النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
(٣٤) - بَابُ الْأَمْرِ بِتَعَهُّدِ الْقُرْآنِ، وَكَرَاهَةِ قَوْلِ: نَسِيتُ آيَةَ كَذَا ... إلخ - حديث رقم (١٨٣٩)
ابن الأثير تَخْلُهُ، والمعنى أن حاله كحال صاحب الإبل المعقلة معها، وفي
رواية البخاري: ((كمثل صاحب الإبل المعقلة)).
و((الإبل)) - بكسرتين -: اسم جمع، لا واحد لها، وهي مؤنثة؛ لأن اسم
الجمع الذي لا واحد له من لفظه إذا كان لما لا يعقل يلزمه التأنيث، وتدخله
الهاء إذا صغر، نحو أُبَيْلَةٍ، وغُنَيْمَة، وسُمع إسكان الباء للتخفيف، ومن
التأنيث، وإسكان الباء قولُ أبي النجم [الرجزاً:
وَالإِبْلُ لَا تَصْلُحُ لِلْبُسْتَانِ وَحَنَّتِ الإِبْلُ إِلَى الأَوْطَانِ
والجمع آبال، وأبِيلٌ، كَعِبيدٍ، وإذا ثنُيٍّ أو جُمع فالمراد قطيعان، أو
قطيعات، وكذلك أسماء الجموع، نحو أبقار، وأغنام، والإبل بناء نادر، قال
سيبويه: لم يجئ على فِعِلٍ - بكسر الفاء والعين - من الأسماء إلا حرفان، إِيلٌ،
وحِبِرٌ، وهو الْقَلَحُ، ومن الصفات إلا حرف، وهي امرأة بِلِزٌ، وهي الضخمة،
وبعض الأئمة يذكر ألفاظاً غير ذلك، لم يثبت نقلها عن سيبويه. قاله في
(المصباح)).
والْمُعَقَّلَة: بضم الميم، وفتح العين، وتشديد القاف، بصيغة اسم
المفعول: أي: المشدودة بالعِقَال، وهو الحبل الذي يُشَدُّ في ركبة البعير.
شَبَّهَ النبيّ ◌َّهُ دَرْسَ القرآن، واستمرار تلاوته بربط البعير الذي يُخشَى من
الشِّرَاد، فما زال التعاهد موجوداً فالحفظ موجود، كما أن البعير ما دام مشدوداً
بالعقال، فهو محفوظ. وخص الإبل بالذكر؛ لأنها أشد الحيوان الإنسيِّ نفوراً،
وفي تحصيلها بعد استمكان نفورها صعوبة (١).
(إِنْ عَاهَدَ عَلَيْهَا) أي: إن تفقدها، وأحدث العهد بها، قال ابن
منظور تَُّهُ: والمُعاهدة، والاعتِهَادُ، والتَّعَاهُدُ، والتَّعَهُّدُ واحد، وهو إحداث
العهد بما عَهِدته، ويقال للمُحافظ على العهد: مُتَعَهِّد، ومنه قول أبي عَطَاءٍ
السِّندِيّ، وكان فصيحاً، يَرْني ابنَ هُبَيْرَة [من الطويل]:
أَقَامَ بِهِ بَعْدَ الْوُفُودِ وُفُودُ
وَإِنْ تُمْسِ مَهْجُورَ الْفِنَاءِ فَرُبَّمَا
بَلَى كُلُّ مَنْ تَحْتَ الثُّرَابِ بَعِيدُ
فَإِنَّكَ لَمْ تَبْعُدْ عَلَى مُتَعَهِّدٍ
(١) راجع: ((الفتح)) ٩٨/١٠.

٢٢٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
قال: وتَعَهَّدَ الشَّيءَ، وتعاهده، واعتهده: تفقّده، وأحدث العهد به، قال
الطّرِمَّاح [من الخفيف]:
وَيُضِيعُ الَّذِي قَدَ أوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَيْسَ يَعْتَهِدُهْ
وتَعَهَّدْتُ ضَيْعَتي، وكُلَّ شيء، وهو أفصح من قولك: تعاهدته؛ لأن
التعاهد إنما يكون بين اثنين. وفي ((التهذيب)): ولا يقال: تعاهدته. قال:
وأجازها الفراء. انتهى كلام ابن منظور باختصار(١).
(أَمْسَكَهَا) أي: استمرّ إمساكه لها، وفي رواية أيوب عن نافع: ((فإن
عقلها حفظها)).
(وَإِنْ أَطْلَقَهَا ذَهَبَتْ))) أي: إن حَلَّ وِثَاقَها وتركها انفلتت، وشَرَدَت منه،
فلا يقدر على إمساكها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر ﴿ها هذا مُتّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٨٣٩/٣٤ و١٨٤٠] (٧٨٩)، و(البخاريّ) في
((فضائل القرآن)) (٥٠٣١)، و(النسائيّ) في ((الافتتاح)) (١٥٤/٢)، و((الكبرى))
(١٠١٤ و٨٠٤١)، و(ابن ماجه) في ((الأدب)) (٣٧٨٣)، و(مالك) في
((الموطأ)) (٢٠٢/١)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٥٩٧١ و٥٩٧٢ و٦٠٣٢)،
و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٥٠٠/٢ و٤٧٦/١٠)، و(أحمد) في ((مسنده))
(١٧/٢ و٢٣ و٣٠ و٦٤ و١١٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٧٦٤)،
وفوائد الحديث تأتي في حديث ابن مسعود الآتي بعده - إن شاء الله تعالى -
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم
الوكيل .
(١) (لسان العرب)) ٣١٥٠/٤.

٢٢٣
(٣٤) - بَابُ الْأَمْرِ بِتَعَهُّدِ الْقُرْآنِ، وَكَرَاهَةٍ قَوْلِ: نَسِيتُ آيَةً كَذَا ... إلخ - حديث رقم (١٨٤٠)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٨٤٠] (.) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ
سَعِيدٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا يَحْيَى، وَهُوَ الْقَطَّانُ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ،
حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، كُلَّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ
(ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ (ح)
وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمُنِ (ح) وَحَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُسَبَّبِيُّ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ، يَعْنِي ابْنَ عِيَاضٍ، جَمِيعاً عَنْ مُوسَى بْنِ
عُقْبَةَ، كُلُّ هَؤُلَاءٍ عَنْ نَافِعِ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َ بِمَعْنَى حَدِيثِ مَالِكِ،
وَزَادَ فِي حَدِيثٍ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ: ((وَإِذَا قَامَ صَاحِبُ الْقُرْآنِ، فَقَرَأَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ
ذَكَرَهُ، وَإِذَا لَمْ يَقُمْ بِهِ نَسِيَهُ))).
رجال هذا الإسناد: عشرون:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ) أبو قُدامة السرخسيّ، نزيل نيسابور، ثقةٌ ثبتٌ
سنّيّ [١٠] (ت٢٤١) (خٍ م س) تقدم في ((المقدمة)) ٣٩/٦.
٢ - (أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ) سليمان بن حيّان الكوفيّ، صدوقٌ يُخطىء [٨]
(ت١٩٠) أو قبلها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٠/٥.
٣ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، تقدّم قريباً.
٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُسَيَّبِيُّ) من ولد الْمُسَيَّب بن عابد المخزوميّ
المدنيّ، صدوقٌ [١٠] (ت٢٣٦) (م د) تقدم في ((الإيمان)) ٤٣٣/٨١.
٦ - (أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ) بن ضَمْرة، أبو ضمرة الليثيّ المدنيّ، ثقةٌ [٨]
(ت٢٠٠) وله (٩٦) سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٣٣/٨١.
والباقون ذُكروا في الباب وفي البابين قبله.
و((عبيد الله)) هو: ابن عمر الْعُمرِيّ، و(أَيُّوبُ)) هو: ابن أبي تميمة
السختيانيّ، و((عبد الرحمن بن يعقوب)) هو: القاريّ - بالتشديد - المدنيّ.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) أي: كلّ هؤلاء الثلاثة: يحيى القطّان، وأبو
خالد الأحمر، وعبد الله بن نُمير رووا عن عبيد الله العمريّ.

