النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
(١) - بَابُ الأَمْرِ بِالْغُسْلِ لِلْجُمُعَةِ - حديث رقم (١٩٥١)
لا يجزئ بعد صلاة الجمعة هو المذهب الحقّ؛ لوضوح أدلته، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في اغتسال من لا تجب عليه
الجمعة، كالمسافر، والنساء، والصبيان:
قال ابن المنذر كْتُهُ: اختَلَفَ أهل العلم في اغتسال المسافر يوم
الجمعة، فقالت طائفة: ليس على المسافر يوم الجمعة غسل، هكذا قال عطاء،
وكان ابن عمر وعلقمة لا يغتسلان في السفر يوم الجمعة.
وقالت طائفة: يغتسل، وإن كان مسافراً، روينا عن طلحة بن عُبيد الله أنه
اغتسل في السفر يوم الجمعة، وروي عن طاوس، ومجاهد، أنهما كانا يفعلان
ذلك، وكان أبو ثور يقول: ولا يجب (١) ترك الغسل يوم الجمعة في سفر، ولا
حضر.
قال ابن المنذر كَّلهُ: ليس على المسافر الاغتسال يوم الجمعة؛ لأن
المأمور بالاغتسال من أتى الجمعة، وليس ذلك على من لا يأتيها .
وقال أيضاً كَّتُهُ: واختلفوا في اغتسال النساء، والصبيان، والعبيد إذا
حضروا الصلاة، فكان مالك يقول: من حضر الجمعة من النساء والعبيد،
فليغتسل، وقال الشافعي في النساء والعبيد، والمسافرين، وغير المحتلمين إن
شهدوا الجمعة أجزأتهم، وليغتسلوا، كما يفعل بهم إذا شهدوها(٢).
وقالت طائفة: إنما الغسل على من تجب عليه الجمعة.
قال ابن المنذر: ظاهر قوله ◌َلقر: ((من جاء منكم الجمعة، فليغتسل)) يدلّ
على أن الأمر بالاغتسال لمن أتى الجمعة، فلا معنى لاغتسال من لا يأتي
الجمعة من المسافرين، وسائر من رُخّص له في التخلف عن إتيان الجمعة.
وفي حديث أبي سعيد الخدريّ ◌َظُه، عن النبيّ وَّل: ((غسل يوم الجمعة
واجب على كل محتلم))، فظاهر هذا الحديث يوجب الاغتسال لليوم أتى، أو
(١) هكذا نسخة ((الأوسط)): ((ولا يجب))، ولعلّ الصواب: ((ولا يجوز))، فليُحرّر.
(٢) هكذا نسخة ((الأوسط)): ((كما يفعل بهم ... إلخ)) وفيها ركاكة، كما لا يخفى،
فليُحرّر.

٤٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
لم يأتها، وقول من أمر المسافر بالاغتسال يوم الجمعة يوافق ظاهر هذا
الحديث. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قول من قال: إن الغسل لمن أراد الإتيان
إلى الجمعة هو الراجح عندي؛ لأن إطلاق حديث: ((غسل الجمعة واجب على
كل محتلم))، مقيّد بمفهوم حديث: ((من جاء منكم الجمعة فليغتسل))، وقد جاء
مصرحاً به فيما رواه ابن خزيمة في ((صحيحه))، والبيهقيّ في ((سننه)) من طريق
عثمان بن واقد، عن نافع، عن ابن عمر حديثها: أن رسول الله وَّه قال: ((من أتى
الجمعة من الرجال والنساء فليغتسل، ومن لم يأتها فليس عليه غسل، من
الرجال والنساء))، قال ولي الدين كثّثهُ: وإسناده صحيح.
فدل على أن الاغتسال لصلاة الجمعة، لا لليوم، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم هل الغسل للجنابة والجمعة
واحد، أم لا؟:
قال الإمام ابن المنذر تَخُّْ: قال أكثر من نحفظ عنه من أهل العلم: إن
المغتسل للجنابة والجمعة غُسلاً واحداً يجزئه. وروينا هذا القول عن ابن عمر،
ومجاهد، ومكحول، ومالك، والثوريّ، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وأبي ثور،
وقال أحمد بن حنبل: أرجو أن يجزئه.
وأخرج عن ابن عمر ◌ًا، أنه كان يغتسل من الجنابة والجمعة تُسلاً
واحداً .
قال: وروينا أن بعض ولد أبي قتادة دخل عليه يوم الجمعة ينفض رأسه،
مغتسلاً، فقال: للجمعة اغتسلت؟ قال: لا، ولكن للجنابة، قال: فأعد غسلاً
للجمعة. انتهى كلام ابن المنذر تَقْذُهُ (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: مذهب الجمهور في كون الغسل الواحد
يكفي للجنابة والجمعة إذا نواهما هو الحقّ، ويدلّ عليه ما رواه ابن حبان في
((صحيحه)) من طريق ابن إسحاق، قال: حدّثني محمد بن مسلم الزهري، عن
(١) ((الأوسط)) ٤/ ٤٧ - ٤٨.
(٢) ((الأوسط)) ٤٣/٤ - ٤٤.

