النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٨١ (٣٧) - بَابُ نُزُولِ السَّكِينَةِ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ - حديث رقم (١٨٥٨) وقوله: (فَإِنَّهَا السَّكِينَةُ) الفاء للتعليل؛ أي: إنما أمرتك بالاستمرار على القراءة؛ لأن الذين شاهدتهم هم الملائكة، لا تخاف منهم محذوراً، فينبغي أن تستمرّ على قراءتك، حتى لا ينقطع حضورهم عندك. (تَزَّلَتْ عِنْدَ الْقُرْآنِ، أَوْ تَنَزَّلَتْ لِلْقُرْآنِ) ((أو)) للشكّ من الراوي، شكّ هل قال: ((عند القرآن))، أو قال: ((للقرآن))؟. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٨٥٨] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٌّ، وَأَبُو دَاوُدَ، قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ يَقُولُ: فَذَكَرَا نَحْوَهُ، غَيْرَ أَنَّهُمَا قَالَا: تَنْقُزُ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) بن حسّان الْعَنْبَريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظ حجةٌ إمام [٩] (ت١٩٨) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٨٨. ٢ - (أَبُو دَاوُدَ) سليمان بن داود بن الجارود الطيالسيّ البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٩] (ت٢٠٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٧٣/٦. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (فَذَكَرًا) ضمير التثنية لعبد الرحمن بن مهديّ وأبي داود الطيالسيّ. وقوله: (نَحْوَهُ) أي: نحو حديث محمد بن جعفر، عن شعبة الماضي. وقوله: (تَنْقُزُ) بالقاف المضمومة، وبالزاي، قال النوويُّ كَُّهُ: هذا هو المشهور، ووقع في بعض نسخ بلادنا: ((يَنْفِزُ)) بالفاء والزاي، وحكاه القاضي عياض عن بعضهم، وغَلَّطه، ومعنى (يَنْقُزُ)) بالقاف والزاي يَئِبُ. انتهى. ٢٨٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها وقال القرطبيّ تَخْلُهُ: والرواية المشهورة ((تنفر)) من النفور، وعند أبي بحر (تَنْقُزُ)) بالقاف والزاي، ومعناه: تَشِبُ، يقال: نَقَزَ الصبيُّ، وقَفَزَ: إذا وَثَبَ. (١) انتهى(١). [تنبيه]: قال في ((الفتح)): وقد وقع في رواية لمسلم ((يَنْقُزُ)) بقاف وزاي، وخَطَّأه عياض، فإن كان من حيث الرواية فذاك، وإلا فمعناها هنا واضح. انتھی. قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((وخطّأه عياض)) خطأٌ؛ لأن الذي خطّأه عياض إنما هو ما وقع لبعضهم بلفظ: ((ينفز)) بالفاء والزاي، لا بالقاف والزاي، كما تقدّم في عبارة النوويّ، فتبصّر. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٨٥٩] (٧٩٦) - (وَحَدَّثَنِي حَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، وَتَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ الْهَادِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ خَبَّابٍ حَدَّثَهُ، أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ حَدَّثَهُ، أَنَّ أُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ، بَيْنَمَا هُوَ لَيْلَةً يَقْرَأُ فِي مِرْبَدِهِ، إِذْ جَالَتْ فَرَسُهُ، فَقَرَأَ، ثُمَّ جَالَتْ أُخْرَى، فَقَرَأَ، ثُمَّ جَالَتْ أَيْضاً، قَالَ أُسَيْدُ (٢): فَخَشِيتُ أَنْ تَطَأَ يَحْيَى، فَقُمْتُ إِلَيْهَا، فَإِذَا مِثْلُ الظُّلَّةِ فَوْقَ رَأْسِي، فِيهَا أَمْثَالُ السُّرُجِ، عَرَجَتْ فِي الْجَوِّ، حَتَّى مَا أَرَاهَا، قَالَ: فَغَدَوْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَّةِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، بَيْنَمَا أَنَا الْبَارِحَةَ، مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ أَقْرَأُ فِي مِرْبَدِي(٣)، إِذْ جَالَتْ فَرَسِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((اقْرَأِ ابْنَ خُضَيْرِ))، قَالَ: فَقَرَأْتُ، ثُمَّ جَالَتْ أَيْضاً، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((اقْرَأِ ابْنَ خُضَيْرِ))، قَالَ: فَقَرَأْتُ، ثُمَّ جَالَتْ أَيْضاً، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((اقْرَأِ ابْنَ حُضَيْرِ))، قَالَّ: (١) ((المفهم)) ٤٣٨/٢. (٣) وفي نسخة: ((في مِرْبد لي)). (٢) وفي نسخة: ((فقال أُسيدٌ)). ٢٨٣ (٣٧) - بَابُ نُزُولِ السَّكِينَةِ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ - حديث رقم (١٨٥٩) فَانْصَرَفْتُ، وَكَانَ يَحْيَى قَرِيباً مِنْهَا، خَشِيتُ أَنْ تَطَأَّهُ، فَرَأَيْتُ مِثْلَ الظُّلَّةِ، فِيهَا أَمْثَالُ السُّرُجِ، عَرَجَتْ فِي الْجَوِّ، حَتَّى مَا أَرَاهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((تِلْكَ الْمَلَائِكَةُ، كَانَتْ تَسْتَمِعُ لَكَ، وَلَوْ قَرَأْتَ لَأَصْبَحَتْ يَرَاهَا النَّاسُ، مَا تَسْتَتِرُ مِنْهُمْ»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (حَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ) أبو عليّ الخلّال، نزيل مكة، ثقةٌ حافظً، له تصانيفُ [١١] (ت٢٤٢) (خ م د ت ق) تقدم في ((المقدمة)) ٢٤/٤. ٢ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) هو حجّاج بن أبي