النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١ (٤٢) - بَابُ فَضْلِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الصَّلَاةِ، وَتَعَلُّمِهِ - حديث رقم (١٨٧٣) المثل بها؛ لأنها كانت من أحبّ الأموال إليهم، وأنفس المتاجر لديهم (فِي غَيْرِ إِثْم) أي في غير ما يوجب إثماً، كسرقة، وغصب، سُمّي موجِب الإثم إثماً مجازاً (وَلَا قَطْعِ رَحِم))) أي وٍفي غير ما يوجب قطع رحم، وهو تخصيص بعد تعميم (فَقُلْنَا: يَا رَسُوَّلَ اللهِ كُلُّنَا نُحِبُّ ذَلِك) هكذا في النسخة التي شرح عليها الأبيّ بإثبات لفظة ((كلّنا))، ووقع في نسخة شرح النوويّ بحذفها، و(نحبّ)) بالنون، ووقع في ((جامع الأصول)) لابن الأثير: ((كلّنا يُحبّ ذلك)) بالياء، قاله القاري (قَالَ) ◌َّهِ ((أَفَلَا يَغْدُو) أي أيترك ذلك، فلا يغدو (أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَيَعْلَمَ) بالنصب على جواب النفي، والرفع بالعطف على ((يغدو))، وهو بفتح أوله، وسكون ثانيه، وفتح ثالثه، مضارع عَلِمَ ثلاثيّاً، ووقع في ((المصابيح)): ((فيتعلّم))، وقال الطيبيّ: صحّح في ((جامع الأصول)) بفتح الياء، وسكون العين، أي فيتعلّم آيتين (أَوْ يَقْرَأُ آيَتَيْنٍ) ((أو)) هنا للشكّ من الراوي. انتهى. وقال في ((المرعاة)): ((فَيعلم)) بالتشديد، وفي نسخة صحيحة بالتخفيف، قاله القاري، قلت: وقع في بعض النسخ من ((صحيح مسلم)): ((فيتعلّم))، وهكذا في ((المصابيح)). ((أو يقرأ)) بالرفع والنصب فيهما، قال القاري: قال ميرك: هذه الكلمة يَحْتَمِل أن تكون عَرْضاً، أو نفياً، وفيه أن الفاء مانعة من كونها للعرض، ثم قال: وقوله: ((فيعلم، أو يقرأ)) منصوبان على التقدير الأول، مرفوعان على الثاني، قلت: ويجوز نصبهما على الثاني أيضاً؛ لأنه جواب النفي. ثم قال: ((ويُعَلِّمُ)) من التعليم في أكثر نسخ ((المشكاة))، وصحّح في ((جامع الأصول)) كونه من العلم، وكلمة ((أو)) تَحْتَمِلُ الشكّ والتنويع. انتهى. وفي الشرح أنه صحّح في ((جامع الأصول)) ((فيَعْلَم)) بفتح الياء، وسكون العين، فـ(أو)) شكّ من الراوي؛ دفعاً لتوهّم كونه من التعليم، فيكون ((أو)) للتنويع، كذا ذكره الطيبيّ، وعلى التنويع قوله: (مِنْ كِتَابِ اللهِ رَّ) تنازع فيه الفعلان، وقوله: ((خير)) خبر مبتدأ محذوف: أي هما خيرٌ له، أو الغُدُوّ خير له (خَيْرٌ لَهُ مِنْ نَاقَتَيْنٍ، وَثَلَاثٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ ثَلَاثٍ) أي من الإبل (وَأَرْبَعٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَرْبَع، وَمِنْ أَعْدَادِمِنَّ) بفتح الهمزة: جمع عدد (مِنَ الْإِبِلِ))) بيان لـ((الأعداد)). فقوله: ((من أعدادهنّ)) متعلّقٌ بمحذوف تقديره: وأكثر من أربع آيات خير ٣٤٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها من أعدادهنّ من الإبل، فخمس آيات خير من خمس من الإبل، وكذلك الستّ، والسبع، إلى ما فوقُ، من الأعداد. وقيل: يَحْتَمِلُ أن يكون المعنى أن آيتين خير من ناقتين، ومن أعدادهما من الإبل، وثلاث خير له من ثلاث، ومن أعدادهنّ من الإبل، وكذا أربعٌ. والحاصل أن الآيات تُفَضَّل على أعدادهنّ من النوق، وعلى أعدادهنّ من الإبل، كذا ذكره الطيبيُّ(١). قال القاري كَّلُهُ: ويوضّحه ما قيل: إنه متعلّق بقوله: ((آيتين، وثلاث، وأربعٌ))، ومجرور ((أعدادهنّ)) عائد إلى الأعداد التي سبق ذكرها، و((من الإبل)) بدلٌ من ((أعدادهنّ)»، أو بيانٌ له، يعني: آيتان خير من عدد كثير من الإبل، وكذلك ثلاث وأربعُ آيات منه؛ لأن قراءة القرآن تنفع في الدنيا والآخرة نفعاً عظيماً، بخلاف الإبل. انتهى. والحاصل أنه وَّ لو أراد ترغيبهم في الباقيات، وتزهيدهم عن الفانيات، فذكر هذا على سبيل التمثيل والتقريب إلى الفهم، وإلا فجميع الدنيا أحقر من أن تقابل بمعرفة آية من كتاب الله تعالى، أو ثوابها من الدرجات العلى، كذا في ((المرقاة))(٢). وقال الإمام ابن حبّان تَّتُهُ في ((صحيحه)) بعد أن أخرج الحديث ما نصّه: هذا الخبر أَضْمِر فيه كلمة، وهي: لو تَصَدَّق بها، يريد بقوله: فيتعلم آيتين من كتاب الله خير من ناقتين وثلاث، لو تصدَّق بها؛ لأن فضل تعلم آيتين من كتاب الله أكبر من فضل ناقتين وثلاث، وعِدَادهن من الإبل، لو تصدق بها؛ إذ محال أن يُشَبَّهَ مَن تعلم آيتين من كتاب الله في الأجر بمن نال بعض حُطام الدنيا، فَصَحّ بما وصفتُ صحة ما ذكرتُ. انتهى (٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. (١) راجع: ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٦٣٤/٥. (٢) راجع: ((مرقاة المفاتيح)) ٦١٥/٤. (٣) ((الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان) ٣٢١/١. (٤٢) - بَابُ فَضْلِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِ الصَّلَاةِ، وَتَعَلُّمِهِ - حديث رقم (١٨٧٣) ٣٤٣ مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عقبة بن عامر له هذا من أفراد المصنّف تَخَّتُهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٨٧٣/٤٢] (٨٠٣) و(أبو داود) في ((الصلاة)) (١٤٥٦)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٥٠٣/١٠ و٥٠٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٥٤/٤)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١١٥)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٧٩٩/١٧)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣٧٧٨ و٣٧٧٩)، و(أبو نعيم) في (مستخرجه)) (١٨٢٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أن في حديثي الباب بيانَ فضل قراءة القرآن في الصلاة وغيرها . ٢ - (ومنها): بيان فضل تعلّم القرآن، وتعليمه، وأنه خير من كثير من حُطام الدنيا، بل ومن الدنيا، وجميع ما عليها . ٣ - (ومنها): الحثّ والترغيب في ثواب الآخرة الباقية مقارناً بمنافع الدنيا الفانية. ٤ - (ومنها): مشروعيّة ضرب الأمثال؛ تقريباً إلى الأفهام، وتوضيحاً للأحكام، قال القرطبيُّ: مقصود الحديث الترغيب في تعلّم القرآن وتعليمه، وخاطبهم على ما تعارفوه، فإنهم أهل إبل، وإلا فأقلّ جزء من ثواب القرآن، وتعليمه خير من الدنيا، وما فيها، وقد قال ◌َله: ((موضع سوط أحدكم في الجنّة خير من الدنيا وما عليها))، رواه البخاريّ(١). ٥ - (ومنها): الحثّ في كسب الحلال الخالي من الإثم وقطيعة الرحم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أُسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِللهِ عَلَيْهِ تَوَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ . (١) رواه البخاريّ في ((صحيحه)) رقم (٢٨٩٢). ٣٤٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها (٤٣) - (بَابُ فَضْلِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَفَضْلِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٧٤] (٨٠٤) - (حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْخُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ، وَهُوَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ، يَعْنِي ابْنَ سَلَّام، عَنْ زَيْدٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَّام، يَقُولُ: حَدَّثَنِّي أَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ، قَالَ: سَمِعَّتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((اقْرَءُوا الْقُرْآنَ، فَإِنَّهُ بَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعاً لِأَصْحَابِهِ، اقْرَءُوا الزَّهْرَاوَيْنِ: الْبَقَرَةَ، وَسُورَةَ آلٍ عِمْرَانَ، فَإِنَّهُمَا تَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانٍ، أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانٍ، أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ، مِنْ طَيْرِ صَوَافَّ، تُحَاجَّانِ(١) عَنْ أَصْحَابِهِمَا، اقْرَءُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ، فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ، وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ، وَلَا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ))، قَالَ مُعَاوِيَةُ: بَلَغَنِي أَنَّ الْبَطَلَةَ السَّحَرَةُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ) أبو عليّ الخلال، نزيل مكة، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف [١١] (ت٢٤٢) (خ م « ت ق) تقدم في ((المقدمة)) ٢٤/٤. ٢ - (أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعِ) الْحَلَبِيّ، نزيل طَرَسوس، ثقةٌ حجةٌ عابدٌ [١٠] (ت٢٤١) (خ م د س ق) تقدَّمَ في ((الحيض)) ٧/ ٧٢٢. ٣ - (مُعَاوِيَةُ بْنَ سَلَّام) بن أبي سلّام، أبو سلّام الدمشقيّ، وكان يسكن حمص، ثقةٌ [٧] في حدود (١٧٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٠٩/٤٩. ٤ - (زَيْدُ) بن سلام بن أبي سلّام الدمشقيّ، ثقةٌ [٦] (بخ م ٤) تقدم في ((الطهارة)) ١/ ٥٤٠. ٥ - (أَبُو سَلَّام) ممطور الأسود الحبشيّ، ثقةٌ يرسل [٣] (بخ م ٤) تقدم في ((الطهارة)) ١/ ٢٥٤٠ ٦ - (أَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ) صُدَيّ - بالتصغير - ابن عَجْلان بن الحارث، (١) وفي نسخة: ((يحاجّان)). ٣٤٥ (٤٣) - بَابُ فَضْلِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَفَضْلِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ - حديث رقم (١٨٧٤) ويقال: ابن وهب، ويقال: ابن عمرو بن وهب بن عَرِيب بن وهب بن رِياح بن الحارث بن مَعْن بن مالك بن أَعْصُر الباهليّ الصحابيّ مشهور بكنيته. رَوَى عن النبيِ بَ ◌َّ، وعن عمر، وعثمان، وعلي، وأبي عبيدة بن الجراح، وعبادة بن الصامت، وعمرو بن عَبَسَة، وغيرهم. ورَوَى عنه سليمان بن حبيب المحاربيّ، ومحمد بن زياد الألهانيّ، وأبو سَلّام الأسود، ومكحول الشامي، وشهر بن حوشب، والقاسم بن عبد الرب، ورجاء بن حَيْوة، وسالم بن أبي الجعد، وخالد بن معدان، وأبو غالب الراسبي، وسليم بن عامر، وجماعة. قال ابن سعد: سكن الشام، ورَوَى أبو يعلى من طريق أبي غالب، عن أبي أمامة، قال: بعثني رسول الله وَّ إلى قوم فانتهيت إليهم، وأنا طَاوٍ، وهم يأكلون الدم، فقالوا: هَلُمّ، قلت: إنما جئتُ أنهاكم عن هذا، فنمت وأنا مغلوب، فأتاني آت بإناء فيه شراب، فأخذته وشربته، فكَظَّني بطني، فشَبِعتُ ورَوِيتُ، ثم قال لهم رجل منهم: أتاكم رجل من سَرَاة قومكم، فلم تُتحفوه، فأتوني بلبن، فقلت: لا حاجة لي به، وأريتهم بطني فأسلموا عن آخرهم، ورواه البيهقي في ((الدلائل))، وزاد فيه: أنه أرسله إلى قومه باهلة. وقال ابن حبان كان مع عليّ بصِفّين، مات أبو أمامة الباهليّ سنة ست وثمانين، قال ابن الْبَرقيّ: بغير خلاف، وأثبت غيره الخلاف، فقيل: سنة إحدى، قاله محمد بن سعد، وقال عبد الصمد بن سعيد: ولما مات خَلَف ابناً يقال له: المغلس، وله - يعني صاحب الترجمة - مائة وست سنين، فقد صحّ عنه أن النبي ◌َّ مات، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، وأخرج البخاريّ في ((تاريخه)) من