٢٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
وقوله: (كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ نَافِع) أي: كلّ هؤلاء الثلاثة: عبيد الله العمريّ،
وأيوب السختيانيّ، وموسى بن عُقبة رووا عن نافع، عن ابن عمر ثًّا، عن
النبيّ ێ .
[تنبيه]: عبيد الله العمريّ، عن نافع ساقها الإمام أحمد تَخْتُهُ في ((مسنده))
(١٧/٢) فقال:
(٤٦٦٥) - حدّثنا عبد اللهِ، حدّثني أبي، ثنا يحيى، عن عُبَيْدِ اللهِ، أخبرني
نَافِعُ، عَنِ ابن عُمَرَ، عَنِ النبيّ ◌َ لهَ قال: ((مَثَلُ صَاحِبِ الْقُرْآنِ مَثَلُ صَاحِبٍ
الإِبِلِ المعقلة، إن عَقَلَهَا صَاحِبُهَا حَبَسَهَا، وَإِنْ أَظْلَقَهَا ذَهَبَتْ)). انتهى.
وأما رواية أيوب السختيانيّ، عن نافع، فقد ساقها عبد الرزّاق ◌َُّ في
((مصنّفه)) (٣٦٠/٣) فقال:
(٥٩٧١) - عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر،
قال: قال رسول الله وَله: ((مثل القرآن إذا عاهد عليه صاحبه، يقرؤه بالليل
والنهار، كمثل رجل له إبل، فإن عَقَلها حَفِظها، وإن أطلق عُقُلها ذهبت،
وكذلك صاحب القرآن)). انتهى.
وأما رواية يعقوب بن عبد الرحمن، عن موسى بن عقبة، عن نافع، فقد
ساقها النسائيّ تَّثُهُ في ((الكبرى)) (٢٠/٥) فقال:
(٨٠٤٣) - أخبرنا قتيبة بن سعيد، قال: حدّثنا يعقوب، عن موسى بن
عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله وَ له قال: ((إنما مثل القرآن، كمثل
الإبل المعقلة، إذا عاهدها صاحبها على عُقُلها أمسكها، وإذا أغفلها ذهبت، إذا
قام صاحب القرآن، فقرأه بالليل والنهار ذكره، وإذا لم يقرأه نسيه)). انتهى.
وأما رواية أنس بن عياض، عن موسى بن عقبة، عن نافع، فقد ساقها
أبو نعيم تَُّ في ((مستخرجه)) (٣٨٠/٢) فقال:
(١٧٩٢) - حدّثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، ثنا عبد الرحمن بن أبي
حاتم، ثنا يونس بن عبد الأعلى، ثنا أنس بن عياض، عن موسى بن عقبة، عن
نافع، عن ابن عمر، عن النبيّ وَلّ قال: ((إذا قام صاحب القرآن يقرأه بالليل
والنهار ذكره، وإن لم يَقُم به نسيه)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.

٢٢٥
(٣٤) - بَابُ الْأَمْرِ بِتَعَهُّدِ الْقُرْآنِ، وَكَرَاهَةِ قَوْلِ: نَسِيتُ آيَةً كَذَا ... إلخ - حديث رقم (١٨٤١)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٨٤١] (٧٩٠) - (وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ،
وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ
مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((بِتْسَمَا لِأَحَدِهِمْ
يَقُولُ: نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ، بَلْ هُوَ نُسِّيَ، اسْتَذْكِرُوا الْقُرْآنَ، فَلَهُوَ أَشَدُّ تَفَصِّياً
مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ مِنَ الثَّعَمِ بِعُقُلِهَا))).
رجال هذا الإسناد : سبعة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) ذُكر في السند الماضي.
٢ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِيَّ شَيْئَةَ) تقدّم قبل بابين.
٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم أيضاً قبل بابين.
٤ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم أيضاً قبل بابين.
٥ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر، تقدّم أيضاً قبل بابين.
٦ - (أَبُو وَائِلِ) شقيق بن سلمة، تقدّم أيضاً قبل بابين.
٧ - (عَبْدُ اللهِ) بن مسعود، تقدّم أيضاً قبل بابين.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف تَُّهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه، فالأولان ما
أخرج لهما الترمذيّ، والثالث ما أخرج له ابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، سوى شيخيه زهير، فبغداديّ،
وإسحاق فمروزيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، منصور، عن أبي وائل،
فإن منصوراً تابعي صغير، كما قاله الحافظ في ((الفتح))، وقال الحافظ الذهبيّ
في ترجمته: وما علمت له روايةً عن أحد من الصحابة، وبلا شك كان عنده
بالكوفة بقايا من الصحابة، وهو رجل شابّ، مثل عبد الله بن أبي أوفى،
وعمرو بن حريث. انتهى كلام الذهبيّ بتصرف.

