النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
(٤٤) - بَابُ بَيَانِ فَضْلِ الْفَاتِحَةِ، وَخَوَاتِيم سُورَةِ الْبَقَرَةِ ... إلخ - حديث رقم (١٨٨٠)
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل بابين.
٢ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم قبل بابين أيضاً.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٤ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمد المعروف ببندار، تقدّم قبل ثلاثة أبواب أيضاً.
٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بغندر، تقدّم قبل ثلاثة أبواب أيضاً.
٦ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج، تقدّم قبل ثلاثة أبواب أيضاً، و((منصور)) ذُكر في
السند الماضي.
وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ مَنْصُورٍ) ضمير التثنية لجرير، وشعبة.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) إشارة إلى إسناد منصور الماضي، وهو: عن
إبراهيم النخعيّ، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن أبي مسعود رُه.
[تنبيه]: رواية جرير، عن منصور هذه ساقها الترمذيُّ في ((جامعه))،
فقال :
(٢٨٨١) حدّثنا أحمد بن منيع، حدّثنا جرير بن عبد الحميد، عن
منصور بن المعتمر، عن إبراهيم بن يزيد، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن أبي
مسعود الأنصاريّ، قال: قال رسول الله وَله: ((من قرأ الآيتين من آخر سورة
البقرة في ليلة كفتاه))، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. انتهى.
وأما رواية شعبة، عن منصور، فساقها أبو داود تَّتُهُ في ((سننه))، فقال:
(١٣٩٧) حدّثنا حفص بن عُمر، أخبرنا شعبة، عن منصور، عن إبراهيم،
عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: سألت أبا مسعود، وهو يطوف بالبيت، فقال:
قال رسول الله وَله: ((من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه))، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخَُّهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٨٨٠] (٨٠٨) - (وَحَدَّثَنَا (١) مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ الثَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ
(١) وفي نسخة: ((حدّثنا)).

٣٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
مُسْهِرٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ
قَيْسٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: (مَنْ قَرَأَ هَاتَيْنِ
الْأَيَتَيْنِ مِنْ آَخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ))، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: فَلَقِيتُ أَبَا
مَسْعُودٍ، وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، فَسَأَلْتُهُ، فَحَدَّثَنِي بِهِ عَنِ النَِّّ ◌ََّ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ) أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (٢٣١)
(عم فق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٧٣/٤١.
٢ - (ابْنُ مُسْهِرٍ) هو: عليّ بن مُسهر القرشيّ الكوفيّ، قاضي الموصل،
ثقةٌ [٨] (ت١٨٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/٢.
٣ - (الأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران، تقدّم قبل باب.
٤ - (عَلْقَمَةُ بْنُ قَيْسٍ) النخعيّ، تقدّم قبل بابين.
والباقون ذُكروا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٨٨١] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي(١) عَلِيُّ بْنُ خَشْرَم، أَخْبَرَنَا عِيسَى، يَعْنِي ابْنَ
يُونُسَ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبَّدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، جَمِيعاً عَنِ
الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، عَنِ
النَّبِيِّ وََّ مِثْلَهُ (٢)).
رجال هذا الإسناد: تسعة :
١ - (عَلِيُّ بْنُ خَشْرَم) المروزيّ، تقدّم قبل بابين.
٢ - (عِيسَى بْنُ يُونُسََّ) بن أبي إسحاق السَّبيعيّ، تقدّم قبل بابين أيضاً.
(١) وفي نسخة: ((حدّثنا)).
(٢) وفي نسخة: ((بمثله)).

٣٨٣
(٤٤) - بَابُ بَيَانِ فَضْلِ الْفَاتِحَةِ، وَخَوَاتِيمِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ ... إلخ - حديث رقم (١٨٨١)
٣ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ) تقدّم قبل باب.
٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ) تقدّم قريباً.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ إلخ) هكذا في
هذه الرواية أن إبراهيم رواه عن علقمة، وعبد الرحمن كليهما، وهي مخالفة
للرواية السابقة، أنه رواه عن عبد الرحمن، عن علقمة، ويُمكن الجمع بأن
إبراهيم حمله عن علقمة أيضاً بعد أن حدّثه به عبد الرحمن عنه، كما لقي
عبد الرحمن أبا مسعود ظه، فحمله عنه بعد أن حدّثه به علقمة، أفاده في
((الفتح))(١) .
وقال الإمام ابن حبّان ◌َُّ في ((صحيحه)) بعد إخراجه الحديث من طريق
شعبة، عن منصور والأعمش ما نصّه: قال أبو حاتم: سمع هذا الخبر
عبد الرحمن بن يزيد، عن علقمة، عن أبي مسعود، ثم لقي أبا مسعود في
الطواف، فسأله، فحدّثه به. انتهى(٢).
وقوله: (مِثْلَهُ) وفي نسخة: ((بمثله))، أي بمثل حديث علي بن مُسهر، عن
الأعمش السابق.
[تنبيه]: رواية عيسى بن يونس، عن الأعمش هذه ساقها النسائيّ في
((السنن الكبرى)) (١٠/٥) فقال:
(٨٠٠٥) أخبرنا عليّ بن خَشْرَم، قال: أنا عيسى، عن الأعمش، عن
إبراهيم، عن علقمة، وعبد الرحمن بن يزيد، عن أبي مسعود، قال: قال
رسول الله وسلم: ((الآيتان الأخريتان من آخر سورة البقرة، من قرأهما في ليلة
کفتاه)). انتھی.
وأما رواية عبد الله بن نُمير، عن الأعمش، فساقها أبو نعيم في
((مستخرجه)) (٤٠٤/٢) فقال:
(١٨٣١) حدّثنا أبو بكر الطلحيّ، ثنا عبيد بن غَنّام، ثنا أبو بكر بن أبي
(١) راجع: ((الفتح)) ٦٧٢/٨ ((كتاب فضائل القرآن)).
(٢) ((صحيح ابن حبّان)) ٦٠/٣.