طريق حُميد بن ربيعة: رأيت أبا أمامة خرج من عند الوليد بن عبد الملك في ولايته سنة ست وثمانين، ومات ابنه الوليد سنة ست وتسعين، قال: وقال الحسن - يعني ابن رافع - عن ضمرة في ((فضائل الصحابة)) لخيثمة من طريق وهب بن صدقة، سمعت جدي يوسف بن حزن الباهليّ، سمعت أبا أمامة الباهليّ يقول: لما نزلت: ﴿لَّقَدْ رَضِىَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ الآية [الفتح: ١٨] قلت: يا رسول الله أنا ممن بايعك تحت الشجرة، قال: ((أنت مني وأنا منك))، وأخرج أبو يعلى من طريق رجاء بن حيوة، عن أبي أمامة: أنشأ ٣٤٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها رسول الله وَ غَزْواً، فأتيته، فقلت: ادع الله لي بالشهادة، فقال: ((اللهم سَلِّمْهم، وغّمهم ... )) الحديث(١)، وأخرج البيهقيّ من طريق سليمان بن عامر: جاء رجل إلى أبي أمامة، فقال: إني رأيت في منامي الملائكة تصلّي عليك كلما دخلت، وكلما خرجت، وكلما قمت، وكلما جلست. الحديث سنده صحيح، ذكره في ((الإصابة))(٢) . وقال في ((تهذيب التهذيب)): وقال سُلَيم بن عامر: قلت له: مثلُ مَن أنت يومئذ - يعني يوم حجة الوداع _؟ قال: أنا يومئذ ابن ثلاثين سنة، قال ابن عيينة: هو آخر من مات من الصحابة بالشام، وقال إسماعيل بن عيّاش، وأبو اليمان، وأحمد بن محمد بن عيسى، صاحب ((تاريخ حمص)): مات سنة إحدى وثمانين بحمص، وقال عمرو بن عليّ، وخليفة، وأبو عبيد، وغير واحد: مات سنة (٨٦)، زاد بعضهم: وهو ابن (٩١) سنة. قال الحافظ: لا يستقيم هذا القدر من سِنِّه مع قوله: إنه كان يوم حجة الوداع ابن ثلاثين، بل مقتضاه أن يكون جاوز المائة بست سنين، أو أكثر، وقال ابن حبان: كان مع عليّ بصِفِّين، وقال البخاريّ: قال خالد بن خَلِيّ عن محمد بن حرب، عن حميد بن ربيعة: رأيت أبا أمامة خارجاً من عند الوليد في ولايته. وقال ضمرة: مات عبد الملك سنة (٨٦)، وهذا يُقَوّي قول مَن قال: إن أبا إمامة مات سنة (٦). وفي الطبراني من طريق راشد بن سعد وغيره، عن أبي أمامة ما يدلّ على أنه شَهِدَ أَحُداً، لكن إسناده ضعيف(٣). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط(٤)، برقم (٨٠٤) و(٨٣٢) و(١٠٣٦) و(٢٠٧٤) و(٢٧٦٥)، والله تعالى أعلم. (١) رواه أحمد في ((مسنده)) ٢٠٤/٥، والطبراني في ((الكبير)) ٨٩/١٩، والبيهقيّ في ((دلائل النبوّة)) ١٨٦/٢، قال الحافظ الهيثميّ: رجال أحمد رجال الصحيح. (٢) ((الإصابة)) ٣٣٩/٣ - ٣٤٠. (٣) ((تهذيب التهذيب) ٢٠٩/٢ - ٢١٠. (٤) والذي ذكره ابن الجوزيُّ في ((المجتبى)) أن له (٢٥٠) حديثاً، أخرج البخاريّ منها خمسة، ومسلم ثلاثة، فليُحرّر. (٤٣) - بَابُ فَضْلِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَفَضْلِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ - حديث رقم (١٨٧٤) ٣٤٧ لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َّلُهُ . ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالشاميين، سوی شیخیه، فالأول حلوانيّ، نزيل مکة، والثاني طرسوسيّ، نزيل بغداد. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث، والسماع من أوله إلى آخره، غير موضع. ٤ - (ومنها): أن فيه روايةَ الراوي، عن أخيه، عن أبيهما . ٥ - (ومنها): أن صحابيّه مشهور بكنيته، وهو من أفاضل الصحابة وهذا أول محلّ ذكره، وهو آخر من مات من الصحابة ﴿ّ بالشام، ومن المعمّرين، عاش أكثر من تسعين سنة، أو جاوز المائة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ زَيْدٍ) هو ابن أبي سلّام (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَّام) أباه، وهو ممطور (يَقُولُ: حَدَّثَنِي أَبُو أُمَامَةَ) صُديّ بن عجلان (الْبَاهِلِيُّ) منَّسوب إلى قبيلة باهلة (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((اقْرَءُوا الْقُرْآنَ) أي اغتنموا قراءته، وداوموا عليه (فَإِنَّهُ) الفاء للتعليل، أي لأن القرآن (يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعاً لِأَصْحَابِهِ) أي لملازمي قراءته، وذلك بأن يتمثّل بصورة يراه الناس، كما يجعل الله تعالى لأعمال العباد صورةً ووزناً لتوضع في الميزان، والله على كلّ شيء قدير. وبالجملة فما دلّ عليه ظاهر النصّ لا ينبغي العدول عنه، فعلى المؤمن أن يقبل هذا وأمثاله، ويعتقد أنه لا دخل للعقل في مثل هذا، بل يُسلّم تسليماً، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (اقْرَءُوا الزَّهْرَاوَيْنِ) تثنية الزهراء، تأنيث الأزهر، وهو المضيء الشديد الضوء، أي السورتين المنيرتين، سُمّيتا بالزهراوين؛ لنورهما وهدايتهما، وعِظَم أجرهما لقارئهما، قال في ((القاموس)): وزَهَرَ السراج، والقمرُ، والوجه كمَنَعَ زُهُوراً: تلألأ کازدهر، والنار أضاءت، وقال أيضاً: وقد زَهُرَ، كَفَرِحَ، وكَرُمَ. انتھی(١). (١) ((القاموس المحيط)) ٤٣/٢. ٣٤٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها وقال في ((المصباح)): وزَهَرَ الشيءُ يَزْهَرُ بفتحتين: صفا لونه وأضاء، وقد يُستعمل في اللون الأبيض خاصّةً، وزَهِرَ الرجل، من باب تَعِبَ: ابَيَضَّ، فهو أزهر. انتهى(١). فكأنهما بالنسبة إلى ما عداهما من السور كنسبة القمرين إلى سائر الكواكب، ولا شكّ أن نور كلام الله أشدّ وأكثر ضياء من جميع الأنوار الكونيّة، وكلّ سورة من سُوَر القرآن زهراء؛ لما فيها من نور بيان الأحكام والمواعظ وغير ذلك من الفوائد، ولما فيها من شفاء الصدور وتنوير القلوب، وتكثير الأجر لقارئها، إلا أن النور الذي في هاتين السورتين