٢٢٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لكن لما لم يتحقق لقاؤه الصحابة ينبغي
أن يجعل من الطبقة السادسة. فتنبّه، والله تعالى أعلم.
٥ - (ومنها): أن فيه عبد الله مهملاً، والمراد به عند الكوفيين ابن
مسعود، كما هو القاعدة في اصطلاح المحدثين، كما أشار إليه الحافظ
السيوطيّ دَّثُ في ((ألفية الحديث))، بقوله:
طَيْبَةَ فَابْنُ عُمَرٍ وَإِنْ يَفِي
وَحَيْثُمَا أُظْلِقَ عَبْدُ الله فِي
بِكُوفَةٍ فَهْوَ ابْنُ مَسْعُودٍ يُرَى
بِمَكَّةٍ فَابْنُ الزُّبَيْرِ أوْ جَرَى
وَالشَّامِ مَهْمَا اطْلِقَ ابْنُ عَمْرٍو
وَالْبَصْرَةِ الْبَحْرُ وَعِنْدَ مِصْرٍ
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي وَائِلٍ) قد صرح أبو وائل بالسماع عن عبد الله عند البخاريّ
تعليقاً: ((قال: سمعت عبد الله، سمعت النبيّ ◌َّدٍ ... )).
(عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود ◌َه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ لَّهِ: ((بِثْسَمَا لِأَحَدِهِمْ
يَقُولُ)، وفي رواية الأعمش، عن شقيق التالية: ((لا يقل أحدكم: نَسِيتُ آية
کیت)).
و(بئس)) هي أخت ((نعم))، فالأولى للذَّمّ، والثانية للمدح، وهما - على
الصحيح من أقوال النحاة - فعلان غير متصرفين، يرفعان الفاعل ظاهراً، أو
مضمراً.
ثم إذا كان الفاعل ظاهراً فإما يكون مُحَلَّ بالألف واللام للجنس، كقوله
تعالى: ﴿نِعْمَ الْمَوْلَى وَيَعْمَ الَّصِيرُ﴾ [الأنفال: ٤٠]، وقوله: ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:
١٢٦]. وإما أن يكون مضافاً إلى ما هما فيه، كقوله تعالى: ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ
اٌلْمُتَّقِينَ﴾ [النحل: ٣٠]، ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَّرِينَ﴾ [الزمر: ٧٢].
وإن كان الفاعل مضمراً، فلا بدّ من ذكر اسم نكرة ينصب على التفسير
للضمير، كقوله تعالى: ﴿يِْسَ لِّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠].
وقد يكون هذا التفسير ((ما)) على ما نَصّ عليه سيبويه، كما في هذا
الحديث، وكما في قوله تعالى: ﴿فَنِعِمَا هِىَّ﴾ [البقرة: ٢٧١].

٢٢٧
(٣٤) - بَابُ الْأَمْرِ بِتَعَهُّدِ الْقُرْآنِ، وَكَرَاهَةِ قَوْلِ: نَسِيتُ آيَةً كَذَا ... إلخ - حديث رقم (١٨٤١)
فـ((ما)) في هذا الحديث نكرة منصوبة على التمييز، وفاعل ((بئس)) ضمير
مستتر، على الأصح، وقيل: ((ما)) هي الفاعل، وقوله: ((لأحدهم)) متعلق بحال
محذوف؛ أي: حال كونه كائناً لأحدهم، أو متعلق ب(بئس)) على رأي بعضهم،
وقوله: ((أن يقول)) في تأويل المصدر مخصوص بالذّمّ؛ أي: بئس شيئاً قوله.
وإلى ما ذَكَرِنَاه من أحوال (نعم)) وبئس أشار ابن مالك تَظُّ في
(الخلاصة)) حيث قال:
نِعْمَ وَبِئْسَ رَافِعَانِ اسْمَيْنٍ
فِعْلَانِ غَيْرُ مُتَصَرِّفَيْنِ
قَارَنَهَا كَانِعْمَ عُقْبَى الْكُرَمَا))
مُقَارِنَيْ ((ألْ)) أوْ مُضَافَيْنٍ لِمَا
مُمَيِّزٌ كَانِعْمَ قَوْماً مَعْشَرُ»
وَيَرْفَعَانِ مُضْمَراً يُفَسِّرُهْ
فِيهِ خِلَافٌ عَنْهُمُ قَدِ اشْتَهَرْ
وَجَمْعُ تَمْبِيزٍ وَفَاعِلٍ ظَهَرْ
فِي نَحْوِ ((نِعْمَ مَا يَقُولُ الْفَاضِلُ))
وَ((مَا)) مُمَيِّزٌ وَقِيلَ فَّاعِلُ
أوْ خَبَرَ اسْم لَيْسَ يَبْدُو أبَدَا
كَ (الْعِلْمُ نِعْمَ الْمُفْتَنَى وَالْمُفْتَفَى)»
وَيُذْكَرُ الْمَخْصُوصُ بَعْدُ مُبْتَدَا
وَإِنْ يُقَدَّمْ مُشْعِرٌ بِهِ كَفى
(نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ) بفتح النون، وتخفيف السين اتفاقاً، وإنما نَهَى
عنه لما فيه من التشبه بمن ذمه الله تعالى بقوله: ﴿ كَذَلِكَ أَنَتْكَ ءَايَتُنَا فَنَسِيَهِّ وَكَذَلِكَ
اُلْيَوْمَ نُنَسَى﴾ [طه: ١٢٦]، فالاحتراز عن مثل هذا القول أحسن. أفاده السندي
رحمه الله تعالی.
قال النوويّ دَّثُ: (قوله: ((كيت وكيت))) أي: كذا وكذا، وهو بفتح التاء
على المشهور، وحكى الجوهريّ فتحها وكسرها عن أبي عبيد. انتهى.
وقال القرطبيّ كَّتُهُ: ((كيتَ وكيتَ)) يُعَبَّر بهما عن الْجُمَل الكثيرة،
والحديثِ الطويل، ومثلهما ((ذَيْتَ وذَيْتَ))، وقال ثعلب: كَيْتَ للأفعال، وذيتَ
للأسماء .
وحَكَى ابن التين عن الداوديّ أن هذه الكلمة مثل كذا، إلا أنها خاصة
بالمؤنث، قال في ((الفتح)): وهذا من مفردات الداودي. انتهى.
وقال ابن منظور كَّلُهُ ما نصه: وكان من الأمر كَيْتَ وكَيْتَ، وإن شئت
كسرت التاء، وهي كناية عن القِصَّةِ، أو الأحْدُوثةِ، حكاه سيبويه، وقال
الليث: تقول العرب: كان من الأمر كيت وكيتَ، قال: وهذه التاء في الأصل

