النص المفهرس
صفحات 401-420
٤٠١ (٤٦) - بَابُ فَضْلِ قِرَاءَةٍ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾ - حديث رقم (١٨٨٦) عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، عَنِ النَّبِيِّ نَِّ قَالَ: «أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ فِي لَيْلَةٍ ثُلُثَ الْقُرْآنِ؟)) قَالُوا: وَكَيْفَ يَقْرَأْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ؟ قَالَ: ((﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ ﴾﴾ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ))). رجال هذا الإسناد: ثمانية: وكلّهم تقدّموا في الباب الماضي، وكذا لطائف الإسناد. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ) عُويمر بن زيد بن قيس ظُه، وقد سبق الخلاف في اسمه واسم أبيه في الباب الماضي (عَنِ النَّبِيِّ وَهُ) أنه (قَالَ: ((أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ) بكسر الجيم، ويقال: بفتحها، قال في ((القاموس)): عَجِزَ، كضَرَبَ، وسَمِعَ(١)، وذكر في ((المصباح)) أنه من باب ضرب، ثم ذكر أنه كونه من باب تَعِبَ لغة لبعض قَيْس عَيلان، وهذه اللغة غير معروفة عندهم، وذكر عن ابن الأعرابيّ أنه لا يقال: عَجِزَ الإنسان بالكسر إلا إذا عَظُمت عَجِيزته(٢). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الأفصح هنا كسر الجيم، لا فتحها، والله تعالى أعلم. والهمزة فيه للاستفهام الاستخباريّ (أَنْ يَقْرَأَ فِي لَيْلَةٍ ثُلُثَ الْقُرْآنِ؟)) قَالُوا) أي الصحابة الحاضرون لهذا الخطاب (وَكَيْفَ يَقْرَأ) أي أحدنا (ثُلُثَ الْقُرْآنِ؟) أي لأنه صعب على الدوام عادةً، وفي حديث أبي سعيد الخدريّ نظُه عند البخاريّ: ((فَشَقّ ذلك عليهم، وقالوا: أيّنا يُطيق ذلك يا رسول الله؟)) (قَالَ) وَلّ ((﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ ﴾﴾) أي إلى آخر السورة، أو ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ اسم للسورة (تَعْدِلُ) بكسر الدال، يقال: عَدَلهُ، كضربه، وعادله: إذا وازنه وساواه، وأنّثه باعتبار السورة، ويجوز التذكير باعتبار الكلام، ف﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُ ﴾﴾ مبتدأ محكيّ؛ لقصد لفظه، وخبره قوله: (ثُلُثَ الْقُرْآنِ))) و ((الثلث)) بضمتين، ويجوز تسكين اللام، قال الفيّوميُّ: ((الثلُثُ)): جزءٌ من ثلاثة أجزاء، وتُضمّ اللام للإتباع، وتُسكّن، والجمع أَثْلاث، مثلُ عُنُق وأعناق، (١) راجع: ((القاموس)) ١٨٠/٢. (٢) راجع: ((المصباح)) ٣٩٣/٢. ٤٠٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها والثَّلِيثُ مثلُ كَرِيم لغة فيه. انتهى (١) . وفي رواية سعيد بن أبي عروبة، وأبان العطار كلاهما عن قتادة: ((إن الله جزّأ القرآن ثلاثة أجزاء، فجعل ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ ﴾﴾ جزءاً من أجزاء القرآن)). [تنبيه]: ظاهر حديث الباب يدلّ على أنه يحصل لمن قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ ﴾﴾ من الثواب مثلُ ثواب من قرأ ثلث القرآن، وأصرح منه حديث أبي أيوب عند أحمد والترمذيّ بلفظ: ((من قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُ (﴾﴾، فقد قرأ ثلث القرآن))، وحديث أَبَيّ بن كعب ◌َّه عند أبي عُبيد: ((من قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ ﴾﴾، فكأنما قرأ ثلث القرآن))، فكلُّ منهما صريح في أن قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ ﴾﴾ تعدل ثلث القرآن. وكذا يدلّ عليه حديث أبي هريرة ﴿ه الآتي عند المصنّف: ((احشدوا، فسأقرأ عليكم ثلث القرآن))، وفيه: فخرج عليهم، فقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُ﴾، ثم قال: ((ألا إنها تعدل ثلث القرآن)). فقوله وَّ: ((﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ ﴾﴾ تعدل ثلث القرآن)) يُحْمَل على أن قراءتها تعدل قراءة ثلث القرآن، ويحصُل لقارئها ثواب من قرأ ثلث القرآن، فالروايات يفسّر بعضها بعضاً، فيكون من قرأها ثلاثاً كمن قرأ ختمةً كاملةً، ولله ربك أن يُجازي عبده على اليسير بأفضل مما يُجازي به على الكثير. وبالجملة فالواجب علينا أن نقول بما ثبت عن النبيّ وَّة، ولا نستشكل ما صحّ عنه، ولا نقول: كيف؟، ولا لِمَ؟، بل نكل ما جَهِلنا وجهه وتعليله إلى العالم الخبير، ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤]. قال الشوكانيُّ: قد عُلِّلَ كونها تعدل ثلث القرآن بعلل ضعيفة واهية، والأحسن أن يقال: إن ذلك لسرّ لم نطلع عليه، وليس لنا الكشف عن وجهه. انتهى، وهو نفيسٌ جدّاً، وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة الرابعة - إن (١) ((المصباح المنير)) ١/ ٨٣. ٤٠٣ (٤٦) - بَابُ فَضْلِ قِرَاءَةٍ ﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ﴾ - حديث رقم (١٨٨٦) شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي الدرداء رضيته هذا من أفراد المصنّف نَّتُهُ . [تنبيه]: هذا الحديث أخرجه البخاريُّ في ((صحيحه)) من حديث أبي سعيد الخدريّ الله، فقال: (٥٠١٥) حدّثنا عمر بن حفص، حدّثنا أبي، حدّثنا الأعمش، حدّثنا إبراهيم، والضحاك الْمِشْرَقيّ، عن أبي سعيد الخدريّ ◌َظ ◌ُبه قال: قال النبيّ ◌َل لأصحابه تَغْلَقُهُ: أَيَعْجِز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة؟))