النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠١
(٣٩) - بَابُ بَيَانِ فَضْلِ الْمَاهِرِ بِالْقُرْآنِ، وَالَّذِي يَنَتَعْتَعُ فِيهِ - حديث رقم (١٨٦٢)
وقال النوويّ كَّتُهُ: الحاذق: الكاملُ الحفظِ الذي لا يَتَوَقَّف، ولا تَشُقّ
عليه القراءة بجودة حفظه، وإتقانه. انتهى.
(مَعَ السَّفَرَةِ) بفتحات: جمع سافر ككاتب وكتبة، قال في )) الخلاصة)):
وَشَاعَ نَحْوُ كَامِلٍ وَكَمَلَهْ
والسافر: الرسول، والسَّفَرَةُ: الرُّسُلُ؛ لأنهم يَسْفِرُون إلى الناس
برسالات الله، وقيل: السَّفَرةُ: الكتبة، قاله النوويُّ كَُّهُ.
وفعله من باب ضَرَبَ، يقال: سَفَرْتُ بين القومِ سِفَارَةً بالكسر: إذا
أصلحت بينهم.
وقال البخاريُّ كَُّهُ في «صحيحه)) في تفسير قوله تعالى: ﴿بِأَيْدِى سَفَرَةٍ﴾
[عبس: ١٥] الآية، ما حاصله: السَفَرةُ هم: الملائكة، واحدهم سافر، سَفَرْتُ:
أصلحت بينهم، وجُعِلت الملائكة إذا نزلت بوحي الله وتأديته، كالسفير الذي
يُضْلِح بین القوم. انتهى.
قال في ((الفتح)): هو قول الفراء بلفظه، وزاد: قال الشاعر [من الوافر]:
وَمَا أَمْشِي بِغَشِّ إِنْ مَشَيْتُ
وَمَا أَدَعُ السِّفَارَةَ بَيْنَ قَوْمِي
وقد تمسك به من قال: إن جميع الملائكة رسل الله، وللعلماء في ذلك
قولان، الصحيح أن فيهم الرسل وغير الرسل، وقد ثبت أن منهم الساجد فلا
يقوم، والراكع فلا يعتدل ... الحديث.
واحتج الأول بقوله تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَئِكَةِ رُسُلًا﴾ الآية [فاطر: ١].
وأجيب بقول الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ الْمَلَتِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ
النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥]. انتهى(١).
وقال القرطبيّ تَخْتُهُ: ((السَّفَرَةُ)): جمع سافر، وهم ملائكة الوحي، سُمُّوا
بذلك؛ لأنهم يسفرون بين الله وبين خلقه، وقيل: هم الملائكة، والكاتب
يُسمَّى سافراً، ومنه أسفار الكاتب، وعلى هذا فيكون وجهُ كونهم مع الملائكة
أن حَمَلَة القرآن يُبلِّغون كلام الله تعالى إلى خلقه، فهم سُفَراءُ بين رُسُل الله وبين
خلقه، فهم معهم؛ أي: في مرتبتهم في هذه العبادة، ويستفيد من هذا حملة
(١) ((الفتح)) ٥٦١/٨.

٣٠٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
القرآن: التجوّز في التبليغ والتعليم والاجتهاد في تحصيل الصدق، وإخلاص
النّة لله تعالى حتى تصحّ لهم المناسبة بينهم وبين الملائكة. انتهى(١).
وقال القاضي عياض تَُّهُ: يَحْتَمِلُ أن يكون معنى كونه مع الملائكة أن
له في الآخرة منازلَ، يكون فيها رفيقاً للملائكة السَّفَرَة؛ لاتصافه بصفتهم، من
حمل كتاب الله تعالى، قال: ويَحْتَمِلُ أن يراد أنه عامِلٌ بعملهم، وسالِكٌ
مسلکھم. انتهى.
(الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ) بفتحات: جمع بارّ، وهم: المطيعون من الْبِرِّ، وهو
الطاعة .
(وَالَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَيَتَتَعْتَعُ فِيهِ) أي: يتردّد في تلاوته؛ لضعف حفظه،
والتعتعة في الكلام: هو الْعِيّ، وقوله: (وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقَّ) جملة اسميّة في محلّ
نصب على الحال من الفاعل؛ أي: والحال أن القرآن شاقّ وصَعْبٌ على
القارىء (لَهُ أَجْرَانٍ))) أجر بالقراءة، وأجر بتتعتعه في تلاوته ومشقته، وقال
القرطبيُّ تَخْتُ: إنما كان له أجران، من حيث التلاوة، ومن حيث المشقّة،
ودرجات الماهر فوق ذلك كلّه؛ لأنه قد كان القرآن متعتعاً عليه، ثم تَرَقَّى عن
ذلك إلى أن تشبّه بالملائكة، والله تعالى أعلم. انتهى (٢).
وقال النوويّ: قال القاضي عياض وغيره من العلماء: ليس معناه أن
الذي يتتعتع عليه له من الأجر أكثر من الماهر به، بل الماهر أفضل وأكثر
أجراً؛ لأنه مع السَّفَرَة، وله أجور كثيرة، ولم تُذْكَر هذه المنزلة لغيره، وكيف
يُلْحَق به من لم يَعْتَنِ بكتاب الله تعالى، وحفظه، وإتقانه، وكثرة تلاوته،
وروايته كاعتنائه حتى مَهَرَ فيه؟ والله أعلم. انتهى.
[تنبيه]: وقع هذا الحديث عند البخاريّ بلفظ: ((مثل الذي يقرأ القرآن،
وهو حافظ له مع السَّفَرَة الكرام البررة، ومثل الذي يقرأ، وهو يتعاهده، وهو
علیه شدید، فله أجران)). انتهى.
قال في ((الفتح)): قوله: ((مَثَلُ)) - بفتحتين - أي: صفته، وهو كقوله
تعالى: ﴿مَّثَلُ اُلْجَنَّةِ﴾ [الرعد: ٣٥].
(١) ((المفهم)) ٤٢٥/٢.
(٢) ((المفهم)) ٤٢٥/٢.