يعقوب يوسف بن حجّاج الثقفيّ البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت٢٥٩) (مد) تقدم في (المقدمة)) ٦/ ٤٠. ٣ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن سعد بن إبراهيم الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ فاضلٌ، من صغار [٩] (ت٢٠٨) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٩/ ١٤١. ٤ - (أَبُوهُ) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حجةٌ [٨] (ت١٨٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤١/٩. ٥ - (يَزِيدُ بْنُ الْهَادِ) هو: يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد، تقدّم قبل باب. ٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ خَبَّابِ) الأنصاريّ النجّاريّ مولاهم المدنيّ، ثقةٌ [٣] مات بعد المائة (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٥١٩/٩٦. ٧ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سِنَان بن عُبيد الأنصاريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﴿ه، مات سنة (٣ أو ٤ أو ٦٥) وقيل: (٧٤) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٨٥. ٨ - (أُسَيْدُ بْنُ خُضَيْرٍ) - بتصغير الاسمين - ابن سماك بن عَتِيك الأنصاريّ الأشهليّ، أبو يحيى الصحابيّ الجليل، مات ظُه سنة (٢١) (ع) تقدم في ((الحيض)) ٧٠٠/٣. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف ◌َُّهُ، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتفاقهما في كيفيّة التحمّل والأداء. ٢٨٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له النسائيّ، والثاني تفرّد به هو وأبو داود. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخيه، فالأول مكيّ، والثاني بغداديّ، ويعقوب وأبوه مدنيّان وبغدادیّان. ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث من أوله إلى آخره. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ: أبي سعيد، عن البراء ظه، ورواية تابعيّ، عن تابعيّ: يزيد، عن عبد الله بن خبّاب، ورواية الابن عن أبيه. ٦ - (ومنها): أن أبا سعيد ◌ُبه من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثاً، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (حَدَّثَهُ) أي: (عن عَبْدِ اللهِ بْنِ خَبَّبٍ) تَظْهُ (أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ) رموعيه عبدَ الله بنَ خبّاب (أَنَّ أُسَيْدَ) مصغّراً (ابْنَ حُضَيْرٍ) - بضمّ الحاء المهملة، وفتح الضاد المعجمة، آخره راء -. [تنبيه]: ظاهر قوله: ((أن أُسيد بن حضير ... إلخ)) يدلّ على أن الحديث من مسند أبي سعيد الخدريّ رَظُه، لكن الصواب أنه من مسند ◌ُسيد بن حُضير نَظُه، لا من مسند أبي سعيد نظ﴿به، والدليل على ذلك قوله: ((قال أسيدٌ: فخشيث أن تطأ يحيى ... )) إلى أن قال: ((قال: فغدوت على رسول الله (وَ))، فإنه ظاهر في كون أبي سعيد ظ به أخذه من أُسيد ◌َظُبه. وقد أورد الإمام البخاريّ الحديث في ((صحيحه))، فقال معلّقاً: ((وقال الليث: حدّثني يزيد بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن أسيد بن حُضير ... )) فساق الحديث. ثم قال: ((قال ابن الهاد: وحدّثني هذا الحديث عبد الله بن خبّاب، عن أبي سعيد الخدريّ، عن أُسيد بن حُضير)). انتهى. قال في ((الفتح)): قوله: ((وقال الليث ... إلخ)) وصله أبو عبيد، في ((فضائل القرآن))، عن يحيى بن بكير، عن الليث بالإسنادين جميعاً. ٢٨٥ (٣٧) - بَابُ نُزُولِ السَّكِينَةِ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ - حديث رقم (١٨٥٩) وقوله: ((حدثني يزيد بن الهاد))، هو ابن أسامة بن عبد الله بن شداد بن الهاد . وقوله: ((عن محمد بن إبراهيم)) هو التيميّ، وهو من صغار التابعين، ولم يُدرك أُسيد بن حُضير، فروايته عنه منقطعةٌ، لكن الاعتماد في وصل الحديث المذكور على الإسناد الثاني. قال الإسماعيليّ: محمد بن إبراهيم، عن أُسيد بن حُضير مرسلٌ، وعبد الله بن خَبّاب، عن أبي سعيد متصلٌ، ثم ساقه من طريق عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن يزيد بن الهاد، بالإسنادين جميعاً، وقال: هذه الطريق على شرط البخاريّ. قال الحافظ: وجاء عن الليث فيه إسناد ثالث، أخرجه النسائيّ من طريق شعيب بن الليث، وداود بن منصور كلاهما عن الليث، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن يزيد بن الهاد بالإسناد الثاني فقط. وأخرجه مسلم، والنسائيّ أيضاً من طريق إبراهيم بن سعد، عن يزيد بن الهاد بالإسناد الثاني، لكن وقع في روايته: عن أبي سعيد، عن أُسَيد بن حُضَير، وفي لفظ عن أبي سعد، أن أسيد بن حضير قال، لكن في سياقه ما يدلّ على أن أبا سعيد إنما حمله عن أُسيد، فإنه قال في أثنائه: قال أسيد: فخَشِيت أن يطأ يحيى، فغدوت على رسول الله وَطر، فالحديث من مسند أسيد بن حضير. وليحيى بن بكير فيه عن الليث إسناد آخر، أخرجه أبو عبيد أيضاً من هذا الوجه، فقال: عن ابن شهاب، عن أبي بن كعب بن مالك، عن أُسيد بن (١) خُضير. انتهى(١). (بَيْتَمَا) تقدّم أن أصلها ((بين)) الظرفيّة زيدت عليها ((ما)) (هُوَ لَيْلَةً) منصوب على الظرفيّة، متعلّق