٢٢٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
هاءٌ مثل ذَيْتَ وذيتَ، أصلها كَيَّه، وذَيَّه، بالتشديد، فصارت تاء في الوصل.
انتھی(١) .
(بَلْ هُوَ نُسّيَ) بضم النون، وتشديد المهملة المكسورة، قال
القرطبيّ تَخْتُهُ: رواه بعض رواة مسلم مخففاً، قال الحافظ: وكذا هو في ((مسند
أبي يعلى))، وكذا أخرجه ابن أبي داود في ((كتاب الشريعة)) من طُرُق متعددة
مضبوطة بخط موثوق به على كلّ سين علامة التخفيف، وقال عياض: كان
الكناني - يعني أبا الوليد الوقشي - لا يجيز في هذا غير التخفيف.
قال الحافظ: والتثقيل هو الذي وقع في جميع الروايات في البخاريّ،
وكذا في أكثر الروايات في غيره، ويؤيده ما وقع في رواية أبي عبيد في
((الغريب)) بعد قوله: ((كيت وكيت)): ليس هو نَسِيَ، ولكنه نُسّيَ، الأول بفتح
النون، وتخفيف السين، والثاني بضم النون، وتثقيل السين.
قال القرطبيّ: التثقيل معناه أنه عوقب بوقوع النسيان عليه، لتفريطه في
معاهدته، واستذكاره، قال: ومعنى التخفيف أن الرجل تُرِكَ غيرَ ملتفَتٍ إليه،
وهو كقوله تعالى: ﴿فَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]؛ أي: تركهم في العذاب،
أو تركهم من الرحمة.
وسيأتي الخلاف في متعلق الذم من قوله: ((بئس)) في المسألة الخامسة
- إن شاء الله تعالى -.
(اسْتَذْكِرُوا الْقُرْآنَ) أي: واظبوا على تلاوته، واطلبوا من أنفسكم
المذاكرة له، ورواية المصنّف بدون عاطف، وكذا هو عند النسائيّ، وفي رواية
البخاريّ: ((واستذكروا)) بواو العطف، قال الطيبي: وهو عطف من حيث المعنى
على قوله: ((بئسما لأحدهم))؛ أي: لا تقصروا في معاهدته.
وزاد ابن أبي داود من طريق عاصم، عن أبي وائل في هذا الموضع:
((فإن هذا القرآن وَحْشِيّ)»، وكذا أخرجها من طريق المسيَّب بن رافع، عن ابن
مسعود، قاله في ((الفتح)).
(فَلَّهُوَ) الفاء تعليلية؛ أي: لأنه (أَشَدُّ تَفَصِّياً)، وفي رواية النسائيّ: ((أسرع
(١) ((لسان العرب)) ٣٩٦٤/٥ - ٣٩٦٥.

(٣٤) - بَابُ الْأَمْرِ بِتَعَهُّدِ الْقُرْآنِ، وَكَرَاهَةٍ قَوْلِ: نَسِيتُ آيَةً كَذَا ... إلخ - حديث رقم (١٨٤١)
٢٢٩
تفصياً))، بفتح الفاء، وكسر الصاد المهملة الثقيلة، بعدها تحتانية خفيفة: أي
خروجاً وتخلَّصاً .
وأصل التَّفَصِّي: أن يكون الشيءُ في مَضِيقٍ، ثم يخرج إلى غيره، قال
ابن الأعرابي: أفْصَى: إذا تخلّص من خير، أو شرّ، وقال الجوهري: أصْلُ
الفَصْيَةِ الشيءُ تكون فيه، ثم تخرج منه، ويقال: ما كدت أتَفَصَّى من فلان: أي
ما كدت أتخلص منه، وتفصّيت من الديون: إذا خرجت منها، وتخلصت.
انتهى ملخصاً من ((اللسان))(١).
قال في ((الفتح)): ووقع في حديث عقبة بن عامر بلفظ: ((تَفَلُّتاً))، وكذا
وقعت عند مسلم في حديث أبي موسى، ونصب على التمييز. انتهى.
(مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ) متعلق بـ((تفصّياً))؛ أي: أشدّ، وأسرع خروجاً من
قلوبهم .
(مِنْ النَّعَم بِعُقُلِهَا))) الجار والمجرور الأول متعلق بـ(أشدّ))، وهو على
حذف مضاف؛ أي: من تفصي النعم، وقوله: ((بعُقُلها)) متعلق بحال مقدّر؛
أي: حال كونها كائنة بعقلها، وفي رواية النسائيّ: ((من عُقُلها))، فيكون متعلّقاً
بالمضاف المقدّر.
و((النَّعَمُ)) - بفتحتين -: المال الراعي، وهو جمع لا واحد له من لفظه،
وأكثر ما يقع على الإبل، قال أبو عبيد: ((النعم)) الجِمَال فقط، ويؤنث،
ويذكّر، وجمعه نُعْمَانٌ، مثلُ حَمَلٍ، وحُمْلَان، وأنْعام أيضاً، وقيل: ((النعم))
الإبل خاصة، والأنعام ذوات الخُفَّ، والظُّلْفِ، وهي الإبل، والبقر، والغنم،
وقيل: تطلق الأنعام على هذه الثلاثة، فإذا انفردت الإبل فهي نَعَم، وإن
انفردت البقر والغنم لم تُسَمَّ نَعَماً، قاله الفيّوميّ ◌َُّ(٢).
قال النوويّ تَخَّتُهُ: ((النعم)) أصلها الإبل، والبقر، والغنم، والمراد هنا
الإبل خاصة؛ لأنها التي تُعقل.
و((العُقُلُ)) بضم العين، والقافِ، ويجوز إسكان القاف، وهو كنظائره،
وهو جمع عِقَالٍ، ككتاب وكُتُب، والنعم تذكّر، وتؤنّث، ووقع في هذه
(١) ((لسان العرب)) ٢٥٣٤/٥.
(٢) ((المصباح المنير)) ٦١٣/٢ - ٦١٤.

٢٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
الرواية: ((بعقلها))، وفي الرواية الثانية: ((من عُقُله))، وفي الثالثة: ((في عُقُلها))،
وكله صحيح، والمراد برواية الباء: ((من))، كما في قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ چِهَا
عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦] على أحد القولين في معناها. انتهى كلام النوويّ كَُّهُ(١).
وقال القرطبيّ تَّتُ: من رواه: ((من عُقُلِها)) فهو على الأصل الذي يقتضيه
التعدي من لفظ التفلَّت. وأما من رواه بالباء، أو بـ((في))، فيَحْتَمِل أن يكون
بمعنى ((من))، أو للمصاحبة، أو الظرفية.
والحاصل تشبيه من يتفلّت منه القرآن بالناقة التي تتفلَّت من عقالها،
وبقيت متعلقة به، قال الحافظ: كذا قال.
والتحرير أن التشبيه وقع بين ثلاثة بثلاثة، فحامل القرآن شُبِّهَ بصاحب
الناقة، والقرآن بالناقة، والحفظ بالربط.
وقال الطيبيُّ تَخُّْهُ: ليس بين القرآن والناقة مناسبة؛ لأنه قديم، وهي
حادثة، لكن وقع التشبيه في المعنى(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود هذا مُتَّفَقٌّ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٨٤١/٣٤ و١٨٤٢ و١٨٤٣] (٧٩٠)،
و(البخاريّ) في ((فضائل القرآن)) (٥٠٣٢ و٥٠٣٩)، و(الترمذيّ) في ((القراءات))
(٢٩٤٢)، و(النسائيّ) في ((الافتتاح)) وفي ((الكبرى)) (١٠١٥)، و((فضائل القرآن))
(٨٠٣٩)، وفي ((عمل اليوم والليلة)) (٧٢٦ و٧٢٧ و٧٢٨)، و(عبد الرزّاق) في
((مصنّفه)) (٥٩٦٧)، و(الطيالسيّ) في («مسنده)) (٤/٢)، و(ابن أبي شيبة) في
(مصنّفه)) (٤٧٨/١٠)، و(الحميدي) (٩١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤١٧/١
و٤٢٣ و٤٢٩ و٤٣٨ و٤٦٣)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٣٠٨/٢ و٤٣٩)، و(ابن
حبّان) في (صحيحه)) (٧٦٢)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٣٨١/٢)،
(١) ((شرح النوويّ)) ٦/ ٧٧.
(٢) راجع: ((الفتح)) ١٠٢/١٠.