٣٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
شيبة، ثنا عبد الله بن نُمير، عن الأعمش (ح) وثنا أبو بكر الطلحيّ، ثنا
إسحاق بن إبراهيم الأكفانيّ، ثنا أبو كريب، ثنا يحيى بن آدم، ثنا قُطبة بن
عبد العزيز، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن، وعلقمة، عن أبي
مسعود، عن النبيّ وَّل قال: ((الآيتان من آخر سورة البقرة، من قرأهما في ليلة
كفتاه)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا
ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج تَخْتُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٨٨٢] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ وَأَبُو
مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ،
عَنِ النَّبِيِّ نَِّ مِثْلَهُ(١)).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (حَفْصُ) بن غياث بن طَلْق النخعيّ، تقدّم قبل بابين.
٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير، تقدّم قبل بابين أيضاً.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (مِثْلَهُ) وفي نسخة: ((بمثله))، أي بمثل حديث الأعمش الماضي.
[تنبيه]: رواية حفص، وأبي معاوية كليهما عن الأعمش ساقها أبو
نعيم ظُّ في ((مستخرجه)) (٢/ ٤٠٤) فقال:
(١٨٣٢) حدّثنا عبد الله بن يحيى الطلحيّ، ثنا عبيد الله بن غُنام، ثنا أبو
بكر بن أبي شيبة، ثنا حفص بن غياث، وأبو معاوية، عن الأعمش، عن
إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن أبي مسعود، قال: قال رسول الله وَ لته :
((الآيتان من آخر سورة البقرة، من قرأهما في ليلة كفتاه)). انتهى، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتْ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَهِ عَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أَنِبُ﴾ .
(١) وفي نسخة: ((بمثله)).

(٤٥) - بَابُ فَضْلِ سُورَةِ الْكَهْفِ، وَآيَةِ الْكُرْسِيِّ - حديث رقم (١٨٨٣)
٣٨٥
(٤٥) - (بَابُ فَضْلِ سُورَةِ الْكَهْفِ، وَآيَةِ الْكُرْسِيِّ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَظْلَتُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٨٨٣] (٨٠٩) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَام،
حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ الْغَطَفَانِيِّ، عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِّي
طَلْحَةَ الْيَعْمَرِيِّ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ(١) قَالَ: ((مَنْ حَفِظَ عَشْرَ آيَاتٍ
مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الْكَهْف، عُصِمَ مِنَ الدَّجَّالِ(٢))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ البصريّ الزَّمِن، ثقةٌ ثبتٌ [١٠]
(ت٢٥٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢.
٢ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَام) الدستوائيّ البصريّ، سكن اليمن، صدوقٌ ربّما وَهِمَ
[٩] (ت٢٠٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٦/١٢.
٣ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد الله سَنْبَر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ
ثبتٌ، رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت١٥٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٦/١٢.
٤ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السَّدُوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ،
يُدلّس، من رؤوس [٤] (ت١١٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٠.
٥ - (سَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ الْغَطَفَانِيُّ) الأشجعيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ
يُرسل كثيراً، واسم أبي الجعد: رافع [٣] (ت٧ أو١٩٨) (ع) تقدم في
(الحیض)) ٧٢٨/٨.
٦ - (مَعْدَانُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ الْيَعْمَرِيُّ) ويقال: ابن طلحة الشاميّ، ثقةٌ [٢]
(م ٤) تقدم في ((الصلاة)) ١٠٩٨/٤٤.
(١) وفي نسخة: ((أن نبيّ الله وَّ).
(٢) وفي نسخة: ((عُصم من فتنة الدجّال)).

٣٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
٧ - (أَبُو الدَّرْدَاءِ) عُويمر بن زيد بن قيس الأنصاريّ، الصحابيّ الجليل،
وقيل: اسمه عامر، وعُويمر لقبه، مشهور بكنيته، مات ربه في آخر خلافة
عثمان رضابه، وقيل: عاش بعد ذلك (ع) تقدم في ((الصلاة)) ١٠٩٨/٤٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف رَّلُهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى معدان، فما أخرج له
البخاريّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين إلى قتادة، وسالم كوفيّ، والباقيان
شامیّان .
٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين، روى بعضهم عن بعض: قتادة،
عن سالم، عن معدان.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ) ◌َهُ (أَنَّ النَّبِيَّ وَ(١) قَالَ: ((مَنْ حَفِظَ عَشْرَ آيَاتٍ) جاء
بيان المراد من حفظها فيما أخرجه مسلم في ((كتاب الفتن))، وأبو داود في
(الملاحم)) من حديث النّوّاس بن سِمْعَان الكلابيّ نَظُه في حديث الدجال
الطويل، وفيه: ((فمن أدركه منكم، فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف))، هذا لفظ
مسلم، ولفظ أبي داود: ((فمن أدركه منكم، فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف،
فإنها جوارکم من فتنته)).
فقد أوضح في هذا الحديث أن المراد ليس حفظها فقط، بل لا بدّ من
قراءتها في وجهه، وأن من فعل ذلك يُجيره الله تعالى من فتنته، فلا يضرّه شيء
مما معه من التلبيسات والتمويهات، والدّجَل، فإن معه من ذلك ما لا يعلم
قدره إلا الله تعالى، ففي حديث النوّاس ◌ُبه المذكور عند المصنّف: ((فيأتي
على القوم فيدعوهم فيؤمنون به، ويستجيبون له، فيأمر السماءَ فتُمِطِر، والأرضَ
(١) وفي نسخة: ((أن نبيّ الله وَّ).