، فَشَقّ ذلك عليهم، وقالوا: أَيُّنا يُطيق ذلك يا رسول الله؟ فقال: ((الله الواحد الصمد ثلث القرآن)). انتهى. وأخرجه أيضاً أبو داود في ((سننه)) (١٤٦١)، و(النسائيّ) في ((المجتبى)) (٩٩٥). (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٨٨٦/٤٦ و١٨٨٧] (٨١١)، و(النسائيّ) في ((عمل اليوم والليلة)) (٧٠١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٩٥/٥ و٤٤٢/٦ و٤٤٣ و٤٤٧)، و(عبد بن حُميد) في ((مسنده)) (٢١١)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٣٤٣١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣٩٤٢ و٣٩٤٣)، و(أبو نعيم) في (مستخرجه)) (١٨٣٧ و١٨٣٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): إثبات فضل ﴿قُلٌ هُوَ اللَّهُ أَحَدُ ﴾﴾، وقد قال بعض العلماء: إنها تضاهي كلمة التوحيد؛ لما اشتَمَلَت عليه من الجمل المثبتة والنافية، مع زيادة تعليل، ومعنى النفي فيها أنه الخالق الرزاق المعبود؛ لأنه ٤٠٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها ليس فوقه من يمنعه كالوالد، ولا من يساويه في ذلك كالكفء، ولا من يعينه علی ذلك کالولد. ٢ - (ومنها): أن فيه إلقاءَ العالم المسائل على أصحابه، وإن لم يبدءوه بسؤالها؛ لأهمّيّتها، وحاجتهم إليها . ٣ - (ومنها): جواز استعمال اللفظ في غير ما يَتبادَر للفهم؛ لأن المتبادِر من إطلاق ثلث القرآن أن المراد ثلث حجمه المكتوب مثلاً، وقد ظهر أن ذلك غير مراد هنا . ٤ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ ◌َ﴿ في شدّة اهتمامه في تعليم أصحابه ما ينفعهم، وإن لم يسألوه، فهو مصداق قوله ري: ﴿لَقَدْ جَمَكُمْ رَسُوكُ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزُ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ حَرِيمُّ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ تَّحِيمٌ (٣٨)﴾ قَ﴾، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في المعنى المراد بقوله وَله: ((إنها ثلث القرآن)): (اعلم): أنهم اختلفوا في ذلك، فحمله بعضهم على ظاهره، فقال: هي ثلث باعتبار معاني القرآن؛ لأنه أحكام، وأخبار، وتوحيد، وقد اشتَمَلت هي على القسم الثالث، فكانت ثلثاً بهذا الاعتبار. ويُسْتَأنس لهذا بالحديث التالي: ((إن الله جزّأ القرآن ثلاثة أجزاء، فجعل جزءاً من أجزاء القرآن». ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُ وقال القرطبيُّ: اشتَمَلت هذه السورة على اسمين من أسماء الله تعالى، يتضمنان جميع أصناف الكمال لم يوجدا في غيرها من السُّوَر، وهما ((الأحد الصمد»؛ لأنهما يدلان على أحدية الذات المقدسة الموصوفة بجميع أوصاف الكمال. وبيان ذلك أن الأحد يُشْعِر بوجوده الخاص الذي لا يشاركه فيه غيره، والصمد يُشعر بجميع أوصاف الكمال؛ لأنه الذي انتهى إليه سؤدده، فكان مرجع الطلب منه وإليه، ولا يتم ذلك على وجه التحقيق إلا لمن حاز جميع خصال الكمال، وذلك لا يصلح إلا لله تعالى، فلَمّا اشتَمَلت هذه السورة على ٤٠٥ (٤٦) - بَابُ فَضْلِ قِرَاءَةٍ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾ - حديث رقم (١٨٨٦) معرفة الذات المقدسة، كانت بالنسبة إلى تمام المعرفة بصفات الذات، وصفات الفعلِ ثلُثَاً. انتهى. وقال غيره: تضمنت هذه السورة توجيه الاعتقاد، وصدق المعرفة، وما يجب إثباته لله تعالى من الأحدية المنافية لمطلق الشركة، والصمدية المثبتة له جميع صفات الكمال الذي لا يلحقه نقص، ونفي الولد والوالد المقرِّر لكمال المعنى، ونفي الكفء المتضمِّن لنفي الشبيه والنظير، وهذه مجامع التوحيد الاعتقاديّ، ولذلك عادلت ثلث القرآن؛ لأن القرآن خبر وإنشاء، والانشاء أمر ونهي وإباحة، والخبر خبر عن الخالق، وخبر عن خلقه، فأخلصت سورة الإخلاص الخبر عن الله، وخلَّصت قارئها من الشرك الاعتقاديّ. ومنهم من حمل المثلية على تحصيل الثواب، فقال: معنى كونها ثلث القرآن أن ثواب قراءتها يُحَصِّل للقارئ مثل ثواب من قرأ ثلث القرآن، وقيل: مثله بغیر تضعيف، وهي دعوى بغير دليل. ويُؤَيِّد الإطلاق قوله وَّهِ: ((قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن))، وقوله في حديث أبي هريرة ظُله: ((ألا إنها تعدل ثلث القرآن))، ولأبي عبيد من حديث أُبَيّ بن كعب ◌َظُله: ((من قرأ قل هو الله أحد فكأنما قرأ ثلث القرآن)). وإذا حُمِل ذلك على ظاهره، فهل ذلك لثلث من القرآن مُعَيَّن، أو لأي ثلث فُرِض منه؟ فيه نظرٌ، ويلزم على الثاني أن من قرأها ثلاثاً كان كمن قرأ ختمة كاملة. وقيل: المراد مَنْ عَمِل بما تضمنته من الإخلاص والتوحيد، كان كمن قرأ ثلث القرآن. وادَّعَى بعضهم أن قوله: (تَعْدِل ثلث القرآن)) يختص بصاحب الواقعة؛ لأنه لَمّا ردَّدها في ليلته كان كمن قرأ ثلث القرآن بغير ترديد، قال القابسيّ: ولعل الرجل الذي جرى له ذلك لم يكن يحفظ غيرها، فلذلك استقَلَّ عمله، فقال له النبيّ وَّ ذلك ترغيباً له في عمل الخير، وإن قَلّ. ولا يخفى ما في هذه الدعوى من البطلان، فتبصّر. وقال ابن عبد البرّ: من لم يتأول هذا الحديث أخلص ممن أجاب فيه بالرأي. انتهى. ٤٠٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها وقال السيوطيُّ: إنه من المتشابه الذي لا يُدرى معناه، وإياه أختار. انتھی . وقال الزرقانيُّ: السكوت في هذه المسألة وشبهها أفضل من الكلام فيها وأسلم. انتهى. وقد مال شيخ الإسلام ابن تيميّة تَظْتُ إلى ترجيح القول الأول، ودونك ما قاله : قال: الأحاديث المأثورة عن النبيّ ◌َ ﴿ في فضل: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾، وأنها تعدل ثلث القرآن من أصح الأحاديث وأشهرها، حتى قال طائفة من الحفاظ، كالدارقطنيّ: لم يصح عن النبيّ ◌َّ في فضل سورة من القرآن أكثر مما صحّ عنه في فضل ﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ ﴾﴾، وجاءت الأحاديث بالألفاظ، كقوله: ((﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ (﴾﴾ تعدل ثلث القرآن))، وقوله: ((من قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ ﴾﴾ مرةً فكأنما قرأ ثلث القرآن، ومن قرأها مرتين فكأنما قرأ ثلثي القرآن، ومن قرأها ثلاثاً فكأنما قرأ القرآن كله))، وقوله للناس: ((احتشدوا حتى أقرأ عليكم ثلث القرآن))، فحشدوا حتى قرأ عليهم ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ ﴾﴾ قال: ((والذي نفسي بيده إنها تعدل ثلث القرآن». وأما توجيه ذلك، فقد قالت طائفة من أهل العلم: ((إن القرآن باعتبار معانيه ثلاثة أثلاث: ثلث توحيد، وثلث قصص، وثلث أمر ونهي، و﴿قُلّ هُوَ اللَّهُ أَحَدُ ﴾﴾، هي صفة الرحمن ونسبه، وهي متضمنة ثلث القرآن، وذلك لأن القرآن كلام الله تعالى، والكلام إما إنشاء وإما إخبار، فالإنشاء هو الأمر والنهي، وما يتبع ذلك، كالإباحة ونحوها، وهو الأحكام، والإخبار إما إخبار عن الخالق، وإما إخبار عن المخلوق، فالإخبار عن الخالق هو التوحيد، وما يتضمنه من أسماء الله وصفاته، والإخبار عن المخلوق، هو القصص، وهو الخبر عما كان وعما يكون، ويدخل فيه الخبر عن الأنبياء وأممهم، ومن كذّبهم، والإخبار عن الجنة والنار والثواب والعقاب. قالوا: فبهذا الاعتبار ٤٠٧ (٤٦) - بَابُ فَضْلِ قِرَاءَةٍ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾ - حديث رقم (١٨٨٦) تكون ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدَّ ﴾﴾ تعدل ثلث القرآن؛ لما فيها من التوحيد الذي هو ثلث معاني القرآن. بقي أن يقال: فإذا كانت تعدل ثلث القرآن مع قلة حروفها، كان للرجل أن يكتفي بها عن سائر القرآن. فيقال في جواب ذلك: إن النبيّ وَ ﴿ قال: ((إنها تعدل ثلث القرآن))، وعَدْلُ الشيء بالفتح يقال على ما ليس من جنسه، كما قال تعالى: ﴿أَوْ عَدّلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾، فجعل الصيام عَدْل كفارة، وهما جنسان، ولا ريب أن الثواب أنواع مختلفة في الجنة، فإن كل ما يَنتفع به العبدُ ويَلتذَّ به من مأكول ومشروب ومنكوح ومشموم هو من الثواب، وأعلاه النظر إلى وجه الله تعالى، وإذا كانت أحوال الدنيا لاختلاف منافعها يُحتاج إليها كلِّها، وإن كان بعضها يَعْدِل ما هو أكبر منه في الصورة، كما أن ألف دينار تعدل من الفضة والطعام والثياب وغير ذلك ما هو أكبر منها، ثم مَن مَلَك الذهب فقد ملك ما يعدل مقدار ألف دينار من ذلك، وإن كان لا يستغني بذلك عن سائر أنواع المال التي ينتفع بها؛ لأن المساواة وقعت في القدر، لا في النوع والصفة، فكذلك ثواب ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ ﴾﴾، وإن كان يعدل ثواب ثلث القرآن في القدر، فلا يجب أن يكون مثله في النوع والصفة، وأما سائر القرآن ففيه من الأمر والنهي والوعد والوعيد ما يَحتاج إليه العبادُ، فلهذا كان الناس محتاجين لسائر القرآن ومنتفعين به منفعة لا تغني عنها هذه السورة، وإن كانت تعدل ثلث القرآن. انتهى كلام شيخ الإسلام تَخَذْهُ(١). وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ: قد ثبت عن النبيّ وٌَّ قوله: ((﴿قُلّ هُوَ اللَّهُ أَحَدُ ﴾﴾ تعدل ثلث القرآن))، ونحن نقول بما ثبت عنه، ولا نَعْدُوه، ونَكِل ما جَهِلنا من معناه إليه بَّهَ، فبه عَلِمنا ما عَلِمنا، وهو الْمُبِّين عن الله مراده، والقرآن عندنا مع هذا كله كلام الله، وصفة من صفاته، ليس بمخلوق، (١) ((مجموع الفتاوى)) ٢٠٦/١٧ - ٢٠٨. ٤٠٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها ولا ندري لِمَ تعدل ثلث القرآن، والله يتفضل بما يشاء على عباده، وقد قيل: إن ذلك الرجل مخصوص وحده بأنها تعدل ذلك له، وهذه دعوى لا برهان عليها، وقيل: إنها لما تضمنت التوحيد والاخلاص، كانت كذلك، فلو كان هذا الاعتلال، وهذا المعنى صحيحاً لكانت كل آية تضمنت هذا المعنى يحكم لها بحكمها، وهذا ما لا يُقْدِم العلماءُ عليه من القياس، وكلهم يأباه، ويقف عند ما رواه. وأخرج بسنده عن إسحاق بن منصور، قال: قلت لأحمد بن حنبل: حديث النبيّ وَّهِ: ((من قرأ ﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ ﴾﴾، فكأنما قرأ ثلث القرآن))، فلم يَقُم لي على أمر بَيِّنٍ، قال: وقال لي إسحاق ابن راهويه: إنما معنى ذلك أن الله جعل لكلامه فضلاً على سائر الكلام، ثم فَضّل بعض كلامه على بعض، فجعل لبعضه ثواباً أضعاف ما جعل لغيره من كلامه؛ تحريضاً من النبيّ بَيرِ أمته على تعليمه، وكثرة قراءته، وليس معناه أن لو قرأ القرآن كله كانت قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُ ﴾﴾ تعدل ذلك إذا قرأها ثلاث مرات، لا ولو قرأها أكثر من مائتي مرة. قال أبو عمر: من لم يُجِب في هذا أخلص ممن أجاب فيه، والله أعلم. انتھی. قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي، ويميل إليه قلبي ترجيح القول بتفويض حقيقة المعنى المراد