٤٣
(١) - بَابُ الأَمْرِ بِالْفُسْلِ لِلْجُمُعَةِ - حديث رقم (١٩٥١)
طاوس اليماني، قال: قلت لابن عباس: زعموا أن رسول الله وَ ال9 قال:
((اغتسلوا يوم الجمعة، واغسلوا رؤوسكم، إلا أن تكونوا جُنُباً، ومسُّوا من
الطيب))، قال: فقال ابن عباس: أما الطيب، فلا أدري، وأما الغسل، فنعم.
انتھی.
وجاء في هامش ((الإحسان)): هذا رواه شعيب، عن الزهري بلفظ: ((وإن
لم تكونوا جنباً))، وروايته أصح(١).
وقال في ((الفتح)): معناه اغتسلوا يوم الجمعة إن كنتم جنباً للجنابة، وإن
لم تكونوا جنباً للجمعة، وأخذ منه أن الاغتسال يوم الجمعة للجنابة يجزئ عن
الجمعة، سواء نواه أو لا، وفي الاستدلال على ذلك بُعْد.
نعم رَوَى ابنُ حبان من طريق ابن إسحاق، عن الزهري في هذا
الحديث: ((اغتسلوا يوم الجمعة، إلا أن تكونوا جنباً))، وهذا أوضح في الدلالة
على المطلوب، لكن رواية شعيب عن الزهري أصح. انتهى.
والحاصل أن هذا الحديث يدل على أن الغسل الواحد يكفي للجنابة
والجمعة، إذا نواه عنهما .
والظاهر أن استبعاد الحافظ الاستدلال به إنما هو في قوله: ((نواه للجمعة
أم لا))، لا في الاجتزاء بغسل واحد عنهما، وهو ظاهر؛ لأن العبادة المشتركة
لا بد من نيّتهما معاً حال أدائها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
(المسألة الثامنة): في اختلاف أهل العلم فيمن أحدث بعد الاغتسال:
قال الإمام ابن المنذر تَّلهُ: واختلفوا في الرجل يغتسل للجمعة، ثم
يُحدث، فاستحبت طائفة أن يعيد الاغتسال له.
وبه قال طاوس، والزهري، وقتادة، ويحيى بن أبي كثير، وقال الحسن
البصري: يعيد الغسل، وقال إبراهيم التيمي: كانوا يقولون: إذا أحدث بعد
الغسل عاد إلى حالته التي كان عليها قبل أن يغتسل.
وقالت طائفة: يُجزيه الوضوء، كذلك قال الحسن، ومجاهد، وكذلك
(١) ((الإحسان في تقريب صحيح ابن حبّان)) ٢١/٧ بتحقيق شعيب الأرنؤوط.

٤٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
كان يفعل عبد الرحمن بن أبزى، وقال مالك، والأوزاعي: يجزيه الوضوء.
قال ابن المنذر: وكذلك نقول؛ لحديث أبي سعيد الخدريّ تَظُله، عن
النبيّ وَلّ أنه قال: ((غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم))، وقد أتى من
أحدث بعد الاغتسال بالغسل. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله ابن المنذر حسنٌ جدّاً.
وحاصله: أن من اغتسل يوم الجمعة للجمعة، ثم طرأ عليه الحدث، فقد
أتى بما أُمِر به، فإنه لم يؤمر بالصلاة بذلك الغسل، وإنما أمر بالنظافة في حال
حضوره للجمعة، فإذا حصلت فقد امتثل الأمر، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٩٥٢] ( .. ) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثُ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ
رُمْحِ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ
عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ نَّهِ أَنَّهُ قَالَ، وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ: ((مَنْ جَاءَ
مِنْكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (ابْنُ شِهَابٍ) هو: محمد بن مسلم الزهريّ الإمام، تقدّم في الباب
الماضي.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطاب الْعَدَويّ، أبو عبد الرحمن
المدنيّ، كان وصيّ أبيه، ثقةٌ [٣].
رَوَى عن أبيه، وأخيه حمزة، وأبي هريرة، وأسماء بنت زيد بن
الخطاب، وإياس بن عبد الله بن أبي ذُباب على خلاف فيه.
ورَوَى عنه ابنه عبد العزيز، وابن أخيه عبد الله بن واقد بن عبد الله بن
عمر، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وعبد الرحمن بن القاسم، والزهريّ،
ومحمد بن جعفر بن الزبير، ونافع مولى ابن عمر، وعبد الله بن أبي سلمة
الماجشون، ومحمد بن يحيى بن حَبّان، ومحمد بن عباد بن جعفر، وغيرهم.

٤٥
(١) - بَابُ الأَمْرِ بِالْغُسْلِ لِلْجُمُعَةِ - حديث رقم (١٩٥٢)
قال وكيع: كان ثقةً، وقال أبو زرعة، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن سعد:
وكان ثقةً قليل الحديث، وقال العجليّ: مدنيّ تابعيّ ثقةٌ، وذكره ابن أبي عاصم
في الصحابة، من أجل حديث أرسله، وقال يزيد بن هارون: كان أكبر ولد
عبد الله بن عمر، وقال الزبير بن بكار: كان من أشراف قريش ووجوهها .
قال الحافظ: وصفيّة كانت في عهد النبيّ وَّ﴾ صغيرةً، فيكون مولده بعد
وفاة النبيّ وَليَ(١).
وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: مات سنة خمس ومائة، وقال
الهيثم بن عديّ: مات أول خلافة هشام(٢).
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ (٣)، والنسائيّ، وله
في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٨٤٤)، وحديث (١٢٨٤): ((غدونا مع
رسول الله ◌َ من منى إلى عرفات ... ))، وأعاده بعده.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ) جملة حاليّة؛ أي: حال كونه قائماً على
المنبر، يخطب الناس.
[تنبيه]: قال الإمام النسائيُّ كَّثُ بعد أن أخرج الحديث ما نصّه: ما أعلم
أحداً تابع الليث على هذا الإسناد غير ابن جريج، وأصحاب الزهريّ يقولون:
عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، بدل عبد الله بن عبد الله بن عمر. انتهى.
أراد النسائيُّ تَخُّْ أن أكثر أصحاب الزهريّ يجعلونه عن الزهريّ، عن
سالم، عن أبيه، إلا الليث، فإنه جعله عن الزهريّ، عن عبد الله بن عبد الله بن
عمر، عن أبيه، وتابعه عليه ابن جريج، فرواه عن الزهريّ، عن عبد الله بن
عبد الله بن عمر، عن أبيه، وروايته أخرجها النسائيّ في ((الكبرى)) (١٦٧٤/٨)
عن إبراهيم بن الحسن المِصِّيصيّ، عن حجاج بن محمد الأعور، عن ابن
جریج به .
(١) ((تهذيب التهذيب)) ٣٦٨/٢ - ٣٦٩.
(٢) هي سنة خمس ومائة، كما قال ابن حبّان.
(٣) وليس له عنده إلا حديث الباب فقط.