٣٨٧
(٤٥) - بَابُ فَضْلِ سُورَةِ الْكَهْفِ، وَآيَةِ الْكُرْسِيِّ - حديث رقم (١٨٨٣)
فتُنبت، فتروح عليهم سارحتهم أطول ما كانت ذُراً، وأسبغه ضُروعاً، وأمَدّه
خواصر، ثم يأتي القوم، فيدعوهم، فيردُّون عليه قوله، فينصرف عنهم،
فيصبحون مُمْحِلين، ليس بأيديهم شيء من أموالهم، ويَمُرّ بالْخَرِبة، فيقول لها:
أخرجي كنوزك، فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل، ثم يدعو رجلاً ممتلئاً شباباً،
فيضربه بالسيف، فيقطعه جَزْلتين رَمْيَة الغَرَض، ثم يدعوه، فيُقبل ويتهلل وجهه،
يضحك ... )) الحديث(١).
فهذه الأمور لا ينجو من الاغترار بها إلا من عصمه الله تعالى، ووفّقه
القراءة هذه الآيات، اللهم اعصمنا من شرّ فتنته، وشرّ جميع الفتن ما ظهر منها
وما بطن، إنك سميع قريب مجيب الدعوات آمين.
(مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الْكَهْف) سيأتي اختلاف الرواة، هل هي من أولها، أو
آخرها؟ وأن كونها من أولها هو الأرجح (عُصِمَ) بالبناء للمفعول، أي حُفظ،
ووُقي (مِنَ الدَّجَّالِ) أي من شرّه، وفي نسخة: ((من فتنة الدجّال)).
قال النوويُّ: قيل: سبب ذلك ما في أولها من العجائب والآيات، فمن
تدبّرها لم يفتتن بالدجّال، وكذا في آخرها قوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنْ
يَتَّخِذُواْ عِبَادِى مِن دُونِيِّ أَوْلِيَاءٌ﴾ [الكهف: ١٠٢].
وقال الطيبيُّ: ويُمكن أن يقال: إن أولئك الفتية كما عُصموا من ذلك
الجبّار، كذلك يَعصم الله تعالى القارىء من الجبّارين، قيل: ولا مانع من
الجمع، واللام فيه للعهد، وهو الذي في آخر الزمان يدّعي الألوهيّة، ويَحْتَمِل
أن يكون للجنس، فإن الدجّال من يَكْثُر منه الكذب والتلبيس، ومنه الحديث:
(يكون في آخر الزمان دجّالون ... )) الحديث رواه مسلم، أي كذّابون مموّهون.
وقال السيوطيُّ في ((حاشية أبي داود)): قال القرطبيّ: اختَلَف المتأوّلون
في سبب ذلك، فقيل: لِمَا في قصّة أصحاب الكهف من العجائب والآيات،
فمن وَقَفَ عليها لم يَستغرب أمر الدجّال، ولم يَهِلْهُ ذلك، فلم يُفتن به.
وقيل: لقوله تعالى: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِّن ◌َّكُنْهُ﴾ [الكهف: ٢] تمسّكاً
(١) ((صحيح مسلم)) ((كتاب الفتن وأشراط الساعة)) رقم (٢٩٣٧).

٣٨٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
بتخصيص البأس بالشدّة واللدنية، وهو مناسب لما يكون من الدجّال من دعوى
الإلهيّة، واستيلائه، وعِظَم فتنته، ولذلك عظّم النبيّ وَ لّ أمره، وحذّر منه،
وتعوّذ من فتنته، فيكون معنى الحديث أن من قرأ هذه الآيات وتدبّرها، ووقف
على معناها حَذِرَهُ، فأَمِنَ منه.
وقيل: إن ذلك من خصائص هذه السورة كلّها، فقد روي: ((من حفظ
سورة الكهف، ثم أدركه الدجّال لم يُسلّط عليه))، وعلى هذا يجتمع رواية من
روى من أول سورة الكهف مع رواية من روى من آخرها، ويكون ذكر العشر
على جهة الاستدراج في حفظها كلّها. انتهى كلام السيوطيُّ(١).
[تنبيه]: (اعلم): أنه وقع في رواية مسلم هنا، وأبي داود بلفظ: ((من
حَفِظَ عشر آيات))، ووقع في رواية الترمذيّ: ((من قرأ ثلاث آيات))، فقيل: وجه
الجمع بين العشر وبين الثلاث أن حديث العشر متأخّر، ومن عَمِل بالعشر، فقد
عَمِلَ بالثلاث.
وقيل: حديث الثلاث متأخّر، ومن عُصِم بالثلاث فلا حاجة إلى العشر،
قال في ((المرعاة)): وهذا أقرب إلى أحكام النسخ، قال ميرك: بمجرّد الاحتمال
لا يُحكم بالنسخ، وقال القاري: النسخ لا يدخل في الأخبار.
وقيل: حديث العشر في الحفظ، وحديث الثلاث في القراءة، فمن حَفِظَ
العشر، وقرأ الثلاث كُفي، وعُصِمَ من فتنة الدجّال.
وفيه أنه وقع في رواية النسائيّ: ((من قرأ العشر))، وهي تنافي هذا
الجمع.
وقال الشوكانيُّ: لا منافاة بين رواية الثلاث الآيات والعشر الآيات؛ لأن
الواجب العمل بالزيادة، فيقرأ عشر آيات من أولها. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: رواية ((ثلاث آيات)) شاذّةً(٢)، فلا داعي إلى
التكلّف للجمع بما ذُكر، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: اختلف الرواة أيضاً في أن العشر من أولها، أو من آخرها،
(١) راجع: ((المرعاة)) ١٩٨/٧ - ١٩٩.
(٢) راجع: ((السلسلة الضعيفة)) للشيخ الألبانيُّ كَخَذُ ٥٠٩/٢ - ٥١٠ رقم (١٣٣٦).