٢٣١
(٣٤) - بَابُ الْأَمْرِ بِتَعَهُّدِ الْقُرْآنِ،وَكَرَاهَةِ قَوْلِ: نَسِيتُ آیةً كَذَا ... إلخ- حديث رقم (١٨٤١)
و(الحاكم) في ((مستدركه)) (٧٣٩/١)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٣٩/١٠
و١٦٧ و١٨٩ و١٩٨ و٢٩٠)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٦٩/٩)، و(البزّار) في
(مسنده)) (٨٣/٥ و١٦٥/٨)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٩٥/٢)، والله تعالى
أعلم.
[تنبيه]: قال الإسماعيلي تَُّهُ: روى حماد بن زيد، عن منصور، وعاصم
الحديثين معاً موقوفين، وكذا رواهما أبو الأحوص عن منصور، وأما ابن
عيينة، فأسند الأول، ووقف الثاني، قال: ورفعهما جميعاً إبراهيم بن طهمان،
وعَبِيدَةُ بنُ حُمَيد عن منصور، وهو ظاهر سياق سفيان الثوري.
قال الحافظ تَّتُهُ: ورواية عَبِيدَة أخرجها ابن أبي داود، ورواية سفيان
أخرجها البخاريّ مرفوعة، لكن اقتصر على الحديث الأول، وأخرج ابن أبي
داود من طريق أبي بكر بن عياش، عن عاصم، عن أبي وائل، عن عبد الله
مرفوعاً الحديثين معاً، وفي رواية عبدة بن أبي لبابة تصريح ابن مسعود بقوله:
(سمعت رسول الله (وَل﴾))، وذلك يقوي رواية من رفعه عن منصور، والله تعالى
أعلم(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحاصل أن الحديثين رویا مرفوعين،
وموقوفين، والراجح الرفع؛ لكونه زيادة من الثقات الضابطين، مثل شعبة،
وسفيان الثوري، وإبراهيم بن طهمان، وعَبِيدة بن حُمَيد، وغيرهم، فلا التفات
إلى قول من أعلّ الحديثين بالوقف، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): في فوائد الحديثين(٢):
١ - (منها): الحَثُّ على محافظة القرآن بدوام دراسته، وتكرار تلاوته،
والتحذير من تعريضه للنسيان.
٢ - (ومنها): ضرب الأمثال لإيضاح المقاصد، وتقريبه إلى الأذهان.
٣ - (ومنها): مشروعيّة القسم عند الخبر المقطوع بصدقه؛ مبالغةً في تثبيته
في صدور سامعيه، فقد أقسم النبيّ وَّر في هذا الحديث، وحديث أبي موسى
(١) راجع: ((الفتح)) ٢٧٩/١١.
(٢) أي: حديث عبد الله مسعود نظُه، وحديث عبد الله بن عمر ها المذكور قبله.

٢٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
الأشعريّ الآتي مرفوعاً بلفظ: ((تعاهدوا القرآن، فوالذي نفسي بيده لهو أشد
تفصياً من الإبل في عقلها)).
قال في ((الفتح)): وحَكَى ابن التين عن الداوديّ أن في حديث ابن مسعود
حجةً لمن قال فيمن الدُّعِي عليه بمال، فأنكر، وحَلَفَ، ثم قامت عليه البينة،
فقال: كنت نسيت، أو اذَّعَى بينةً، أو إبراءً، أو التمس يمين المدَّعِي أن ذلك
يكون له، ويُعْذَر في ذلك، كذا قال. انتهى(١).
٤ - (ومنها): بيان صعوبة القرآن على المتساهل في مراجعته، ولا ينافي
هذا قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلِذِكْرِ﴾ [القمر: ١٧]؛ لأن تيسيره بالنسبة لمن
أراد حفظه، واجتهد فيه، وصعوبته بالنسبة لمن لم يتعاهده، ولم يُجهِدْ نفسه
فيه .
٥ - (ومنها): النهي عن قول الإنسان: نَسِيتُ آية كذا وكذا، وإنما يقول:
نُسِّيتها، وإنما نُهِي عن الأول دون الثاني؛ لأنه يتضمن التساهل فيها، والتغافل
عنها، وقد قال الله تعالى: ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَنْتَكَ ءَايَتُنَا فَنَسِيْنَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ نُنَسَى
١٢٦
[طه: ١٢٦ ].
وقال القاضي عياض ◌َخُّْ: أولى ما يتأول عليه الحديث أن معناه ذمّ
الحال، لا ذم القول؛ أي: بئست الحالة، حالة من حفظ القرآن، فغفل عنه
حتی نسیه. انتھی.
وقال النوويّ دَخَذَتُهُ: الكراهية للتنزيه.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: يؤيد ما قاله النوويّ كَُّ ما ثبت في
(الصحيحين)) عن النبيّ وَّر أنه سمع رجلاً يقرأ في سورة بالليل، فقال:
((رحمه الله، لقد أذكرني آية كذا وكذا، كنت أُنسيتها من سورة كذا وكذا))،
وفي رواية الإسماعيلي: ((كنت نَسِيتُها)) - بفتح النون، ليس قبلها همزة، فإنه
صارف للنهي عن التحريم إلى التنزيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف العلماء في متعلق الذمّ من قوله: ((بئس)):
(١) ((الفتح)) ٢٨٠/١١.

