بالثبات عليه حين شَرَعَ لنا العبادة فيه.
(١) ((طرح التثريب)) ١٣١/٣ - ١٥٤.
(٢) ((فتح الباري)) لابن رجب ٧١/٨.
١٧٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
وقال في ((الفتح)): قوله: ((فهدانا الله له)): يَحْتَمِل أن يُراد بأن نصّ لنا
عليه، وأن يراد الهداية إليه بالاجتهاد، ويشهد للثاني ما رواه عبد الرزّاق بإسناد
صحيح عن محمد بن سيرين، قال: جَمَّعَ أهلُ المدينة قبل أن يقدمها
رسول الله ◌َ﴾، وقبل أن تنزل الجمعة، فقالت الأنصار: إن لليهود يوماً
يجتمعون فيه كل سبعة أيام، وللنصارى كذلك، فهلُمّ، فلنجعل يوماً نجتمع فيه،
فنذكر الله تعالى، ونصلي، ونشكره، فجعلوه يوم العروبة، واجتمعوا إلى
أسعد بن زرارة، فصلى بهم يومئذ، وأنزل الله تعالى بعد ذلك: ﴿إِذَا نُودِىَ
لِلصَّلَوَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ الآية [الجمعة: ٩]، وهذا، وإن كان مرسلاً، فله شاهد
بإسناد حسن، أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وصححه ابن خزيمة،
وغير واحد من حديث كعب بن مالك، قال: ((كان أول من صلى بنا الجمعة
قبل مَقدَم رسول الله وَ﴿ المدينة أسعد بن زرارة ... )) الحديث.
فمرسل ابن سيرين يدلّ على أن أولئك الصحابة اختاروا يوم الجمعة
بالا جتهاد.
ولا يمنع ذلك أن يكون النبيّ ◌َ﴿ علمه بالوحي، وهو بمكة، فلم يتمكن
من إقامتها ثَمَّ، فقد ورد فيه حديث عن ابن عباس ◌ًَّا عند الدارقطني، ولذلك
جَمَّعَ بهم أولَ ما قدم المدينة، كما حكاه ابن إسحاق وغيره، وعلى هذا، فقد
حصلت الهداية للجمعة بجهتي البيان والتوفيق.
وقيل في الحكمة في اختيارهم الجمعة: وقوع خلق آدم فيه، والإنسان
إنما خُلق للعبادة، فناسب أن يَشتغل بالعبادة فيه، ولأن الله تعالى أكمل فيه
الموجودات، وأوجد فيه الإنسان الذي ينتفع بها، فناسب أن يشكر على ذلك
بالعبادة فيه. انتهى(١).
(فَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ) - بفتح التاء المثناة، والباء الموحّدة - جمع تابع؛
کالخَدَم جمع خادم.
قال الحافظ ولي الدين كَّتُهُ: الظاهر أن معناه: إنا أول من هداه الله
للجمعة، وأقام أمرها، وعظّم حرمتها، فمن فعل ذلك، فهو تَبَعُ لنا.
(١) ((الفتح)) ٤١٤/٢.
١٧٥
(٨) - بَابُ هِدَايَةِ اللهِ تَعَالَى هَذِهِ الأُمَّةَ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ - حديث رقم (١٩٧٨)
وعن أبي هريرة وحذيفة ظنها قالا: قال رسول الله وَّه: ((أضلّ الله عن
الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد،
فجاء الله بنا، فهدانا الله ليوم الجمعة، فجعل الجمعة، والسبت، والأحد،
وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة، نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم
القيامة، المقضيّ لهم))، وفي رواية: ((بينهم قبل الخلائق)).
ورواه البزّار في ((مسنده)) بلفظ: ((المغفورُ لهم قبل الخلائق).
ويَحْتَمِل أن يُستدلّ به على أن الجمعة أول الأسبوع، ولا أعلم قائلاً به،
والله أعلم. انتهى كلام ولي الدين تَذَتُهُ(١).
(الْيَهُودُ غَداً، وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ)) وفي رواية أبي سعيد المقبريّ، عن أبي
هريرة ظته عند ابن خُزيمة: ((فهو لنا، ولليهود يوم السبت، وللنصارى يوم
الأحد)».
والمعنى: أنه لنا بهداية الله تعالى، ولهم باعتبار اختيارهم، وخطئهم في
اجتهادهم.
قال الطيبيّ تَخْلُهُ: قوله: ((اليهود غداً)) أي: اليهود تبع لنا في غد،
والنصارى تبعّ لنا بعد غد، والقرينة قوله: ((والناس لنا تَبَعِ)). انتهى(٢).
وقال القرطبيّ تَّتُهُ: ((غداً)) هنا منصوب على الظرف، وهو متعلّق
بمحذوف، وتقديره: اليهود يُعظّمون غداً، وكذا قوله: ((وبَعدَ غد))، ولا بدّ من
هذا التقدير؛ لأن ظرف الزمان لا يكون خبراً عن الْجُثّة. انتهى.
وقال ابن مالك تخّفُ: الأصل أن يكون المخبر عنه بظرف الزمان من
أسماء المعاني، كقولك: غداً التأهُّبُ، وبعد غد الرحيلُ، فيقدّر هنا مضافان،
يكون ظرفا الزمان خبرين عنهما؛ أي: تعييد اليهود غداً، وتعييد النصارى بعد
غد. انتهى. وسبقه إلى نحو ذلك عياض، وهو أوجه من كلام القرطبيّ، قاله
في ((الفتح))(٣).
(١) ((طرح التثريب)) ٣/ ١٥٧.
(٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٢٦٣/٤.
(٣) ((الفتح)) ٤١٤/٢.
١٧٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
قال الجامع عفا الله عنه: لا وجه لترجيح قول عیاض وابن مالك، بل ما
قاله القرطبيّ وجيهٌ أيضاً، وأوجه منهما ما قاله الطيبيّ؛ للقرينة الدالّة عليه، كما
سبق، فتأمله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رَظُبه هذا مُتَّفَقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٩٧٨/٨ و١٩٧٩ و١٩٨٠ و١٩٨١] (٨٥٥)،
و(البخاريّ) في ((صحيحه)) (٢٣٨ و٨٧٦ و٨٩٦ و٦٦٢٤ و٦٨٨٧ و٧٠٣٦ و٧٤٩٥
و٩٦٢٦)، و(النسائيّ) في ((الجمعة)) (١٣٦٧) و((الكبرى)) (١٦٥٤)، و(الحميديّ)
في ((مسنده)) (٩٤٥)، و(أحمد) في («مسنده)) (٢٤٣/٢ و٢٤٩)، و(ابن خزيمة) في
((صحيحه) (١٧٢٠)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٥٣٤ و ٢٥٣٥ و ٢٥٣٦
و٢٥٣٧ و ٢٥٣٨ و٢٥٣٩ و٢٧٨٤)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٩٢٤ و١٩٢٥
و١٩٢٦ و١٩٢٧)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (١٠٤٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان وجوب الجمعة.
٢ - (ومنها): أن الهداية والإضلال من الله تعالى، كما هو مذهب أهل
السنة والجماعة.
٣ - (ومنها): أن فيه دليلاً قويّاً على زيادة فضل هذه الأمة على الأمم
السالفة.
٤ - (ومنها): أن سلامة الإجماع من الخطأ مخصوص بهذه الأمة.
٥ - (ومنها): بيان سقوط القياس مع وجود النصّ، وذلك أن كلا
الفريقين قال بالقياس مع وجود النصّ، فضلّوا بذلك.
٦ - (ومنها): أن استنباط معنى من الأصل يعود عليه بالإبطال باطل.
٧ - (ومنها): أن الاجتهاد في زمن نزول الوحي جائز.
٨ - (ومنها): أن الجمعة أول الأسبوع شرعاً، ويدلّ على ذلك تسمية
١٧٧
(٨) - بَابُ هِدَايَةِ اللهِ تَعَالَى هَذِهِ الأُمَّةَ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ - حديث رقم (١٩٧٩)
الأسبوع كله جمعة، وكانوا يسمون الأسبوع سَبتاً، وذلك أنهم كانوا مجاورين
لليهود، فتبعوهم في ذلك.
٩ - (ومنها): أن فيه بياناً واضحاً لمزيد فضل هذه الأمة على الأمم
السابقة زادها الله تعالى شَرَفاً وفضلاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٩٧٩] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ،
عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنٍ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((نَحْنُ الْآخِرُونَ، وَنَحْنُ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))، بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، تقدّم قبل
بابین.