٣٠٣
(٣٩) - بَابُ بَيَانِ فَضْلِ الْمَاهِرِ بِالْقُرْآنِ، وَالَّذِي يَتَتَعْتَعُ فِيهِ - حديث رقم (١٨٦٢)
وقوله: وهو حافظ له مع السَّفَرة الكرام البررة، قال ابن التين: معناه:
كأنه مع السَّفَرَة فيما يستحقه من الثواب.
قال الحافظ: أراد بذلك تصحيح التركيب، وإلا فظاهره أنه لا ربط بين
المبتدأ الذي هو (مَثَلُ)) والخبر الذي هو («مع السفرة))، فكأنه قال: المثل
بمعنى الشبيه، فيصير كأنه قال: شبيه الذي يحفظ كائن مع السفرة،
فكيف به؟.
وقال الخطابيّ: كأنه قال: صفته، وهو حافظ له، كأنه مع السفرة،
وصفته وهو عليه شديد أن يستحق أجرين.
وقوله: ((ومثل الذي يقرأ القرآن، وهو يتعاهده، وهو عليه شديد، فله
أجران))، قال ابن التين: اختُلِف هل له ضعف أجر الذي يقرأ القرآن حافظاً،
أو يضاعف له أجره، وأجر الأول أعظم؟ قال: وهذا أظهر، ولمن رجّح الأول
أن يقول: الأجر على قدر المشقة. انتهى(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ◌َّا هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٨٦٢/٣٩ و١٨٦٣] (٧٩٨)، و(البخاريّ) في
((التفسير)) (٤٩٣٧)، و(أبو داود) في (١٤٥٤)، و(الترمذيّ) في (٢٩٠٤)،
و(النسائيّ) في ((فضائل القرآن)) (٧٠ و٧١ و٧٢)، و(ابن ماجه) في ((الأدب))
(٣٧٧٩)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٤٩٠/١٠)، و(أحمد) في ((مسنده))
(٤٨/٦ و٩٤ و٩٨ و١١٠ و١٧٠ و١٩٢ و٢٣٩)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢/
٤٤٤)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣٨٠٠ و٣٨٠١ و٣٨٠٢ و٣٨٠٣ و٣٨٠٥
و٣٨٠٦ و٣٨٠٧ و ٣٨٠٨ و٣٨٠٩)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٨١٤
(١) ((الفتح)) ٨/ ٥٦٢.

٣٠٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
و١٨١٥ و١٨١٦)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٩٥/٢)، و(البغويّ) في ((شرح
السنّة)) (١١٧٣ و١١٧٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): الحثّ على حفظ القرآن، وإتقانه، وبيان علوّ منزلة من فعل
ذلك.
٢ - (ومنها): بيان فضل الماهر بالقرآن.
٣ - (ومنها): بيان مضاعفة أجر من يتتعتع بالقرآن بسبب كثرة نصبه،
وشدّة معاناته؛ إذ الثواب على قدر النصب، فقد قال النبيّ وَّر لعائشة رضيّا في
عمرتها: ((إن لك من الأجر على قدر نصبك، ونفقتك))، رواه الحاكم، وقال:
صحيح على شرطهما، وهو كما قال، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٨٦٣] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٌّ، عَنْ
سَعِيدٍ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ هِشَامِ الدَّسْتَوَائِيِّ،
كِلَاهُمَا عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ فِي حَدِيثٍ وَكِيعٍ: ((وَالَّذِي يَّقْرَأُ(١)، وَهُوَ
يَشْتَدُّ عَلَيْهِ لَهُ أَجْرَانٍ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قبل حديث.
٢ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، أبو عمرو
البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت١٩٤) على الصحيح (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٨/٦.
٣ - (سَعِيدٌ) بن أبي عَرُوبة مِهْرَان اليشكريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ،
(١) وفي نسخة: ((والذي يقرأه)).

٣٠٥
(٣٩) - بَابُ بَيَانِ فَضْلِ الْمَاهِرِ بِالْقُرْآنِ، وَالَّذِي يَتَتَعْتَعُ فِيهِ - حديث رقم (١٨٦٣)
ثقةٌ حافظ، له تصانيف، لكنه كثير التدليس، واختلط، وكان أثبت الناس في
قتادة [٦] (ت٦ أو ١٥٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٦/ ١٢٧.
٤ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً) تقدّم قبل باب.
٥ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدّم أيضاً قبل باب.
٦ - (هِشَامُ الدَّسْتَوَائِيُّ) ابن أبي عبد الله سَنْبَر، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ
ثبتٌ، رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت١٥٤) وله (٧٨) سنةً (ع) تقدم في
((الإيمان)) ١٥٦/١٢.
و((قتادة)) ذُكر قبله.
وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ قَتَادَةَ) الضمير لسعيد بن أبي عَرُوبة، وهشام
الدستوائيّ.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي: بإسناد قتادة السابق، وهو: عن زُرَارة بن
أوفی، عن سعد بن هشام، عن عائشة پا .
[تنبيه]: رواية سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة هذه ساقها الإمام ابن
ماجه تَخْذَتُهُ، فقال:
(٣٧٧٩) حدّثنا هشام بن عمار، حدّثنا عيسى بن يونس، حدّثنا سعيد بن
أبي عروبة، عن قتادة، عن زُرَارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، عن عائشة،
قالت: قال رسول الله وَله: ((الماهر بالقرآن مع السَّفَرَة الكرام البررة، والذي
يقرؤه يتتعتع فيه، وهو عليه شاقّ، له أجران اثنان)). انتهى.
وأما رواية هشام، عن قتادة هذه، فساقها الإمام أحمد تَخْتُهُ في ((مسنده))،
فقال :
(٢٥٠٦٣) حدّثنا وكيع، حدّثنا هشام، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى،
عن سعد بن هشام، عن عائشة، قالت: قال رسول الله وَليون: ((الذي يقرأ
القرآن، وهو ماهر به، مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرؤه، وهو يَشْتَدُّ
عليه، له أجران)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَوَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .

٣٠٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
(٤٠) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ عَلَى أَهْلِ الْفَضْلِ
وَالْحَذْقِ (١) فَيهِ، وَإِنْ كَانَ الْقَارِىءُ أَفْضَلَ مِنَ الْمَقْرُوءِ عَلَيْهِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج دَّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٨٦٤] (٧٩٩) - (حَدَّثَنَا هَذَّابُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ
أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِهِ قَالَ لِأُبَيِّ: ((إِنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ))،
قَالَ: اللهُ سَمَّانِي لَكَ؟ قَالَ: ((اللهُ سَمَّاكَ لِي))، قَالَ: فَجَعَلَ أَبَّيِّ بَيْكِي).
رجال هذا الإسناد: أربعة :
وكلّهم تقدّموا قبل باب، و((همّام)) هو: ابن يحيى، ومن لطائفه أنه من
رباعيّات المصنّف ◌َّتُهُ، وهو (١١٩) من رباعيّات الكتاب.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ) رَهُ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ لِ قَالَ لِأُبَيِّ) بن كعب بن
قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجّار الأنصاريّ
الخزرجيّ النجاريّ، يكنى أبا المنذر، وأبا الظُّفَيل، كان من السابقين من
الأنصار، شَهِدَ العقبة، وبدراً، وما بعدهما، ومات سنة ثلاثين، وقيل غير
ذلك، وتقدّمت ترجمته في ((شرح المقدمة)) جـ٢ ص٤٦٦.
((إِنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ) زاد في الرواية التالية: ﴿لَمَّ يَكُنِ الَّذِينَ
كَفَرُواْ﴾ الآية [البينة: ١]، وزاد الحاكم من وجه آخر عن زِرّ بن حُبَيش، عن
أُبَيّ بن كعب، أن النبيّ وَلَّ قرأ عليه: ﴿لَمْ يَكُنْ﴾، وقرأ فيها: ((إن ذات الدين
عند الله الحنيفية، لا اليهودية، ولا النصرانية، ولا المجوسية، من يَفْعَل خيراً،
فلم يكفره))، قاله في ((الفتح))(٢).
(١) قال في ((القاموس)): حَذَقَ الصّبيُّ القرآنَ، أو العملَ، كضرب، وعَلِمَ حِذْقاً، وحِذَاقاً،
وحِذَاقَةً، ويُكسر الكلّ، أو الْحِذَاقَةُ بالكسر الاسم: تَعَلَّمه كلّه، ومَهَرَ فیه. انتهى.
(٢) ((الفتح)) ١٥٧/٧ - ١٥٨ ((كتاب مناقب الأنصار)) رقم (٣٨٠٩).

٣٠٧
(٤٠) - بَابُ اسْتِحْبَابِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ عَلَى أَهْلِ الْفَضْلِ ... إلخ - حديث رقم (١٨٦٤)
وفي رواية للبخاريّ من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، أن
نبي الله وَير قال لأُبي بن كعب: ((إن الله أمرني أن أُقرئك القرآن))، قال: آلله
سماني لك؟ قال: ((نعم))، قال: وقد ذُكِرتُ عند رب العالمين؟ قال: ((نعم))،
فِذَرَفَت(١) عيناه.
قال في ((الفتح)): قوله: ((أن أُقرئك)) أي: أُعلّمك بقراءتي عليك كيف
تقرأ، حتى لا تتخالف الروايتان، وقيل: الحكمة فيه؛ لتحقّق قوله تعالى فيها :
[البينة: ٢]. انتهى"
(٢)
﴿رَسُولٌ مِّنَ اُللَّهِ يَغْلُواْ مُفًا مُطَهَّرَةً (®
(قَالَ: آللهُ سَمَّانِي لَكَ؟) بهمزة الاستفهام؛ أي: هل نَصّ عليّ باسمي،
أو قال لك: اقرأ على واحد من أصحابك، فاخترتني أنت؟ فلما قال له: ((نعم))
بَكَى، إما فرَحاً وسُرُوراً بذلك، وإما خشوعاً وخوفاً من التقصير في شكر تلك
النعمة، قاله في ((الفتح))(٣).
وقال القرطبيُّ تَخْتُ: قوله: ((آلله سمّاني لك؟)) بهمزة الاستفهام على
التعجّب منه؛ إذ كان ذلك عنده مستبعداً؛ لأن تسمية الله تعالى له، وتعيينه ليقرأ
عليه النبيّ وََّ تشريف عظيمٌ، وتأهيلٌ لم يَحصُل مثله لأحد من الصحابة
ولذلك لَمّا أخبره بذلك بَكَى من شدّة الفرح والسرور؛ لحصول تلك المنزلة
الشريفة، والرتبة المنيفة. انتهى(٤).
(قَالَ) بِّهِ ((اللهُ سَمََّ لِي))) وفي رواية للطبراني من وجه آخر، عن أبي بن
كعب رظُه قال: ((نعم باسمك، ونسبك في الملأ الأعلى)) (قَالَ) أنس .
مضرعنه
(فَجَعَلَ) أي: شَرَع وأخذ (أَبَيّ) ◌َُّه (يَبْكِي) قال القرطبيُّ: تَعَجَّب أُبَيّ
من ذلك؛ لأن تسمية الله له، ونصّه عليه؛ ليقرأ عليه النبيّ وَّ تشريف عظيمٌ،
فلذلك بَكَى، إما فرحاً، وإما خشوعاً.
وقال أبو عبيد تَُّهُ: المراد بالعرض على أُبَيّ ◌َبه؛ ليتعلم أُبَيّ منه
القراءة، ويتثبت فيها، وليكون عَرْضُ القرآن سنةً، وللتنبيه على فضيلة أُبَيّ بن
(١) يفتح الذال والراء المعجمة: أي تساقطت بالدموع.
(٢) ((الفتح)) ٥٩٨/٨.
(٤) ((المفهم)) ٤٢٦/٢.
(٣) ((الفتح)) ١٥٨/٧.

٣٠٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
كعب، وتقدُّمه في حفظ القرآن، وليس المراد أن يستذكر منه النبيّ وَلّ شيئاً
بذلك العرض. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك
(المسألة الثانية): في تخريجه:
هذا متّفقٌ عليه.
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٠ /١٨٦٤ و١٨٦٥ و١٨٦٦] (٧٩٩)،
و(البخاريّ) في ((مناقب الأنصار)) (٣٨٠٩) و(التفسير)) (٤٩٥٩ و٤٩٦٠
و٤٩٦١)، و(الترمذيّ) في ((المناقب)) (٣٧٩٢)، و(النسائيّ) في («فضائل القرآن))
(١٣٤)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٢٠٤١١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣/
١٣٠ و١٣٧ و٢١٨ و٢٣٣ و٢٧٣)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٧١٤٤)،
و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣٩٥٨)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٨١٧
و١٨١٨) وفي ((الحلية)) (٢٥١/١)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٢٩٩٥ و٣٢٤٦)،
والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب قراءة القرآن على الْحُذّاق فيه، وإن كان
القارىء أفضل من المقروء عليه.
٢ - (ومنها): استحباب تواضع الإنسان في أخذ العلم من أهله، وإن كان
دونه .
٣ - (ومنها): بيان المنقبة الشريفة لأُبَيّ بن كعب ربه بقراءة النبيّ
عليه، ولا يُعْلَم أحدٌ من الناس شاركه في هذا.
٤ - (ومنها): بيان منقبة أخرى لأُبيّ ظبه أيضاً، وهي أنه ذكره الله
تعالى، ونصَّ عليه في هذه المنزلة الرفيعة.
٥ - (ومنها): بيان جواز البكاء للسرور والفرح مما يُبَشَّر الإنسان به،
ويعطاه من معالي الأمور.
٦ - (ومنها): أنه إنما قال أَبيّ ◌َُّبه: ((آلله سماني لك؟))؛ لأنه يجوز أن