٢٣٣
(٣٤) - بَابُ الْأَمْرِ بِتَعَهُّدِ الْقُرْآنِ، وَكَرَاهَةِ قَوْلِ: نَسِيتُ آيَةَ كَذَا ... إلخ - حديث رقم (١٨٤١)
قال في (الفتح)): واختُلِف في متعلق الذم من قوله: ((بئس)) على أوجه:
[الأول]: قيل: هو على نسبة الإنسان إلى نفسه النسيان، وهو لا صنع له
فيه، فإذا نسبه إلى نفسه أوهم أنه انفرد بفعله، فكان ينبغي أن يقول: أنسيت،
أو نُسّيت - بالتثقيل - على البناء للمجهول فيهما؛ أي: إن الله هو الذي
أنساني، كما قال: ﴿وَمَا رَمَّيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِننَّ اللَّهَ رَىَّ﴾ الآية [الأنفال: ١٧]،
[الواقعة: ٦٤]، وبهذا الوجه جزم ابن
٢٦٤
وقال: ﴿ءَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ: أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ
بطال، فقال: أراد أن يجري على ألسن العباد نسبة الأفعال إلى خالقها؛ لما
في ذلك من الإقرار له بالعبودية، والاستسلام لقدرته، وذلك أولى من نسبة
الأفعال إلى مكتسبها مع أن نسبتها إلى مكتسبها جائز بدليل الكتاب والسنة، ثم
ذكر الحديث الآتي في [باب نسيان القرآن](١)، قال: وقد أضاف موسى؛
النسيان مرة إلى نفسه، ومرة إلى الشيطان، فقال: ﴿فَإِنِّ نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَآ أَنسَئِنِيهُ
إِلَّا الشَّيْطَانُ﴾ [الكهف: ٦٣]، ولكل إضافة منها معنى صحيح، فالإضافة إلى الله
بمعنى أنه خالق الأفعال كلها، وإلى النفس؛ لأن الإنسان هو المكتسب لها،
وإلى الشيطان بمعنى الوسوسة. انتهى.
قال الحافظ: ووقع له ذهول فيما نسبه لموسى، وإنما هو كلام فتاه.
وقال القرطبي تَّتُهُ: ثبت أن النبيّ وَّ نسب النسيان إلى نفسه - يعني
حيث قال حينما سمع رجلاً يقرأ سورة: ((يرحمه الله لقد أذكرني آية كذا وكذا،
كنت أنسيتها، من سورة كذا وكذا))، وفي رواية الإسماعيلي: نَسِيتها - وكذا
نسبه يوشع إلى نفسه حيث قال: ﴿نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ [الكهف: ٦٣]، وموسى إلى
نفسه حيث قال: ﴿لَا تُؤَاخِذْنِ بِمَا نَسِيتُ﴾ [الكهف: ٧٣]، وقد سيق قول
الصحابة: ﴿رَبََّا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآَ﴾ [البقرة: ٢٨٦] مساق المدح، وقال تعالى
[الأعلى: ٦].
لنبيه وَّة: ﴿سَنُقْرِتُكَ فَلاَ تَسَ ﴾﴾
فالذي يظهر أن ذلك ليس متعلق الذمّ، وجنح إلى اختيار:
[الوجه الثاني]: وهو كالأول، لكن سبب الذمّ ما فيه من الإشعار بعدم
(١) الظاهر أنه أراد حديث عائشة ثنا المتقدّم: ((سمع رسول الله وَّ رجلاً يقرأ في
الليل، فقال: يرحمه الله لقد أذكرني آية كذا وكذا، كنت أُنسيتها)) من سورة كذا.

٢٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
الاعتناء بالقرآن؛ إذ لا يقع النسيان إلا بترك التعاهد، وكثرة الغفلة، فلو تعاهده
بتلاوته، والقيام به في الصلاة لدام حفظه وتذكره، فإذا قال الإنسان: نسيت
الآية الفلانية، فكأنه شهد على نفسه بالتفريط، فيكون متعلق الذم ترك
الاستذكار والتعاهد؛ لأنه الذي يورث النسيان.
[الوجه الثالث]: قال الإسماعيليّ كَّتُهُ: يَحْتَمِل أن يكون كره له أن
يقول: نسيت بمعنى تركت، لا بمعنى السهو العارض، كما قال تعالى: ﴿نَسُواْ
اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]، وهذا اختيار أبي عبيد، وطائفة.
[الوجه الرابع]: قال الإسماعيلي أيضاً: يَحْتَمِل أن يكون فاعل نَسِيتُ
النبيَّ وَّل، كأنه قال: لا يقل أحد عني إني نسيت آية كذا، فإن الله هو الذي
نسّاني ذلك، لحكمة نسخه، ورفع تلاوته، وليس لي في ذلك صنع، بل الله هو
الذي يُنسيني لما تُنسخ تلاوته، وهو كقوله تعالى: ﴿سَنُقْرِتُكَ فَلاَ تَسَ ﴾ إِلَّا مَا
شَآءَ اللّهُ﴾ [الأعلى: ٦ - ٧]، فإن المراد بالمنسيّ ما يُنسَخ تلاوته، فيُنسِي الله
نبيه * ما يريد نسخ تلاوته.
[الوجه الخامس]: قال الخطابي: يَحْتَمِل أن يكون ذلك خاصاً بزمن
النبيّ ◌َّ، وكان من ضروب النسخ نسيان الشيء الذي ينزل، ثم ينسخ منه بعد
نزوله الشيء، فيذهب رسمه، وترفع تلاوته، ويسقط حفظه عن حملته، فيقول
القائل: نسيت آية كذا، فنُهُوا عن ذلك؛ لئلا يتوهم على محكم القرآن الضياع،
وأشار لهم إلى أن الذي يقع من ذلك إنما هو بإذن الله لما رآه من الحكمة
والمصلحة.
[الوجه السادس]: قال الإسماعيلي: وفيه وجه آخر، وهو أن النسيان
الذي هو خلاف الذكر إضافته إلى صاحبه مجاز؛ لأنه عارض له لا عن قصد
منه؛ لأنه لو قصد نسيان الشيء لكان ذاكراً له في حال قصده، فهو كما قال:
ما مات فلان، ولكن أمیت.
قال الحافظ: هو قريب من الوجه الأول، وأرجح الأوجه الوجه الثاني،
ويؤيده عطف الأمر باستذكار القرآن عليه. انتهى ما في ((الفتح))(١).
(١) ((الفتح)) ٢٨٥/١١.

٢٣٥
(٣٤) - بَابُ الْأَمْرِ بِتَعَهُّدِ الْقُرْآنِ، وَكَرَاهَةٍ قَوْلِ: نَسِيتُ آيَةً كَذَا ... إلخ - حديث رقم (١٨٤١)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أرجح الأوجه عندي هو الثاني كما رجحه
الحافظ نَّثُهُ، فيكون سبب الذم هو عدم الاعتناء باستذكار القرآن، وتعاهده،
فإذا قال: نسيت آية كيت وكيت فكأنه شهد على نفسه بالتفريط، فيكون مشابهاً
للذين ذمهم الله تعالى بسبب إعراضهم عن آياته، بقوله: ﴿ كَذَلِكَ أَنْتَّكَ ءَايَتُنَا
فَسِينَها وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ نُنسَى﴾ [طه: ١٢٦]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
(المسألة السادسة): ليس في حديث ابن مسعود هذا، ولا في حديث ابن
عمر ◌ًا المتقدّم تقدير مدة مخصوصة للزمن الذي يُختَم فيه القرآن، لكن
مقتضاهما أنه يتلوه على وجه لو نقص عنه لأدى إلى نسيانه، أو نسيان شيء
منه، وذلك يختلف باختلاف أحوال الناس في تمكنهم من الحفظ، وفي سرعة
النسيان وبطئه.
﴿ّ يختمونه في كل سَبْعٍ.
وقد كان الصحابة
وفي ((سنن أبي داود)) وغيره عن أوس بن حذيفة، قال: قلنا
لرسول الله وسلم: لقد أبطأت عنا الليلة، قال: ((إنه طرأ عليّ حزبي من القرآن
فكرهت أن أجيء حتى أختمه))(١)، قال أوس: سألت أصحاب رسول الله وَله
كيف يُحَزّبون القرآن؟ قالوا: ثلاث، وخمس، وسبع، وتسع، وإحدى عشرة،
وثلاث عشرة، وحزب المفصل وحده(٢).
وفي (صحيح البخاري)): أن النبيّ وَّل قال لعبد الله بن عمرو: ((واقرأ
القرآن في شهر)) قلت: إني أجد قوة، حتى قال: ((فاقرأه في سبع، ولا تزد على
ذلك)» .
(١) في إسناده عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى مختلف فيه، وعثمان بن عبد الله بن
أوس ليس له إلا هذا الحديث، ولم يوثّقه إلا ابن حبّان.
(٢) رمز بعضهم لهذا التحزيب بقوله: ((فمي بشوق))، فالفاء رمز الفاتحة، والميم
للمائدة، والياء ليونس، والباء لبني إسرائيل، والشين للشعراء، والواو
(((والصافات))، والقاف لـ((ق)).