أشدّ وأقوى، والله تعالى أعلم. وقوله: (الْبَقَرَةَ، وَسُورَةَ آلِ عِمْرَانَ) بالنصب على البدليّة، أو بتقدير ((أعني))، ويجوز رفعهما، وسُمّيتا زهراوين؛ لكثرة أنوار الأحكام الشرعيّة، والأسماء الحسنى الإلهيّة فيهما، وذكر السورة في الثانية دون الأولى إشارة إلى بيان جواز كلّ منهما (فَإِنَّهُمَا) أي السورتان، وقيل: ثوابهما الذي استحقّه التالي لهما العامل بهما، والأول هو الصواب، فإنهما يتصوّران، ويتشكّلان، ويتجسّدان على الحقيقة على ما أسلفناه (تَأْتِيَانٍ) أي تحضران (يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانٍ) بفتح الغين المعجمة، وتخفيف الميم: أي سحابتان تظلّان صاحبهما عن حرّ الموقف، وإنما سُمّي غَمَاماً؛ لأنه يَغُمّ السماء، أي يسترها (أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَابَتَانٍ) تثنية غَيَاية، بفتح الغين المعجمة، وتخفيف الياءين من تحتُ، وهي كلّ شيء أظلّ الإنسان فوق رأسه، من سحابة، أو غَبَرَة، أو غيرهما، قاله الجزريُّ. وقال المناويُّ: هي ما أظلّ الإنسان فوقه، وأراد به ما له صفاء وضوء؛ إذ الغياية ضوء شُعاع الشمس. وقال القاري كَخَّتُهُ: قيل: الغمامة ما يغُمّ الضوء، ويمحوه؛ لشدّة كثافته، والغياية ما يكون أدون من الغمامة في الكثافة، وأقرب إلى رأس صاحبه، كما يُفعل بالملوك، فيحصُل عنده الظلّ والضوء جميعاً. (١) ((المصباح المنير)) ٢٥٨/١. ٣٤٩ (٤٣) - بَابُ فَضْلِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَفَضْلِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ - حديث رقم (١٨٧٤) وقال الحفنيُّ: ((غيايتان)): أي لهما نورٌ وضياء زيادةً على حصول الاستظلال بهما فهو أبلغ مما قبله؛ لأن غايته إنهما يُظلّان كالسحابتين، وليس فيهما نور. انتهى. (أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانٍ) تثنية فِرْق - بكسر الفاء، وسكون الراء -: أي قَطِيعان، يعني طائفتان وجماعتان (مِنْ طَيْرٍ) جمع طائر (صَوَافَّ) جمع صافّة، وهي الجماعة الواقفة على الصفّ، تقول: صَفَفْتُ القومَ: إذا أقمتهم في الحرب وغيرها على خطّ مستوٍ، وَصَفّت الإبل قوائمها: أي وضعتها صفّاً، فهي صافّةٌ، وصوافُّ، وصفّ الطائر جناحيه: أي بسطهما، ولم يُحرِّكهما. والمعنى: باسطات أجنحتها متّصلاً بعضها ببعض، بحيث لا يكون بينها فرجة، والمراد أنهما يقيان قارئهما من حرّ الموقف، وكَرْب يوم القيامة، وليست ((أو)) للشكّ، ولا للتخيير في تشبيه السورتين، ولا للترديد، بل للتنويع، وتقسيم القارئين، فالأول لمن يقرؤهما، ولا يفهم المعنى، والثاني للجامع بين التلاوة ودراية المعنى، والثالث لمن ضمّ إليهما التعليم والإرشاد. وقال الطيبيُّ: ((اقرءوا الزهراوين)) الزهراء تأنيث الأزهر، وهو المضيء، ويقال للنّرين: الأزهران، مَثَّلَ حِرَاسة السورة إياه، وخلاصه ببركتهما عن حرّ الموقف، وكرب القيامة بإظلال أحد هذه الأشياء الثلاثة. و(الغمامة)): السحابة، و((الغيايةُ)): كلُّ شيء أظلّ الإنسان فوق رأسه، مثلُ السحابة وغيرها، يقال: غياي القوم فوق رأس فلان بالسيف، كأنهم أظلّوه، كذا في ((الغريبين))، و((الْفِرْقَان)): القطعتان، والْفِرْق، والفريق، والْفِرْقة: القطعة، و((الصّوَافُّ)): الباسطات أجنحتها متّصلاً بعضها ببعض، جمع صافّة. وقال البغويُّ في ((شرح السنّة)): ((أو)) في الحديث للتنويع لا لشكّ الراوي؛ لاتّساق الروايات كلّها على هذا الوجه، قالوا: الأول لمن يقرؤهما ولا يفهم معناهما، والثاني لمن وُفّق للجمع بين تلاوة اللفظ دراية المعنى، والثالث لمن ضمّ إليهما تعليم المستعدّين، وبيان حقائقهما لهم، لا جَرَمَ تتمثّل له يوم القيامة مساعیه ◌ُوراً صَوَاف یحرسونه ویُحاجّون عنه. انتهى. قال الطيبيُّ: وإذا تحقّق التفاوت في المشبّهات يلزم التفاوت في المشبّه بها، فالتظليل بالغمامة دون التظليل بالغياية، فإن الأول عامّ في كلّ أحد، ٣٥٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها والثاني مختصّ بمثل الملوك، والثالث مختصّ بمن دعا بقوله: ﴿وَهَبْ لِ مُلْكًا لَّا يَلْبَغِى لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِىٌّ﴾ الآية [ص: ٣٥]، ثم في هذا التشبيه من الغرابة أن شبّههما أوّلاً بالنّرين في الإشراق، وسطوع النور، وثانياً بالغمامة والغياية، وبما يُنبىء عما يخالف النور من الظلّ والسواد، كما في الحديث الذي يلي هذا الحديث: ((أو ظُلّتان سَوْداوان))، فآذن بهما أن تينك المظلّتين على غير ما عليه المظلّة المتعارفة في الدنيا، فإنها وإن كانت لدفع كرب الحرّ عن صاحبها ولتكرمته، لكن لم تخلُ عن نوع كدورة وشائبة نَصَب، وتلك - رزقنا الله منها - مبرّأةٌ عن ذلك؛ لكونها كالنيّرين في النور والإشراق، مسلوبتي الحرارة والكرب، وآذن بالتشبيه الثالث أنهما مع كونهما مشرقتين مشبّهتين بمظلّة نبيّ الله، ثم بولغ فيه فزيد ((تحاجّان))؛ ليُنّه به على أن ذينك الفريقين من الطير على غير ما عليه طير نبيّ الله من كونهما حامتين صاحبهما عما يسوؤه، شبّههما أوّلاً بالنّرين؛ ليُنبّه على أن مكانهما مما عداهما مكان القمرين بين سائر النجوم فيما ينشعب منهما لذوي الأبصار، ثم أوقع قوله: ((البقرة وآل عمران)) بدلاً منهما مبالغة في الكشف والبيان، كما تقول: هل أدلّك على الأكرم الأفضل فلان، وهو أبلغ في وصفه بالكرم والفضل من قولك: هل أدلّك على فلان الأكرم الأفضل؛ لأنك ثَنَّيتَ ذِكْرَهُ مجملاً أوّلاً، ومفصّلاً ثانياً، وأوقع البقرة وآل عمران تفسيراً وإيضاحاً