٤٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
وقد أخرج مسلم أيضاً روايته في السند التالي، لكنه قرنه بسالم، كما يأتي.
والحاصل أن الحديث صحيح عن الزهريّ بالطريقين: طريق سالم، عن
أبيه، وطريق عبد الله بن عبد الله عن أبيه، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[١٩٥٣] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا (١)
ابْنُ جُرَيْج، أَخْبَرَنِي (٢) ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ سَالِم، وَّعَبْدِ اللهِ ابْنَيْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ،
عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) القشيريّ النيسابوريّ، ثقةٌ عابدٌ [١١] (ت٢٤٥) (خ
م د ت س) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (ابْنُ جُرَيْج) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم
المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فَاضلٌ، وكان يدلِّس ويرسل [٦] (ت١٥٠) (ع) تقدم في
((الإيمان)) ١٢٩/٦.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: رواية ابن جريج، عن ابن شهاب هذه، ساقها البيهقيّ كَّثهُ في
((الكبرى)) (١/ ٢٩٣) فقال:
(١٣٠٢) أخبرنا أبو الفتح هلال بن محمد بن جعفر الحفّار ببغداد، أنبأ
أبو عبد الله الحسين بن يحيى بن عياش القطّان، ثنا الحسن بن أبي الربيع، ثنا
عبد الرزاق، أنا ابن جريج، أخبرني ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن
عبد الله بن عمر، عن رسول الله و 38 أنه قال: ((من جاء منكم إلى الجمعة
فلیغتسل)) .
(١) وفي نسخة: ((أخبرني)).
(٢) وفي نسخة: ((أخبرنا)).

٤٧
(١) - بَابُ الأَمْرِ بِالْغُسْلِ لِلْجُمُعَةِ - حديث رقم (١٩٥٤)
قال: وحدّثني ابن شهاب، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن
عبد الله بن عمر، أن رسول الله وَلو قال - وهو قائم على المنبر -: ((من جاء
منکم الجمعة فليغتسل)).
(١٣٠٣) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، ثنا
إبراهيم بن أبي طالب، ثنا محمد بن رافع، ثنا عبد الرزاق، فذكره عنهما جميعاً
مدرجاً على اللفظ الأول، رواه مسلم في ((الصحيح)) عن محمد بن رافع. انتهى،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[١٩٥٤] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي
يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ
رَسُولَ اللهِ وَ يَقُولُ بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) أبو حفص النُّجِيبيّ المصريّ، صاحب الشافعيّ،
صدوقٌ [١١] (ت٣ أو ٢٤٤) (م س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله بن وهب بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو
محمد المصريّ الفقيه، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [٩] (١٩٧) وله اثنتان وسبعون سنةً (ع)
تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣.
٣ - (يُونُسُ) بن يزيد بن أبي النِّجَاد الأمويّ مولاهم، أبو يزيد الأيليّ،
ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت١٥٩) على الصحيح وقيل: سنة ستين (ع) تقدم في
((المقدمة)) ١٤/٣.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (يَقُولُ بِمِثْلِهِ) يعني: أن يونس حدّث الزهريّ بمثل ما حدّث به
اللیث، عنه.
[تنبيه]: رواية يونس عن الزهريّ هذه ساقها أبو نعيم تَظْلَتُهُ في
((مستخرجه)) (٤٣٤/٢ - ٤٤٥) فقال:

٤٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
(١٩٠٠) حدّثنا محمد بن أحمد بن حمدان، ثنا الحسن بن سفيان، ثنا
حرملة بن يحيى، ثنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن سالم
(ح) وثنا محمد بن إبراهيم، ثنا أبو العباس بن قتيبة، ثنا حرملة بن يحيى، ثنا
ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه، قال: سمعت
رسول الله ور - وهو قائم على المنبر - يقول: ((من جاء منكم الجمعة
فليغتسل)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَذَتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٩٥٥] (٨٤٥) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْتَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي
يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِهِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ
بَيْنَا هُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابٍ رَسُولِ اللهِ وَلِّهِ،
فَنَادَاهُ عُمَرُ: أَيَّةُ سَاعَةٍ هَذِهِ؟ فَقَالَ: إِنِّي شُغِلْتُ الْيَوْمَ، فَلَمْ أَنْقَلِبْ إِلَى أَهْلِي حَتَّى
سَمِعْتُ النِّدَاءَ، فَلَمْ أَزِدْ عَلَى أَنْ تَوَضَّأْتُ، قَالَ عُمَرُ: وَالْوُضُوءَ أَيْضاً؟ وَقَدْ عَلِمْتَ
أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ كَانَ يَأْمُرُ بِالْغُسْلِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
وهم المذكورون في السند السابق، سوى:
١ - (عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) بن نُفَيل القرشيّ العدويّ، أمير المؤمنين،
مشهورٌ جمّ المناقب، استُشهد في ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، وولي
الخلافة عشر سنين ونصفاً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سباعيّاته.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فانفرد به هو
والنسائيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من ابن شهاب، والباقون مصريّون.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ، وتابعيّ، عن تابعيّ،
والابن عن أبيه مرّتين.