(٤٥) - بَابُ فَضْلِ سُورَةِ الْكَهْفِ، وَآيَةِ الْكُرْسِيِّ - حديث رقم (١٨٨٣)
٣٨٩
فقال شعبة، عن قتادة عند أحمد، والترمذيّ: ((من أول الكهف))، وكذا قال هشام
الدستوائيّ عنه عند مسلم، وهمام عنه عند أحمد، ومسلم، وأبي داود،
والنسائيّ، وسعيد بن أبي عروبة عنه عند أحمد، وقال شعبة عند أحمد، ومسلم،
وأبي داود، والنسائيّ في ((عمل اليوم والليلة)): ((من آخر الكهف))، وهكذا قال
هشام في روايته عند أبي داود، وقد تقدّم وجه الجمع في كلام السيوطيُّ الماضي.
وقال الشوكانيُّ: وأما اختلاف الروايات بين أن تكون العشر من أولها أو
من آخرها، فينبغي الجمع بينهما بقراءة العشر الأوائل والعشر الأواخر، ومن
أراد أن يحصل على الكمال، ويَتمّ له ما تضمّنته هذه الأحاديث كلّها، فليقرأ
((سورة الكهف)) كلّها يوم الجمعة، وليلة الجمعة. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي أن رواية ((من أول الكهف))
أرجح؛ لكثرة رواتها، وهم: هشام الدستوائيّ، وشعبة في رواية، وهمّام،
وسعيد بن أبي عروبة، وشيبان بن عبد الرحمن النحويّ، ولم يقل: ((من آخر
الكهف)) إلا شعبة في رواية، وتابعه هشام في رواية(١)، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
هذا من أفراد المصنّف رَُّهُ .
(المسألة الأولى): حديث أبي الدرداء
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٨٨٣/٤٥ و١٨٨٤] (٨٠٩)، و(أبو داود) في
((الملاحم)) (٤٣٢٣)، و(الترمذيّ) في ((فضائل القرآن)) (٢٨٨٦) بلفظ: ((من قرأ
ثلاث آيات من أول الكهف ... ))، و(النسائيّ) في ((اليوم والليلة)) (٩٤٩
و٩٥٠)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٩٦/٥ و٤٤٦/٦)، و(ابن حبّان) في
((صحيحه)) (٧٨٥ و٧٨٦)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٣٦٨/٢)، و(أبو عوانة)
فى ((مسنده)) (٣٩٤٠، ٣٩٤١)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٨٣٣ و١٨٣٤
و١٨٣٥)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (١٢٠٤)، والله تعالى أعلم.
(١) راجع: ((السلسلة الصحيحة)) للشيخ الألبانيُّ كُلُ ١٢١/٢ - ١٢٤ رقم (٥٨٢).

٣٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل سورة الكهف، ولا سيّما الآيات العشر منها.
٢ - (ومنها): بيان فضل حفظ العشر الآيات من سورة الكهف، وقد
أسلفت أن الأرجح أنها من أوّلها .
٣ - (ومنها): بيان عِظَم فتنة الدجّال بحيث إنه لا ينجو منها إلا من
عصمه الله تعالى.
٤ - (ومنها): بيان رأفة النبيّ وَّ بأمته، حيث إنه يخبرهم بما سيأتي من
الفتن، ولا سيّما الفتن العظام، كفتنة الدجّال، ثم يبيّن لهم طريق الوقاية والعصمة
من تلك الفتن، وهذا مصداق قوله ريك: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُوكُ مِنْ أَنفُسِكُمْ
عَزِيزُ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ حَرِيصُ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] وَّة .
[تنبيه]: ورد في فضل قراءة ((سورة الكهف)) أحاديث، فمنها: ما أخرجه
الإمام أحمد، عن سهل بن معاذ بن أنس الجهنيّ، عن أبيه، عن رسول الله وَ له
أنه قال: ((من قرأ أول سورة الكهف وآخرها كانت له نوراً من قدمه إلى رأسه،
ومن قرأها كلها كانت له نوراً ما بين السماء والأرض))(١).
وأخرج الحافظ أبو بكر ابن مردويه في)) تفسيره) بإسناد له غريب، عن
خالد بن سعيد بن أبي مريم، عن نافع، عن ابن عمر رظُعنه قال: قال
رسول الله : ((من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة، سطع له نور من تحت
قدمه إلى عَنَان السماء، يضيء له يوم القيامة، وغفر له ما بين الجمعتين))(٢).
قال الحافظ ابن كثير كَّتُهُ: وهذا الحديث في رفعه نظرٌ، وأحسن أحواله
الوقف(٣).
وهكذا رَوَى الإمام سعيد بن منصور في ((سننه)) عن هشيم بن بشير، عن
أبي هاشم، عن أبي مِجْلَز، عن قيس بن عُبَاد، عن أبي سعيد الخدريّ ◌َظُبه أنه
(١) قال الهيثميُّ في ((مجمع الزوائد» (٥٢/٧ - ٥٣): رواه أحمد والطبرانيّ، وفي إسناد
أحمد ابن لهيعة، وهو ضعيف، وقد يُحسّن حديثه. انتهى.
(٢) ضعّفه الشيخ الألبانيُّ كََّفُ راجع: ((ضعيف الترغيب والترهيب)) (٤٤٧).
(٣) ((تفسير ابن كثير)) ٣/ ١٠٢.

٣٩١
(٤٥) - بَابُ فَضْلِ سُورَةِ الْكَهْفِ، وَآيَةِ الْكُرْسِيِّ - حديث رقم (١٨٨٤)
قال: ((من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة، أضاء له من النور ما بينه وبين البيت
العتيق))(١)، هكذا وقع موقوفاً، وكذا رواه الثوريّ، عن أبي هاشم به، من
حديث أبي سعيد الخدريّ.
وقد أخرجه الحاكم في ((مستدركه)) (٢٣٦٨) عن أبي بكر محمد بن
المؤمل، حدثنا الفضيل بن محمد الشعرانيّ، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا
هشيم، حدثنا أبو هاشم، عن أبي مِجْلز، عن قيس بن عُباد، عن أبي
سعيد نظُّه، عن النبيّ وَلّ أنه قال: ((من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة،
أضاء له من النور ما بينه وبين الجمعتين))، ثم قال: هذا حديث صحيح
الإسناد، ولم يخرجاه.
ورواه الحافظ أبو بكر البيهقيّ في ((سننه)) (٣٢٤٩) عن الحاكم، ثم قال
البيهقيّ: ورواه يحيى بن كثير، عن شعبة، عن أبي هاشم، بإسناده أن النبيّ وَّة.
قال: ((من قرأ سورة الكهف كما نزلت، كانت له نوراً يوم القيامة))(٢)، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٨٨٤] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ (ح) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ
ابْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، جَمِيعاً عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، قَالَ شُعْبَةُ: ((مِنْ آخِرٍ
الْكَهْفِ))، وقَالَ هَمَّامٌ: (مِنْ أَوَّلِ الْكَهْف))، كَمَا قَالَ هِشَامٌ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) بن شدّاد، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ
ثبتٌ [١٠] (ت٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢.
(١) صححه الشيخ الألبانيُّ تَغْفُ موقوفاً ومرفوعاً، راجع: ((صحيح الترغيب والترهيب))
(٧٣٦).
(٢) صححه الشيخ الألبانيُّ كَّفُ في ((السلسلة الصحيحة)) (٢٦٥١).