بـ(يَقْرَأُ فِي مِرْبَدِهِ) بكسر الميم، وفتح الموحّدة: هو الموضع الذي تُجَفَّف فيه التمر، كالْبَيْدر للحنطة ونحوها(٢). (١) ((الفتح)) ٦٨٠/٨. (٢) ((شرح النوويّ)) ٨٣/٦. ٢٨٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها ووقع في رواية أبي بن كعب المذكورة: ((أنه كان يقرأ على ظهر بيته))، وهذا مغاير للقصة التي فيها أنه كان في مِرْبَدِهِ. وكذا ما جاء أن ابنه كان إلى جانبه، وفرسه مربوطة، فخَشِيَ أن تطأه، وهذا كله مخالفٌ لكونه كان حينئذ على ظهر البيت، إلا أن يراد بظهر البيت خارجه، لا أعلاه فتتحد القصتان، أفاده الحافظ نَظُّهُ. وفي رواية محمد بن إبراهيم، عن أُسيد بن حُضير عند البخاريّ: ((بينما هو يقرأ من الليل سورة البقرة))، وفي رواية ابن أبي ليلى، عن أُسيد بن حُضير: ((بينا أنا أقرأ سورة، فلما انتهيت إلى آخرها))، أخرجه أبو عُبيد، ويستفاد منه أنه ختم السورة التي ابتدأ بها . (إِذْ) هي الْفُجائيّة، قال ابن هشام تَظْتُهُ في تعداد معاني ((إذ)): والرابع أن تكون للمفاجأة، نصّ على ذلك سيبويه، وهي الواقعة بعد ((بينا))، أو ((بينما))، كقوله [من البسيط]: اسْتَقْدِرِ اللهَ خَيْراً وَارْضَيَنَّ بِهِ فَبَيْنَمَا الْعُسْرُ إِذْ دَارَتْ مَيَاسِيرُ وهل هي ظرف مكان، أو زمان، أو حرف بمعنى المفاجأة، أو حرف توكيد؛ أي: زائد؟ أقوال، راجع تفاصيلها في ((المغني)) (١). (جَالَتْ فَرَسُهُ) أي: وَثَبَت، قال النوويّ دَخَُّ: قال هنا: ((جالت))، فأنّث الفرس، وفي الرواية السابقة: ((وعنده فرسٌ مربوط))، فذكّره، وهما صحيحان، والفرس يقع على الذكر والأنثى. انتهى(٢). زاد في رواية البخاريّ: ((فَسَكَتَ، فَسَكَنَتْ)). (فَقَرَأَ) أي: مرّة أخرى، بعد قطعه القراءة (ثُمَّ جَالَتْ أُخْرَى) أي: مرّةً أخرى (فَقَرَأَ، ثُمَّ جَالَتْ أَيْضاً) أي: مرّة ثالثةً، وعند ابن حبّان من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أُسيد ◌َُّه: ((بينما أنا أقرأ الليلةَ سورةَ البقرة إذ سمعت وَجْبَةً من خلفي، فظننت أن فرسي انطلق ... )). أُه (فَخَشِيتُ) بكسر الشين المعجمة، (قَالَ) وفي نسخة: ((فقال)) (أُسَيْدٌ) (١) ((مغني اللبيب عن كتب الأعاريب)) ١٧٠/١ - ١٧١. (٢) ((شرح النوويّ)) ٨٣/٦. ٢٨٧ (٣٧) - بَابُ نُزُولِ السَّكِينَةِ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ - حديث رقم (١٨٥٩) ومضارعه يَخْشَى؛ أي: خِفْتُ (أَنْ تَطَّأَ يَحْيَى) اسم ولده الذي كان نائماً إلى جنبه (فَقُمْتُ إِلَيْهَا) أي: إلى الفرس؛ ليمنعها من وطىء ولده بيده، أو بإحكام رباطِها (فَإِذَا) هي الْفُجائيّة؛ أي: ففاجأني وجود مثلِ الظلّة ... إلخ (مِثْلُ الظُّلَّةِ) بضمّ الظاء، وتشديد اللام: هي السحابة فوق الرأس، مأخوذة من الظلّ، فقوله: (فَوْقَ رَأْسِي) ذُكر توكيداً (فِيهَا أَمْثَالُ السُّرُجِ) بضمّتين: جمعُ سِرَاج، وهو: المصباح، شَّه الأنوار التي رآها في السحابة بالمصابيح، بجامع الإضاءة، ووضوح الأشياء بها، والله تعالى أعلم. (عَرَجَتْ) بفتح الراء: من باب نصر: أي: صَعِدت (فِي الْجَوِّ) - بفتح الجيم، وتشديد الواو - هو: ما بين السماء والأرض، ويُطلق أيضاً على ما اتّسع من الأودية، والجمع: الْجِوَاءُ، بالكسر، مثلُ سَهْم وسِهَامِ(١)، والإطلاق الأول هو المراد هنا . وقوله: (حَتَّى مَا أَرَاهَا) ((حتّى)) غاية لعروجها في الجوّ، و((ما)) نافية (قَالَ) أُسيد نَظَه (فَغَدَوْتُ) أي: ذهبت أول النهار، قال الفيّومِيّ تَخُّْهُ: غَدّا غُدُوّاً، من باب قَعَدَ: ذَهَبَ غُدْوَةً، وهي ما بين صلاة الصبح وطلوع الشمس، وجمع الْغُدُوّ غُدَى، مثلُ مُدْيَةٍ ومُدَى، هذا أصله، ثم كَثُرَ حتى استُعْمِلَ في الذهاب والانطلاق أيَّ وقت كان، وكمثل قوله بَّه: ((واغْدُ يا أُنيسُ إلى امرأة هذا ... )) الحديث، متّفقٌ عليه؛ أي: وانطلق إليها. انتهى (٢). (عَلَى رَسُولِ اللهِ نَّهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، بَيْنَمَا أَنَا الْبَارِحَةَ) تقدّم قريباً أنها الليلة الماضية، وأن العرب تقول: فعلنا الليلة كذا؛ لقربها من وقت الكلام، وتقول بعد الزوال: فعلنا البارحة كذا (مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ) ((من)) بمعنى ((في))، أو هي للتبعيض (أَقْرَأْ فِي مِرْبَدِي) وفي نسخة: ((في مِرْبَدٍ لي))، وتقدّم أنه مكان تجفيف التمر (إِذْ جَالَتْ فَرَسِي) أي: وثبت، وأنّث الفعل، لما تقدّم. (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((اقْرَأْ ابْنَ خُضَيْرٍ))) منادى بحذف حرف النداء؛ أي: يا ابن حُضير، وفي رواية البخاريّ بإثباتها . والمعنى: أنه كان ينبغي أن تستمرّ على قراءتك، وليس أمراً له بالقراءة (١) راجع: ((المصباح المنير)) ١١٥/١. (٢) ((المصباح المنير)) ٤٤٣/٢. ٢٨٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها في حالة التحديث، وكأنه استحضر صورةً الحال، فصار كأنه حاضر عنده لَمّا رأى ما رأى، فكأنه يقول: استَمِرّ على قراءتك؛ لتستمر لك البركة بنزول الملائكة، واستماعها لقراءتك، وفَهِمَ أسيد ظُبه ذلك، فأجاب بعذره في قطع القراءة، وهو قوله: ((فخَشِيتُ أن تطأ يحيى))؛ أي: خِفْتُ إن