بثلث القرآن إلى الله تعالى، كما يشير إليه كلام ابن عبد البرّ المذكور آنفاً؛ لأن هذه التوجيهات التي ذكروها، والتأويلات التي أوردها لا تطمئنّ إليها النفس، ولا ينشرح لها الصدر، فتأملها بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: أخرج الترمذيّ، والحاکم، وأبو الشیخ من حديث ابن عباس ـنّه رفعه: ((﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ تعدل نصف القرآن، و﴿اَلْكَفِرُونَ﴾ تعدل ربع القرآن))، وأخرج الترمذيّ أيضاً، وابن أبي شيبة، وأبو الشيخ من طريق سلمة بن وَرْدان، عن أنس رَُّهُ أن ((﴿اَلْكَفِرُونَ﴾ والنصر تعدل كل منهما ربع القرآن، وإذا زلزلت تعدل ربع القرآن))، زاد ابن أبي شيبة، وأبو الشيخ: ((وآية الكرسي تعدل ربع القرآن))، وهو حديث ضعيف؛ لضعف سلمة، وإن حسّنه الترمذيّ، فلعله (٤٦) - بَابُ فَضْلِ قِرَاءَةٍ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾ - حديث رقم (١٨٨٧) ٤٠٩ تساهل فيه؛ لكونه من فضائل الأعمال، وكذا صحح الحاكم حديث ابن عباس ﴿ّ، وفي سنده يمان بن المغيرة، وهو ضعيف عندهم، قاله في ((الفتح))(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٨٧] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا أَبَانُ الْعَطَّارُ، جَمِيعاً عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثِهِمَا مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ وَ قَالَ: ((إِنَّ اللهَ جَزَّأَ الْقُرْآنَ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ، فَجَعَلَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾ جُزْءاً مِنْ أَجْزَاءِ الْقُرْآنِ))). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه الحنظليّ، أبو محمد المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ مجتهدٌ إمام حجة [١٠] (ت ٢٣٨) وله (٧٢) (خ م د ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ) بن عثمان الْبُرْسانيّ، أبو عثمان البصريّ، صدوقٌ [٩] (٢٠٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦٩/٦٥. ٣ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ) مِهْران اليشكريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف، كثير التدليس واختَلَط، وكان من أثبت الناس في قتادة [٦] (٦ أو ١٥٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٦/ ١٢٧. ٤ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، تقدّم في الباب الماضي. ٥ - (عَفَّانُ) بن مسلم بن عبد الله الباهليّ، أبو عثمان الصفّار البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [١٠] (٢٢٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤٤/٦. ٦ - (أَبَانُ الْعَطَّارُ) هو: أبان بن يزيد العطّار البصريّ، أبو يزيد، ثقةٌ له أفرادٌ [٩] مات في (١٦٠) (خ م د ت س) تقدم في ((الطهارة)) ٥٤٠/١. (١) ((الفتح)) ٦٧٨/٨ (كتاب فضائل القرآن)) رقم (٥٠١٥). ٤١٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها ٧ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة، ذُكر قبله. وقوله: (جَمِيعاً عَنْ قَتَادَةَ) يعني أن كلّاً من سعيد بن أبي عروبة، وأبان العطار رويا عن قتادة. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد قتادة الماضي، وهو: عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة، عن أبي الدرداء عنْه . والحديث مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الکتاب قال: [١٨٨٨] (٨١٢) - (وَحَدَّثَنِي(١) مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، وَيَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعاً عَنْ يَحْبَى، قَالَ ابْنُ حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَّيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((احْشُدُوا، فَإِنِّي سَأَقْرَأُ عَلَيْكُمْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ))، فَحَشَدَ مَنْ حَشَدَ، ثُمَّ خَرَجَ نَبِيُّ اللهِ نَ ◌ِّ، فَقَرَأَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ ﴾﴾، ثُمَّ دَخَلَ، فَقَالَ بَعْضُنَا لِيَعْضِ: إِنِّي أُرَى هَذَا خَبَراً (٢) جَاءَهُ مِنَ السَّمَاءِ، فَذَاَكَ (٣) الَّذِي أَدْخَلَهُ، ثُمَّ خَرَجَ نَبِيُّ اللهِ نَّهِ، فَقَالَ: ((إِنِّي قُلْتُ لَكُمْ: سَأَقْرَأُ عَلَيْكُمْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ، أَلَا إِنَّهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون البغداديّ المعروف بالسمين، صدوقٌ، ربما وَهِمَ، وكان فاضلاً [١٠] (٥ أو٢٣٦) (مد) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٤/١. ٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن كثير بن زيد بن أفلح العبديّ مولاهم، أبو يوسف الدَّوْرقيّ البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (٢٥٢) وله (٨٦) سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٠٩/٢٥. ٣ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) بن فَرُّوخ التميميّ، أبو سعيد القطّان البصريّ، ثقةٌ متقنٌ حافظٌ إمامٌ قُدوةٌ، من كبار [٩] (ت١٩٨) وله (٧٨) سنةً (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٨٥. (١) وفي نسخة: ((حدّثني)). (٣) وفي نسخة: ((فذلك)). (٢) ووقع في نسخة: ((خبرٌ)) بالرفع. ٤١١ (٤٦) - بَابُ فَضْلِ قِرَاءَةٍ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾ - حديث رقم (١٨٨٨) ٤ - (يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ) اليَشْكُريّ، أبو إسماعيل، أو أبو مُنَين الكوفيّ، صدوقٌ يُخطىء [٦] (بخ م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٩/ ١٤٢. ٥ - (أَبُو حَازِم) سلمان الأشجعيّ الكوفيّ، مولى عزّة الأشجعيّة، ثقةٌ [٣] (ت١٠٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤٢/٩. ٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) رَُه تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف رَّتُهُ. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه محمد بن حاتم، فتفرّد به هو وأبو داود، ويزيد بن كيسان، فما أخرج له البخاريّ في ((الصحيح)). ٣ - (ومنها): أن شيخه يعقوب أحد التسعة الذين روى لهم الجماعة بلا واسطة. ٤ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َظ ◌َله أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((احْشُدُوا) أي اجتمعوا، فهو أمر من حشد اللازم، يقال: حَشَدتُ القوم حَشْداً، من باب نصر، وفي لغة من باب ضرب: إذا جَمَعتهم، وحَشَدُوا: أي اجتمعوا، يُستعمل لازماً، ومتعدّياً، أفاده الفيّوميُّ(١). وقال ابن الأثير تَخْذُ: معنى ((احشُدوا)): أي اجتمعوا واستحضروا الناس، والْحَشْدُ: الجماعة، واحتشد القوم لفلان: تجمّعوا له، وتأهّبوا. انتهى(٢). (فَإِنِّي) الفاء للتعليل، أي إنما أمرتكم بالحشد؛ لأني (سَأَقْرَأُ عَلَيْكُمْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ))، فَحَشَدَ مَنْ حَشَدَ) أي اجتمع من اجتمع ممن سمع هذا الأمر (ثُمَّ خَرَجَ نَبِيُّ اللّهِ وََّ﴾ أي من حجرته إلى الناس في المسجد (فَقَرَأَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾) (١) راجع: ((المصباح المنير)) ١٣٦/١. (٢) ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) ٣٨٨/١. ٤١٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها اُللَّهُ أي هذه السورة بتمامها، ففي الرواية التالية: ((فقرأ ﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ حتى ختمها)) (ثُمَّ دَخَلَ) بَّه بيته (فَقَالَ بَعْضُنَا لِيَعْضِ: إِنِّي أُرَى) الصََّمَدُ بضمّ الهمزة، وفتح الراء بمعنى أظنّ، ويجوز أيضاً فتح همزته، فهو كقول الشاعر [من الطويل]: وَكُنْتُ أَرَى زَيْداً كَمَا قِيلَ سَيِّداً إِذَ إِنَّهُ عَبْدُ الْقَفَا وَاللَّهَازِمِ قال الخضريُّ في ((حاشيته)»: قوله: ((وكنتُ أُرَى)) أي أظنّ، والغالب في استعماله بمعنى الظنّ ضمّ همزته، كما قاله يس، وقد تُفْتَحُ، ويتعدّى لمفعولين فقط، فُتِح، أو ضُمّ، والضمير المستتر فاعلٌ، لا نائبه. انتهى كلامه باختصار(١) . وهنا مفعولها الأول قوله: (هَذَا) ومفعولها الثاني قوله: (خَبَراً) بالنصب على ما في بعض النسخ، وهي النسخة التي شرح عليها الأبيّ، ووقع في معظم النسخ ((خبر)) بصورة المرفوع، وفيه إشكال، ويَحْتَمِل أن يكون منصوباً رُسِم بصورة المرفوع، على لغة ربيعة، وعادة قدماء المحدّثين، فإنهم يرسمون المنصوب المنوّن بصورتي المرفوع والمجرور، ويَقِفون عليه بالسكون، فيزول الإشكال، والله تعالى أعلم. وقوله: (جَاءَهُ مِنَ السَّمَاءِ) جملة في محلّ نصب صفة لـ((خبراً)) (فَذَاكَ) وفي نسخة: ((فذلك)) (الَّذِي أَدْخَلَهُ) يعني أن سبب دخوله البيت قبل يقرأ علينا ثلث القرآن هو وحي جاءه من السماء، وهذا قالوه ظنّاً منهم أنه سيقرأ عليهم ثلث القرآن المعروف (ثُمَّ خَرَجَ نَبِيُّ اللهِ ◌ِِّ، فَقَالَ: ((إِنِّي قُلْتُ لَكُمْ: سَأَقْرَأْ عَلَيْكُمْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ) أي وقد قرأته (أَلَا) أداة استفتاح وتنبيه (إِنَّهَا) بكسر الهمزة؛ لوقوعها بعد ((ألا)) الاستفتاحيّة (تَعْدِلُ) تقدّم أنه من باب ضرب، أي تساوي (ثُلُثَ الْقُرْآنِ))) وقد تقدّمت أقوال العلماء في المراد من الثلث هنا، ورجحت قول من قال: إنه من متشابه الحديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. (١) راجع: ((حاشية الخضريّ على شرح ابن عَقِيل على الخلاصة)) ١/ ١٩٢ في ((باب إنّ وأخواتها)). ٤١٣ (٤٦) - بَابُ فَضْلِ قِرَاءَةٍ ﴿قُلّ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾ - حديث رقم (١٨٨٩) مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رضيبه هذا من أفراد المصنّف ◌َظُّ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٨٨٨/٤٦ و١٨٨٩] (٨١٢)، و(الترمذيّ) في ((فضائل القرآن)) (٢٩٠٠)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٢٩/٢)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣٩٤٦ و٣٩٤٧ و ٣٩٤٨ و٣٩٤٩)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٨٣٩ و١٨٤٠)، و(الطحاويّ) في ((مشكل الآثار)) (٢٤٩/٣)، وبقيّة المسائل تقدّمت في حديث أبي الدرداء ◌ُبه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٨٩] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلِ، عَنْ بَشِيرٍ أَبِي إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: خَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِ وَّةِ، فَقَالَ: ((أَقْرَأُ عَلَيْكُمْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ))، فَقَرَأَ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ اُللَّهُ الصََّمَدُ ﴾﴾، حَتَّى خَتَمَهَا (١)). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى) بن هلال الأسديّ، أبو القاسم، أو أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٤) (م٤) تقدم في ((الطهارة)) ١٢ / ٥٨٧. ٢ - (ابْنُ فُضَيْلٍ) هو: محمد بن فُضيل بن غَزْوان الضبيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، صدوقٌ عارفٌ، رُمِي بالتشيع [٩] (ت١٩٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٥٨/٦٣. ٣ - (بَشِيرٌ أَبُو إِسْمَاعِيلَ) هو: بشير بن سلمان الكنديّ، أبو إسماعيل الكوفيّ، والد الحكم، ثقةٌ، يُغْرِب [٦]. رَوَى عن أبي حازم الأشجعيّ، وخيثمة بن أبي خيثمة، وسَيّار أبي الْحَكَم، وقيل: عن سيار أبي حمزة، ومجاهد، وعكرمة، وغيرهم. (١) وفي نسخة: ((حتى خَتَمَ)). ٤١٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها ورَوَى عن ابنه الحكم، والسفيانان، وابن المبارك، وابن فضيل، ووكيع، والفريابيّ، وأبو نعيم، وغيرهم. قال أحمد، وابن معين، والعجليّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وهو أحبّ إليّ من يزيد بن كيسان، وقال ابن سعد: كان شيخاً قليل الحديث، وقال البزار: حَدَّث بغير حديث، لم يشاركه فيه أحدٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات)). أخرج له البخاريّ في ((الأدب المفرد))، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا برقم (٨١٢) وحديث (١٥٧): ((لا تذهب الدنيا حتى يمرّ الرجل على قبر، فيتمرّغ عليه ... )) الحديث، وحديث (٢٩٠٨): ((لا تذهب الدنيا حتى يأتي على الناس يوم لا يدري القاتل فيم قَتَل ... )) الحديث. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (حَتَّى خَتَمَهَا) وفي نسخة: ((حتى ختم))، وشرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْلُ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٨٩٠] (٨١٣) - (حَدَّثَنَا(١) أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا عَمِّ عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، أَنَّ أَبَا الرِّجَالِ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَهُ عَنْ أُمِّهِ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَكَانَتْ فِي حِجْرِ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ بَّهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ بَعَثَ رَجُلاً عَلَى سَرِيَّةٍ، وَكَانَ يَقْرَأُ لِأَصْحَابِهِ فِي صَلَائِهِمْ، فَيَخْتِمُ بِ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾، فَلَمَّا رَجَعُوا، ذَكَرُوا(٢) ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ وَِّ، فَقَالَ: ((سَلُوهُ لِأَيِّ شَيْءٍ (١) وفي نسخة: ((حدّثني)). (٢) وفي بعض النسخ: ((ذُكِرَ ذَلِكَ)) بالبناء للمفعول. ٤١٥ (٤٦) - بَابُ فَضْلِ قِرَاءَةٍ ﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَذُّ﴾ - حديث رقم (١٨٩٠) يَصْنَعُ ذَلِكَ؟)) فَسَأَلُوهُ، فَقَالَ: لِأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللهَ يُحِبُّهُ))). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَهْبٍ) بن مسلم المصريّ، لقبه بَحْشَل، يكنى أبا عبيد الله، صدوقٌ تغير بأَخَرَةٍ [١١] (ت٢٦٤) (م) تقدم في ((المساجد)) ٠١٢٧٧/١٩ ٢ - (عمُّهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ الفقيه، ثقةٌ حافظٌ عابدُ [٩] (ت١٩٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣. ٣ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم المصريّ، أبو أيوب، ثقةٌ فقيهٌ حافظٌ [٧] مات قديماً قبل الخمسين ومائة (ع) تقدم في (الإيمان)) ١٦٩/١٦. ٤ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ) الليثيّ مولاهم، أبو العلاء المصريّ، قيل: مدني الأصل، وقال ابن يونس: بل نشأ بها، صدوقٌ ضعّفه ابن حزم، ولا سلف له فيه [٦] مات بعد (١٣٠) أو قبلها، وقيل: قبل الخمسين بسنة (ع) تقدم في ((الإيمان)» ٤٦٢/٨٧. ٥ - (أَبُو الرِّجَالِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن حارثة الأنصاريّ، أبو الرجال - بكسر الراء، وتخفيف الجيم - مشهور بهذه الكنية، وهي لقبه، وكنيته في الأصل أبو عبد الرحمن، ثقة [٥]. روى عن أمه عمرة، وأنس بن مالك، وسالم بن عبد الله وغيرهم، وعنه بنوه: حارثة، وعبد الرحمن، ومالك وغيرهم. قال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، ووثقه أبو داود والنسائي، وابن حبان، وابن معين، وقال البخاري: ثبت. أخرج له (خ م س ق)، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط. ٦ - (أَمُّهُ عَمْرَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن سعد بن زُرَارة الأنصاريّة المدنيّة، ثقةٌ [٣] ماتت قبل المائة، ويقال: بعدها (ع) تقدمت في ((شرح المقدمة)) جـ٢ ص٤١٧. ٧ - (عَائِشَةُ زَوْجُ النَّبِيِّ وََّ) ضَّا ماتت سنة (٥٧) (ع) تقدّمت في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣١٥. ٤١٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سباعيات المصنّف ◌َظُّهُ. ٢ - (ومنها): أن رجاله من رجال الجماعة، إلا شيخه، فمن أفراده، وأبا الرجال، فما أخرج له أبو داود، والترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنهم مصريون إلى سعيد، والباقون مدنيون. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أمه، وتابعي، عن تابعية. ٥ - (ومنها): أن فيه عائشة طوّا من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) من الأحاديث، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ سَعِيدٍ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، أَنَّ أَبَا الرِّجَالِ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بالنصب على البدليّة من ((أبا الرجال))، وهو لقب بصورة الكنية، لُقّب به؛ لأنه وُلد له عشرة رجال، وكنيته أبو عبد الرحمن (حَدَّثَهُ) أي حدّث سعيداً (عَنْ أُمِّهِ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) ◌َّهَا الأنصاريّة (وَكَانَتْ فِي حِجْرِ عَائِشَةَ) بفتح الحاء، وقد تكسر، وسكون الجيم، وهو في الأصل حِضْنُ الإنسان، وهو ما دون إبطه إلى الكشح، والمراد هنا أنها كانت في حضانتها، يقال: هو في حِجْره، أي گَنَفه، وحمايته، والجمع حُجُورٌ، أفاده الفيّوميّ(١)، وقوله: (زَوْجِ النَّبِيِّ ◌َُِّ) بالجرّ على البدليّة من ((عائشة)) (عَنْ عَائِشَةَ) ◌َّا (أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّ بَعَثَ رَجُلاً) لم يُعرَف اسمه، وقيل: هو كلثوم بن الْهِدْم، وفيه نظر؛ لأنهم ذكروا أنه مات في أول الهجرة قبل نزول القتال، وقيل: هو كُرز بن زهدم الأنصاريّ، وسمّاه بعضهم كلثوم بن زهدم، وأما من فسّره بأنه قتادة بن النعمان، فأبعد جدّاً، وهذا ظاهرٌ، قاله في ((المرعاة))(٢). [تنبيه]: قال في ((الفتح)) في شرح حديث أنس رَضُه: ((كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء إلخ)) ما نصّه: هو كُلْثُوم بن الْهِدْم، رواه ابن منده في ((كتاب التوحيد)) من طريق أبي صالح، عن ابن عباس، كذا أورده (١) ((المصباح المنير)) ١٢٢/١. (٢) ((المرعاة)) ٢٠٢/٧. ٤١٧ (٤٦) - بَابُ فَضْلِ قِرَاءَةٍ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾ - حديث رقم (١٨٩٠) بعضهم، و((الْهِدْمُ)) بكسر الهاء، وسكون الدال، وهو من بني عمرو بن عوف، سُكّان قباء، وعليه نزل النبيّ وَّر حين قدم في الهجرة إلى قباء. قيل: وفي تعيين المبهم به هنا نظرٌ؛ لأن في حديث عائشة رضيّا في هذه القصة أنه كان أمير سرية، وكلثوم بن الهدم مات في أوائل ما قدم النبيّ وَل المدينة فيما ذكره الطبريّ وغيره من أصحاب المغازي، وذلك قبل أن يبعث السرايا، ثم رأيت بخط بعض من تكلم على رجال ((العمدة)»: كلثوم بن زَهْدَم، وعزاه لابن منده، لكن رأيت أنا بخط الحافظ رشيد الدين العطار، في حواشي (مبهمات الخطيب)) نقلاً عن ((صفة التصوف)) لابن طاهر: أخبرنا عبد الوهاب بن أبي عبد الله بن منده، عن أبيه، فسماه كُرز بن زهدم، فالله أعلم. وعلى هذا فالذي كان يؤم في مسجد قباء غير أمير السرية، ويدلّ على تغايرهما أن في رواية الباب أنه كان يبدأ ب﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُ ﴾﴾، وأمير السرية كان يختم بها، وفي هذا أنه كان يصنع ذلك في كل ركعة، ولم يصرح بذلك في قصة الآخر، وفي هذا أن النبيّ ◌َ﴿ سأله، وأمير السرية أمر أصحابه أن يسألوه، وفي هذا أنه قال: إنه يحبها، فبَشَّره بالجنة، وأمير السرية قال: إنها صفة الرحمن، فبشره بأن الله يحبه، والجمع بين هذا التغاير كله ممكن، لولا ما تقدم من كون كلثوم بن الهدم مات قبل البعوث والسرايا. وأما من فسره بأنه قتادة بن النعمان فأبعد جدّاً، فإن في قصة قتادة أنه كان يقرؤها في الليل يرددها، ليس فيه أنه أَمَّ بها، لا في سفر ولا في حضر، ولا أنه سئل عن ذلك، ولا بُشِّرَ. انتهى(١). (عَلَى سَرِيَّةٍ) أي جعله أميراً عليها، فقوله: ((على سريّة)) متعلّق بـ(بعَثَ))، ولا يتعلّق بصفةٍ لـ((رجلاً)) كما لا يخفى، ولا بحال منه؛ لأنه بكرةٌ، وإنما لم يقل: ((في سريّة))؛ لأن ((على)) تفيد معنى الاستعلاء. و((السَّرية)»: القِطعَةُ من الجيش، وهي فَعِيلَةٌ بمعنى فاعلة، سُمّيت بذلك؛ لأنها تَسْرِي في خُفْيَة، والجمع سَرَايا، وسَرِيَّات، مثل عَطِيَّة وَعَطَايَا، وعَطِيَّات(٢). (١) ((الفتح)) ٣٠١/٢ - ٣٠٢ ((كتاب الأذان)) رقم (٧٧٤). (٢) ((المصباح)) ٢٧٥/١. ٤١٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها (وَكَانَ) ذلك الرجل (يَقْرَأُ لِأَصْحَابِهِ) أي لأنه كان إمامهم (فِي صَلَاتِهِمْ) أي التي يصليها بهم (فَيَخْتِمُ بِ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ ﴾﴾) أي يختم القراءة في الصلاة بها، يعني أنه يقرأ بعد الفاتحة ما شاء من القرآن، ثم إذا أراد أن يركع قرأ هذه السورة، وختم القراءة بها . قال ابن دقيق العيد تَظُّهُ: هذا يدلّ على أنه كان يقرأ بغيرها، ثم يقرؤها في كل ركعة، وهذا هو الظاهر. ويحتمل أن يكون المراد أنه يختم بها آخر قراءته، فيختص بالركعة الأخيرة، وعلى الأول فيؤخذ منه جواز الجمع بين سورتين في ركعة. انتهى. (فَلَمَّا رَجَعُوا) أي من غزوهم ذلك (ذَكَرُوا ذَلِكَ) وفي بعض النسخ: ((ذُكر ذلك)) بالبناء للمفعول، (لِرَسُولِ اللهِ وَ ل18) يعني أن الصحابة ذكروا له وَلّ ما كان يفعله أميرهم ذلك من ختم قراءته بهذه السورة، وهذا يدلّ على أن صنيعه ذلك لم يكن موافقاً لما أَلِفُوه من النبيّ نَّهِ (فَقَالَ) ◌َِّ ((سَلُوهُ) فعل أمر من سأل، قال الفيّوميُّ: الأمر من سأل اسأل بهمزة وصل، فإن كان معه واوٌ جاز الهمز؛ لأنه الأصل، وجاز الحذف للتخفيف، نحو اسألوا، وسَلُوا، وفيه لغة: سال يسال، من باب خاف يخاف، والأمر من هذه سَلْ، وفي المثنّى والمجموع: سَلَا، وسَلُوا على غير قياس. انتهى(١). (لِأَتِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ؟))) أي التزام ختمِ القراءة بهذه السورة (فَسَأَلُوهُ، فَقَالَ: لِأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ) الجار والمجرور متعلَّق بمحذوف، دلّ عليه السؤال، أي إنما أفعل ذلك لأنها صفة الرحمن رَبَّك . و ((الصِّفَةُ)) من الوَصْف، مثل العِدَةِ من الوَعْدِ، والجمع صِفَات، يقال: وَصَفْتُه وَصْفاً، من باب وَعَدَ: نَعَتُهُ بما فيه، ويقال: هو مأخوذ من قولهم: وَصَفَ الثوبُ الجسمَ: إذا أظهر حالَهُ، وبَيَّنَ هَيْئَته، ويقال: الصفة هي بالحال المنتقلة، والنعت بما كان في خَلْقٍ، أو خُلُق، أفاده الفيوميّ(٢). وقال في ((الفتح)): قال ابن التين: إنما قال: إنها صفة الرحمن، لأن فيها أسماءه وصفاته، وأسماؤه مشتقة من صفاته، وقال غيره: يَحْتَمِل أن يكون (١) ((المصباح المنير)) ٢٩٧/١. (٢) ((المصباح)) ١/ ٦٦١. ٤١٩ (٤٦) - بَابُ فَضْلِ قِرَاءَةٍ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾ - حديث رقم (١٨٩٠) الصحابي المذكور، قال ذلك مستنداً لشيء سمعه من النبيّ وَقو، إما بطريق النصوصية، وإما بطريق الاستنباط. وقد أخرج البيهقيُّ في ((كتاب الأسماء والصفات)) بسند حسن عن ابن عباس ظُّهَا: أن اليهود أتوا النبيّ وَّر، فقالوا: صف لنا ربك الذي تعبده، فأنزل الله وَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ [الإخلاص: ١] إلى آخرها، فقال: ((هذه صفة ربي ◌ّ)). وعن أبي بن كعب ظُبه، قال: قال المشركون للنبيّ وَلّل: انسُبْ لنا ربك، فنزلت ((سورة الإخلاص)) ... الحديث. وهو عند ابن خزيمة في ((كتاب التوحيد))، وصححه الحاكم، وفيه: أنه ليس شيء يولد إلا يموت، وليس شيء يموت إلا يورث، والله لا يموت، ولا يورث، ولم يكن له شِبْهٌ ولا عَدْلٌ، وليس كمثله شيءٍ. قال البيهقيُّ: معنى قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ليس كهو شيء، قاله أهل اللغة، قال: ونظيره قوله تعالى: ﴿فَإِنْ ءَامَنُواْ بِمِثْلِ مَآ ءَامَنتُمُ بِهِ﴾ [البقرة: ١٣٧] يريد بالذي آمنتم به، وهي قراءة ابن عباس، قال: والكاف في قوله: ((كمثله)) للتأكيد، فنفى الله عنه المثلية بآكد ما يكون من النفي، وأنشد لورقة بن نوفل في زيد بن عمرو بن نفيل من أبيات: وَدِينُكَ دِينٌّ لَيْسَ دِينٌّ كَمِثْلِهِ ثم أسند عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [الروم: ٢٧] يقول: ليس كمثله شيء، وفي قوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥] هل تعلم له شبهاً أو مثلاً؟. وقال ابن دقيق العيد كَّتُهُ: قوله: ((لأنها صفة الرحمن)): يَحْتَمِل أن يكون مراده أن فيها ذكر صفة الرحمن، كما لو ذكر وصف، فعبر عن الذكر بأنه الوصف، وإن لم يكن نفس الوصف. ويَحْتَمِل غير ذلك، إلا أنه لا يختص ذلك بهذه السورة، لكن لعل تخصيصها بذلك؛ لأنه ليس فيها إلا صفات الله مت، فاختصت بذلك دون غيرها. انتهى. (فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا) أي أقرأ هذه السورة التي هي صفة الرحمن ربك، يعني أنه لذلك يُحبّ أن يقرأ بها دائماً؛ لأن من أحبّ شيئاً أكثر من ذكره (فَ) ٤٢٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها لَمّا أخبروهِ نَّهِ بما قاله الرجل (قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِّ: ((أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللهَ يُحِبُّهُ) قال ابن دقيق العيد تَخْتُ: يَحْتَمِل أن يكون سبب محبة الله له محبته لهذه السورة، ويَحْتَمِل أن يكون لما دلّ عليه كلامه؛ لأن محبته لذكر صفات الرب دالة على صحة اعتقاده. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الأول هو الأظهر الموافق لظاهر النصّ، فتأمله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ظّا هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٨٩٠/٤٦] (٨١٣)، و(البخاريّ) في ((التوحيد)) (٧٣٧٥)، و(الترمذيّ) في ((فضائل القرآن)) (٢٩٠١)، و(النسائيّ) في ((الافتتاح)) (٩٩٣)، و((الكبرى)) (١٠٦٥)، وفي ((عمل اليوم والليلة)) (٧٠٣)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣٩٥٠)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٨٤١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل ((سورة الإخلاص))؛ حيث كانت محبتها موجبةً لمحبة الله رَك التي هي أُمْنِيّة كل قاصد، ورغبة كل راغب، اللَّهم ارزقنا حبك، وحب من ينفعنا حبه عندك، والعمل الذي يبلغنا حبك، إنك سميع قريب مجيب الدعوات. ٢ - (ومنها): بيان جواز الجمع بين سُوَر متعددة غير الفاتحة، لأنه وَلّ قرر الرجل على فعله، وبَشَّره بما بشره به. ٣ - (ومنها): بيان جواز تخصيص بعض القرآن بميل النفس إليه، والاستكثار منه، ولا يُعدّ ذلك هِجراناً لغيره من القرآن، قاله ابن المنيِّر ◌َّتُهُ. ٤ - (ومنها): ما قاله ابن الْمُنَيِّر كَذَتُهُ أيضاً في هذا الحديث أن المقاصد تُغَيِّر أحكام الفعل؛ لأن الرجل لو قال: إن الحامل له على إعادتها أنه لا يحفظ غيرها، لأمكن أن يأمره بحفظ غيرها، لكنه اعتَلّ بحبها، فظهرت صحة