٣٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) بن حسّان الْعَنْبريّ مولاهم، أبو سعيد
البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ حجةٌ إمام [٩] (ت١٩٨) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة))
جـ١ ص٣٨٨.
٣ - (هَمَّامُ) بن يحيى بن دينار الْعَوْذيّ، أبو عبد الله، أو أبو بكر
البصريّ، ثقةٌ [٧] (ت٤ أو ١٦٥) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٠.
والباقون ذُكروا في هذا الباب، والذي قبله.
وقوله: (جَمِيعاً عَنْ قَتَادَةَ) أي روى كلّ من شعبة، وهمّام عن قتادة.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد قتادة الماضي، وهو: عن سالم بن أبي
الجعد الْغَطَفانيّ، عن معدان بن أبي طلحة اليَعْمُريّ، عن أبي الدرداء
ضىعنه .
وقوله: (وَقَالَ هَمَّامٌ: ((مِنْ أَوَّلِ الْكَهْف))، كَمَا قَالَ هِشَامٌ) الظاهر أن في
كلام المصنّف نَّثهُ هذا إشارة إلى ترجيح رواية همام بلفظ ((من أول الكهف))
على رواية شعبة بلفظ ((من آخر الكهف))؛ لمتابعة هشام الدستوائيّ له، وقد سبق
البحث مستوفَّى في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[١٨٨٥] (٨١٠) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ
عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي السَّلِيلِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَبَاحِ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ
أُبَّيِّ بْنٍ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: (يَا أَبَا الْمُنْذِرِ أَتَدْرِي أَُّ أَيَّةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ
مَعَكَ أَعْظَمُ؟)) قَالَ: قُلْتُ اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ((يَا أَبَا الْمُنْذِرِ أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ
كِتَابِ اللهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟))، قَالَ: قُلْتُ: ﴿اللّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّوُمْ﴾، قَالَ:
فَضَرَبَ فِي صَدْرِي، وَقَالَ: ((وَاللهِ لِيَهْنِكَ(١) الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِرِ (٢))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى) الساميّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ [٨]
(ت١٩٨) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٥٥٧/٥.
(١) وفي نسخة: ((ليهنئك)).
(٢) وفي نسخة: ((يا أبا المنذر)).

٣٩٣
(٤٥) - بَابُ فَضْلِ سُورَةِ الْكَهْفِ، وَآيَةِ الْكُرْسِيِّ - حديث رقم (١٨٨٥)
٣ - (الْجُرَيْرِيُّ) سعيد بن إياس، أبو مسعود البصريّ، ثقةٌ اختلَطَ قبل
موته بثلاث سنين [٥] (ت١٤٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٦٦/٤٠.
٤ - (أَبُو السَّلِيلِ) - بفتح السين المهملة، وكسر اللام - ضُرَيب بن نُقَير -
بتصغير الاسمين، ونُقَير بالقاف، والراء، ويقال: نُفَير بالفاء بدل القاف،
ويقال: نُفيل بالفاء واللام - القيسيّ الْجُرَيريّ، ثقةٌ [٦].
رَوَى عن زَهْدَم الْجَرْميّ، ونُعيم بن قعنب، وعبد الله بن رَبَاح، وغُنيم بن قيس،
وأبي تَمِيمة الْهُجَيميّ، وغيرهم، وأرسل عن أبي ذرّ، وأبي هريرة، وابن عباس.
ورَوَى عنه أبو الأشهب جعفر بن حيان، وسليمان التيميّ، وسعيد
الجريريّ، وعوف الأعرابيّ، وكهمس بن الحسن، وعبد السلام بن أبي حازم،
وعثمان بن غياث، وغيرهم.
قال إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين: ثقةٌ، وقال ابن سعد: كان
ثقةً إن شاء الله، ونقل ابن خلفون توثيقه عن ابن نمير وغيره، وذكره ابن حبان
في ((الثقات)).
أخرج له المصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط،
هذا برقم (٨١٠)، وحديث (١٦٤٩): ((ما عندي ما أحملكم ... ))، وحديث
(٢٦٣٥): ((صغارهم دعاميص الجنة ... )).
٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ رَبَاحِ الأَنْصَارِيُّ) أبو خالد المدنيّ، سكن البصرة، ثقةٌ
[٣] (م٤) تقدم في ((المساجد)) ١٥٦٢/٥٧.
٦ - (أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ) بن قيس بن عُبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن
مالك بن النجار الأنصاريّ الخزرجيّ، أبو المنذر، سَيِّد القراء، ويكنى أبا
الطفيل أيضاً من فضلاء الصحابة ﴿ه، اختُلِف في سنة موته اختلافاً كثيراً،
قيل: سنة تسع عشرة، وقيل: سنة اثنتين وثلاثين، وقيل غير ذلك (ع) تقدم في
((شرح المقدمة)) جـ٢ ص٤٦٦.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رَّلهُ.