استمررت على القراءة أن تطأ الفرس ولدي، ودلّ سياق الحديث على محافظة أسيد رَظُبه على خشوعه في صلاته؛ لأنه كان يمكنه أوّلَ ما جالت الفرس أن يرفع رأسه، وكأنه كان بلغه حديث النهي عن رفع المصلي رأسه إلى السماء، فلم يرفعه حتى اشتد به الْخَطْبُ. ويَحْتَمِلُ أن يكون رفع رأسه بعد انقضاء صلاته، فلهذا تمادى به الحال ثلاث مرات. وقال القرطبيّ كَخَُّ: قوله مَ﴿ لابن حُضير: ((اقرأ)) عند إخباره له بما رأى، هو أمرٌ له بالمداومة على القراءة فيما يستأنفه فرحاً بما أطلعه الله تعالى عليه، وكرّر ذلك تأكيداً. انتهى(١). وفي رواية ابن حبّان من طريق ابن أبي ليلى، عن أُسيد المذكورة: ((فقال رسول الله وَ﴿: اقرأ يا أبا عَتِيك))، فالتفتّ، فإذا مثل المصباح مُدَلَّى بين السماء والأرض، وأبو عتيك كُنية أُسيد بظپته . (قَالَ) أُسيد ◌َظَهُ (فَقَرَأْتُ) أي: مرّةً ثانيةً (ثُمَّ جَالَتْ أَيْضاً، فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((اقْرَأِ ابْنَ حُضَيْرٍ))، قَالَ) أُسيد رَّهِ (فَقَرَأْتُ) أي: مرّةً ثالثةً (ثُمَّ جَالَتْ أَيْضاً، فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((اقْرَأِ ابْنَ حُضَيْرٍ))، قَالَ) أسيدٌ مضِعنْه (فَانْصَرَفْتُ) أي: رجعت من صلاتي، والظاهر أنه بعد الخروج منها بالسلام (وَكَانَ يَحْيَى قَرِيباً مِنْهَا) أي: من الفرس (خَشِيتُ أَنْ تَطَأَهُ، فَرَأَيْتُ مِثْلَ الظُّلَّةِ، فِيهَا أَمْثَالُ السُّرُجِ، عَرَجَتْ فِي الْجَوِّ، حَتَّى مَا أَرَاهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((تِلْكَ الْمَلَائِكَةُ) أي: الظّة التي رأيتها هي الملائكة التي (كَانَتْ تَسْتَمِعُ لَكَ) أي: لسماع قراءتك، وفي رواية البخاريّ: ((تلك الملائكة دَنَتْ لصوتك))، وفي رواية أُبيّ بن كعب: ((وكان أُسيد حسن الصوت))، وفي رواية يحيى بن أيوب، عن (١) ((المفهم)) ٤٣٨/٢. ٢٨٩ (٣٧) - بَابُ نُزُولِ السَّكِينَةِ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ - حديث رقم (١٨٥٩) يزيد بن الهاد، عند الإسماعيليّ أيضاً: ((اقرأ أُسَيْدُ، فقد أوتيت من مزامير آل داود))، وفي هذه الزيادة إشارة إلى الباعث على استماع الملائكة لقراءته، وأنها إنما دنت منه؛ لحسن صوته، وجودة قراءته، والله تعالى أعلم. (وَلَوْ قَرَأْتَ) وفي رواية ابن أبي ليلى: ((أما إنك لو مَضَيتَ)) (لَأَصْبَحَتْ يَرَاهَا النَّاسُ، مَا تَسْتَتِرُ مِنْهُمْ))) قال القرطبيُّ تَخُّْهُ: يعني: لو دُمت على حالتك في قراءتك لأصبحت على تلك الحال ظاهرةً للناس، لكنه قطع القراءة، فارتفعت الملائكة، وغابت لتخصيص الكرامة به، وليعمَلَ الناس على التصديق بالغيب. انتهى(١). وفي رواية البخاريّ: ((لأصبحت ينظر الناس إليها، لا تتوارى منهم))، وفي رواية ابن أبي ليلى: (لرأيت العجائب))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أُسيد بن حُضير ◌َظُهُ هذا متّفقٌ عليه، لكن البخاريّ أورده معلّقاً، فقال: وقال الليث: حدّثني يزيد بن الهاد ... إلخ. [تنبيه]: قد قدّمنا أن هذا الحديث من مسند أُسيد بن حُضير، لكن الحافظ أبو الحجّاج المزيُّ جعله من مسند أبي سعيد الخدريّ رَُّبه، والحقّ أنه من مسند أُسيد، رواه عنه أبو سعيد رظُه؛ لدلالة سياق الحديث عليه، كما أسلفنا تحقيقه، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٨٥٩/٣٧] (٧٩٦)، و(البخاريّ) في ((فضائل القرآن)) (٥٠١٨)، و(النسائيّ) في ((فضائل الصحابة)) (١٤٠) و((فضائل القرآن)) (٤١ و٩٩)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٨١/٣)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٧٧٩)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٥٦٦)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (١/ ٥٥٤)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣٩٠٤ و٣٩٠٥ و٣٩٠٦)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٨٠٩ و١٨١٠)، والله تعالى أعلم. (١) ((المفهم)) ٤٣٩/٢. ٢٩٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): ما قاله النوويُّ كَّلُهُ: في هذا الحديث جواز رؤية آحاد الأمة للملائكة، قال الحافظ: كذا أطلق، وهو صحيح لكن الذي يظهر التقييد بالصالح مثلاً، والحسن الصوت. انتهى. ٢ - (ومنها): أن فيه فضيلةَ القراءة، وأنها سبب نزول الرحمة، وحضور الملائكة . قال الحافظ تَخّتُهُ: الحكم المذكور أعمّ من الدليل، فالذي في الرواية إنما نشأ عن قراءة خاصة، من سورة خاصة بصفة خاصة، ويَحْتَمِل من الخصوصية ما لم يُذْكَر، وإلا لو كان على الإطلاق لحصل ذلك لكل قارئ. ٣ - (ومنها): أنه قد أشار في آخر الحديث بقوله: ((ما تستتر منهم)) إلى أن الملائكة لاستغراقهم في الاستماع، كانوا يستمرّون على عدم الاختفاء الذي هو من شأنهم. ٤ - (ومنها): بيان منقبةً عظيمة لأُسيد بن حُضير رضى عنه . ٥ - (ومنها): بيان فضل قراءة سورة البقرة في صلاة الليل، وفضل الخشوع في الصلاة، وأن التشاغل بشيء من أمور الدنيا، ولو كان من المباح قد يُفَوِّت الخير الكثير، فكيف لو كان بغير الأمر المباح، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . (٣٨) - (بابُ بَيَانِ فَضِيلَةٍ حَافِظِ الْقُرْآنِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٨٦٠] (٧٩٧) - (حَدَّثَنَا(١) قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، قَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ ء (١) وفي نسخة: ((وحدّثنا). ٢٩١ (٣٨) - بَابُ بَيَانِ فَضِيلَةٍ حَافِظِ الْقُرْآنِ - حديث رقم (١٨٦٠) أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، مَثَلُ الْأَثْرُجَّةِ، رِيحُهَا طَيِّبٌ، وَطَعْمُهَا طَيِّبٌ، وَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، مَثَلُ الثَّمْرَةِ، لَا رِيحَ لَهَا، وَطَعْمُهَا حُلْوٌ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، مَثَلُ الرَّيْحَانَةِ، رِيحُهَا طَيِّبٌ، وَطَعْمُهَا مُرٍّ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، كَمَثَلِ الْحَنْظَلَةِ، لَيْسَ لَهَا رِبِحٌ، وَطَعْمُهَا مُرِّ)). رجال هذا الإسناد: ستة : ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل بابین. ٢ - (أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ) فُضيل بن حسين البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٣٧) (خت م د ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٧. ٣ - (أَبُو عَوَانَةَ) الوضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ البزّاز، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت٥ أو١٧٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢. ٤ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السَّدوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رأس [٤] (ت١١٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٠. ٥ - (أَنَسُ) بن مالك ◌ُه تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٦ - (أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ) ◌َُبه، تقدّم قبل باب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيات المصنّف ◌َظّتُهُ. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، وأبو كامل علّق له البخاريّ، وأخرج له الباقون. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين، غير قُتيبة، فبغلانيّ، وأبي عوانة، فواسطيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ عن صحابيّ، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَنَسٍ) بن مالك خادم رسول الله وَّر الصحابيّ المشهور رَؤُه، ووقع في رواية البخاريّ من طريق همّام، قال: حدّثنا قتادة، قال: حدّثنا أنس بن ٢٩٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها مالك، فصرّح قتادة بالتحديث، فسلم من تُهمة التدليس، على أنه في الرواية من طريق شعبة، عن قتادة، وشعبة لا يروي عن شيوخه المدلّسين إلا ما صرّحوا بالسماع، وقد قلت في ذلك: إِلَّا الَّذِي سَمِعَهُ فَاسْتَأُنِسٍ شُعْبَةُ لَا يَرْوي عَنِ الْمُدَلِّسِ قَتَادَةٍ أَوِ السَّبِيعِي مَا رَوَوَا لِذَا إِذَا رَوَى عَنِ الأَعْمَشِ أَوْ كَفَاكَهُ هَذَا الإِمَامُ الْمُعْتَمَدْ مُعَنْعَناً لَا تَخْشَ تَدْلِيساً فَقَدْ (عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ) عبد الله بن قيس بن حضّار بن سُليم الصحابيّ المشهور رَظ ◌ُه أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَثَلُ) أي: صفةُ (الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ) أي: ويعمل به، كما وقع في رواية للبخاريّ من طريق شعبة، عن قتادة، بلفظ: ((المؤمن الذي يقرأ القرآن، ويَعْمَل به))، وهي زيادة مفسرة للمراد، وأن التمثيل وقع بالذي يقرأ القرآن، ولا يخالف ما اشتمل عليه، من أمر، ونهي، لا مطلق التلاوة. وعبّر بصيغة المضارع لإفادة تكريره لها، ومداومته عليها، حتى صارت دأبه وعادته، كفلان يَقري الضيف، ويحمي الحريم، ويُعطي اليتيم. وقال الطيبيّ نَّثُهُ: إثبات القراءة في قوله وَليه: ((يقرأ القرآن)) على صيغة المضارع، ونفيها في قوله: ((لا يقرأ القرآن)) ليس المراد منها حصولها مرّة، ونفيها بالكلّية، بل المراد منها الاستمرار، والدوام عليها، فإن القراءة دأبه وعادته، أو ليس ذلك من هِجّيراه، كقولك: فلان يَقْرِي الضيفَ، ويَحمِي الحریم. انتھی(١). (مَثَلُ الْأَتْرُجَّةِ) بضم الهمزة والراء، بينهما مثناة ساكنة، وآخره جيم ثقيلة، وقد تخفف، ويزاد قبلها نون ساكنة، ويقال: بحذف الألف مع الوجهين، فتلك أربع لغات، وتبلغ مع التخفيف إلى ثمانية، قاله في ((الفتح))(٢). وقال في ((القاموس)): الأُتْرُجُ، والأُتْرُجَّةُ، والتُّرُنْجُ، والتُّرُنْجَةُ: معروف. انتهى. (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٦٣٧/٥. (٢) ((الفتح)) ٦٨٣/٨ - ٦٨٤. ٢٩٣ (٣٨) - بَابُ بَيَانِ فَضِيلَةِ حَافِظِ الْقُرْآنِ - حديث رقم (١٨٦٠) (رِيحُهَا طَيِّبٌ، وَطَعْمُهَا طَيِّبٌ) قيل: خص صفة الإيمان بالطعم، وصفة التلاوة بالريح؛ لأن الإيمان ألزم للمؤمن من القرآن؛ إذ يمكن حصول الإيمان بدون القراءة، وكذلك الطعم ألزم للجوهر من الريح، فقد يذهب ريح الجوهر، ویبقی طعمه. ثم قيل: الحكمة في تخصيص الأترجّة بالتمثيل، دون غيرها من