النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ (٢٩) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ تَطْوِيلِ الْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ - حديث رقم (١٨١٥) [١٨١٥] (٧٧٣) - (وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، كِلَاهُمَا عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَِّ، فَأَطَالَ حَتَّى هَمَمْتُ بِأَمْرٍ سَوْءٍ، قَالَ: قِيلَ (١): وَمَا هَمَمْتَ بِهِ؟ قَالَ: هَمَمْتُ أَنْ أَجْلِسَ وَأَدَعَهُ). رجال هذا الإسناد: ستة : ١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عثمان بن محمّد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان العبسيّ، أبو الحسن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ مشهور [١٠] (ت٢٣٩) (خ م د س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٦/٣٥. ٢ - (أَبُو وَائِلِ) شقيق بن سَلَمَة الأسديّ الكوفيّ، ثقةٌ مخضرم [٢] مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وله مائة سنة (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥٧/٦. ٣ - (عَبْدُ اللهِ) بن مسعود بن غافل بن حبيب الْهُذليّ، أبو عبد الرحمن الصحابيّ الجليل، مات ◌ُبه سنة (٣٢) أو قبلها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١١/٣. والباقون ذُكروا قبله. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ◌َّتُهُ، وله فيه شيخان قرن بينهما، ثم فصّل؛ لاختلافهما في صيغة الأداء. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، والثاني ما أخرج له ابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى شيخه إسحاق، فمروزيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم. (١) وفي نسخة: ((قال: قلت)). ١٢٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها ٥ - (ومنها): أن فيه ((عبد الله)) مهملاً، والقاعدة فيه أنه إذا كان الإسناد كوفيّاً كما هنا كان ابن مسعود مظلته، وإذا كان بصريّاً فهو ابن عباسّ، أو مدنيّاً، فهو ابن عمر، أو مكيّاً، فهو ابن الزبير، أو مصريّاً أو شاميّاً، فهو ابن عمرو بن العاص ﴿ه، وقد تقدّم هذا غير مرّة. ٦ - (ومنها): أن صحابيّه ظُله أحد السابقين إلى الإسلام، ومن كبار علماء الصحابة ﴿ه، وقرّائهم، ذو مناقب جمّة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي وَائِلِ) شقيق بن سلمة أنه (قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ) بن مسعود مضرعنه (صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَيَ) وفي رواية البخاريّ من طريق شعبة، عن الأعمش: (ليلةً)) (فَأَطَالَ) أي: القيام، وفي رواية البخاريّ المذكورة: ((فلم يزل قائماً)) (حَتَّى هَمَمْتُ) أي: أردت وقصدت، يقال: هَمَمتُ بالشيء هَمّاً، من باب نصر: إذا أردته ولم تفعله(١). (بِأَمْرِ سَوْءٍ) بإضافة ((أَمْرٍ)) إلى ((سَوْءٍ))، قاله في ((الفتح))، وقال في ((المصباح)): أساء زيدٌ في فعله، وفَعَلَ سُوءاً بالضمّ، والاسم السُّوءَى على فُعْلَى، وهو رجلُ سَوْءٍ بالفتح والإضافة، وعَمَلُ سَوْءٍ، فإن عَرَّفتَ الأولَ، قلتَ: الرجلُ السَّوْءُ، والعملُ السَّوْءُ على النعت. (٢) انتھی(٢). وقال في ((القاموس)): ولا خير في قول السُوْءِ بالفتح والضمّ، إذا فتحتَ فمعناه: في قولٍ قبيح، وإذا ضممتَ فمعناه: في أن تقول سُوءاً، وقُرىء ﴿عَلَيْهِمْ دَابِرَةُ السَّوْءِ﴾ [التوبة: ٩٨] بالوجهين؛ أي: الهزيمةِ والشرِّ والرَّدَى والفسادِ، وكذا أمطرت السماء مطرَ السَّوْء، أو المضموم الضررُ، والمفتوح الفساد