٣٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، سوى شيخه، فكوفيّ، وأُبيّ
فمدنيّ .
رضى عنه،
٣ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين، روى بعضهم عن بعض:
الْجُريريّ، عن أبي السليل، عن عبد الله بن رباح.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه به من أفاضل الصحابة ﴿ه، ذو مناقب
جمّة، فمنها: حديث الباب، ومنها: الحديث الذي سبق أنه وَ لّ قال له:
((أمرنيّ الله أن أقرأ عليك ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾))، ومنها غير ذلك، والله تعالى
أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ) رَهُ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((يَا أَبَا الْمُنْذِرِ) بصيغة
اسم الفاعل، كنية أَبيّ بن كعب ◌َُّهُ (أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ) قال الطيبيُّ: ((أيُّ))
مُعربٌ، يستفهم به، لازم للإضافة، ولك أن تُلحق به تاء التأنيث في إضافته إلى
المؤنّث، ولك أن تتركها. انتهى(١). (مِنْ كِتَابِ اللهِ مَعَكَ) أي حال كونه
مصاحباً لك، قال الطيبيُّ: وقع موقع البيان لما كان يحفظه من كتاب الله؛ لأن
((مع)) كلمة تدلّ على المصاحبة.
وأما جوابه أوّلاً بقوله: ((الله ورسوله أعلم))، وثانياً بما أتى به، فهو أن
سؤال النبيّ وَ﴿ للصحابيّ في باب العلم إما أن يكون للحثّ على الاستماع لما
يريد أن يُلقي عليه، أو للكشف عن مقدار فهمه، ومبلغ علمه، فلما راعى
الأدب بقوله: ((الله ورسوله أعلم))، ورآه لا يكتفي بذلك، وأعاد السؤال علم
أنه يريد بذلك استخراج ما عنده من مكنون العلم، فأجاب عنه.
ويَحْتَمِلُ أن يقال: إنه ما عَلِمَ الجواب أوّلاً، فأحال علمه إلى الله تعالى
وإلى رسوله وَله، فشرح الله تعالى صدره بقذف النور وأعلمه، فأجاب بما
أجاب، ألا ترى كيف هنّاه وَّل بقوله: (ليهنك العلم)). انتهى (٢).
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٦٤٣/٥.
(٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٦٤٣/٥.

٣٩٥
(٤٥) - بَابُ فَضْلِ سُورَةِ الْكَهْفِ، وَآيَةِ الْكُرْسِيِّ - حديث رقم (١٨٨٥)
وقيل: فوّض الجواب أوّلاً، وأجاب ثانياً؛ لأنه جوّز أن يكون حَدَثَ
أفضلية شيء من الآيات غير التي كان يعلمها، فلما كَرّر عليه السؤال وأعاده
بقوله: ((يا أبا المنذر أتدري أيُّ آية من كتاب الله تعالى معك أعظم؟»، ظنّ أن
مرادهِ وَ﴿ طلب الإخبار عما عنده، فأخبره بقوله: ﴿اللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ
اُلْقَیُوم﴾
(أَعْظَمُ))) قال إسحاق ابن راهويه وغيره: المعنى راجع إلى الثواب
والأجر، أي أعظم ثواباً وأجراً، وهو المختار، كذا ذكره الطيبيّ (قَالَ) أُبيّ
ضحـ
(قُلْتُ اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ) ◌َِ ((يَا أَبَا الْمُنْذِرِ أَتَدْرِي أَُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ
مَعَكَ أَعْظَمُ؟))، قَالَ) أُبِيّ رَُّه (قُلْتُ: ﴿اللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُمْ﴾) إنما
كانت آية الكرسيّ أعظم آية؛ لأنها مشتملة على أمهات المسائل الإلهيّة، فإنها
دالٌّ على أنه تعالى واحد في الالّهّة، متّصفٌ بالحياة، قائم بنفسه، مُقوِّمٌ لغيره،
منزَّةٌ عن التحيّز والحلول، مبرّأُ عن التغيّر والفتور، لا يناسب الأشباح، ولا
يعتريه ما يَعتري الأرواح، مالك الملك والملكوت، مبدع الأصول والفروع،
ذو البطش الشديد الذي لا يشفع عنده إلا من أذِنَ له، العالم وحده بالأشياء
كلّها جليّها وخفيّها، كلّها وجزئيّها، واسع الملك والقدرة، ولا يؤوده شاقّ،
ولا يشغله شأن، متعالٍ عما يُدركه وَهْم، عظيمٌ لا يُحيط به فهم (١).
(قَالَ) أُبِيّ ◌َّهُ (فَضَرَبَ) النبيّ ◌َِِّ (فِي صَدْرِي) تعدية (ضَرَبَ)) مع كونه
متعدّياً بنفسه بـ((في)) نظير قوله تعالى: ﴿وَأَصْلِحْ لِ فِ ذُرِّيَّنٌِ﴾ الآية [الأحقاف:
١٥]، أي أَوْقِع الصلاح فيهم حتى يكونوا محلاً له، كقول الشاعر:
يَجْرَحُ فِي عَرَاقِيبِهَا نَصْلِي
وفيه إشارة إلى امتلاء صدره علماً وحكمة.
وإنما ضربه وَّ في صدره؛ إشارةً إلى انشراحه، وامتلائه علماً وحكمةً،
والله تعالى أعلم.
(وَقَالَ) وَهِ: ((وَاللهِ لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ) بلفظ أمر الغائب، بفتح حرف
المضارعة، وسكون الهاء، وكسر النون، وفي بعض النسخ: ((ليهنئك)) بهمزة
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٦٤٣/٥.