٢ - (ابْنُ طَاوُسٍ) هو: عبد الله بن طاوس بن كيسان اليمانيّ، أبو محمد،
ثقةٌ فاضلٌ عابدٌ [٦] (١٣٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
٣ - (أَبُوهُ) طاوس بن كيسان الْحِمْيَرِيّ مولاهم الفارسيّ، أبو عبد الرحمن
اليمانيّ، يقال: اسمه ذكوان، وطاوس لقبٌ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ [٣] (١٠٦) وقيل:
بعد ذلك (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
[تنبيه]: قوله: (وابنٍ طاوس ... إلخ) بالجرّ عطفاً على ((أبي الزناد))،
فسفيان بن عيينة يرويه بالطريقين: طريقٍ أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي
هريرة رظُه، وطريق عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة ظُه.
والباقون ذُكروا في السند الماضي، و((سفيان)) هو ابن عيينة.
وقوله: (بِمِثْلِهِ) يعني: أن رواية ابن أبي عمر، عن سفيان بن عيينة مثل
رواية عمرو الناقد، عنه الماضية.
[تنبيه]: رواية سفيان، بهذين الطريقين، ساقها النسائيّ تَخْذَلُهُ، فقال:
(١٣٦٧) أخبرنا سعيد بن عبد الرحمن المخزوميّ، قال: حدّثنا سفيان،
عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، وابنٍ طاوس، عن أبيه، عن أبي
١٧٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
هريرة، قال: قال رسول الله وَله: ((نحن الآخرون السابقون، بيد أنهم أوتوا
الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، وهذا اليوم الذي كتب الله څ علیھم،
فاختلفوا فيه، فهدانا الله رب له، يعني: يوم الجمعة، فالناس لنا فيه تبع،
اليهود غداً، والنصارى بعد غد)). انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْلَثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٩٨٠] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا
جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ:
(نَحْنُ الْآخِرُونَ، الْأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَّةِ، وَنَحْنُ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، بَيْدَ أَنَّهُمْ
أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ، فَاخْتَلَفُوا، فَهَدَانَا اللهُ لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ
مِنَ الْحَقِّ، فَهَذَا يَوْمُهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ، هَدَانَا اللهُ لَهُ، قَالَ: يَوْمُ الْجُمُعَةِ،
فَالْيَوْمَ لَنَا، وَغَداً لِلْيَهُودِ، وَبَعْدَ غَدٍ لِلنَّصَارَى))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب.
٣ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد بن قُرْط الضَّبّيّ الكوفيّ، نزيل الرّيّ وقاضيها، ثقةٌ
صحيحُ الكتاب [٨] (١٨٨) وله إحدى وسبعون سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥٠/٦.
٤ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْرَان الأَسَديّ الكاهليّ مولاهم، أبو محمد
الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عارف بالقراءات، وَرٌِ، لكنه يدلِّس [٥] (ت ٧ أو ١٤٨)
(ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٢٩٧.
٥ - (أَبُو صَالِح) ذَكْوان السّمّان الزّيّات المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ، [٣] (ت١٠١)
(ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
و((أبو هريرة)) ﴿به ذُكر قبله.
وقوله: (نَحْنُ الْآخِرُونَ، الْأَوَّلُونَ) وفي الرواية التالية: ((نحن السابقون))
أي: في الفضل والكرامة على الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ
١٧٩
(٨) - بَابُ هِدَايَةِ اللهِ تَعَالَى هَذِهِ الأُمَّةَ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ - حديث رقم (١٩٨٠)
أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وفي حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن
جدّه، عن النبيّ وَّهِ: ((أنتم موفّون سبعين أمةً، أنتم خيرها، وأكرمها
على الله رَّك))، حديث حسنٌ، رواه أحمد، والترمذيّ، وغيرهما.
وقوله: (فَاخْتَلَفُوا ... إلخ) هكذا في هذه الرواية بذكر ((اختلفوا)) مرّتين،
فيحتَمِل أن يكون هذا لبيان مطلق اختلافهم على أنبيائهم، و(اختلفوا)) الثاني
لبيان اختلافهم في يوم الجمعة، ويَحْتَمِل أن يكون الثاني تفصيلاً لما أُجمل في
الأولى، والله تعالى أعلم.