٤٩
(١) - بَابُ الأَمْرِ بِالْغُسْلِ لِلْجُمُعَةِ - حديث رقم (١٩٥٥)
٥ - (ومنها): أن عمر ظُله أحد الخلفاء الراشدين جمّ المناقب، وأن
عبد الله أحد العبادلة الأربعة، وأكثر المكثرين من الرواية، جمّ المناقب أيضاً،
وأن سالِماً أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، أنه قال: (حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ
عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِهِ) عبد الله بن عمر ﴿هَا (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطّابِ) ◌َُّه.
[تنبيه]: قال في ((الفتح)) ما حاصله: أورد البخاريّ هذا الحديث من
رواية جويرية بن أسماء، عن مالك، وهو عند رواة ((الموطأ)) عن مالك ليس فيه
ذكر ((ابن عمر))، فحَكَى الإسماعيليّ، عن البغويّ بعد أن أخرجه من طريق
رَوْح بن عُبادة عن مالك، أنه لم يذكر في هذا الحديث أحد عن مالك،
عبدَ الله بن عمر غير رَوْح بن عُبادة، وجُوَيرية. انتهى.
وقد تابعهما أيضاً عبد الرحمن بن مهديّ، أخرجه أحمد بن حنبل عنه،
بذکر ابن عمر .
وقال الدارقطنيّ في ((الموطأ)): رواه جماعة من أصحاب مالك الثقات
عنه خارج ((الموطأ)) موصولاً عنهم، فذكر هؤلاء الثلاثة، ثم قال: وأبو عاصم
النبيل، وإبراهيم بن طَهْمان، والوليد بن مسلم، وعبد الوهاب بن عطاء، وذكر
جماعةً غيرهم، في بعضهم مقال، ثم ساق أسانيدهم إليهم بذلك.
وزاد ابن عبد البرّ فيمن وصله عن مالك: القعنبيّ في رواية إسماعيل بن
إسحاق القاضي عنه.
ورواه عن الزهريّ موصولاً يونس بن يزيد عند مسلم، ومعمر عند أحمد،
وأبو أويس عند قاسم بن أصبغ.
ولِجُويرية بن أسماء فيه إسناد آخر أعلى من روايته عن مالك، أخرجه
الطحاويّ وغيره من رواية أبي غَسّان، عنه، عن نافع، عن ابن عمر ◌ًَّا.
(١)
انتھی
٠
(١) ((الفتح)) ٤١٨/٢.

٥٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
(بَيْنَا) هي ((بين)) الظرفيّة، أُشبعت فتحتها، فتولّدت منها الألف، وقد تزاد
فيها ((ما))، فتصير ((بينما))، وهما ظرف زمان، فيه معنى المفاجأة، ويضافان إلى
جملة فعليّة، أو اسميّة، ويحتاجان إلى جواب يتمّ به المعنى، وجواب ((بينا))
هنا قوله: ((دخل رجلٌ)). (هُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، دَخَلَ رَجُلٌ) وفي
رواية للبخاريّ: ((إذا دخل رجل))، وفي بعض روايته: ((إذ جاء رجلٌ)).
[تنبيه]: الرجل المذكور هو عثمان بن عفّان ﴿ه، كما سمّاه أبو
هريرة ظُه في الرواية التالية، وكذا سمّاه ابنُ وهب، وابن القاسم في روايتهما
عن مالك في ((الموطأ))، وكذا سماه معمرٌ في روايته عن الزهريّ، عند الشافعيّ
وغيره، وكذا وقع في رواية ابن وهب، عن أسامة بن زيد، عن نافع، عن ابن
عمر، قال ابن عبد البر: لا أعلم خلافاً في ذلك(١).
(مِنْ أَصْحَابٍ رَسُولِ اللهِ وَ ﴿) وفي رواية البخاريّ: ((إذ دخل رجلٌ من
المهاجرين الأولين، من أصحاب النبيّ وَّات)).
وقوله: ((من المهاجرين الأولين)) قيل في تعريفهم: مَن صَلَّى إلى
القبلتين، وقيل: مَن شَهِدَ بدراً، وقيل: من شهد بيعة الرضوان، ولا شك أنها
مراتب نسبية، والأول أولى في التعريف؛ لسبقه، فمن هاجر بعد تحويل القبلة
وقبل وقعة بدر هو آخر بالنسبة إلى من هاجر قبل التحويل، قاله في ((الفتح)(٢).
وإلى هذه الأقوال أشار السيوطيُّ كَّلُ في ((ألفيّة الحديث)) حيث قال:
فَقِيلَ أَهْلُ الْبَيْعَةِ الْمَرْضِيَّهْ
وَالسَّابِقُونَ لَهُمُ مَزِيَّهْ
بَدْرِيَّةٌ أَقَبْلَ فَتْحِ أَسْلَمُوا
وَقِيلَ أَهْلُ الْقِبْلَتِيْنِ أَوْ هُمُ
(فَنَادَاهُ عُمَرُ) أي: قال له يا فلان (أَيَّةُ سَاعَةٍ هَذِهِ؟) ((أَيَّةُ)) بتشديد التحتانية
تأنيث ((أَيّ)) يُستفهَم بها، وأنّث ((أيّة)) لأجل ((ساعة))، ويجوز تذكيرها وتأنيثها،
قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِى نَفْسُ بِأَتِّ أَرْضٍ تَمُونٌ﴾ [لقمان: ٣٤]، وقرئ في الشاذّ:
((بأيّة أرض تموت))، وتقول: أيُّ امرأة جاءتك؟، وأيّةُ امرأة جاءتك؟، وشبّه
سيبويه تأنيث ((أيّة)) بتأنيث ((كلّ)) في قولهم: ((كلّهنّ))، قاله في ((العمدة))(٣).
(١) راجع: ((الفتح)) ٤١٨/٢.
(٣) راجع: ((عمدة القاري)) ٢٤٠/٦.
(٢) ((الفتح)) ٤١٨/٢.