٣٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
بعد النون، وهي الأصل، ولإنما حذفت تخفيفاً، أي ليكن العلمُ هَنِيئاً لك،
وهذا دعاء منه وَّ لأَّبِيّ رَضُه بتيسير العلم له، ورسوخه فيه، ويلزمه الإخبار
بكونه عالِماً، وهو المقصود(١).
وقال الطيبيُّ: ظاهره أمر للعلم بأن يكون هنيئاً له، ومعناه الدعاء،
وحقيقته إخبار على سبيل الكناية بأنه راسخ في العلم، ومجيد فيه؛ لأنه طبّق
المفصل، وأصاب الْمَحَزّ. انتهى(٢).
[تنبيه]: قال ابن الأثير تََّتُهُ: يقال: هَنَأَني الطعامُ يَهْنَؤُني، ويَهْنِثُنِي،
ويَهْنَأُنِي، وهَنَأْتُ الطعامَ: أي تهنأت به، وكلُّ أمر يأتيك من غير تَعَبٍ، فهو
هنيءٌ، وكذلك الْمَهْنَأُ، والْمُهَنَّأُ، والجمع الْمَهَانِئُ، هذا هو الأصل بالهمز، وقد
يُخَفَّف. انتهى(٣).
وقال الفيّوميُّ: هَنُؤَ الشيءُ بالضمّ مع الهمزة هَنَاءَةً بالفتح والمدّ: تيسّر
من غير مشقّة ولا عَنَاءٍ، فهو هَنِىٌ، ويجوز الإبدال، والإدغام، وهَنَأَني الولدُ
يَهْنَؤُني مهموزٌ، من بابِي نَفَعَ، وضَرَبَ، وتقول العرب في الدعاء: ((لِيَهْنِئِكَ
الولدُ)) بهمزة ساكنة، وبإبدالها ياءً، وحذفُهَا عاميّ، ومعناه: سَرَّني، فهو
هانىءٌ، وهَنَأْتُهُ هَنْئاً باللغتين: أعطيته، أو أطعمته، وهَنَأَني الطعامُ يَهْنَؤُني:
سَاغَ، ولَذّ، وأكلته هَنِيئاً مَرِيئاً: أي بلا مشقّة، ويَهْنُؤُ بضمّ المضارع في الكلّ
لغةٌ، قال بعضهم: وليس في الكلام يَفْعُلُ بالضمّ، مهموزاً مما ماضيه بالفتح
غيرُ هذا الفعل. انتهى (٤).
وقوله: (أَبَا الْمُنْذِرِ))) بحذف حرف النداء، كما قال الحريريُّ في «مُلْحته)):
وَحَذْفُ ((يَا)) يَجُوزُ فِي النِّدَاءِ كَقَوْلِهِمْ ((رَبِّ اسْتِجِبْ دُعَائِي))
وفي نسخة: (يا أبا المنذر)) بإثباتها، وقد تقدّم أنه كنية أَبِيّ ◌َرُه، ويُكنى
أيضاً أبا الظُّفَيل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
(١) ((المرقاة)) ٦٢٩/٤.
(٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٦٤٤/٥.
(٣) ((النهاية)) ٢٧٧/٥.
(٤) ((المصباح المنير)) ٢/ ٦٤٢.

٣٩٧
(٤٥) - بَابُ فَضْلِ سُورَةِ الْكَهْفِ، وَآيَةِ الْكُرْسِيِّ - حديث رقم (١٨٨٥)
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبيّ بن كعب ظُله هذا من أفراد
المصنّف تَخَذَتُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٥ /١٨٨٥] (٨١٠)، و(أبو داود) في ((الصلاة))
(١٤٦٠)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٣٧٠/٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٥/
١٤١)، و(عبد بن حُميد) في ((مسنده)) (١٧٨)، و(أبو عوانة) في ((مسنده))
(٣٩٣٧)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٨٣٦)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١/
١٩٧)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٥٦/١)، و(الحاكم) في ((مستدركه)) (٣٠٤/٣
- ٣٤٤)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٤٥٩/٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أن فيه منقبةً عظيمةً لأُبَيّ بن كعب رَله، حيث هنّأه النبيّ وَّه
بكثرة علمه .
٢ - (ومنها): أن فيه تبجيلَ العالم فُضلاء أصحابه، وتكنيتهم.
٣ - (ومنها): جواز مدح الإنسان في وجهه، إذا كان فيه مصلحة، ولم
يُخَفْ عليه إعجاب، ولا نحوه؛ لكمال نفسه، ورسوخه في التقوى.
٤ - (ومنها): ما قاله القاضي عياض تَظُّ في قوله وَلّ: ((أيُّ آية من
كتاب الله معك أعظم؟)) حجةٌ للقول بجواز تفضيل بعض القرآن على بعض،
وتفضيله على سائر كتب الله تعالى، قال: وفيه خلاف للعلماء، فمنع منه أبو
الحسن الأشعريّ، وأبو بكر الباقلانيّ، وجماعة من الفقهاء والعلماء؛ لأن
تفضيل بعضه يقتضي نقص المفضول، وليس في كلام الله نقص به، وتأوَّل
هؤلاء ما ورد من إطلاق أعظم وأفضل في بعض الآيات والسُّوَر بمعنى عظيم
وفاضل.
وأجاز ذلك إسحاق ابن راهويه وغيره من العلماء والمتكلمين، قالوا:
وهو راجع إلى عِظَم أجر قارئ ذلك، وجزيل ثوابه، والمختار جواز قول: هذه
الآيةُ أو السورةُ أعظَم أو أفضل بمعنى أن الثواب المتعلّق بها أكثر، وهو معنى
الحديث، والله أعلم.

٣٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي في المسألة التالية بحثٌ نفيسٌ في هذا
الموضوع لشيخ الإسلام ابن تيميّةُ - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): قال شيخ الإسلام ابن تيمية تَّتُهُ ما حاصله: اختَلَف
العلماء، هل يتفاضل القرآن في نفسه، فيكون بعضه أفضل من بعض؟ على
قولين :
(القول الأول): أنه لا يتفاضل في نفسه؛ لأن كلّه كلام الله، وكلام الله
صفة له، قالوا: وصفة الله لا تتفاضل، لا سيما مع القول بأنه قديم، فإن
القديم لا يتفاضل، كذلك قال هؤلاء في قوله تعالى: ﴿مَا نَسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ
نُنِهَا تَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَاً﴾ [البقرة: ١٠٦]، قالوا: فخير إنما يعود إلى غير
الآية، مثل نفع العباد وثوابهم.
و(القول الثاني): أن بعض القرآن أفضل من بعض، وهذا قول الأكثرين
من الخلف والسلف، فإن النبيّ وَّر قال في الحديث الصحيح في الفاتحة: ((إنه
لم ينزل في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا الزبور، ولا القرآن مثلها))، فنفى أن
يكون لها مثلٌ، فكيف يجوز أن يقال: إنه متماثل؟ وقد ثبت عنه في الصحيح
أنه قال لأبي بن كعب ظ له: ((يا أبا المنذر أتدري أيُّ آية في كتاب الله أعظم؟))
قال: ﴿اَللَّهُ لَآَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ﴾، فضرب بيده في صدره، وقال له:
((ليهنك العلم أبا المنذر))، فقد بيَّن أن هذه الآية أعظم آية في القرآن، وهذا بَيِّنٌ
أن بعض الآيات أعظم من بعض.
وأيضاً فإن القرآن كلام الله، والكلام يَشْرُف بالمتكلُّم به، سواء كان خبراً
أو أمراً، فالخبر يشرف بشرف المخبِر، وبشرف المخبَر عنه، والأمر يشرف
بشرف الآمر، وبشرف المأمور به، فالقرآن وإن كان كله مشتركاً، فإن الله تكلم
به، لكن منه ما أخبر الله به عن نفسه، ومنه ما أخبر به عن خلقه، ومنه ما
أمرهم به، فمنه ما أمرهم فيه بالإيمان، ونهاهم فيه عن الشرك، ومنه ما أمرهم
به بكتابة الدين، ونهاهم فيه عن الربا، ومعلوم أن ما أخبر به عن نفسه كـ ﴿قُلٌ
هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ ﴾﴾ أعظم مما أخبر به عن خلقه، كـ ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِىِ لَهَبٍ﴾،
وما أمر فيه بالإيمان، وما نهى فيه عن الشرك، أعظم مما أمر فيه بكتابة الدَّين،