الفاكهة، التي تجمع طيب الطعم والريح، كالتفاحة لأنه يُتَدَاوى بقشرها، وهو مفرٌِّ بالخاصية، ويُستخرج من حَبِّها دُهن له منافع. وقيل: إن الجنّ لا تقرب البيت الذي فيه الأترج، فناسب أن يُمَثَّل به القرآن، الذي لا تقربه الشياطين، وغلاف حَبِّه أبيض، فيناسب قلب المؤمن، وفيها أيضا من المزايا، كبر جرمها، وحسن منظرها، وتفريح لونها، ولين ملمسها، وفي أكلها مع الالتذاذ طيب نكهة، ودباغ مَعِدة، وجَودة هضم، ولها منافع أخرى، مذكورة في ((المفردات)). وقال المظهر تخّلُهُ: المؤمن الذي يقرأ القرآن هكذا من حيث الإيمان في قلبه ثابتٌ، طيّب الباطن، ومن حيث إنه يقرأ القرآن، ويستريح الناس بصوته، ويُثابون بالاستماع إليه، ويتعلّمون منه مثلُ الأترجّة، يستريح الناس برائحتها . وقال التوربشتيّ كَّتُهُ: الْمَثَلُ عبارة عن المشابهة بغيره في معنى من المعاني؛ لإدناء المتوهّم عن المشاهَد، وكان النبيّ وَّ يُخاطب بذلك العرب، ويُحاورهم، ولم يكن ليأتي في الأمثال بما لم تشاهده، فيجعلَ ما أورده للتبيان مزيداً للإبهام، بل يأتيهم بما شاهدوه، وعرفوه؛ ليبلغ ما انتحاه من كشف الغطاء، ورفع الحجاب، ولم يوجد فيما أخرجته الأرض من بركات السماء، لا سيما من الثمار الشجريّة التي آنستها العرب في بلادهم أبلغ في هذا المعنى من الأترجّة، بل هي أفضل ما يوجد من الثمار في سائر البلدان الأخرى، وأجدى؛ لأسباب كثيرة جامعة للصفات المطلوبة منها، والخواصّ الموجودة فيها، فمن ذلك كبر جِرْمها، وحسن منظرها، وطيب مطعمها، ولين ملمسها، وذكاء أَرَجها، تملأ الأكفّ بكبر جِرْمها، وتكسيها ليناً، وتُفعم الخياشيم طيباً، وتأخذ بالأبصار صبغةً ولوناً، فاقعٌ لونها تسرّ الناظرين، تتوق إليها النفس قبل التناول، تفيد آكلها بعد الالتذاذ بذواقها طيب نكهة، ودباغ معدة، وقوّة هضم، ٢٩٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها اشتركت الحواسّ الأربع دون الاحتظاء بها: البصر، والذوق، والشمّ، واللمس، ثم إنها في أجزائها تنقسم على طبائعَ، فقشرها حارّ يابسٌ، ولحمها حارّ رَظْبٌ، وحماضها باردٌ يابسٌ، وبذرها حارّ مجفّفٌ، وفيها من المنافع ما هو مذكور في الكتب الطبيّة، وأيّةُ ثمرة تبلُغ هذا المبلغ في كمال الخِلقة، وشمول المنفعة؟. ثم إنه ◌ٍَّّ ضرب المثل بما تُنبته الأرض، ويُخرجه الشجر؛ للمشابهة التي بينها وبين الأعمال، فإنها من ثمرات النفوس، فخصّ ما يُخرجه الشجر من الأُتْرُجّة والتمر بالمؤمن، وما تُنبته الأرض من الحنظلة والريحانة بالمنافق؛ تنبيهاً على علوّ شأن المؤمن، وارتفاع عمله، ودوام ذلك، وتوقيفاً على ضَعَةِ شأن المنافق، وإحباط عمله، وقلّة جدواه. قال الطيبيّ نَّثهُ: اعلم أن هذا التشبيه والتمثيل في الحقيقة وصف الموصوفٍ اشتَمَلَ على معنى معقولٍ صِرْفٍ، لا يُبْرِزُهُ عن مكنونه إلا تصويره بالمحسوس المشاهد، ثم إن كلام الله تعالى المجيد له تأثيره في باطن العبد وظاهره، وإن العباد متفاوتون في ذلك، فمنهم من له النصيب الأوفر من ذلك التأثير، وهو المؤمن القارىء، ومنهم من لا نصيب له البتّةَ، وهو المنافق الحقيقيّ، ومن تأثّر ظاهره دون باطنه، وهو المرائي، أو بالعكس، وهو المؤمن الذي لم يقرأه، وإبراز هذه المعاني، وتصويرها في المحسوسات ما هو مذكور في الحديث، ولم يجد ما يوافقها ويلائمها أقرب، ولا أحسن، ولا أجمع من ذلك؛ لأن المشبّهات والمنبّه بها ورادة على التقسيم الحاصر؛ لأن الناس إما مؤمنٌ، أو غير مؤمن، والثاني إما منافقٌ صِرْفٌ، أو مُلحقٌ به، والأول إما مواظبٌ على القراءة، أو غير مواظبٍ عليها، فعلى هذا قس الأثمار المشبّه بها، ووجه الشبه في المذكورات مركّبٌ منتزعٌ من أمرين محسوسین: طعمٌ وريحٌ، وليس بمفرّق، كما في قول امرىء القيس [من الطويل]: لَدَى وَكْرِهَا الْعُنَّابُ وَالْحَشَفُ الْبَالِي كَأَنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَظْباً وَيَابِساً انتهى كلام الطيبيّ ◌َُّهُ(١). (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٦٣٦/٥ - ١٦٣٧. ٢٩٥ (٣٨) - بَابُ بَيَانِ فَضِيلَةِ حَافِظِ الْقُرْآنِ - حديث رقم (١٨٦٠) وقال في ((الفتح)): [فإن قيل]: لو كان لكثرة التقسيم، كأن يقال: الذي يقرأ، ويعمل، وعكسه، والذي يعمل، ولا يقرأ، وعكسه، والأقاسم الأربعة، ممكنة في غير المنافق، وأما المنافق، فليس له إلا قسمان فقط؛ لأنه لا اعتبار بعمله، إذا کان نفاقه نفاق كفر. [وكأن الجواب عن ذلك]: أن الذي حُذف من التمثيل قسمان: الذي يقرأ ولا يعمل، والذي لا يعمل ولا يقرأ، وهما شبيهان بحال المنافق، فيمكن تشبيه الأول بالريحانة، والثاني بالحنظلة، فاكتفى بذكر المنافق، والقسمان الآخران قد ذُكِرا(١). (وَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ) أي: ويعمل به، كما في الرواية الأخرى (مَثَلُ الثَّمْرَةِ) بالتاء المثنّاة، وسكون الميم (لَا رِيحَ لَهَا) وفي رواية للبخاريّ: ((لا ريح فيها)) (وَطَعْمُهَا حُلْوٌ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، مَثَلُ الرَّيْحَانَةِ) - بفتح الراء - هي: كلّ نبت طَيِّبِ الربح من أنوع المشموم (رِيحُهَا طَيِّبٌ، وَطَعْمُهَا مُرٍّ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ) وفي