٣٠٩
(٤٠) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ عَلَى أَهْلِ الْفَضْلِ ... إلخ - حديث رقم (١٨٦٥)
يكون الله تعالى أمر النبيّ وَّر أن يقرأ على رجل من أمته، ولم يَنُصّ على أُبَيّ،
فأراد أُبَيّ أن يتحَقَّق، هل نَصّ عليه، أو قال: على رجل؟ فيؤخذ منه الاستثبات
في المحتَمِلات.
٧ - (ومنها): أنه اختُلِف في الحكمة في قراءته وَّ﴾ على أُبَيّ
مضرعنه،
ـي
والمختار أن سببها أن تَسْتَنَّ الأمة بذلك في القراءة على أهل الإتقان والفضل،
ويتعلموا آداب القراءة، ولا يَأْنَفَ أحدٌ من ذلك.
وقيل: للتنبيه على جلالة أُبَيّ ◌َظُه، وأهليته لأخذ القرآن عنه، وكان
بعده وَل﴿ رأساً، وإماماً في إقراء القرآن، وهو أجلّ ناشرته، أو من أجلّهم،
مَاللّهے
وئيل.
ويتضمن معجزة لرسول الله
٨ - (ومنها): ما قيل: إن تخصيص هذه السورة، فلأنها وَجِيزةٌ جامعةٌ
لقواعد كثيرة من أصول الدين، وفروعه ومهماته، والإخلاص، وتطهير
القلوب، وكان الوقت يقتضي الاختصار، قاله النوويّ رَُّهُ .
وقال القرطبيّ نَّتُهُ: خَصّ هذه السورة بالذكر؛ لما اشتملت عليه من
التوحيد، والرسالة، والإخلاص، والصُّحُف، والكُتُب المنزلة على الأنبياء لَيْلُ
وذكر الصلاة والزكاة والمعاد، وبيان أهل الجنة والنار مع وَجَازتها، ذكره في
(الفتح)(١).
صلاته ؛
٩ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ تَخْلُهُ: إنما قرأ النبيّ وَّر على أُبيّ
ليتلقّن عنه أَبيّ كيفيّة القراءة وصفتها مشافهةً، وليُبيّن طريق تحميل الشيخ للراوي
بقراءته عليه، وفي قراءة عبد الله بن مسعود ربه قراءة التلميذ على الشيخ،
وكلاهما طريق صحيحٌ. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَظُّ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٨٦٥] ( .. ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ، قَالَ: قَالَ
(١) ((الفتح)) ١٥٩/٧ ((كتاب مناقب الأنصار)) رقم (٣٨٠٩).
(٢) ((المفهم)) ٤٢٦/٢.

٣١٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
رَسُولُ اللهِ وَّهِ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: ((إِنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ ﴿لَمَّ يَكُنِ الَّذِينَ
كَفَرُواْ﴾))، قَالَ: وَسَمَّانِي لَكَ؟ قَالَ: ((نَعَمْ))، قَالَ: فَبَكَى).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلّهم تقدّموا قبل بابين، و((قتادة، وأنس ﴿ه)) ذُكرا في السند الماضي.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث
الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم
الو کیل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٨٦٦] ( ... ) - (حَدَّثَنَا (١) يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، يَعْنِي
ابْنَ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسأَّ بَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ
لِأُبِيِّ بِمِثْلِهِ).
رجال هذ الإسناد: خمسة :
١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ) البصريّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) الْهُجيميّ البصريّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب أيضاً.
والباقون ذُكروا في السند الماضي.
[تنبيه]: قال النوويُّ نَّثُهُ: هذه الأسانيد الثلاثة رواتها كلهم بصريّون،
وهذا من المستطرفات أن يجتمع ثلاثة أسانيد متصلة، مسلسلون بغير قصد،
وقد سبق بيان مثله، وشعبة واسطيّ بصريّ، كما سبق بيانه غير مرة.
وفي الطريق الثالث فائدةٌ حسنةٌ، وهي أن قتادة صَرَّح بالسماع من
أنس ظُه، بخلاف الأولين، وقتادةُ مدلِّسٌ، فينتفي أن يُخاف من تدليسه
بتصريحه بالسماع، وقد سبق التنبيه على مثل هذا مرات. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم غير مرّة أن شعبة إذا روى عن شيخه
المدلّسين، كقتادة، وأبي إسحاق السَّبِيعيّ، والأعمش، لا يروي عنهم إلا ما
(١) وفي نسخة: ((وحدّثنا)).
(٢) ((شرح النوويّ)) ٨٦/٦.
1

٣١١
(٤١) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ طَلَبِ الْقِرَاءَةِ مِنَ الْحَافِظِ لِلاسْتِمَاعِ ... إلخ - حديث رقم (١٨٦٧)
صرّحوا فيه بالسماع، فلا تضرّ عنعنتهم، وقد نظمت ذلك مع زيادة رواية الليث
عن أبي الزبير، ويحيى القطّان عن شيوخه، فقلت:
إِلَّا الَّذِي سَمِعَهُ فَاسْتَأُنِسِ
شُعْبَةُ لَا يَرْوِي عَنِ الْمُدَلِّسِ
قَتَادَةٍ أَوِ السَّبِيعِي مَا رَوَوْا
لِذَا إِذَا رَوَى عَنِ الأَعْمَشِ أَوْ
كَفَاكَهُ هَذَا الإِمَامُ الْمُعْتَمَدْ
مُعَنْعَناً لَا تَخْشَ تَدْلِيساً فَقَدْ
دَلَّسَ مَا لَيْسَ سَمَاعاً يُؤْتَمَنْ
كَذَلِكَ الْقَطَّانُ لَا يَرْوِي لِمَنْ
رَوَى فَلَا تَدْلِيسَ تَخْشَى يَا فَطِنْ
كَذَاكَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ اللَّيْثُ إِنْ
سَمِعَهُ مِنْ جَابِرٍ فَاعْتَنِمَا
فَإِنَّهُ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْرَ مَا
يَصْبُو لَهَا مَنْ هَمُّهُ ضَبْطُ الرِّجَالْ
هَذِي فَوَائِدُ عَزِيزَةُ الْمَنَالْ
وقوله: (بِمِثْلِهِ) يعني: أن خالد بن الحارث حدّث عن شعبة بمثل حديث
محمد بن جعفر عنه.
[تنبيه]: رواية خالد بن الحارث، عن شعبة هذه لم أجد من ساقها
بتمامها، فليُنظَر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّ ◌ِاللَّهِ عَلَيْهِ تَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(٤١) - (بَابُ اسْتِحْبَابٍ طَلَبِ الْقِرَاءَةِ مِنَ الْحَافِظِ لِلاسْتِمَاعِ،
وَالْبُكَاءِ عِنْدَ سَمَاعِهِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخَّْثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٨٦٧] (٨٠٠) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، جَمِيعاً
عَنْ حَقْصٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا حَقْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ،
عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((اقْرَأْ عَلَيَّ الْقُرْآنَ))، قَالَ:
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَقْرَأُ(١) عَلَيْكَ، وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قَالَ: ((إِنِّي أَشْتَهِي أَنْ أَسْمَعَهُ
مِنْ غَيْرِي))، فَقَرَأْتُ النِّسَاءَ، حَتَّى إِذَا بَلَغْتُ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَِّ
(١) وفي نسخة: ((أأقرأ)).