(٤٥) - بَابُ فَضْلِ سُورَةِ الْكَهْفِ، وَآيَةِ الْكُرْسِيِّ - حديث رقم (١٨٨٥)
٣٩٩
ونهى فيه عن الربا، ولهذا كان كلام العبد مشتركاً بالنسبة إلى العبد، وهو كلام
لمتكلم واحد، ثم إنه يتفاضل بحسب المتكلّم فيه، فكلام العبد الذي يذكر به
ربه، ويأمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، أفضل من كلامه الذي يذكر
فيه خلقه، ويأمر فيه بمباح أو محظور، وإنما غَلِطَ من قال بالأول؛ لأنه نَظَرَ
إلى إحدى جهتي الكلام، وهي جهة المتكلِّم به، وأعرض عن الجهة الأخرى،
وهي جهة المتكلّم فيه، وكلاهما للكلام به تعلَّق، يحصل به التفاضل والتماثل.
قالوا: ومن أعاد التفاضل إلى مجرد كثرة الثواب أو قلّته، من غير أن
يكون الكلام في نفسه أفضل، كان بمنزلة مَن جَعَل عَمَلين متساويين، وثواب
أحدهما أضعاف ثواب الآخر، مع أن العملين في أنفسهما لم يختص أحدهما
بمزية، بل كدرهم ودرهم تَصَدَّق بهما رجل واحد، في وقت واحد، ومكان
واحد، على اثنين متساويين في الاستحقاق، ونيّته بهما واحدة، ولم يتميز
أحدهما على الآخر بفضيلة، فكيف يكون ثواب أحدهما أضعاف ثواب الآخر؟
بل تفاضل الثواب والعقاب دليلٌ على تفاضل الأعمال في الخير والشر.
وهذا الكلام مُتّصل بالكلام في اشتمال الأعمال على صفات، بها كانت
صالحة حسنةً، وبها كانت فاسدة قبيحة، وقد بسط هذا في غير هذا الموضع.
قال: وقول من قال: صفات الله لا تتفاضل ونحو ذلك قولٌ لا دليل
عليه، بل هو مورد النزاع، ومن الذي جعل صفته التي هي الرحمة لا تفضل
على صفته التي هي الغضب؟ وقد ثبت عن النبيّ وَّر: ((إن الله كتب في كتاب
موضوع عنده فوق العرش، إن رحمتي تغلب غضبي))، وفي رواية: ((تسبق
غضبي))، وصفة الموصوف من العلم والإرادة والقدرة والكلام والرضا والغضب
وغير ذلك من الصفات تتفاضل من وجهين:
[أحدهما]: أن بعض الصفات أفضل من بعض، وأدخل في كل
الموصوف بها، فإنا نعلم أن اتصاف العبد بالعلم والقدرة والرحمة أفضل من
اتصافه بضدّ ذلك، لكن الله تعالى لا يوصف بضدّ ذلك، ولا يوصف إلا
بصفات الكمال، وله الأسماء الحسنى، يُدْعَى بها، فلا يدعى إلا بأسمائه
الحسنى، وأسماؤه متضمنة لصفاته، وبعض أسمائه أفضل من بعض، وأدخل
في كمال الموصوف بها، ولهذا في الدعاء المأثور: ((أسألك باسمك العظيم

٤٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
الأعظم الكبير الأكبر))، و((لقد دعا الله باسمه العظيم الذي إذا دُعِي به أجاب،
وإذا سئل به أعطى))، وأمثال ذلك، فتفاضل الأسماء والصفات من الأمور
البينات.
[والثاني]: أن الصفة الواحدة قد تتفاضل، فالأمر بمأمور يكون أكمل من
الأمر بمأمور آخر، والرضا عن النبيين أعظم من الرضا عمن دونهم، والرحمة
لهم أكمل من الرحمة لغيرهم، وتكليم الله لبعض عباده أكمل من تكليمه
لبعض، وكذلك سائر هذا الباب، وكما أن أسماءه وصفاته متنوعة، فهي أيضاً
متفاضلة، كما دلّ على ذلك الكتاب والسنة والإجماع مع العقل، وإنما شُبْهة
من منع تفاضلها من جنس شبهة من منع تعددها، وذلك يرجع إلى نفي
الصفات، كما يقوله الجهمية؛ لِمَا ادَّعَوه من التركيب، وقد بيّنا فساد هذا
مبسوطاً في موضعه. انتهى كلام شيخ الإسلام كظّهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: لقد أجاد شيخ الإسلام تَّهُ في هذا البحث،
وأفاد، وخلاصته ترجيح قول من قال: إن بعض الآيات والسور تكون أفضل
من غيرها، كما هو ظواهر النصوص التي سبقت، فلا داعي إلى دعوى تأويل
قوله: ((أيّ آية من كتاب الله معك أعظم؟)) بأن معناه: أكثر ثواباً، لا أنها أعظم
من غيرها، فهذا التأويل خلاف الظاهر، فلا ينبغي الالتفات إليه، فتبصّر
بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْثُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(٤٦) - (بَابُ فَضْلِ قِرَاءَةٍ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾)
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج تَُّهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٨٨٦] (٨١١) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ، قَالَ
زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ،
(١) ((مجموع الفتاوى)) ٢٠٨/١٧ - ٢١٢.