وقوله: (فَهَذَا يَوْمُهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ) قال القاضي عياض ◌َخْتُهُ: الظاهر
أنه فُرِض عليهم تعظيم يوم في الجمعة(١) بغير تعيين، ووُكِل إلى اجتهادهم
لإقامة شرائعهم فيه، فاختَلَف اجتهادهم في تعيينه، ولم يَهْدِهم الله له، وفرضه
على هذه الأمة مُبَيَّناً، ولم يَكِله إلى اجتهادهم، ففازوا بتفضيله، قال: وقد جاء
أن موسى ظلَّ أمرهم بالجمعة، وأعلمهم بفضلها، فناظروه أن السبت أفضل،
فقيل له: دَعْهُم، قال القاضي: ولو كان منصوصاً لم يصح اختلافهم فيه، بل
كان يقول: خالفوا فيه.
وتعقّبه النوويّ، فقال: يمكن أن يكون أُمروا به صريحاً، ونُصّ على
عينه، فاختلفوا فيه، هل يلزم تعيينه، أم لهم إبداله؟ وأبدلوه، وغَلِطُوا في
(٢)
إبداله. انتهى(٢).
وقوله: (هَدَانَا اللهُ لَهُ) قال الحافظ ابن رجب تَّتُهُ: وهذا مما حازت به
الأمة السبق مع تأخر زمانهم، فإن اليهود والنصارى لَمّا فُرِض عليهم تعظيم
الجمعة، والعبادة فيه لله، واتخاذه عيداً للاجتماع فيه لذكر الله فيه، ضلوا عنه،
فاختارت اليهود السبت؛ لأنه يوم فرغ فيهِ الخلق، واختارت النصارى الأحد؛
لأنه يوم بدئ فيه الخلق، فهدانا الله للجمعة، فصار عيدنا أسبق من عيدهم،
وصاروا لنا في عيدنا تبعاً، فمنهم من عيده الغد من يوم الجمعة، ومنهم من
عیده بعد غدٍ.
(١) أي: في أيام الأسبوع.
(٢) ((شرح النووي)) ١٤٣/٦ - ١٤٤.
١٨٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
وإنما ضَلّت الطائفتان قبلنا؛ لتقديمهم رأيهم على ما جاءت به رسلهم
وأنبياؤهم، واهتدت هذه الأمة باتباعهم ما جاءهم به رسولهم عن ربهم، من
غیر تغییر له ولا تبدیلٍ .
وفي الحديث دليلٌ على أن الجمعة فرض من الله واجب علينا، كما كان
على من قبلنا، فإن الله فرض عليهم تعظيم يوم الجمعة، واتخاذه عيداً ومجمعاً
لذكر الله وعبادته، فبدّلوه بغيره من الأيام، وهدانا الله لهُ، فدل ذَلِكَ على أنه
مفروض علينا تعظيمه، واتخاذه عيداً؛ لذكر الله والاجتماع فيه لعبادته، وهذا
من أدل دليلٍ على أن شهود الجمعة فرض على هذه الأمة. انتهى(١).
وقوله: (قَالَ: يَوْمُ الْجُمُعَةِ) هذا بيان لاسم الإشارة في قوله: ((هذا يومهم
الذي ... إلخ))، يعني: أن المشار إليه هو يومُ الجمعة، وفي رواية النسائيّ:
(يعني: يوم الجمعة))، وهي واضحة، والله تعالى أعلم.
وقوله: (فَالْيَوْمَ لَنَا) يَحْتَمِل أن يكون ((اليوم)) مرفوعاً على الابتداء، خبره
((أنا))، ويَحْتَمِل النصب على الظرفيّة، و((لنا)) صفة لمبتدأ محذوف؛ أي: عيدٌ لنا
كائن اليوم، والله تعالى أعلم.
وقوله: (وَغَدَاً لِلْيَهُودِ، وَبَعْدَ غَدٍ لِلنَّصَارَى) تقدّم أنه على حذف مضاف؛
أي: عید الیھود کائن غداً، وعید النصارى كائنٌ بعد غد.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، ومسائله في حديث أول
الباب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم
الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[١٩٨١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا
مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، أَخِي وَهْبٍ بْنِ مُنٍِّ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ
مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ وَ لِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((نَحْنُ الْآخِرُونَ، السَّابِقُونَ يَوْمَ
(١) ((فتح الباري)) لابن رجب تخذتُ ٧٢/٨.