٢٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
وممن كان يختمه في كل سبعة أيام: تميم الداري، وعبد الرحمن بن
يزيد، وإبراهيم النخعيّ، وعروة بن الزبير، وأبو مِجْلز، وأحمد بن حنبل،
وامرأة ابن مسعود، واستحسنه مسروق.
وممن كان يختمه في ثمان: أُبيّ، وأبو قلابة.
وممن کان یختمه في ست: الأسود بن یزید.
وممن كان يختمه في خمس: علقمة بن قيس.
وممن كان يختمه في ثلاث: ابن مسعود، وقال: من قرأه في أقلّ من
ثلاث فهو راجز، وكره ذلك معاذ، وكان المسيَّب بن رافع يختمه في كل
ثلاث، ثم يصبح اليوم الذي يختم فيه صائماً، رواها كلها ابن أبي شيبة كَذَتُهُ .
وروى ابن أبي داود عن بعض السلف أنهم كانوا يختمون في شهرين
ختمة واحدة، وعن بعضهم في كل شهر ختمة، وعن بعضهم في كل عشر
ليال، وقال أحمد بن حنبل: أكثر ما سمعت أنه يختم القرآن في أربعين، وکره
الحنابلة تأخيره عن ذلك؛ لأن النبيّ ◌َّ سأله عبد الله بن عمرو في كم يقرأ
القرآن؟ قال: ((في أربعين يوماً))، ثم قال: ((في شهر))، ثم قال: ((في عشرين))،
ثم قال: ((في خمس عشرة))، ثم قال: ((في عشر))، ثم قال: ((في سبع))، لم
ینزل من سبع. رواه أبو داود.
قالوا: ولأن تأخيره أكثر من ذلك يفضي إلى النسيان، والتهاون به،
قالوا: وهذا إذا لم يكن له عذر، فأما مع العذر فواسع له، واستحبوا أن يختمه
في سبع، وقالوا: إن قرأه في ثلاث فحسن، لما روي عن عبد الله بن
عمرو ﴿ًّا، قال: قلت لرسول الله وَله: إن بي قوّةً، قال: ((اقرأه في ثلاث)).
رواه أبو داود. وعن أحمد بن حنبل تَّتُ أنه قال: أكره أن يقرأه في أقلّ من
ثلاث، وذلك لقوله ويتر: ((لا يفقه من قرأه في أقلّ من ثلاث))، رواه أبو داود.
وجعل ابن حزم الظاهري قراءته في أقل من ثلاث حراماً، فقال: يستحب
أن يختم القرآن مرة في كلّ شهر، ويكره أن يختم في أقل من خمسة أيام، فإذا
فعل ففي ثلاثة أيام، لا يجوز أن يختم القرآن في أقل من ذلك، ولا يجوز
لأحد أن يقرأ أكثر من ثلث القرآن في يوم وليلة، ثم استدلّ على ذلك بالحديث
المتقدم: ((لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث)).

٢٣٧
(٣٤) - بَابُ الْأَمْرِ بِتَعَهُّدِ الْقُرْآنِ، وَكَرَاهَةٍ قَوْلِ: نَسِيتُ آيَةً كَذَا ... إلخ - حديث رقم (١٨٤١)
قال الحافظ ولي الدين كَخَّثُ: ولا حجة في ذلك على تحريمه، ولا
يقال: إن كل من لم يتفقه في القرآن فقد ارتكب محرماً، ومراد الحديث أنه لا
يمكن مع قراءته في أقل من ثلاث التفقه فيه، والتدبر لمعانيه، ولا يتسع الزمان
لذلك.
وقد روي عن جماعة من السلف قراءة القرآن كله في ركعة واحدة، منهم
عثمان بن عفان، وتميم الداري، وسعيد بن جبير، وعن عليّ الأزدي وعلقمة
قراءته في ليلة واحدة، رواها كلها ابن أبي شيبة في ((مصنفه)).
وكان الشافعي يختم القرآن في كل يوم وليلة، فإذا كان شهر رمضان ختم
في اليوم والليلة مرتين، وكان الأسود يختمه في رمضان في ليلتين، وفي سواه
في ست، وكان بعضهم يزيد على ذلك.
قال ابن عبد البر: كان سعيد بن جبير وجماعة يختمون القرآن مرتين
وأكثر في ليلة.
وقال النووي: وأكثر ما بلغنا في ذلك عن ابن الكاتب أنه كان يقرأ في
اليوم والليلة ثمان ختمات، وأكثر العلماء على أنه لا تقدير في ذلك، وإنما هو
بحسب النشاط والقوة، والترتيل أفضل من العجلة.
وفي ((مصنف ابن أبي شيبة)) عن زيد بن ثابت: لَأَن أقرأ القرآن في شهر
أحب إلي من أن أقرأه في خمس عشرة، ولأن أقرأه في خمس عشرة أحب إليّ
من أن أقرأه في عشر، ولأن أقرأه في عشر أحب إليّ من أن أقرأه في سبع،
أقِفُ، وأدعو. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الأفضل أن يقرأ القرآن في شهر؛
لما في رواية البخاري أنّ النبيّ وَّر قال لعبد الله بن عمرو رضيه: ((اقرأ القرآن
في شهر))، مع أنه يعلم أن له نشاطاً وقوة على القراءة، فلما استزاده، وألحّ
عليه قال له: ((اقرأه في عشرين))، ... إلخ. فدلّ على أن الشهر هو الأولى،
لكن من وجد قوة ونشاطاً فله أن يزيد على ذلك حتى يصل إلى سبع، والأفضل
أن لا يزيد عليها؛ لأنها التي وقف عندها النبيّ وَّ﴿ مع إلحاح عبد الله بن
عمرو رضيًا في طلب الزيادة، وقال له: ((ولا تزد على سبع))، فدل على أنه لا
أفضل وراءها، ويجوز في ثلاث، ولا يزيد عليها، فإن خير الهدي هدي