لـ((الزهراوين))، فجعلهما عَلَمين في الإشراق والإضاءة، ثم إن هذا البيان أخرج ((الزهراوين)) من الاستعارة إلى التشبيه، كقوله تعالى: ﴿حَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ اَلْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ الآية [البقرة: ١٨٧]، وهو مع كونه تشبيهاً أبلغ من الاستعارة؛ لادّعاء أنه مفسّر مبيّن للمبهم. انتهى كلام الطيبيُّ(١). (تُحَاجَّانِ عَنْ أَصْحَابِهِمَا) وفي بعض النسخ: ((يُحاجّان)) بالياء: أي تدافع السورتان عن قارئهما الجحيم والزبانية، أو تُجادلان، وتخاصمان الربّ رَتْ، وهو كناية عن المبالغة في الشفاعة، قاله القاري. وقال التوربشتيّ: الأصل في الْمُحاجّة أن يطلُب كلّ واحد من (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٦٤١/٥ - ١٦٤٢. ٣٥١ (٤٣) - بَابُ فَضْلِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَفَضْلِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ - حديث رقم (١٨٧٤) المتخاصمين أن يردّ صاحبه عن حجّته ومَحَجّته، وأريد به ها هنا مُدافعة السورتين عن صاحبهما، والذّبّ عنه. وقال الشوكانيُّ: ((يُحاجّان)) أي يُقيمان الحجّة لصاحبهما، ويُجادلان عنه، وصاحبهما هو المستكثر من قراءتهما . وظاهر الحديث أنهما يتجسّمان حتى تكونا كأحد هذه الأشياء الثلاثة التي شبّههما بها النبيّ رَّة، ثم يُقدرهما الله تعالى على النطق بالحجة، وذلك غير مستبعد من قدرة القادر القويّ الذي يقول للشيء ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله الشوكانيُّ من كونهما يتصوّران حقيقة، هو الحقّ، وأما ما قاله النووي من أن المراد أن ثوابهما يأتي كغمامتين، ففيه نظر لا يخفى، فما الذي أدّاه إلى ترك ما دلّ عليه ظاهر النصّ؟، ومثله ما طوّل به القرطبيّ نفسه في ((المفهم)) مما لا ينبغي الالتفات إليه، فتنبّه. والحاصل أن حمل ظواهر الكتاب والسنّة على ما يقتضيه ظاهرها إذا أمكن هو الحقّ، ولا يصار إلى التأويل إلا أن يأتي دليل يصرفها عن الظاهر، كما في الحديث الذي أخرجه الشيخان عن ابن مسعود رضي به قال: لَمّا نزلت ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمَّ يَلْبِسُوْاْ إِيَمَنَهُمْ بِظُلٍْ﴾ [الأنعام: ٨٢] الآية، فقد فهم الصحابة ﴿ه من الآية عموم الظلم، وأقرّهم النبي ◌َّر على فهمهم، ولكن بيّن لهم المراد هنا بأنه الشرك، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (اقْرَءُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ) قال الطيبيُّ: هذا تخصيص بعد تخصيص، بعد تعميم، عَمّم أوّلاً بقوله: ((اقرءوا القرآن))، وعلَّق به الشفاعة، ثم خَصّ الزهراوين، وأناط بهما التخليص من كرب حرّ يوم القيامة والمحاجّة عن أصحابهما، وأفرد ثالثاً (البقرة))، وضمّ إليها المعاني الثلاثة الآتية؛ إشارةً إلى أن لكلِّ خاصّيّةً لا يَقِف عليها إلا صاحب الشرع. انتهى (١) . (فَإِنَّ أَخْذَهَا) أي المواظبة على تلاوتها، والتدبّر في معانيها، والعمل بما فيها (بَرَكَةٌ) أي زيادة ونماء، وقيل: أي منفعةٌ عظيمة (وَتَرْكَهَا) بالنصب، (١) راجع: ((الكاشف)) ١٦٤٢/٥. ٣٥٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها ويجوز الرفع (حَسْرَةٌ) أي تلَهُّفٌ وتأسّفٌ على ما فات من الثواب، وقيل: ندامة يوم القيامة (وَلَا تَسْتَطِيعُهَا) أي لا يقدر على تحصيلها (الْبَطَلَّةُ))) - بفتح الباء الموحّدة، والطاء المهملة - أي أصحاب البطالة والكسالة؛ لطولها، ولتعوّدهم الكسل (قَالَ مُعَاوِيَةٌ) بن سلّام الراوي عن زيد بن سلّام، موضّحاً معنى ((الْبَطَلَة)) (بَلَغَنِي أَنَّ الْبَطَلَةَ السَّحَرَةُ) بفتحات: جمع ساحر، ككافر وكفَرَة، كما قال في ((الخلاصة)): وَشَاعَ نَحْوُ كَامِلٍ وَكَمَلَهْ قال في ((الكاشف)): ((الْبَطَلَةُ)): السّحرة، عبّر عن السَّحَرَة بالبَطَلَة؛ لأن ما يأتون به باطلٌ، فسمّوا باسم فعلهم الباطل، وإنما لم يقدروا على حفظها، ولم يستطيعوا قراءتها؛ لزيغهم عن الحقّ، واتّباعهم للوساوس، وانهماكهم في الباطل . قال الطيبيّ: ويَحْتَمِل أن يراد بـ(البطَلَةِ)) المؤاخذون من سَحَرَة البيان، حيث تحدّى فيها بقوله: ﴿فَأَتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِثْلِهِ،﴾ الآية [البقرة: ٢٣] فأُفحموا، وعَجَزوا، وهو من قوله وَّه: ((إن من البيان لسحراً))، رواه البخاريّ. وقيل: أراد بـ((البَطَلَة)) أصحاب البطالة، أي لا يستطيع قراءة ألفاظها، وتدبّر معانيها، والعمل بأوامرها ونواهيها أصحاب البطالة والكسالة. انتهى(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي أمامة الباهليّ رُله هذا من أفراد المصنّف نَّتُهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٨٧٤/٤٣ و١٨٧٥] (٨٠٤)، و(عبد الرزّاق) في (مصنّفه)) (٥٩٩١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٤٩/٥ و٢٥٤ و٢٥٧)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (٣٩٣٣)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٨٢٥)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٧٥٤٤)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٥٦٤/١)، (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٦٤٢/٥. ٣٥٣ (٤٣) - بَابُ فَضْلِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَفَضْلِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ - حديث رقم (١٨٧٤) و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١١٦)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٩٥/٢)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (١١٩٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل قراءة القرآن، وأنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه الملازمين لتلاوته العاملين به. أخرج الإمام أحمد، والدارميّ بسند حسن، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، قال: كنت جالساً عند النبيّ وَله، فسمعته يقول: ((تعلموا سورة البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا يستطيعها البَطَلَة))، قال: ثم مكث ساعةً، ثم قال: ((تعلموا سورة البقرة، وآل عمران، فإنهما الزهراوان، يُظِلان صاحبهما يوم القيامة، كأنهما غمامتان، أو غيايتان، أو فِرْقان من طير صَوَافّ، وإن القرآن يلقى صاحبه يوم القيامة، حين ينشق عنه قبره، كالرجل الشاحب، فيقول له: هل تعرفني؟ فيقول: ما أعرفك، فيقول له: هل تعرفني؟ فيقول: ما أعرفك، فيقول: أنا صاحبك القرآن الذي أظمأتك في الهواجر، وأسهرت ليلك، وإن كلَّ تاجر من وراء تجارته، وإنك اليوم من وراء كلِّ تجارةٍ، فيُعْطَى الملك بيمينه، والخلد بشماله، ويوضع على رأسه تاج الوقار، ويُكْسَى والداه حلتين لا يقوم لهما أهل الدنيا، فيقولان: بم كسينا هذه؟ فيقال: بأخذ ولدكما القرآن، ثم يقال له: اقرأ واصعد في درجة الجنة وغرفها، فهو في صعودٍ ما دام يَقْرَأ هَذّاً كان أو ترتيلاً))(١). ٢ - (ومنها): بيان فضل سورة البقرة، وآل عمران، وبيان محاجّتهما عن أصحابهما . ٣ - (ومنها): بيان فضل قراءة سورة البقرة، وأن أخذها بركة لأصحابها، وتركة حسرة، وأن البَطَلَة لا يستطيعونها . (١) حديث حسنٌ، أخرجه أحمد في ((مسنده)) (٢٢٤٤١)، والدارميّ في ((مسنده)) (٣٢٥٧)، وفي سنده بشير بن المهاجر، وثقه ابن معين، وغيره، وتكلّم فيه بعضهم، فهو حسن الحديث، وقد صحّح الحديث الشيخ الألبانيُّ كَّقُ. انظر: ((السلسلة الصحيحة)) ٦/ ٧٩٢. ٣٥٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها ٤ - (ومنها): أن فيه جوازَ قول ((سورة البقرة))، و((سورة آل عمران))، و(سورة النساء))، و((سورة المائدة))، وشبهها، ولا كراهة في ذلك، وكرهه بعض المتقدمين، وقال: إنما يقال: السورة التي يُذْكَر فيها آل عمران، والصواب الأول، وبه قال الجمهور؛ لأن المعنى معلوم، قاله النوويُّ(١). وقال الإمام البخاريّ في ((صحيحه)): ((باب من لم يَرَ بأساً أن يقول: سورة البقرة، وسورة كذا وكذا)). قال في ((الفتح)): أشار بذلك إلى الردّ على من كَرِه ذلك، وقال: لا يقال إلا : السورة التي يُذْكَر فيها كذا. قال القاضي عياض: حديث أبي مسعود ظُه حجة في جواز قول سورة البقرة ونحوها، وقد اختُلِف في هذا، فأجازه بعضهم، وكرهه بعضهم، وقال: تقول: السورة التي تُذكر فيها البقرة. وأقوى في ذلك قول النبيّ ◌َ﴿ المذكور في هذا الحديث: ((اقرءوا الزهراوين: البقرة، وسورة آل عمران))، وقوله: ((اقرءوا سورة البقرة))، وقد جاءت فيه أحاديث كثيرة صحيحة من لفظ النبيّ ولار . قال النوويُّ في ((الأذكار)): يجوز أن يقول: ((سورة البقرة))، إلى أن قال: ((وسورة العنكبوت))، وكذلك الباقي، ولا كراهة في ذلك، وقال بعض السلف: يكره ذلك، والصواب الأول، وهو قول الجماهير، والأحاديث فيه عن رسول الله ﴿﴿ أكثر من أن تُحْصَر، وكذلك عن الصحابة، فمن بعدهم. قال الحافظ نَّتُ: وقد جاء فيما يوافق ما ذهب إليه البعض المشار إليه حديثٌ مرفوعٌ عن أنس ◌َُّه رفعه: ((لا تقولوا: سورة البقرة، ولا سورة آل عمران، ولا سورة النساء))، وكذلك القرآن كله، أخرجه أبو الحسين بن قانع في ((فوائده))، والطبرانيّ في ((الأوسط))، وفي سنده عُبيس بن ميمون العطار، وهو ضعيف، وأورده ابن الجوزيّ في ((الموضوعات))، ونَقَلَ عن أحمد أنه قال: هو حدیث منکر. قال: وقد تقدّم في ((باب تأليف القرآن)) حديثُ يزيد الفارسيّ، عن ابن (١) ((شرح مسلم)) ٦/ ٩٠. ٣٥٥ (٤٣) - بَابُ فَضْلِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَفَضْلِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ - حديث رقم (١٨٧٥) ـ أن النبيّ وَّ كان يقول: ((ضَعُوها في السورة التي يُذكر فيها كذا)). عباس قال ابن كثير في ((تفسيره)): ولا شك أن ذلك أحوط، ولكن استقرّ الإجماع على الجواز في المصاحف والتفاسير. قال: وقد تمسك بالاحتياط المذكور جماعة من المفسرين، منهم أبو محمد بن أبي حاتم، ومن المتقدمين الكلبيّ، وعبد الرزاق. ونقل القرطبيّ في ((تفسيره)) عن الحكيم الترمذيّ أن من حرمة القرآن أن لا يقال: سورة كذا، كقولك ((سورة البقرة))، و((سورة النحل))، و((سورة النساء))، وإنما يقال: السورة التي يُذكر فيها كذا. وتعقبه القرطبيّ بأن حديث أبي مسعود څه يعارضه. قال: ويمكن أن يقال: لا معارضة مع إمكان الجمع، فيكون حديث أبي مسعود ومن وافقه دالاً على الجواز، وحديث أنس إن ثبت محمول على أنه خلاف الأولى. انتهى كلام الحافظ. قال الجامع عفا الله عنه: هذا من الحافظ عجيب، فكيف يجمع بين حديث ضعيف، وبين أحاديث صحيحة أخرجها الشيخان وغيرهما؟ على أن ما دلّت عليه الأحاديث الصحيحة قال به الجماهير، وما ذهب إلى الكراهة إلا قوم شذوذ، إن هذا لهو العجب العُجاب. والحاصل أن قول ((سورة البقرة))، و(سورة آل عمران))، و((سورة النساء))، ونحو ذلك جائز بلا كراهة، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٨٧٥] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا (١) عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا (٢) يَحْيَى، يَعْنِي ابْنَ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((وَكَأَنَّهُمَا)) فِي ◌ِلَيْهِمَا، وَلَمْ بَذْكُرْ قَوْلَ مُعَاوِيَةً: بَلَغَنِي). (١) وفي نسخة: ((حدّثنا)). (٢) وفي نسخة: ((حدّثنا)). ٣٥٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها رجال هذا الإسناد: ثلاثة : ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) أبو محمد السَّمَرْقَنْديّ الحافظ، صاحب ((المسند))، ثقةٌ ثبتٌ حافظُ حجة [١١] (ت٢٥٥) وله (٧٤) سنةً (م د ت) تقدم في ((المقدمة)) ٢٩/٥. ٢ - (يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ) التِّنِّيسيّ البصريّ، نزيل تِنِّيس، ثقةٌ [٩] (ت٢٠٨) (خ م د ت س) تقدم في ((الحيض)) ٧/ ٧٢٣. و((معاوية)) بن سلّام ذُكر قبله. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ) أي بإسناد معاوية بن سلّام الماضي، وهو: عن زيد، عن أبي سلّام، عن أبي أمامة [تنبيه]: رواية يحيى بن حسّان، عن معاوية بن سلّام هذه لم أجد ما ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٨٧٦] (٨٠٥) - (حَدَّثَنَا(١) إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدٍ رَبِّهِ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُهَاجِرٍ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجُرَشِيِّ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيَّرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّوَّاسَ بْنَ سَمْعَانَ الْكِلَابِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَّهِ يَقُولُ: ((يُؤْتَى بِالْقُرْآنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَهْلِهِ الَّذِينَ كَانُوا يَعْمَلُونَ بِهِ، تَقْدُمُهُ سُورَةُ الْبَقَرَةِ، وَآلِ عِمْرَانَ))، وَضَرَبَ لَهُمَا رَسُولُ اللهِ وَِّ ثَلَاثَةَ أَمْثَالٍ، مَا نَسِيتُهُنَّ بَعْدُ، قَالَ: ((كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانٍ، أَوْ ظُلَّتَانِ سَوْدَاوَانٍ، بَيْنَهُمَا شَرْقٌ، أَوْ كَأَنَّهُمَا حِزْقَانٍ، مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ، تُحَاجَّانِ عَنْ صَاحِبِهِمَا))). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) بن بَهْرَام الْكَوْسَجُ، أبو يعقوب التميميّ المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٦/١٢. (١) وفي نسخة: ((وحدّثنا)). ٣٥٧ (٤٣) - بَابُ فَضْلِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَفَضْلِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ - حديث رقم (١٨٧٦) ٢ - (يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ رَبِّهِ) الزُّبَيدِيّ، أبو الفضل الْحِمْصيّ المؤذن الْجُرْجُسِيّ - بجيمين مضمومتين، بينهما راء ساكنة، ثم مهملة - ثقةٌ [١٠]. رَوَى عن الوليد بن مسلم، ومحمد بن حرب الْخَولانيّ، وعقبة بن علقمة البيروتيّ، وبقية بن الوليد، ووكيع، والمعافى بن عمران، وغيرهم. ورَوَى عنه أبو داود، وروى مسلم، والنسائيّ، وابن ماجه له بواسطة إسحاق بن منصور الْكَوْسَج، وعمران بن بكار الحمصيّ، ومحمد بن يحيى الذُّهْليّ، ومحمد بن عوف الطائيّ، وحدث عنه يحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وأبو حاتم الرازيّ، وأبو زرعة الدمشقيّ، وأحمد بن الحسن الترمذيّ، وعثمان الدارميّ، ومحمد بن مسلم بن وَارَةَ، وحفص بن عمر شيخه، وغيرهم. قال الأثرم: سمعت أحمد يُسأل عنه، فأثنى عليه، وقال أبو داود: سمعت أحمد يقول: لا إله إلا الله ما كان أثبته، ما كان فيهم مثله، يعني أهل حمص، وقال إبراهيم بن الجنيد: سئل ابن معين عن حيوة بن شُریح، ویزید بن عبد ربه، فقال: ثقتان، وقال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: ثقةٌ، صاحب حديث، وقال محمد بن عوف: سمعت حيوة بن شُريح يقول: أنا ويزيد بن عبد ربه مَن خالفنا عَطِبَ، وقال أبو حاتم: كان صدوقاً أيقظ من حيوة بن شُريح، وقال أبو بكر بن أبي داود: حمصيّ ثقةٌ، أوثق مَن روى عن بقية، وقال ابن أبي حاتم: كان ينزل بحمص عند كَنِيسة جُرْجُس، فنُسب إليها، وقال يعقوب بن سفيان: سمعته يقول: أنا رجل من العرب، وقد ابتُلِيت بهذه الكنيسة، أُنسَبُ إليها، ووثقه العجليّ. وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: مات سنة أربع وعشرين ومائتين، وقال يزيد بن عبد ربه: وُلدتُ سنة ثمان وستين ومائة. أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجهْ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٨٠٥)، وحديث (١٤٧١): ((مره فليُراجعها حتى تحيض حيضةً أخرى ... )). ٣ - (الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِم) القُرشيّ مولاهم، أبو العبّاس الدمشقيّ، ثقةٌ، لكنه كثير التدليس والتسوية [٨] (ت٤ أو ١٩٥) (ع) تقدم في ((الإيمان) ١٤٨/١٠. ٣٥٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ مُهَاجِرٍ) بن أبي مسلم دينار الأنصاريّ الشاميّ، أخو عمرو بن مهاجر، مولى أسماء بنت يزيد الأشهلية، ثقةٌ [٧]. رَوَى عن أخيه عمرو، وأبيه مهاجر، والوليد بن عبد الرحمن الْجُرَشيّ، والعباس بن سالم، وعُروة بن رُوَيم اللَّخْميّ، وربيعة بن يزيد، ويحيى بن يزيد الزُّهاويّ، وجماعة. ورَوَى عنه عبد الملك بن أبي عُتبة، وإسماعيل بن عياش، وابن عيينة، وعثمان بن سعيد الحمصيّ، وأبو مُسهِر عبد الأعلى، ومسكين بن بكير، ومروان بن محمد الطّاطَريّ، والوليد بن مسلم، وهشام بن سعيد الطالقاني، ويحيى بن صالح