٣١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٨﴾، رَفَعْتُ رَأْسِيٍ، أَوْ غَمَزَنِي رَجُلٌ إِلَى
جَنْبِي، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَرَأَيْتُ دُمُوعَهُ تَسِيلُ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة
إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف [١٠]
(ت٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١/١.
٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت٢٤٧)
عن (٨٧) سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤/ ١١٧.
٣ - (حَفْصُ بْنُ غِيَاثِ) بن طَلْق بن معاوية النخعيّ، أبو عمر الكوفيّ
القاضي، ثقةٌ فقيهٌ، تغيّر حفظه قليلاً في الآخر [٨] (ت٤ أو ١٩٥) (ع) تقدم في
((الإيمان)) ١٣٦/٨.
٤ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْرَان الأسديّ الكاهليّ مولاهم، أبو محمد
الكوفيّ، ثقةٌ حافظ عارف بالقراءة وَرِعٌ، لكنه يدلّس [٥] (ت٧ أو ١٤٨) (ع)
تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٢٩٧.
٥ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ، ثقةٌ
فقيه، يرسل كثيراً [٥] (ت٩٦) عن (٥٠) أو نحوها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٢.
٦ - (عَبِيدَةُ) بن عَمْرو السلمانيّ - بسكون اللام، ويقال: بفتحها -
المراديّ، أبو عمر الكوفيّ، التابعيّ الكبير ثقةٌ ثبتٌ مخضرمٌ [٢] مات قبل
(٧٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٦٨/٨٩ . .
٧ - (عَبْدُ اللهِ) بن مسعود بن غافل بن حبيب الْهُذليّ الصحابيّ الشهير،
أبو عبد الرحمن، نزل الكوفة، ومات سنة (٣٢) أو بعدها (ع) تقدم في
((المقدمة)) ١١/٣.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َظْلَتُهُ، وله فيه شيخان قَرَن
بينهما، ثم فصل بقوله: ((قال أبو بكر ... إلخ)) يعني: أن شيخه الأول صرّح
بتحديث حفص له، وقد تقدّم البحث في هذا مستوفَى غير مرّة.

٣١٣
(٤١) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ طَلَبِ الْقِرَاءَةِ مِنَ الْحَافِظِ لِلاسْتِمَاعِ ... إلخ - حديث رقم (١٨٦٧)
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أبي بكر، فما أخرج
له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أن شيخه أبا كُريب ممن اتّفق الجماعة بالرواية عنهم بلا
واسطة، وهم تسعة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين من أوله إلى آخره.
٥ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين روى بعضهم، عن بعض:
الأعمش، عن إبراهيم، عن عبيدة، ورواية الأولين من رواية الأقران.
٦ - (ومنها): أن صحابيّه ذو مناقب جَمّة، فإنه من مشاهير الصحابة
،
ومن السابقين الأولين، ومن كبار العلماء المفتين، وأمّره عمر نظُّه على
الكوفة، وكان من أقرأ الصحابة ﴿ه، أخرج الإمام أحمد، وابن ماجه بسند
صحيح، قال النبي وَله: أن رسول الله وسلم قال: ((من أحب أن يقرأ القرآن
غَضّاً، كما أُنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد)).
وأخرج الإمام أحمد، عن معاوية بن عمرو، قال: حدّثنا زائدة، حدّثنا
عاصم بن أبي النَّجُود، عن زِرّ، عن عبد الله، أن النبيّ وَّ أتاه بين أبي بكر
وعمر، وعبد الله يصلي، فافتتح (النساء))، فسَحَلَها(١)، فقال النبيّ ◌َّ: ((من
أحب أن يقرأ القرآن غَضّاً، كما أُنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد»، ثم تقدم
يسأل، فجعل النبيّ وَ ل﴿ يقول: ((سل تعطه، سل تعطه، سل تعطه))، فقال فيما
سأل: ((اللهم إني أسألك إيماناً لا يرتدّ، ونعيماً لا يَنفَد، ومرافقة نبيك
محمد وَلّفي أعلى جنة الخلد))، قال: فأتى عمر ظُه عبد الله ليبشّره، فوجد
أبا بكر ظُه قد سبقه، فقال: إن فعلتَ لقد كنت سَبّاقاً بالخير.
وهذا حديث حسنٌ، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود نَّه أنه (قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((اقْرَأْ
عَلَيَّ الْقُرْآنَ) أي: بعضه، وفي زيادة هنّاد الآتية: ((قال لي رسول الله رٍَّ: وهو
(فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَقْرَأُ(٢)
عنه
على المنبر: اقرأ عليّ))، (قَالَ) ابن مسعود
(١) أي قرأها كلّها قراءةً متتابعة متّصلةً، قاله في ((النهاية)) ٣٤٨/٢.
(٢) وفي نسخة: ((أأقرأ)).