٥١
(١) - بَابُ الأَمْرِ بِالْغُسْلِ لِلْجُمُعَةِ - حديث رقم (١٩٥٥)
و((الساعة)): اسم لجزء من النهار مُقَدَّرٍ، وتُطلق على الوقت الحاضر،
وهو المراد هنا، وهذا الاستفهام استفهام توبيخ وإنكار، وكأنه يقول: لم
تأخرت إلى هذه الساعة؟ وقد ورد التصريح بالإنكار في رواية أبي هريرة .
عند البخاريّ، ولفظه: ((فقال عمر: لم تحتبسون عن الصلاة؟))، وفي رواية
مسلم التالية: ((فعرَّض به عمر، فقال: ما بال رجال يتأخرون بعد النداء)).
قال الحافظ تَُّ: والذي يظهر أن عمر رَُّّه قال ذلك كله، فَحَفِظ بعضُ
الرواة ما لم يحفظ الآخر، ومراد عمر التلميح إلى ساعات التبكير التي وقع
الترغيب فيها، وأنها إذا انقضت طَوَت الملائكة الصحف، كما سيأتي قريباً،
وهذا من أحسن التعريضات، وأرشق الكنايات، وفَهِمَ عثمان رُه ذلك، فبادر
إلى الاعتذار عن التأخر. انتهى(١).
(فَقَالَ) عثمان رَُّهُ: (إِنِّ شُغِلْتُ الْيَوْمَ) ببناء الفعل للمفعول، وقد بَيَّنَ
جهة شغله في رواية عبد الرحمن ابن مهدي حيث قال: ((انقلبت من السوق،
فسمعت النداء)).
(فَلَمْ أَنْقَلِبْ إِلَى أَهْلِي) أي: لم أرجع إليهم، قال في ((العمدة)):
الانقلاب: الرجوع من حيث جاء، وهو انفعال، من قَلَبْتُ الشيءَ: إذا كببته،
أو رددته. انتهى (٢). (حَتَّى سَمِعْتُ النِّدَاءَ) بكسر النون أشهر من ضمّها،
والمراد به الأذان بين يدي الخطيب (فَلَمْ أَزِدْ عَلَى أَنْ تَوَضَّأْتُ) أي: لم أشتغل
بشيء بعد أن سماعي للنداء إلا بالوضوء، وهذا يدل على أنه دخل المسجد في
ابتداء شروع عمر اته في الخطبة.
(قَالَ عُمَرُ) رَبُه (وَالْوُضُوءَ أَيْضاً) فيه إشعار بأنه قَبِلَ عذره في ترك
التبكير، لكنه استنبط منه معنى آخر اتَّجَهَ له عليه فيه إنكار ثانٍ مضاف إلى
الأول.
قال في ((الفتح)): وقوله: (والوضوء)) في روايتنا بالنصب، وعليه اقتصر
النوويّ في ((شرح مسلم)): أي: والوضوءَ أيضاً اقتصرت عليه، أو اخترته دون
(١) ((الفتح)) ٤١٨/٢ - ٤١٩.
(٢) ((عمدة القاري)) ٢٤١/٦.

٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
الغسل، والمعنى: ما اكتفيت بتأخير الوقت، وتفويت الفضيلة حتى تركت
الغسل، واقتصرت على الوضوء.
وجَوَّز القرطبيّ الرفع، على أنه مبتدأ وخبره محذوف؛ أي: والوضوءُ
أيضاً يُقْتَصَرُ علیه.
وأغرب السُّهَيليّ، فقال: اتَّفَقَ الرواة على الرفع؛ لأن النصب يخرجه إلى
معنى الإنكار؛ يعني: والوضوء لا ينكر، وجوابه ما تقدم، والظاهر أن الواو
عاطفةٌ، وقال القرطبيّ: هي عوض عن همزة استفهام، كقراءة ابن كثير: قَالَ
فِرْعَوْنُ ءَامَنتُم بِهِ﴾ [الأعراف: ١٢٣]. انتهى (١).
وقال في ((العمدة)): قوله: ((والوضوء أيضاً)) جاءت الرواية فيه بالواو،
وحذفها، وبنصب ((الوضوء)) ورفعه، أما وجه وجود الواو فهو أن يكون للعطف
على الإنكار الأول، وهو قوله: ((أيّةُ ساعة هذه؟))؛ لأن معنى الإنكار: ألم
يكفك أن أخرت الوقت، وفَوَّتَّ فضيلة السبق، حتى أتبعته بترك الغسل،
والقناعة بالوضوء؟، فتكون هذه الجملة المبسوطة مدلولاً عليها بتلك اللفظة.
وأما وجه حذف الواو فظاهر، ولكن يكون لفظ ((الوضوءُ)) بالرفع
والنصب، أما وجه الرفع فعلى أنه مبتدأ قد حُذِف خبره، تقديره الوضوءُ أيضاً
يُقْتَصَر عليه، ويجوز أن يكون خبراً محذوفَ المبتدأ، تقديره: كفايتك الوضوءُ
أيضاً، وأما وجه النصب فهو على إضمار فعل، والتقدير: أتتوضأ الوضوءً
فقط؛ يعني: اقتصرتَ على الوضوء وحده. انتهى(٢).
وقوله: (أَيْضاً) منصوب على أنه مصدرٌ، من آض يئيض؛ أي: عاد
ورجع، قال ابن السِّكِّيت: تقول: فعلته أيضاً إذا كنت قد فعلته بعد شيء آخر،
كأنك أفدت بذكرهما الجمع بين الأمرين أو الأمور. انتهى.
وقال في ((الفتح)): وقوله: ((أيضاً))؛ أي: ألم يكفك أن فاتك فضل
التبكير إلى الجمعة، حتى أضفت إليه ترك الغسل المرغَّب فيه.
عن ذلك،
قال: ولم أقف في شيء من الروايات على جواب عثمان
والظاهر أنه سكت عنه؛ اكتفاءً بالاعتذار الأول؛ لأنه قد أشار إلى أنه كان
(١) ((الفتح)) ٤١٩/٢.
(٢) راجع: ((العمدة)) ٢٤١/٦.