الوُحَاظِيّ، وأبو تَوْبة الربيع بن نافع الحلبيّ، وآخرون. قال أحمد، وابن معين، ودُحَيم، وأبو زرعة الدمشقيّ، وأبو داود: ثقةٌ، وقال يعقوب بن سفيان: ثقة، وأخوه عمرو ثقة، ولهما أحاديث كِبَار حِسَانٌ، وقال النسائيّ: ليس به بأسٌ، وقال العجليّ: شاميّ ثقةٌ، وأخوه عمرو شاميّ، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: كان متقناً. وقال الهيثم بن خارجة وغيره: مات سنة سبعين ومائة. أخرج له البخاريّ في ((الأدب المفرد))، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٥ - (الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجُرَشِيُّ) - بضمّ الجيم، وبالشين المعجمة - الْحِمصيّ الزّجّاج، كان على خراج الْغُوطَة أيام هشام، ثقةٌ [٤]. رَوَى عن ابن عمر، وأبي هريرة، وأبي أمامة، وُجُبير بن نُغير، والحارث بن أوس الثقفيّ، وعياض بن غُطَيف، وغيرهم. ورَوَى عنه يعلى بن عطاء، وإبراهيم بن أبي عَبْلة، وداود بن أبي هند، وبشار بن أبي سيف، وإبراهيم بن سليمان الأفطس، ومحمد بن مهاجر، وعبد الله بن العلاء بن زَبْر، وغيرهم. قال الغلابيّ، عن ابن معين: رَوَى داود بن أبي هند، عن الوليد بن عبد الرحمن الْجُرَشيّ، وهو ثقةٌ، وقال ابن خِرَاش: ثقةٌ، وكان ممن قَدِمَ على الحجاج، وقال أبو زرعة الدمشقيّ في الطبقة الثالثة: قديمٌ جَيِّد الحديث، وقال أبو حاتم، ومحمد بن عون: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات)). ٣٥٩ (٤٣) - بَابُ فَضْلِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَفَضْلِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ - حديث رقم (١٨٧٦) وقال البخاريّ: الوليد بن عبد الرحمن الْجُرَشيّ مولى لأبي سفيان الأنصاريّ، قاله أبو شعيب، وأراه الوليد بن أبي مالك، قال ابن عساكر: هذا وَهَمٌ، وكذا قوله: مولى لأبي سفيان، فإنه عربيّ. قال الحافظ: ويجوز أن يكون مولى بالْحِلْف، وإن كان عربيّ الأصل، فقد تابع البخاريَّ على ما قال أبو حاتم، ويعقوب بن سفيان، وابن حبان. أخرج ه البخاري في ((خلق أفعال العباد)»، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٦ - (جُبَيْرُ بْنُ نُفَيْرٍ) - مصغّر الاسمين - ابن مالك بن عامر الْحَضْرميّ الْحِمْصِيّ، ثقةٌ جليلٌ مخضرمٌ [٢] ولأبيه صحبة (ت٨٠) أو بعدها (بخ م ٤) تقدم في ((الطهارة)) ٥٥٩/٦. ٧ - (النَّوَّاسُ(١) بْنُ سَمْعَانَ الْكِلَابِيُّ) ويقال: الأنصاريّ الصحابيّ المشهور، قال بعضهم: هو ابن سمعان بن خالد بن عبد الله بن أبي بكر بن کلاب. رَوَى عن النبيّ وَّةِ، وعنه أبو إدريس الخولانيّ، وجُبير بن نُفير الحضرميّ. قال ابن عبد البرّ: يقال: أبوه وفد على النبيّ ◌َّير، فدعا له وتزوج أخته، فلما دخلت على النبيّ وَّي تعوّذت منه، فتركها، وهي الكلابية، وقال أبو حاتم الرازيّ، وأبو أحمد العسكريّ: إن النّاس سكن الشام. أخرج له البخاريّ في ((الأدب المفرد))، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث، هذا برقم (٨٠٥)، وحديث (٢٥٥٣): ((البرّ حسن الخلق ... ))، وأعاده بعده و(٢٩٣٧): ((ما شأنكم؟ قلنا: يا رسول الله ذكرتَ الدجّال ... )) الحديث. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف رَخْهُ. (١) بتشديد الواو، آخره سين مهملة. ٣٦٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها ٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالشاميين، غير شيخه، فمروزيّ. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم. ٤ - (ومنها): أن صحابيّه ◌ُبه من المقلّين من الرواية، فليس له في الكتب الخمسة إلا خمسة أحاديث، راجع: ((تحفة الأشراف)) (٢٩٧/٨ - ٢٩٩)، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ) بتصغير الاسمين أنه (قَالَ: سَمِعْتُ النَّوَّاسَ) بفتح النون، وتشديد الواو (ابْنَ سَمْعَانَ) قال النوويُّ: يقال: سَمْعان بكسر السين وفتحها. انتهى(١). وقال في ((القاموس)) و((شرحه)): ((وسِمْعانُ)) بكسر السين، والعامّة تفتحها(٢). (الْكِلَابِيَّ) بكسر الكاف، وتخفيف اللام: نسبة إلى قبيلة معروفة (٣). (يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ بِهِ يَقُولُ: ((يُؤْتَى بِالْقُرْآنِ))) بالبناء للمفعول، قيل: مصوّراً بثوابه، والصواب كما سبق إبقاء النصّ على ظاهره، فيأتي القرآن نفسه، وفي رواية الترمذيّ: ((يأتي القرآن)) (يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَهْلِهِ) بالجرّ عطفاً على ((القرآن)) (الَّذِينَ كَانُوا يَعْمَلُونَ بِهِ) هذا إعلام بأن من قرأ القرآن، ولم يعمل به، فلم يُحرِّم حرامه، ولم يُحلِّل حلاله، ولم يعتقد عَظَمته ليس من أهله، ولا يكون القرآن شفيعاً له يوم القيامة، بل يكون حجة عليه، كما تقدّم في حديث أبي مالك الأشعريّ ظُبه مرفوعاً: ((القرآن حجة لك أو عليك)). وأخرج الدارميّ عن أبي موسى الأشعريّ ◌َبه أنه قال: ((إن هذا القرآن كائن لكم أجراً، وكائن لكم ذكراً، وكائن بكم نوراً، وكائن عليكم وِزْراً، اتبعوا القرآن، ولا يتبعكم القرآن، فإنه من يَتَّبِعِ القرآن يَهْبِط به في رياض الجنة، ومن اتبعه القرآن يَزُجُ (٤) في قفاه، فيقذفه في جهنم)). (تَقْدُمُهُ) بضمّ الدال، يقال: قَدَمتُ القومَ قَدْماً، من باب نصر: إذا تقدّمتهم، أي تتقدّم القرآنَ، قال الطيبيُّ: الضمير في ((تقدُمهُ)) للقرآن، أي يتقدّم (١) ((شرح النوويّ)) ٦/ ٩١. (٢) ((تاج العروس)) ٣٨٧/٥. (٣) راجع: ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٢٦٩/٢. (٤) أي يدفع.