٢٣٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
النبيّ ◌َّ﴾، وأما ما تقدم نقله عن ابن حزم من تحريمه الختم في أقل من ثلاث
فمما لا يُلْتَفَتُ إليه؛ لعدم نصّ، ولا إجماع على ذلك، فتبصَّر بالإنصاف، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[١٨٤٢] ( ... ) - (حَدَّثَنَا(١) ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، وَأَبُو مُعَاوِيَةً (ح)
وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ
شَقِيقٍ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ: (تَعَاهَدُوا هَذِهِ الْمَصَاحِفَ، وَرُبَّمَا قَالَ: الْقُرْآنَ، فَلَهُوَ
أَشَدُّ تَفَصِّياً مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ مِنَ النَّعَم مِنْ عُقُلِهِ))، قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ:
(لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ، بَلْ هُوَ نُسِّيَ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (الأَعْمَشُ) سُليمان بن مِهْرَان، تقدّم قبل باب.
والباقون كلّهم ذُكروا في الباب.
وقوله: (تَعَاهَدُوا هَذِهِ الْمَصَاحِفَ) جمع مُصحف مثلّث الميم، من
أُضْحِف بالضمّ؛ أي: جُعِلت فيه الصحف، قاله في ((القاموس))، والمراد به هنا
القرآن، كما قال: ((وَرُبَّمَا قَالَ: الْقُرْآنَ)).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث
الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم
الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٨٤٣] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا
ابْنُ جُرَيْج، حَدَّثَنِي عَبْدَةُ بْنُ أَبِي لُبَابَةَ، عَنْ شَقِيَّقِّ بْنِ سَلَمَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ
مَسْعُودٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: ((بِثْسَمَا لِلرَّجُلِ أَنْ يَقُولَ: نَسِيتُ
سُورَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ، أَوْ نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ، بَلْ هُوَ نُسِّيَ))).
(١) وفي نسخة: ((وحدّثنا)).

(٣٤) - بَابُ الْأَمْرِ بِتَعَهُّدِ الْقُرْآنِ، وَكَرَاهَةٍ قَوْلِ: نَسِيتُ آيَةً كَذَا ... إلخ - حديث رقم (١٨٤٤)
٢٣٩
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ :
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون السمين البغداديّ، مروزيّ الأصل،
صدوقٌ فاضلٌ ربّما وَهِمَ [١٠] (ت٥ أو٢٣٦) (مد) تقدم في (الإيمان)) ١٠٤/١.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ) بن عثمان الْبُرْسَانيّ، أبو عثمان البصريّ، صدوقٌ
[٩] (ت٢٠٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦٩/٦٥.
٣ - (ابْنُ جُرَيْج) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ
مولاهم، المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، يدلّس ويُرسل [٦] (ت١٥٠) (ع) تقدم في
((الإيمان)) ١٢٩/٦.
٤ - (عَبْدَةُ بْنُ أَبِي لُبَابَةَ) الأسديّ مولاهم، ويقال: مولى قُريش، أبو
القاسم البزّاز الكوفيّ، نزيل دمشق، ثقةٌ [٤] (خ م ل ت س ق) تقدم في
((الصلاة)) ١٣/ ٨٩٧.
والباقون ذُكروا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، ومضى شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٨٤٤] (٧٩١) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بَرَّادٍ الْأَشْعَرِيُّ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا:
حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِّ ◌َِِّ قَالَ:
(تَعَاهَدُوا هَذَا الْقُرْآنَ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَهُوَ أَشَدُّ تَفَلَّتاً مِنَ الْإِبِلِ فِي
عُقْلِهَا))، وَلَفْظُ الْحَدِيثِ لِاِبْنِ بَرَّادٍ).
رجال هذا الإسناد: ستة :
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ بَرَّادٍ الْأَشْعَرِيُّ) أبو عامر الكوفيّ، صدوقٌ [١٠] (خت م
٤) تقدم في ((المقدمة)) ٥١/٦.
٢ - (بُرَيْدُ) بن عبد الله بن أبي بُردة، تقدّم قبل باب.
٣ - (أَبُو بُرْدَةَ) بن أبي موسى الأشعريّ، تقدّم قبل باب أيضاً.
٤ - (أَبُو مُوسَى) عبد الله بن قيس الصحابيّ الشهير بظُه، تقدّم قبل باب أيضاً.
والباقيان ذُكرا في الباب.

٢٤٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف تَّتُهُ، وله فيه شيخان قرن
بينهما؛ لاتّفاقهما في كيفيّة التحمّل والأداء، على ما بيّاه غير مرّة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فعّق له البخاريّ،
وأخرج له الباقون.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين من أوله إلى آخره.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الراوي، عن جدّه، عن أبيه، وأن صحابيّه من
مشاهير الصحابة
شرح الحديث:
(عَنِ النَّبِيِّ نََّ) أنه (قَالَ: ((تَعَاهَدُوا هَذَا
(عَنْ أَبِي مُوسَى) الأشعريّ .
عنه
الْقُرْآنَ) قال الطيبيّ تَخْتُ: تعاهد الشيء، وتعهّده: محافظته، وتجديد العهد به؛
أي: واظبوا على تلاوته، وداوموا على تكراره ودَرْسه كيلا يُنْسَى. انتهى(١).
(فَوَ الَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ) فيه مشروعيّة الحلف عند الخبر المقطوع بصدقه؛
مبالغةً في تثبيته في صدور سامعيه(٢). (لَهُوَ) اللام لتوكيد القسم؛ أي: القرآن
(أَشَدُّ تَفَلَّاً) أي: ذهاباً وخروجاً من الصدور بسُرْعة، قال في ((النهاية)»: التفلُّتُ
والإفلاتُ والانفلاتُ: التخلّص من الشيء فَجْأَةً من غير تمكُّثٍ. انتهى(٣).
وقال في ((القاموس)): أفلتني الشيءُ، وتفلّت منّي: انفلت، وأفلته غيره.
انتھی(٤).
وقال في ((المصباح)): أفلتَ الطائرُ وغيره إفلاتاً: تخلّص، وأفلتُّهُ: إذا
أطلقتَهُ وخلَّصته، يُستعمَلُ لازماً ومتعدّياً، وفَلَتَ فَلْتاً، من باب ضرب لُغَةٌ،
وفَلَتُهُ أنا، يستعمل أيضاً لازماً ومتعدّياً، وانفلت: خرج بسرعة، وكان ذلك
فَلْتَةً: أي: فَجْأَةً حتى كأنه انفلت سرِيعاً. انتهى(٥).
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٦٧٩/٥.
(٢) راجع: ((الفتح)) ٧٠٠/٨ (كتاب فضائل القرآن)) رقم (٥٠٣٣).
(٣) ((النهاية)) ٣/ ٤٦٧.
(٥) ((المصباح المنير)) ٢/ ٤٨٠.
(٤) ((القاموس المحيط)) ١٥٤/١.