همّام، عن قتادة: ((ومثل الفاجر)) بدل المنافق، كما سيشير إليه المصنّف تَظْلَتُ (الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، كَمَثَلِ الْحَنْظَلَةِ) هي: كلّ نبات يمتدّ على الأرض كالبطيخ، وثمره يُشبه ثمر البطيخ، لكنه أصغر منه جدّاً، ويُضرب المثل بمرارته(٢). (لَيْسَ لَهَا رِيحٌ، وَطَعْمُهَا مٍُّ))) وفي رواية للبخاريّ، من طريق شعبة، عن قتادة: (وريحها مر)). [واستُشْكِلت]: هذه الرواية من جهة أن المرارة، من أوصاف الطعوم، فكيف يوصف بها الريح؟. [وأجيب]: بأن ريحها لما كان كريهاً، استُعير له وصف المرارة. وأطلق الزركشيّ هنا أن هذه الرواية وَهَمِّ، وأن الصواب ما في رواية هذا الباب: ((ولا ريح لها))، ثم قال في ((كتاب الأطعمة)) لَمّا جاء فيه: ((ولا ريح لها))، هذا أصوب من رواية الترمذي: ((طعمها مر، وريحها مر))، ثم ذكر توجيهها، وكأنه ما استحضر أنها في هذا الكتاب، وتكلّم عليها، فلذلك نسبها (١) ((الفتح)) ٦٨٤/٨ ((كتاب فضائل القرآن)) رقم (٥٠٢٠). (٢) ((المرعاة)) ١٧٨/٧. ٢٩٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها للترمذي، قاله في ((الفتح))(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس تظ له هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٨٦٠/٣٨ و١٨٦١] (٧٩٧)، و(البخاريّ) في ((فضائل القرآن)) (٥٠٢٠ و٥٠٥٩) و((الأطعمة)) (٥٤٢٧) و((التوحيد)) (٧٥٦٠)، و(أبو داود) في ((الأدب)) (٤٨٢٩ و٤٨٣٠)، و(الترمذيّ) في ((الأمثال)) (٢٨٦٥)، و(النسائيّ) في ((الإيمان)) (٥٠٤٠) و((فضائل القرآن)) من ((الكبرى)) (١٠٦ و١٠٧)، و(ابن ماجه) في ((المقدّمة)) (٢١٤)، وأخرجه (عبد الرزاق) في (مصنّفه)) (٢٠٩٣٣)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٢٥٩/١٠ و٥٣٠)، و(أحمد) في («مسنده)) (٣٩٧/٤ و٤٠٣ و٤٠٤ و٤٠٨)، و(عبد بن حميد) في ((مسنده)) (٥٦٥)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٣٣٦٦)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٧٧٠)، و(البغويّ) في ((شرح السنة)) (١١٧٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضيلة حاملي القرآن، وقارئيه. ٢ - (ومنها): ضرب المثل للتقريب للفهم، وأن المقصود من تلاوة القرآن العمل بما دلّ عليه، لا مطلق التلاوة؛ لقوله في الزيادة السابقة: ((ويعمل به)). ٣ - (ومنها): تشبيه القرآن بالأترجّة؛ لأنها من أفضل الثمار؛ لكبر جِرمها، وحسن منظرها، وطيب طعمها، ولين ملمسها، ولونها يسرّ الناظرين. ٤ - (ومنها): أن فيه تشبيه الإيمان بالطعم الطيب؛ لكونه خيراً باطنيّاً، لا يظهر لكلّ أحد، وتشبيه القرآن بالريح الطيّب، ينتفع بسماعه كلُّ أحد، ويظهر سمحاً لكلّ سامع. (١) ((الفتح)) ٦٨٤/٨، ((كتاب فضائل القرآن)) رقم (٥٠٢٠). ٢٩٧ (٣٨) - بَابُ بَيَانِ فَضِيلَةٍ حَافِظِ الْقُرْآنِ - حديث رقم (١٨٦١) ٥ - (ومنها): ما قال التوربشتيّ رحمه الله تعالى: إن النبيّ ◌َ﴾ أشار في ضرب هذا المثل إلى معان لا يَهتدِي إليها إلا من أُيِّدَ بالتوفيق: فمنها أنه ضرب المثل بما تنبته الأرض، ويُخرجه الشجر للمشابهة التي بينها وبين الأعمال، فإنها من ثمرات النفوس، والمثل وإن ضُرب للمؤمن نفسِهِ، فإن العبرة فيه بالعمل الذي يصدر منه؛ لأن الأعمال هي الكاشفة عن حقيقة الحال. ومنها: أنه ضرب مثل المؤمن بالأترجّة والتمرة، وهما مما يُخرجه الشجر، وضرب مثل المنافق بما تنبته الأرض؛ تنبيهاً على علو شأن المؤمن، وارتفاع عمله، ودوام ذلك وبقائه ما لم تيبس الشجرة، وتوقيفاً على ضَعَة شأن المنافق، وإحباط عمله، وقلّة جدواه، وسقوط منزلته. ومنها: أن الأشجار المثمرة لا تخلو عمن يغرسها، فيسقيها، ويُصلح أودها، ويربيها، وكذلك المؤمن يقيّض له من يؤدّبه، ويُعلّمه، ويُهذّبه، ويلُمّ شَعْته، ويسوّيه، ولا كذلك الحنظلة المهملة المتروكة بالعراء، والمنافق الذي وُكِلَ إلى شيطانه وطبعه وهواه (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٨٦١] (.) - (وَحَدَّثَنَا هَذَّابُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ شُعْبَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ هَمَّامٍ بَدَلَ ((الْمُنَافِقِ)): ((الْفَاجِرِ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (هَذَّابُ بْنُ خَالِدٍ) بن الأسود القيسيّ، أبو خالد البصريّ، ويقال له: هُدْبة، ثقة عابدٌ، تفرّد النسائيّ بتليينه، من صغار [٩] مات سنة بضع (٢٣٠) (خ م د) تقدم في ((الإيمان)) ١٥١/١١. (١) راجع: ((المرعاة)) ١٧٨/٧ - ١٧٩. ٢٩٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها ٢ - (هَمَّامُ) بن يحيى بن ديار الْعَوْذيّ، أبو عبد الله، أو أبو بكر البصريّ، ثقة [٧] (ت٤ أو ١٦٥) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٠. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم في الباب الماضي. ٤ - (يَحْبَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٥ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم في الباب الماضي. و((قتادة)) ذُكر قبله. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ) أي: بإسناد قتادة الماضي، وهو: عن أنس، عن أبي موسى الأشعريّ [تنبيه]: رواية همّام، عن قتادة هذه ساقها الإمام البخاريُّ كَّلُ، في ((صحيحه))، فقال: (٥٠٢٠) حدّثنا هُذْبة بن خالد أبو خالد، حدثنا همام، حدثنا قتادة، حدّثنا أنس بن مالك، عن أبي موسى الأشعريّ، عن النبيّ وَلّ قال: ((مثل الذي يقرأ القرآن كالأَتْرُجّة، طعمها طيب، وريحها طيب، والذي لا يقرأ القرآن كالتمرة، طعمها طيب، ولا ريح لها، ومثل الفاجر الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة، ريحها طيب، وطعمها مُرّ، ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة، طعمها مرّ، ولا ريح لها)). ورواية شعبة، عن قتادة هذه ساقها الإمام البخاريُّ كَثُ أيضاً، فقال: (٥٠٥٩) حدّثنا مسدّد، حدّثنا يحيى، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن أبي موسى، عن النبيّ وَ ﴿ قال: ((المؤمن الذي يقرأ القرآن، ويعمل به كالأترجة، طعمها طيب، وريحها طيب، والمؤمن الذي لا يقرأ القرآن، ويعمل به كالتمرة، طعمها طيب، ولا ريح لها، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كالريحانة، ريحها طيب، وطعمها مرّ، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كالحنظلة، طعمها مرّ أو خبيث، وريحها مرّ))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ . ٢٩٩ (٣٩) - بَابُ بَيَانِ فَضْلِ الْمَاهِرِ بِالْقُرْآنِ، وَالَّذِي يَتَتَعْتَعُ فِيهِ - حديث رقم (١٨٦٢) (٣٩) - (بَابُ بَيَانِ فَضْلِ الْمَاهِرِ بِالْقُرْآنِ، وَالَّذِي يَتَتَعْتَعُ فِيهِ) وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج تَّهُ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٨٦٢] (٧٩٨) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِيُّ، جَمِيعاً عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، قَالَ ابْنُ عُبَيْدٍ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَام، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ، مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَيَنَتَعْتَعُ فِيهِ، وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ لَهُ أَجْرَانٍ))). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) بن جَمِيل بن طَرِيف الثقفيّ، أبو رجاء الْبَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِيُّ) البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٣٨) (م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢. ٣ - (أَبُو عَوَانَةَ) الوضّاح بن عبد الله اليشكريّ البزّاز، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت٥ أو ١٧٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢. ٤ - (قَتَادَةُ) بن دِعَامة السَّدُوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، يُدلّس، رأس [٤] (ت١١٧ أو١١٨) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٠. ٥ - (زُرَارَةُ بْنُ أَوْفَى) العامريّ الْحَرَشيّ، أبو حاجب البصريّ، قاضيها، ثقةٌ عابدٌ [٣] مات فجأة في الصلاة سنة (٩٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٣٨/٦١. ٦ - (سَعْدُ بْنُ هِشَام) بن عامر الأنصاريّ المدنيّ [٣] استُشهد بالهند (ع) تقدم في ((صلاة المسافرين)) ١٦٨٨/١٥. ٧ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ◌َؤُها، ماتت سنة (٥٧) أو بعد ذلك (ع) تقدّمت في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣١٥. ٣٠٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف تَظْلَتُهُ، وله فيه شيخان قَرَن بينهما، ثم قال: ((قال ابن عُبيد: حدّثنا أبو عوانة ... إلخ))؛ إشارة إلى اختلافهما في صغية الأداء، وأن قُتيبة لم يصرّح بالتحديث. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه ابن عُبيد، فتفرّد به هو وأبو داود والنسائيّ. ٣ - (ومنها): أنهم ما بين بغلانيّ، وهو قتيبة، وواسطيّ، وهو أبو عوانة، ومدنيّين، وهما: عائشة وسعد، وبصريين، وهم الباقون. ٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم، عن بعض: قتادة، عن زرارة، عن سعد. ٥ - (ومنها): أن فيه عائشة ضَّا أفقه نساء الأمة، وأكثرهنّ روايةً، روت (٢٢١٠) من الأحاديث. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) ◌ِؤُنا أنها (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ) أي: الحاذق بها، يقال: مَهَرَ في العلم وغيره يَمْهَرُ بفتحتين مُهُوراً ومَهَارَةً، فهو ماهرٌ؛ أي: حاذقٌ عالمٌ بذلك، ومَهَرَ في صناعته، ومَهَر بها، ومَهَرَهَا: أتقنها معرفةً، قاله الفيّوميّ تَظُّهُ(١). قال القرطبيُّ تَخْتُهُ نقلاً عن الهرويُّ تَخْتُهُ: أصل المهارة: الحِذْقُ بالسباحة، قال: ومنه قول امرىء القيس [من الرمل]: وَتَرَى الضَّبَّ خَفِيفاً مَاهِراً ثَانِياً بُرْتُنَهُ مَا يَنْعَفِرْ قال المهلّب تَخْذته: المهارة في القرآن: جَوْدة التلاوة بجودة الحفظ، ولا يتردّد فيه؛ لأنه يسّره الله تعالى عليه، كما يسّره على الملائكة، فهو على مثلها في الحفظ والدرجة. انتهى(٢). (١) (المصباح المنير)) ٥٨٢/٢ - ٥٨٣. (٢) ((المفهم)) ٤٢٤/٢ - ٤٢٥.