٣١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
عَلَيْكَ) هكذا في معظم النسخ: ((أقرأ)) بهمزة واحدة، وهو بتقدير همزة
الاستفهام، وفي بعض النسخ: ((أأقرأ عليك)) بهمزتين (وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ) بضم
الهمزة مبنيّاً للمفعول، والجملة حال من الكاف في ((عليك)) الأول؛ أي:
والحال أن القرآن أنزله الله عليك، فأنت أحقّ بقراءته من غيرك؛ إذ جريان
الحكمة على لسان الحكيم أحلى، وكلام المحبوب على لسان الحبيب أولى
(قَالَ) ◌َِِّ: ((إِنِّي أَشْتَهِي) وفي الرواية الآتية: ((إني أحبّ)) (أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ
غَيْرِي))) قال ابن بطّال تَخْذُ: يَحْتَمِلُ أن يكون أحبّ أن يسمعه من غيره؛ ليكون
عرض القرآن سنّةً، ويَحْتَمِلُ أن يكون لكي يتدبّره، ويتفهّمه، وذلك أن المستمع
أقوى على التدبّر، ونفسه أخلى وأنشط لذلك من القارىء؛ لاشتغاله بالقراءة
وأحكامها، وهذا بخلاف قراءته هو بَّه على أبيّ بن كعب ◌َظُله، فإنه أراد أن
يُعلّمه كيفيّة أداء القراءة، ومخارج الحروف، ونحو ذلك. انتهى(١).
(فَقَرَأْتُ النِّسَاءَ) أي: قرأت عليه وَل سورة النساء من أولها، كما يأتي
في الرواية التالية بلفظ: ((فقرأ عليه من أول سورة النساء)) (حَتَّى إِذَا بَلَغْتُ:
﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّتِ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: ٤١]) يشهد على كفرهم، فهو
كقوله تعالى: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْثُ فِهِمْ﴾ الآية [المائدة: ١١٧].
فـ(كيف)) في موضع رفع خبر مبتدأ محذوف، والعامل في ((إذا)) هو هذا
المقدّر، أو في محلّ نصب بفعل محذوف؛ أي: فكيف يكونون، أو يصنعون،
ويجري فيه الوجهان: النصب على التشبيه بالحال، كما هو مذهب سيبويه، أو
على التشبيه بالظرفيّة، كما هو مذهب الأخفش، وهو العامل في ((إذا)) أيضاً.
وقوله: ﴿مِن كُلِّ أُمَّتِ﴾ متعلّق ب﴿جِثْنَا﴾، والمعنى أنه يؤتى بنبيّ كلّ أمّة
يشهد عليها ولها (﴿وَجِئْنَا بِكَ﴾) يا محمد (﴿عَلَى هَؤُلَاءٍ﴾﴾ أي: أمّتك
(﴿شَهِيدًا﴾) حال أي: شاهداً لمن آمن بالإيمان، وعلى من كفر بالكفر، وعلى
من نافق بالنفاق، وقيل: أي: تشهد على صدق هؤلاء الشهداء؛ لحصول
علمك بعقائدهم؛ لدلالة كتابك وشرعك على قواعدهم.
(١) راجع: ((المرعاة)) ٢٧١/٧.

٣١٥
(٤١) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ طَلَبِ الْقِرَاءَةِ مِنَ الْحَافِظِ لِلاسْتِمَاعِ ... إلخ - حديث رقم (١٨٦٧)
وقال أبو حيّان: الأظهر أن هذه الجملة في موضع جرّ؛ عطفاً على
أَجِئْنَا﴾ الأول؛ أي: فكيف يصنعون في وقت المجيئين.
وقال المظهر تَخْتُهُ: قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا﴾ الآية [النساء: ٤١] يعني:
فكيف حال الناس في يوم تحضر أمة كلّ نبيّ، ويكون نبيّهم شهيداً بما فَعَلُوا
من قبولهم له، أو ردّهم إياه؟ وكذلك نفعل بك يا محمد وبأمتك. انتهى.
وتعقّبه الطيبيُّ كَُّ بأن هذا المعنى ينافي قوله تعالى: ﴿لِّنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَ
النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] أي: حفيظاً ومزكّياً لكم،
فالشهادة لهم لا عليهم، فكيف يُفسّر هذا بما يناقضه، بل المعنِيُّ بهؤلاء
أشخاصٌ معيّنون من الكفرة.
وقال في ((الكشّاف)): المعنى: فكيف يصنع هؤلاء الكفرة من اليهود
وغيرهم إذا جئنا من كلّ أمة بشهيد يشهد عليهم بما فَعَلوا، وهو نبيّهم؟.
قال: وأما بكاؤه وَلّ فلفَرط رأفته، ومزيد شفقته، حيث عزّ عليه عَنَتُهُم،
فعزّى عليهم، وبَكَى، ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُوكُ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ
حَرِيصُ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ (٣٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]. انتهى كلام
الطيبيّ تَظُّهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أنه لا تنافي بين الآيتين على تفسير
المظهر تَّتُ؛ لأنه وَّ يشهد على أمته بما لهم وما عليهم كما يشهد الأنبياء
على أممهم، ثم الذين شهد لهم النبيّ وَّر بالخير والصلاح من أمته يكونون
شهداء على أمم الأنبياء، فلا تعارض بين الآيتين، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: قال ابن أبي حاتم كَّتُهُ في ((تفسيره)): حدّثنا أبو بكر بن أبي
الدنيا، حدّثنا الصَّلْتُ بن مسعود الْجَحْدريّ، حدّثنا فُضيل بن سليمان، حدّثنا
يونس بن محمد بن فَضَالة الأنصاريّ، عن أبيه، قال: وكان أبي ممن صحب
النبيّ وَّ، أن النبيّ وَّ أتاهم في بني ظَفَر، فجلس على الصخرة التي في بني
ظَفَر اليوم، ومعه ابن مسعود، ومعاذ بن جبل، وناس من أصحابه، فأمر
النبيّ وَّه قارئاً، فقرأ حتى أتى على هذه الآية: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّتِم
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٦٨٣/٥.