٥٣
(١) - بَابُ الأَمْرِ بِالْفُسْلِ لِلْجُمُعَةِ - حديث رقم (١٩٥٥)
ذاهلاً عن الوقت، وأنه بادر عند سماع النداء، وإنما ترك الغسل؛ لأنه تعارض
عنده إدراك سماع الخطبة، والاشتغال بالغسل، وكلٌّ منهما مُرَغَّبٌ فيه، فآثر
سماع الخطبة، ولعله كان يرى فرضيته، فلذلك آثره، والله أعلم. انتهى(١).
وقوله: (وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ كَانَ يَأْمُرُ بِالْغُسْلِ) جملة في محلّ
نصب على الحال من الفاعل؛ أي: والحال أنك قد علمت أن رسول الله وَله
كان يأمر بالغسل لمن يريد المجيء إلى الجمعة، قاله في ((العمدة)) (٢).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((كان يأمر بالغسل)) كذا في جميع الروايات، لم
يُذْكَر المأمور، إلا أن في رواية جويرية، عن نافع، بلفظ: ((كنا نؤمر))، وفي
حديث ابن عباس ظها عند الطحاويّ في هذه القصة: أن عمر قال له: لقد عَلِمَ
أَنَّا أُمِرنا بالغسل، قلت: أنتم المهاجرون الأولون، أم الناس جميعاً؟ قال: لا
أدري، ورواته ثقات، إلا أنه معلول.
وقد وقع في رواية أبي هريرة ظه في هذه القصة: أن عمر نظراته قال:
ألم تسمعوا أن رسول الله و 8﴿ قال: ((إذا راح أحدكم إلى الجمعة فليغتسل))،
كذا هو في ((الصحيحين)) وغيرهما، وهو ظاهر في عدم التخصيص بالمهاجرين
الأولين. انتهى (٣)، وهو بحثٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى) حديث عمر بن الخطّاب ◌َُّله هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٩٥٥/١] (٨٤٥)، و(البخاريّ) في ((الجمعة))
(٨٧٨)، و(الترمذيّ) في ((الجمعة)) (٤٩٤ و٤٩٥)، و(النسائيّ) في ((الكبرى))
(١٥٩٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٩/١ و٤٥)، و(عبد بن حُميد) في ((مسنده))
(٨)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٩٠١)، والله تعالى أعلم.
(١) ((الفتح)) ٤١٩/٢.
(٣) ((الفتح)) ٤١٩/٢.
(٢) راجع: ((عمدة القاري)) ٢٣١/٦.

٥٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان الأمر بالغسل للجمعة.
٢ - (ومنها): أن فيه مشروعيّة القيام للخطبة، وأنه من سننها، وأنه على
المنبر .
٣ - (ومنها): أن فيه تفقدَ الإمام رعيته، وأمره لهم بمصالح دينهم،
وإنكاره على من خالف السنّة، وإن كان عظيم القدر.
٤ - (ومنها): أن فيه مواجهةَ الإمام بالإنكار للكبير في مجمع من الناس؛
لیرتدع من هو دونه بذلك.
٥ - (ومنها): بيان أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أثناء الخطبة
لا يفسدها، وأنه يسقط منع الكلام عن المخاطب بذلك.
٦ - (ومنها): الاعتذار إلى ولاة الأمور.
٧ - (ومنها): إباحة الشغل والتصرّف يوم الجمعة قبل النداء، ولو أفضى
ذلك إلى ترك فضيلة التبكير إلى الجمعة؛ لأن عمر ظله لم يأمر برفع السوق
بعد هذه القصّة.
٨ - (ومنها): أنه استَدَلَّ به مالك على أن السوق لا تُمنع يوم الجمعة قبل
النداء؛ لكونها كانت في زمن عمر حظه، ولكون الذاهب إليها مثل عثمان
وإنما يجب السعي، وحرمة البيع والشراء بالأذان الذي يؤذن بين يدي المنبر؛
لأنه هو الأصل، وبهذا قال الشافعيّ وأحمد وأكثر فقهاء الأمصار، ثم اختَلَف
العلماء في حرمة البيع في ذلك الوقت، فعند أبي حنيفة وأصحابه والشافعيّ
يجوز البيع مع الكراهة، وعند مالك، وأحمد، والظاهرية البيع باطل، ذكره في
((العمدة))(١).
قال الجامع عفا الله عنه: ما ذهب إليه مالك، وأحمد، وأهل الظاهر هو
الحقّ؛ لقوّة حجته، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
٩ - (ومنها): جواز شهود الفضلاء السوق، ومزاولة التجارة فيها .
١٠ - (ومنها): أن فضيلة التوجه إلى الجمعة إنما تحصل قبل التأذين.
(١) ((عمدة القاري)) ٢٤١/٦.

٥٥
(١) - بَابُ الأَمْرِ بِالْفُسْلِ لِلْجُمُعَةِ - حديث رقم (١٩٥٦)
١١ - (ومنها): أنه قال القاضي عياض تَّثُ: فيه حجة لكون السعي إنما
يجب بسماع الأذان، وأن شهود الخطبة لا يجب، وهو مقتضى قول أكثر المالكية.
وتُعُقِّب بأنه لا يلزم من التأخّر إلى سماع النداء فوات الخطبة، بل تقدم
ما يدلّ على أنه لم يفت عثمان ظه من الخطبة شيءٌ، وعلى تقدير أن يكون
فاته منها شيء فليس فيه دليلٌ على أنه لا يجب شهودها على من تنعقد به
الجمعة، قاله في ((الفتح))(١).
١٢ - (ومنها): أنه قد استَدَلّ بعضهم بقوله: ((كان يأمر بالغسل)) أن
الغسل يوم الجمعة واجب، وهذا الاستدلال ضعيفٌ؛ لأنه لو كان واجباً لرجع
عثمان حين كلمه عمر رضيها، أو لَرَدّه عمر حين لم يرجع، فلما لم يرجع، ولم
يؤمر بالرجوع، وبحضرتهما المهاجرون والأنصار دَلّ على أنه ليس بواجب،
وهذه قرينة على أن المراد من قوله ◌َ﴿ في الحديث الذي فيه: ((فليغتسل)) ليس
أمر إيجاب، بل هو للندب الأكيد، وكذا المراد من قوله: ((واجب)) أنه في
التأكّد كالواجب جمعاً بين الأدلة، قاله في ((العمدة))(٢)، والله تعالى أعلم، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٩٥٦] ( .. ) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِم،
عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبَّدٍ
الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: بَيْنَمَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَخْطُبُ النَّاسَ يَوْمَ
الْجُمُعَةِ، إِذْ دَخَلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، فَعَرَّضَ بِهِ عُمَرُ، فَقَالَ: مَا بَالُ رِجَالٍ يَتَأَخَّرُونَ
بَعْدَ النِّدَاءِ؟ فَقَالَ عُثْمَانُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا زِدْتُ حِينَ سَمِعْتُ النِّدَاءَ أَنْ
تَوَضَّأْتُ، ثُمَّ أَقْبَلْتُ، فَقَالَ عُمَرُ: وَالْوُضُوءَ أَيْضاً؟ أَلَمْ تَسْمَعُوا رَسُولَ اللهِ ◌ِ(٣)
يَقُولُ: ((إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْجُمُعَةِ فَلْيَغْتَسِلْ))).
(١) ((الفتح)) ٤٢٠/٢.
(٢) راجع: ((عمدة القاري)) ٢٤١/٦ - ٢٤٢.
(٣) وفي نسخة: ((ألم تسمعوا أن رسول الله (وَاتٍ)).