٣١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
(@﴾، فبكى رسول الله وَل حتى اضطرب
بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا
لَحْيَاه وجنباه، فقال: ((يا رب هذا شهدتُ على من أنا بين أظهرهم، فكيف بمن
لم أره». انتهى(١).
وأخرج ابن المبارك في ((الزهد)) من طريق سعيد بن المسيِّب قال: ليس
من يوم إلا تُعرض على النبيّ وَّرَ أمته غُدْوةً وعشيةً، فَيَعْرِفهم بسيماهم
وأعمالهم، فلذلك يشهد عليهم.
قال الحافظ تَخْذَتُهُ بعد ذكره هذا الأثر ما نصّه: ففي هذا المرسل ما يَرْفَع
الإشكال الذي تضمنه حديث ابن فضالة، والله أعلم. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: أثر ابن المسيِّب ◌َُّ هذا ضعيف، فلا يرفع
الإشكال المذكور، وقد أوضح ضعفه الإمام ابن كثير كَّتُهُ في ((تفسيره))، حيث
قال :
وأما ما ذكره أبو عبد الله القرطبيّ في ((التذكرة)) حيث قال: ((باب ما جاء
في شهادة النبيّ وَّر على أمته))، قال ابن المبارك: أخبرنا رجل من الأنصار،
عن المنهال بن عمرو، أنه سمع سعيد بن المسيِّب يقول: ليس من يوم إلا
تُعْرَض فيه على النبيّ ◌ِّرِ أمته غُدْوةً وعشيّةً، فيعرفهم بأسمائهم وأعمالهم،
فلذلك يَشْهَد عليهم، يقول الله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّتِ بِشَهِيدٍ
وَجِثْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا ﴾﴾، فإنه أَثَرِّ، وفيه انقطاع، فإن فيه رجلاً مبهماً
لم يُسَمّ، وهو من كلام سعيد بن المسيِّب لم يرفعه، وقد قبله القرطبيّ، فقال
بعد إيراده: قد تقدَّم أن الأعمال تُعْرَض على الله كل يوم اثنين وخميس، وعلى
الأنبياء والآباء والأمهات يوم الجمعة، قال: ولا تعارض، فإنه يَحْتَمِل أن
يُخَصّ نبينا وََّ بما يُعْرَض عليه كلَّ يوم، ويوم الجمعة مع الأنبياء عليه وعليهم
أفضل الصلاة والسلام. انتهى(٣) .
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الأثر مع ضعفه يعارض الحديث الذي
(١) راجع: ((تفسير ابن أبي حاتم)) ٩٥٦/٣، و((تفسير ابن كثير)) ٦٨٥/١ - ٦٨٦.
(٢) ((الفتح)) ٧١٦/٨ - ٧١٧ ((كتاب فضائل القرآن)) رقم (٥٠٥٥).
(٣) ((تفسير ابن كثير)) ١ / ٦٨٦.

٣١٧
(٤١) - بَابُ اسْتِحْبَابِ طَلَبِ الْقِرَاءَةِ مِنَ الْحَافِظِ لِلاسْتِمَاعِ ... إلخ - حديث رقم (١٨٦٧)
وَّ قال: قال رسول الله وَله: ((تُحْشَرُون حُفَاةً
أخرجه الشيخان عن ابن عباس .
عُرَاةً غُرْلاً، ثم قرأ: ﴿كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقِ تُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَاْ إِنَّا كُنَا فَعِلِينَ﴾
[الأنبياء: ١٠٤]، فأول من يُكْسَى إبراهيم، ثم يؤخذ برجال من أصحابي ذات
اليمين، وذات الشمال، فأقول: أصحابي، فيقال: إنهم لم يزالوا مرتدين على
أعقابهم منذ فارقتهم، فأقول كما قال العبد الصالح، عيسى ابن مريم: ﴿وَكُنتُ
عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّ دُمْتُ فِهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمَّ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ
شَهِيدٌ﴾ [المائدة: ١١٧].
فهذا الحديث الصحيح المتّفق عليه يردّ على أثر ابن المسيّب المذكور؛ إذ
هو نصّ في كونه وَلهو لا يَعرف أعمال أمته بالتفصيل بعد موته.
وكذلك يردّه ما تقدّم من حديث فضالة الأنصاريّ ◌َلُبه، ففيه قوله وَله :
(يا رب هذا شَهِدتُ على من بين أظهرهم، فكيف بمن لم أره؟)).
وكذا ما أخرجه ابن جرير الطبريّ، بسنده عن جعفر بن عمرو بن حُرَيث،
عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود رضيبه في هذه الآية قال: قال رسول الله وَله :
((شهيد عليهم ما دمتُ فيهم، فإذا توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم))(١).
والحاصل أن عرض أعمال الأمة كلّها على النبيّ وَل بعد موته ليس عليه
دليلٌ صحيح، إلا ما ورد من عرض الصلاة عليه وَلّ، فقد أخرج الطبرانيّ عن
عمار بن ياسر ◌ّا، مرفوعاً: ((إن لله تعالى ملكاً أعطاه سَمْعَ العباد، فليس من
أحد يصلي عليّ، إلا أبلغنيها، وإني سألت ربي أن لا يصلي عليّ عبد صلاةً
إلا صلى عليه عشر أمثالها))(٢)، وهو حديث حسنٌ.
وكذا ما أخرجه الإمام أحمد، وأبو داود بسند حسن، عن أبي هريرة
رضى عنه
أن رسول الله وَ الله قال: ((ما من أحد يُسَلِّم عليّ إلا ردّ الله عليّ روحي، حتى
أردّ عليه السلام))، والله تعالى أعلم.
(رَفَعْتُ رَأْسِيٍ، أَوْ) للشكّ من الراوي (غَمَزَنِي رَجُلٌ إِلَى جَنْبِي) يَحْتَمل أن
يكون من الغمز بمعنى الإشارة بالعين، وغيرها، ويَحْتَمل أن يكون من الغمز
(١) راجع: ((تفسير ابن كثير)) ٦٨٦/١.
(٢) حديث حسن، انظر حديث رقم (٢١٧٦) من ((صحيح الجامع)) للشيخ الألبانيِّ.

٣١٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
باليد، وهو الجسّ، قال الفيّوميُّ كَّلُهُ: غَمَزَه غَمْزاً، من باب ضَرَبَ: أشار إليه
بعين، أو حاجب، وليس فيه غَمِيزَةٌ، ولا مَغْمَزٌ: أي: عَيْبٌ، وَغَمَزْتُهُ بيدي،
من قولهم: غَمَزتُ الكبش بيدي: إذا جسسته؛ لتعرف سِمَنَهُ. انتهى(١).
(فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَرَأَيْتُ دُمُوعَهُ تَسِيلُ) وفي رواية البخاريّ: ((فقرأت عليه
سورة النساء، حتى بلغت: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَِّ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى
هَؤُلاءِ شَهِيدًا ﴾﴾، قال: ((أَمْسِكْ))، فإذا عيناه تَذْرِفان))، وفي رواية له:
((قال: حسبك الآن، فالتفتُّ، إليه فإذا عيناه تَذْرِفان)).
ومعنى ((تَذْرفان)) أي: تُطلِقان دمعهما.
قال ابن بطال ◌َّتُهُ: إنما بَكَى وَ له عند تلاوته هذه الآية؛ لأنه مَثَّل لنفسه
أهوال يوم القيامة، وشِدَّة الحال الداعية له إلى شهادته لأمته بالتصديق، وسؤاله
الشفاعة لأهل الموقف، وهو أمرٌ يَحِقّ له طول البكاء. انتهى.
وقال الحافظ تَخْذُهُ: الذي يظهر أنه بَكَى رحمةً لأمته؛ لأنه عَلِمَ أنه لا بُدّ
أن يشهد عليهم بعَمَلهم، وعَمَلُهُم قد لا يكون مُستقيماً، فقد يفضي إلى
تعذيبهم، والله أعلم. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: لا تنافي بين ما ذكره ابن بطّال ◌َّتُهُ من أسباب
البكاء، وبين ما استظهره الحافظ تَّتُهُ، فالأولى أن المجموع أسباب للبكاء،
فتأمّل، والله تعالى أعلم.
وقال في ((المرعاة)): بكاؤه وَّ لفرط رحمته على الْمُفَرِّطين، أو لعظم ما
تضمّنته الآية من هول المطلع، وشدّة الأمر.
وقيل: إن هذا البكاء بكاء فَرَح، لا بكاء جَزَع؛ لأنه تعالى جعل أمته
شُهداء على سائر الأمم، كما قال الشاعر [من الكامل]:
طَفَحَ السُّرُورُ عَلَيَّ حَتَّى إِنَّهُ مِنْ عُظُم مَا قَدْ سَرَّنِي أَبْكَانِي(٢)
قال الجامع عفا الله عنه: كون هذا البكاء من نوع بكاء الفرح مما لا
يخفى بعده، فالحقّ أنه بكاء خوف وشفقة، كما أسلفناه آنفاً، فتبصّر، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
(١) ((المصباح المنير)) ٤٥٣/٢.
(٢) راجع: ((المرعاة)) ٢٧٢/٧.

٣١٩
(٤١) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ طَلَبِ الْقِرَاءَةِ مِنَ الْحَافِظِ لِلاسْتِمَاعِ ... إلخ - حديث رقم (١٨٦٧)
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود نظر ته هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤١ /١٨٦٧ و١٨٦٨ و١٨٦٩] (٨٠٠)،
و(البخاريّ) في ((التفسير)) (٤٥٨٢) و((فضائل القرآن)) (٥٠٤٩ و٥٠٥٠ و٥٠٥٥
و٥٠٥٦)، وأبو داود في ((العلم)) (٣٦٦٨)، و(الترمذيّ) في ((التفسير)) (٣٠٢٥)
وفي ((الشمائل)) (٣١٦)، و(النسائيّ) في ((فضائل القرآن)) (١٠٠ و١٠٣ و١٠٤)،
و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٥٦٣/١٠)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٨٠/١
و٤٣٣)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٧٣٥ و٧٠٦٥)، و(أبو عوانة) في
((مسنده)) (٣٨٣١ و٣٨٣٢ و٣٨٣٣ و٣٨٣٤)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه))
(١٨١٩ و١٨٢٠ و١٨٢١) وفي ((الحلية)) (٢٠٣/٧)، و(الحاكم) في ((مستدركه))
(٣١٩/٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٣١/١٠)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير))
(٨٤٦٠ و٨٤٦١)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٥٢٢٨)، و(البغويّ) في ((شرح
السنّة)) (١٢٢٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب استماع القراءة، والإصغاء إليها، والبكاء
عندها، والتدبّر فيها .
٢ - (ومنها): استحباب طلب القراءة من الحافظ المجوّد لقراءته للاستماع
إليه، وهي أبلغ في التفهّم والتدبّر من القراءة بنفسه.
٣ - (ومنها): أن فيه تواضعَ أهل العلم والفضل، ولو مع أتباعهم.
٤ - (ومنها): أن فيه بيان منقبة عبد الله بن مسعود نظره، حيث طلب
النبيّ ◌َّ﴿ أن يقرأ عليه القرآن.
٥ - (ومنها): استحباب البكاء عند قراءة القرآن، قال النوويُّ كَُّهُ:
البكاء عند قراءة القرآن صفة العارفين، وشِعار الصالحين، قال الله تعالى:
﴿وَخِزُونَ لِلْأَذْقَانِ يَتَكُونَ﴾ [الإسراء: ١٠٩]، وقال: ﴿خَرُّواْ سُجَّدًا وَئِكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨]،
والأحاديث فيه كثيرة، قال: فإن عزّ عليه البكاء تباكى؛ لحديث سعد بن أبي
وقّاص بتَظُه مرفوعاً: ((إن هذا القرآن نزل بحزن وكآبة، فإذا قرأتموه فابكُوا،

٣٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
فإن لم تبكُوا فتباكَوْا ... )) الحديث(١).
وقال الغزاليّ تَظّتُهُ: يستحب البكاء مع القراءة وعندها، وطريق تحصيله
أن يُحضر قلبه الحزن، والخوف بتأمل ما فيه من التهديد والوعيد الشديد،
والوثائق والعهود، ثم ينظر تقصيره في ذلك، فإن لم يحضره حزنٌ فَلْيَبك على
فقد ذلك؛ فإنه من أعظم المصائب(٢).
٦ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ تَخّْتُهُ: إنما بكى النبيّ وَّ لِعِظَم ما تضمّنته
هذه الآية من هول المطلع، وشدّة الأمر، قال: ووقع في غير ((صحيح مسلم))
أنه قال: لما بلغتها قال: ((حسبك))، واحتجّ به أهل التجويد على جواز الوقف
الكافي من الآي والمقاطع؛ لأن الكلام حيث قال له: ((حسبك)) غير تامّ، بل
تمامه فيما بعده، وقد قيل: إن قوله لعبد الله: ((حسبك)) تنبيهٌ على ما في الآية،
لا أنه وقفةٌ هناك. انتهى (٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٨٦٨] ( ... ) - (حَدَّثَنَا هَنَّدُ بْنُ السَّرِيِّ، وَمِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ،
جَمِيعاً عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَزَادَ هَنَّدٌ فِي رِوَايَتِهِ:
قَالَ لِي (٤) رَسُولُ اللهِ لَّهِ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ: ((اقْرَأْ عَلَيَّ))).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (هَنَّدُ بْنُ السَّرِيِّ) بن مُصعب التميميّ، أبو السريّ الكوفيّ، ثقةٌ [١٠]
(ت٢٤٣) عن (٩١) سنةً (عخ م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦٥/٦٤.
٢ - (مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ) أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (ت
٢٣١) (م فق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٧٣/٤١.
(١) حديث ضعيف، أخرجه ابن ماجه، وفي سنده إسماعيل بن رافع، أبو رافع
الأنصاريّ، ضعّفوه.
(٢) راجع: ((الفتح)) ٧١٦/٨ ((كتاب فضائل القرآن)) رقم (٥٠٥٥).
(٣) ((المفهم)) ٤٢٧/٢.
(٤) وفي نسخة: ((قال: قال لي)).