٥٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن مَخْلَد الحنظليّ، أبو محمد المعروف بابن
راهويه المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ مجتهدٌ [١٠] (ت٢٣٨) وله اثنتان وسبعون (خ م د
ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥.
٢ - (الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِم) القرشيّ مولاهم، أبو العباس الدمشقيّ، ثقةٌ، لكنه
كثير التدليس والتسوية [٨] مات آخر سنة أربع، أو أول سنة خمس وتسعين
ومائة (ع) تقدم في ((الإيمان) ١٤٨/١٠.
٣ - (الْأَوْزَاعِيُّ) عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، أبو عمرو الفقيه،
ثقةٌ جليلٌ [٧] (ت ١٥٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥.
٤ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٥ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف، تقدّم في الباب الماضي
أيضاً.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) صُبه تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
و((عمر)) رقڅبه ذُكر قبله.
وقوله: (فَعَرَّضَ بِهِ عُمَرُ) بتشديد الراء، من التعريض، يقال: عرّضتُ به
تعريضاً: إذا قلت قولاً، وأنت تعنيه، فالتعريض خلاف التصريح من القول،
قاله في (المصباح))(١).
وقوله: (فَقَالَ: مَا بَالُ رِجَالٍ يَتَأَخَّرُونَ بَعْدَ النِّدَاءِ؟) قال القرطبيّ ◌َظُّهُ:
هذا إنكار منه على عثمان تأخّره عن وقت وجوب السعي، ثم عَذَرَ عثمان حين
اعتذر بقوله: ((ما زدت على أن توضّأت)) يعني: أنه ذَهِلَ عن الوقت، ثم
تَذَكَّرَه، فإذا به قد ضاق عن الغسل، وكان ذهوله ذلك لعذر مسوّغ. انتهى(٢).
وتمام شرح الحديث تقدّم في الحديث الماضي.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ظ ◌ُبه هذا متّفقٌ عليه.
(١) ((المصباح المنير)) ٤٠٣/٢.
(٢) («المفهم)) ٢/ ٤٨٠.

٥٧
(٢) - بَابُ قَوْلِ النَِّّ ◌َهَ: ((الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِم)) - حديث رقم (١٩٥٧)
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٩٥٦/١] (٨٤٥)، و(البخاريّ) في ((الجمعة))
(٨٧٢)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (٣٤٠)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٦/١)،
و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (١٧٤٨)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٩٠٢)،
و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٣٣٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصَْحَ مَا اسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أَنِبُ﴾ .
(٢) - (بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ وَّهِ: ((الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ
وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ)))
[١٩٥٧] (٨٤٦) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ
صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْم، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَاهـ
قَالَ: ((الْغُسْلُ بَوَّمَ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِم))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (مَالِك) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدّم قبل باب.
٣ - (صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْم) الزهريّ مولاهم، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ مُفْتٍ
عابدٌ رُمِي بالقدر [٤] (ت١٣٢) وله اثنتان وسبعون سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان))
٢١٣/٢٦.
٤ - (عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ) الهلاليّ، أبو محمد المدنيّ، مولى ميمونة، ثقةٌ
فاضلٌ، صاحب مواعظ وعبادة، من صغار [٢] مات سنة أربع وتسعين، وقيل:
بعد ذلك (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٣/٢٦.
٥ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) سعد بن مالك بن سِنَان بن عُبيد الأنصاريّ
الصحابيّ ابن الصحابيّ ﴿ه، استُصْغِر بأُحُد، ثم شَهِدَ ما بعدها، مات بالمدينة
سنة ثلاث، أو أربع، أو خمس وستين، وقيل: سنة أربع وسبعين (ع) تقدّم في
((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٨٥.

٥٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف رَّلُهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو
داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه أيضاً، فنيسابوريّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: صفوان، عن عطاء.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ ◌َّه، وهو أحد المكثرين السبعة،
روی (١١٧٠) حديثاً .
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) سعد بن مالك
.
[تنبيه]: لم تَخْتَلِف رواة ((الموطأ)) على مالك في إسناد هذا الحديث،
وأنه من مسند أبي سعيد الخدريّ رَظُه، وقد تابع مالكاً على روايته
الدَّرَاوَرْديّ، عن صفوان، عند ابن حبان، وخالفهما عبد الرحمن بن إسحاق،
فرواه عن صفوان بن سُليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، أخرجه أبو
بكر الْمَرُّوذيّ في (كتاب الجمعة))، له، قاله في ((الفتح)).
(أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ قَالَ: ((الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ) ظاهره أن الغسل
حيث وُجِدَ فيه كَفَى؛ لكون اليوم جُعِل ظرفاً للغسل، وفي رواية للبخاريّ:
((غسلُ يوم الجمعة)) بالإضافة، فيُستَدَلُّ به لمن قال: الغسل لليوم؛ للإضافة
إليه، وقد تقدم ما فيه، واستُنْبِط منه أيضاً أن ليوم الجمعة غُسلاً مخصوصاً،
حتى لو وُجدت صورة الغسل فيه لم يُجْزِ عن غسل الجمعة إلا بالنية، وقد أَخَذ
بذلك أبو قتادة، فقال لابنه، وقد رآه يغتسل يوم الجمعة: إن كان غسلك عن
جنابة فأَعِد غسلاً آخر للجمعة، أخرجه الطحاويّ، وابن المنذر، وغيرهما.
ويَحْتَمِل أن تكون ((أل)) في رواية المصنّف للعهد، فتتفق الروايتان، أفاده
في ((الفتح)).
وقوله: (وَاجِبُّ) قال النوويّ تَخْذَتُهُ: معناه: متأكّدٌ في حقّه، كما يقول
الرجل لصاحبه: حقّك واجبٌ عليّ؛ أي: متأكّد، لا أن المراد الواجب

٥٩
(٢) - بَابُ قَوْلِ النَِّّ ◌َّهِ: ((الْغُسْلُ بَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِم)) - حديث رقم (١٩٥٧)
المتحتّم المعاقَبُ عليه. انتهى(١).
(عَلَى كُلِّ مُحْتَلِم))) أي: بالغ مُدرك، يقال: حَلَمَ الصبيّ، من باب نصر،
واخْتَلَمَ: أدرك، وبلغ مبالغ الرجال، فهو حالم، ومحتلمٌ(٢).
وإنما ذَكَرَ الاحتلام؛ لكونه الغالبَ، وإلا فلو بلغ بالسنّ، أو غير ذلك،
كان عليه الغسل.
وقال القرطبيّ تَخْتُهُ: خصّ المحتلم بالذكر؛ لأن الاحتلام أكثر ما يبلغ به
الرجال، وهو الأصل، وهذا كما قال في حقّ النساء: ((لا تُقبل صلاةُ حائض
إلا بخمار))(٣)، يعني بالحائض: البالغ من النساء، وخصّها به؛ لأن الحيض
أغلب ما يبلغ به النساء من علامات البلوغ، وفيه دليلٌ على أن الجمعة لا تجب
على صبيّ، ولا امرأة؛ لأنه بَيّن محلّ وجوبها. انتهى(٤).
قال الحافظ ابن رجبُّ تَخْذَثُ في ((شرح البخاريّ)): وقد اختَلَف العلماء في
غسل الجمعة: هل هو واجبٌ - بمعنى: أنه يأثم بتركه مع القدرة عليه بغير
ضرر، أم هو مستحبٌ - فلا يأثم بتركه بحال؟، ولم يختلفوا أنه ليس بشرط
لصحة صلاة الجمعة، وأنها تصح بدونه، ولهذا أقر عمر والصحابة من شهد
الجمعة ولم يغتسل، ولم يأمروه بالخروج للغسل.
وقد استَدَلَّ - أيضاً - بذلك الشافعي وغيره على أنه غير واجب؛ لأنه لو
كان واجباً لأمر عمر عثمان څًا بالخروج له.
وأجاب بعضهم عن ذلك: بأنهم قد يكونوا خافوا عليه فوات الصلاة
لضيق الوقت.
وأكثر العلماء على أنه يستحب، وليس بواجب.
وذكر الترمذي في ((جامعه)) أن العمل على ذلك عند أهل العلم من
الصحابة ومن بعدهم.
(١) ((شرح النووي)) ١٣٤/٦.
(٢) راجع: ((المصباح)) ١٤٨/١.
(٣) حديث صحيح، أخرجه أحمد (٢١٨/٦ و٢٥٩)، وأبو داود (٦٤١)، و(الترمذيّ
(٣٧٧) عن عائشة
(٤) ((المفهم)) ٤٨٠/٢.

٦٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الجمعة
وهذا الكلام يقتضي حكاية الإجماع على ذلك.
وقد حُكِي عن عمر وعثمان، ومستند من حكاه عنهما: قصة عمر مع
الداخل إلى المسجد؛ فإنه قد وقع في روايةٍ أنه كان عثمان.
وممن قال: هو سنة: ابن مسعودٍ، وروي عن ابن عباسٍ، أنه غير
واجبٍ، وعن عائشة وغيرهم من الصحابة، وبه قال جمهور فقهاء الأمصار:
الثوريّ، والأوزاعيّ، وأبو حنيفة، والشافعيّ، وأحمد - في ظاهر مذهبه -،
وإسحاق، ورواه ابن وهب عن مالكٍ، وأنه قيل له: في الحديث: هو واجبٌ؟
قال: ليس كل ما في الحديث: هو واجبٌ يكون كذلك، وهو اختيار
عبد العزيز بن أبي سلمة وغيره من أصحابه.
واستَدَلَّ من قال: ليس بواجبٍ: بما روي عن الحسن، عن سمرة، عن
النبي ◌َّل، قال: ((من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل
أفضل))، أخرجه الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائيّ، والترمذيَ، وحسنَّه، وقد
اختُلِف في سماع الحسن من سمرة، وأخرجه ابن ماجه من حديث يزيد
الرقاشي، عن أنس - مرفوعاً - أيضاً، ويزيد، ضعيف الحديث.
وفي ((صحيح مسلم)) عن أبي هريرة ظُه، عن النبي ◌َّ، قال: ((من
توضأ فأحسن الوضوء، ثمّ أتى الجمعة فدنا واستمع وأنصت غفر له ما بينه
وبين الجمعة الأخرى، وزيادة ثلاثة أيام)).
وهذا يدل على أن الوضوء كافٍ، وأن المقتصر عليه غير آثمٍ ولا عاصٍ،
وأما الأمر بالغسل فمحمول على الاستحباب.
وقد رُوي من حديث عائشة وابن عباسٍ ما يدلّ على ذلك، وسيأتي ذكره
- إن شاء الله تعالى -.
وأما رواية الوجوب، فالوجوب نوعان: وجوب حتم، ووجوب سنةٍ
وفضل .
وذهبت طائفة إلى وجوب الغسل، وروي عن أبي هريرة، والحسن،
وروي - أيضاً - عن سعدٍ، وعمارٍ، وابن عباسٍ - في رواية أخرى عنه -، وعن
عبد الرحمن بن يزيد بن الأسود، وعطاء بن السائب، وعمرو بن سليمٍ وغيرهم
من المتقدمین.