والنار، ومنه: ﴿ثُنَّ كَانَ عَقِبَةَ الَّذِينَ أَسَنُواْ السُّوَ﴾ [الروم: ١٠] في قراءةٍ، ورجلُ سَوْءٍ، ورجلُ السَّوْءِ بالفتح والإضافة. انتهى (٣). (١) راجع: ((المصباح)) ٢/ ٦٤١. (٣) ((القاموس المحيط)) ١٨/١. (٢) ((المصباح المنير)) ٢٩٨/١. ١٢٣ (٢٩) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ تَطْوِيلِ الْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ - حديث رقم (١٨١٥) قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن مما سبق أن ((أمر سوء)) هنا بالإضافة، فلا يكون ((سوء)) صفة لـ((أمر))، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (قَالَ) أبو وائل (قِيلَ) وفي نسخة: ((قلتُ))، وفي رواية البخاريّ: ((قلنا)) (وَمَا هَمَمْتَ بِهِ؟) أي: أيّ شيء أردت أن تفعله معه نَّهِ؟ (قَالَ) ابن مسعود ( عَنَّه (هَمَمْتُ أَنْ أَجْلِسَ وَأَدَعَهُ) أي: أترك الصلاة معه، قال في ((الفتح)): وفي الحديث دليلٌ على اختيار النبيّ وَ ﴿ تطويل صلاة الليل، وقد كان ابن مسعود ظُه قويّاً محافظاً على الاقتداء بالنبيّ وَله، وما هَمَّ بالقعود إلا بعد طولٍ كثيرٍ، ما اعتاده، وأخرج مسلم من حديث جابر ظُه مرفوعاً: ((أفضل الصلاة طول القنوت))، فاستدلّ به على ذلك، ويَحْتَمِلُ أن يراد بالقنوت في مضرعبَّه الخشوع. حدیث جابر ـّ وغيرهم إلى أن كثرة الركوع والسجود وذَھَب كثير من الصحابة أفضل، وقد أخرج مسلم من حديث ثوبان عنه أنه سأل النبيّ وَله عن أحبّ الأعمال إلى الله، فقال: ((عليك بكثرة السجود لله ... )) الحديث. قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي - كما استظهره الحافظ تَُّهُ - أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، فمن كان قويّاً على تطويل القيام والركوع والسجود، كما هو أكثر فعل النبيّ وَلّ، فهو الأفضل في حقّه، ومن لا يستطيع ذلك، وكان كثرة الركوع والسجود أخفّ عليه، فهو الأفضل في حقّه، فبهذا يُجمع بين حديثي جابر، وثوبان ◌ًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب تطويل صلاة الليل. ٢ - (ومنها): بيان جواز الاقتداء في غير المكتوبات. ٣ - (ومنها): أنه ينبغي الأدب مع الأئمة والكبار، وأن لا يخالفوا بفعل، ولا قول، ما لم يكن حراماً، واتَّفَقَ العلماء على أنه إذا شَقَّ على المقتدي في فريضة أو نافلة القيام، وعَجَزَ عنه جاز له القعود، وإنما لم يقعد ابن مسعود نظُّه؛ للتأدب مع النبيّ وَِّ، قاله النوويُّ كَّلُ. ٤ - (ومنها): أن مخالفة الإمام في أفعاله معدودة في العمل السيِّئ. ١٢٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها ٥ - (ومنها): جواز استفهام الإمام ورئيس القوم إذا لم يفهم مراده؛ لأن أصحاب ابن مسعود رَظُه ما عرفوا مراده من قوله: ((هممت بأمرِ سَوْءٍ)) حتى استفهموه عنه، ولم ينكر عليهم استفهامهم عن ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٨١٦] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْخَلِيلِ، وَسُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَلِيٍّ بْنِ مُسْهِرٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْخَلِيل) الْخَزّاز - بمعجمات - أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ [١٠]. رَوَى عن عليّ بن مُسْهِر، وعبد الرحيم بن سليمان، وحفص بن غياث، وغيرهم. وروى عنه البخاريّ، ومسلم، وروى له أبو داود بواسطة الذُّهْليّ حديثاً، والدارميّ، والصنعانيّ، والفَسَويّ، ويعقوب بن شيبة، وغيرهم. قال أبو حاتم: كان من الثقات، وقال العجليّ: ثقةٌ صاحب سنة، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال مُطَيَّن: كان ثقةً، وكَتَب عنه ابن نُمَير، ومات سنة (٢٢٥)، وذكر أبو نعيم الإستراباذيّ أنه مات سنة (٢٢٤). روى عنه البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود في ((القدر))، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا برقم (٧٧٣)، و(٢٢٦٣): ((رؤيا المسلم يراها أو ترى له ... ))، و(٢٤١٦): ((فداك أبي وأمي)). ٢ - (سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ) الهرويّ الأصل، ثم الْحَدَثانيّ، ويقال له: الأنباريّ، أبو محمد صدوقٌ، عمي، فتلقّن، من قُدماء [١٠] (ت٢٤٠) وله مائة سنة (م ت) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٧. ٣ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) القرشيّ الكوفيّ، قاضي الْمَوْصل، ثقةٌ [٨] (ت١٨٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/٢. (٣٠) - بَابُ بَيَانِ كَرَاهِيَةٍ أَنْ يَنَامَ الرَّجُلُ لَيْلَهُ كُلَّهُ لَا يُصَلِّي فِيهِ ... إلخ - حديث رقم (١٨١٧) ١٢٥ و(الأعمش)) ذُكر قبله. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ) أي بإسناد الأعمش الماضي، وهو: عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود نقپله . [تنبيه]: رواية عليّ بن مسهر هذه ساقها ابن ماجه كثُّ في ((سننه))، فقال : (١٤١٨) حدّثنا عبد الله بن عامر بن زُرَارة، وسُويد بن سعيد قالا: حدّثنا علي بن مُسهر، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله، قال: صليت ذات ليلة مع رسول الله وَله، فلم يزل قائماً حتى هممت بأمرٍ سَوْءٍ، قلت: وما ذاك الأمر؟ قال: هممت أن أجلس، وأتركه. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أُسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَّتُ وَإِلَيْهِ أُثِبُ﴾ . (٣٠) - (بَابُ بَيَانِ كَرَاهِيَةٍ أَنْ يَنَامَ الرَّجُلُ لَيْلَهُ كُلَّهُ لَا يُصَلِّ فِيهِ، وَبَيَانِ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَثَرِ الشَّيْطَانِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّهُ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٨١٧] (٧٧٤) - (حَدَّثَنَا (١) عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ، وَإِسْحَاقُ، قَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ رَجُلٌ نَامَ لَيْلَةً حَتَّى أَصْبَحَ، قَالَ: ((ذَاكَ رَجُلٌ بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنَيْهِ))، أَوْ قَالَ: ((فِي أُذُنِهِ)). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر بن عبد الله السَّلَميّ، أبو عتّاب الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ حجةٌ [٦] (ت١٣٢) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٢٩٦. والباقون تقدّموا في الباب الماضي، وكذا لطائف الإسناد. (١) وفي نسخة: ((وحدّثنا)). - ١٢٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها شرح الحديث : (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود ظُهُ أنه (قَالَ: ذُكِرَ) بالبناء للمفعول (عِنْدَ رَسُولِ اللهِ وَ﴿ رَجُلٌ) قال الحافظ تَّتُهُ: لم أقف على اسمه، لكن أخرج سعيد بن منصور، عن عبد الرحمن بن يزيد النخعيّ، عن ابن مسعود ظله ما يؤخذ منه أنه هو، ولفظه بعد سياق الحديث بنحوه: ((وايم الله، لقد بال في أذن صاحبكم ليلة)) يعني: نفسه. انتهى. (نَامَ لَيْلَةً حَتَّى أَصْبَحَ) أي: دخل في الصباح، فـ(أصبح)) هنا تامّة، كقوله تعالى: ﴿فَسُبْحَنَ اَللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ [الروم: ١٧]. [تنبيه]: ظاهر إيراد المصنّف تَخَذَلهُ لهذا الحديث خلال أحاديث قيام الليل أنه حمله على ترك قيام الليل، ومثله صنيع البخاريُّ كَُّ، حيث أورده في ((کتاب التهجّد)). ويَحْتَمِلُ أنه ترك صلاة العشاء، وقد ذكر ابن حبّان في ((صحيحه)) عن سفيان الثوريّ أنه قال: هذا عندنا يشبه أن يكون نام عن الفريضة. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الأول عندي أقرب، والله تعالى أعلم. وفي رواية البخاريّ من طريق أبي الأحوص، عن منصور: ((ما زال نائماً حتى أصبح، ما قام إلى الصلاة))، قال في ((الفتح)): المراد الجنس، ويَحْتَمِل العهدَ، ويُراد به صلاة الليل، أو المكتوبة. انتهى(٢). (قَالَ) ◌َِّ ((ذَاَكَ رَجُلٌ بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنَيْهِ))) بالتثنية (أَوْ) للشكّ من الراوي (قَالَ: ((فِي أُذُنِهِ)) بالإفراد. واختُلف في بول الشيطان، فقيل: هو على حقيقته، قال القرطبيّ وغيره: لا مانع من ذلك؛ إذ لا إحالة فيه؛ لأنه ثبت أن الشيطان يأكل، ويشرب، ويَنكِح، فلا مانع من أن يبول، وقيل: كناية عن سدّ الشيطان أذن الذي نام عن الصلاة حتى لا يسمع الذكر، وقيل: معناه: أن الشيطان ملأ سمعه بالأباطيل، (١) ((صحيح ابن حبان)) ٣٠٢/٦ رقم (٢٥٦٢). (٢) ((الفتح)) ٣٥/٣. ١٢٧ (٣٠) - بَابُ بَيَانِ كَرَاهِيَةٍ أَنْ يَنَامَ الرَّجُلُ لَيْلَهُ كُلَّهُ لَا يُصَلِّي فِيهِ ... إلخ - حديث رقم (١٨١٧) فحجب سمعه عن الذكر، وقيل: هو كناية عن ازدراء الشيطان به، وقيل: معناه: أن الشيطان استولى عليه، واستخفّ به، حتى اتخذه كالكنيف المعدّ للبول، إذ من عادة المستخفّ بالشيء أن يبول عليه، وقيل: هو مثل مضروب للغافل عن القيام بثقل النوم، كمن وقع البول في أذنه، فثقّل أذنه، وأفسد حسّه، والعرب تَكني عن الفساد بالبول، قال الراجز: بَالَ سُهَيْلٌ فِي الْفَضِيخِ فَفَسَدْ وكنى بذلك عن طلوعه؛ لأنه وقت إفساد الفضيخ، فعبّر عنه بالبول. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي القول الأول هو الصواب، فبول الشيطان في أذن هذا النائم على حقيقته؛ إذ لا مانع من ذلك، كما تقدم عن القرطبي وغيره، فلا داعي لصرف ظاهر النصّ إلى هذه التأويلات التي ذكروها؛ إذ هي تكلفٌ، فتبصّر، والله تعالى أعلم. ووقع في رواية الحسن عن أبي هريرة ظه في هذا الحديث عند أحمد: ((قال الحسن: إن بوله والله لثقيل))، ورَوى محمد بن نصر من طريق قيس بن أبي حازم، عن ابن مسعود ◌َُّه: ((حسبُ الرجل من الخيبة والشرّ أن ينام حتى يصبح، وقد بال الشيطان في أذنه))، وهو موقوف صحيح الإسناد قاله في (الفتح)(١). وقال الطيبيُّ تَخْلُهُ: خصّ الأذن بالذكر، وإن كانت العين أنسب بالنوم إشارةً إلى ثقل النوم، فإن المسامع هي موارد الانتباه، وخصّ البول لأنه أسهل مدخلاً في التجاويف، وأسرع نفوذاً في العروق، فيورث الكسل في جميع الأعضاء. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود دعوته هذا مُتَّفَقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: (١) ((الفتح)) ٣٥/٣. (٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٢٠٢/٤. ١٢٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها أخرجه (المصنّف) هنا [١٨١٧/٣٠] (٧٧٤)، و(البخاريّ) في ((التهجّد)) (١١٤٤)، و((بدء الخلق)) (٣٢٧٠)، و(النسائيّ) في ((قيام الليل)) (١٦٠٨، ١٦٠٩) وفي ((الكبرى)) (١٣٠٢)، و(ابن ماجه) في ((إقامة الصلاة)) (١٣٣٠)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٧٥/١ و٤٢٧)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (١١٣٠)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٥٦٢)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٢١٨)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٧٦٦)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٥/٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَذَتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٨١٨] (٧٧٥) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَنْ عُقَيْلِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، أَنَّ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ حَدَّثَهُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌َلِ طَرَقَهُ وَفَاطِمَةَ، فَقَالَ: ((أَلَا تُصَلُّونَ؟)) فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّمَا أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللهِ، فَإِذَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَنَا بَعَثَنَا، فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ وَهِ حِينَ قُلْتُ لَهُ ذَلِكَ، ثُمَّ سَمِعْتُهُ، وَهُوَ مُدْبِرٌ، يَضْرِبُ فَخِذَهُ، وَيَقُولُ: ﴿وَكَنَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَىْءٍ جَدَلَا﴾ [الكهف: ٥٤]). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٤٠) عن (٩٠) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥٠/٦. ٢ - (لَيْثُ) بن سعد بن عبد الرحمن الفهميّ مولاهم، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمام مشهورٌ [٧] (ت١٧٥) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤١٢. ٣ - (عُقَيْلُ) بن خالد الأمويّ مولاهم الأيليّ، سكن المدينة، ثم الشام، ثم مصر، ثقةٌ ثبتٌ [٦] (ت١٤٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٣/٨. ٤ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله، أبو بكر المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ حجة إمام فقيهٌ، رأس [٤] (ت١٢٥) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٤٨. ١٢٩ (٣٠) - بَابُ بَيَانِ كَرَاهِيَةٍ أَنْ يَنَامَ الرَّجُلُ لَيْلَهُ كُلَّهُ لَا يُصَلِّي فِيهِ ... إلخ - حديث رقم (١٨١٨) ٥ - (عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ) بن عليّ بن أبي طالب الهاشميّ، زين العابدين، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ فقيهٌ فاضلٌ مشهورٌ [٣]. روى عن أبيه، وعمه الحسن، وأرسل عن جده علي بن أبي طالب، وروى عن ابن عباس، والمسور بن مخرمة، وأبي هريرة، وعائشة، وغيرهم. روى عنه أولاده: محمد، وزيد، وعبد الله وعمر، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وطاوس بن كيسان وغيرهم. مات سنة (٩٣)، وقيل غير ذلك. أخرج له الجماعة. ٦ - (الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ) بن أبي طالب الهاشميّ، أبو عبد الله المدنيّ، سبط رسول الله وَ﴿ وريحانته من الدنيا، وأحد سَيِّدَيْ شباب أهل الجنة. رَوَى عن جده رَِّ، وأبيه، وأمه، وخاله هند بن أبي هالة، وعمر بن الخطاب. ورَوَى عنه أخوه الحسن، وبنوه: عليّ، وزيد، وسكينة، وفاطمة، وابن ابنه أبو جعفر الباقر، والشعبيّ، وعكرمة، وكُرز التيميّ، وسِنَان بن أبي سنان الدُّؤلي، وعبد الله بن عمرو بن عثمان، والفرزدق، وجماعة. قال الزبير بن بكار: وُلد لخمس ليال خلون من شعبان سنة أربع، وقال جعفر بن محمد: كان بين الحسن والحسين طهر واحد. وأخرج البخاريّ عن أنس بن مالك نظ﴿به: أُتي عبيد الله بن زياد برأس الحسين ظلّل*، فجُعِل في طست، فجعل يَنكُت، وقال في حسنه شيئاً، فقال أنس: كان أشبههم برسول الله وَلّ، وكان مخضوباً بالوسمة (١). وأخرج أبو يعلى بسند حسن عن جابر رضيبه قال: من سرّه أن ينظر إلى رجل من أهل الجنّة فلينظر إلى الحسين بن عليّ ﴿ّ، فإني سمعت رسول الله وَ لهيقوله(٢). وأخرج أحمد في ((مسنده)) بسند صحيح عن عمار بن أبي عمار، عن ابن عباس ما قال: رأيت النبي ◌ّ﴾ في المنام بنصف النهار، أشعث أغبر، معه قارورة فيها دم يلتقطه، أو يتتبع فيها شيئاً، قال: قلت: يا رسول الله ما هذا؟ قال: دم الحسين وأصحابه لم أزل أتتبعه منذ اليوم، قال عمار: فحفظنا ذلك اليوم، فوجدناه قُتل ذلك اليوم. (١) ((صحيح البخاريّ)) ٧/ ٩٤. (٢) رواه أبو يعلى في ((مسنده)) ٣٩٧/٣. ١٣٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها وأخرج ابن ماجه برقم (٦٥٨) بسند صحيح، عن أبي هريرة نظراته قال: رأيت النبي ◌ّل حامل الحسين بن علي على عاتقه، ولُعابه يسيل عليه. وأخرج أحمد، والنسائيّ بسند صحيح عن أبي سعيد الخدريّ ◌َظُه قال: قال رسول الله قال: ((الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنة))(١). وأخرج أبو داود بسند صحيح عن عبد الله بن بريدة عن أبيه نظراته: خطبنا رسول الله وَ﴿، فأقبل الحسن والحسين، عليهما قميصان أحمران، يعثران ويقومان، فنزل فأخذهما، فصعد بهما المنبر، ثم قال: ((صدق الله: ﴿إِنَّمَآ [التغابن: ١٥] رأيت هذين، أَمَوَّلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِندَمُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ، جمّة. فلم أصبر))، ثم أخذ في الخطبة(٢)، ومناقبه. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٧٧٥)، وحديث (١٩٧٩): ((أصبتُ شارفاً مع رسول الله وَّ في مغنم يوم بدر ... ))، وأعاده بعده. [تنبيه]: كون الحسين هنا بالتصغير هو الموجود في النسخ التي بين أيدينا كلّها، وهكذا قال النوويُّ دَخُّ، ودونك عبارته: هكذا ضبطناه أن الحسين بن علي - بضم الحاء - على التصغير، وكذا في جميع نسخ بلادنا التي رأيتها مع كثرتها، وذكره الدارقطنيّ في ((كتاب الاستدراكات))، وقال: إنه وقع في رواية مسلم أن الحسن - بفتح الحاء - على التكبير، قال الدارقطنيّ: كذا رواه مسلم عن قتيبة أن الحسن بن عليّ، وتابعه على ذلك إبراهيم بن نصر النهاونديّ، والْحُنَينيّ، وخالفهم النسائيّ، والسَّرّاج، وموسى بن هارون، فرووه عن قتيبة أن الحسين؛ يعني: بالتصغير، قال: ورواه أبو صالح، وحمزة بن زياد، والوليد بن صالح عن ليث، فقالوا فيه: الحسن، وقال يونس المؤذِّب، وأبو النضر، وغيرهما عن ليث: الحسين؛ يعني: بالتصغير، قال: وكذلك قال أصحاب الزهريّ، منهم صالح بن كيسان، وابن أبي عتيق، وابن جريج، وإسحاق بن راشد، وزيد بن أبي أنيسة، وشعيب، وحكيم بن حكيم، ويحيى بن أبي أنيسة، وعُقيل من رواية ابن لَهِيعة عنه، (١) ((المسند)) ٣/٣، و((الخصائص)) للنسائيّ (ص ١٥٠). (٢) حديث صحيح، أخرجه أبو داود ٣٥٨/٣. ١٣١ (٣٠) - بَابُ بَيَانِ كَرَاهِيَةٍ أَنْ يَنَامَ الرَّجُلُ لَيْلَهُ كُلَّهُ لَا يُصَلِّي فِيهِ ... إلخ - حديث رقم (١٨١٨) وعبد الرحمن بن إسحاق، وعبيد الله بن أبي زياد وغيرهم، وأما معمر فأرسله عن الزهريّ، عن علي بن حسين، وقول من قال عن ليث: الحسن بن علي وَهَمُ؛ يعني: من قاله بالتكبير فقد غَلِطَ، هذا كلام الدار قطنيّ. وحاصله أنه يقول: إن الصواب من رواية ليث: الحسين بالتصغير، وقد بيّنا أنه الموجود في روايات بلادنا والله أعلم. انتهى كلام النوويُّ كَّهُ(١). وقال في (الفتح): وحَكَى الدارقطني أن كاتب الليث رواه عن الليث، عن عُقيل، عن الزهريّ، فقال: ((عن علي بن الحسين، عن الحسن بن عليّ)). وكذا وقع في رواية الحجاج بن أبي مَنِيع، عن جدّه، عن الزهريّ، في تفسير ابن مردويه، وهو وهَمٌّ، والصواب: ((عن الحسين))، ويؤيّده رواية حَكيم بن حَكيم، عن الزهريّ، عن علي بن الحسين، عن أبيه، أخرجها النسائي والطبريّ. انتهى(٢). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن سند المصنّف تَُّ على الصواب حيث وقع فيه الحسين مصغّراً لا مكبّراً، فلعلّ الدارقطنيُّ تَخْتُ وجد نسخة أخطأ فيها الناسخ، فكتب الحسن مكبّراً، فانتقده بناء عليه، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم. ٧ - (عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ) رَؤُه تقدّم قبل باب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف وَّلُهُ. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من عُقيل، و(ليث)) مصريّ، وقتيبة بغلانيّ . ٤ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ عن صحابيّ، والابن عن أبيه عن جدّه. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. ٦ - (ومنها): ما قاله في ((الفتح)): إن هذا الإسناد من أصح الأسانيد، ومن أشرف التراجم الواردة فيمن روى عن أبيه، عن جدّه. انتهى، والله تعالى أعلم. (١) ((شرح النوويّ)) ٦/ ٦٤. (٢) ((الفتح)) ١٤/٣. ١٣٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها شرح الحديث: وَّهُ (أَنَّ النَّبِيَّ وَ طَرَقَهُ) أي: أتاه ليلاً، يقال: (عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ) طَرَق النجمُ طُرُوقاً، من بابَ فَعَدَ: طَلَعَ، وكلّ ما أتى ليلاً، فقد طَرَقَ، وهو طارق. قاله في ((المصباح))، وفي رواية البخاريّ: ((طرقه وفاطمةَ بنت النبيّ وَلَيه ليلةً))، فقوله: ((ليلةً) للتأكيد، وحَكَى ابن فارس أن معنى ((طَرَقَ)): أتى، فعلى هذا يكون قوله: ((ليلةً)) لبيان وقت المجيء، ويَحْتَمِل أن يكون المراد بقوله: ((ليلةً)) أي: مرّة واحدة، قاله في ((الفتح)). (وَفَاطِمَةَ) بالنصب عطفاً على الضمير المنصوب (فَقَالَ: ((أَلَا تُصَلُّونَ؟))) بضمير الجمع هكذا هو عند المصنّف، والنسائيّ، قال النوويُّ كَّلُهُ: هكذا هو في الأصول: ((تصلّون))، وجمع الاثنين صحيح، لكن هل هو حقيقة، أو مجاز؟ فيه الخلاف المشهور، والأكثرون على أنه مجاز، وقال آخرون: حقيقة. (١) انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: الراجح أنه حقيقة، وإليه ذهب الإمام مالك كَُّهُ، وشواهده في كتاب الله تعالى وغيره كثيرة، كقوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَاً﴾ الآية [التحريم: ٤]، وقوله: ﴿فَإِن كَانَ لَهُ، إِخْوَةٌ﴾ الآية [النساء: ١١]. والله تعالى أعلم. وفي رواية البخاري: (ألا تصليان)) بالتثنية، وهي واضحة. (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّمَا أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللهِ) اقتبس عليّ رَبُّه ذلك من قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَنَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ الآية [الزمر: ٤٢]. وفي رواية النسائيّ من طريق حكيم بن حكيم، عن الزهريّ: ((قال عليّ: فجلست، وأنا أَعْرُك عيني، وأنا أقول: والله ما نصلي إلا ما كتب الله لنا، إنما أنفسنا بيد الله)). (فَإِذَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَنَا بَعَثَنَا) أي: إذا أراد الله تعالى أن يوقظنا أيقظنا، وأصل البعث إثارة الشيء من موضعه (فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ وَ ﴿) أي: رجع إلى بيته (حِينَ قُلْتُ لَهُ ذَلِكَ) وفي رواية كريمة عند البخاريّ: ((حين قلنا ذلك)). زاد في رواية البخاريّ: ((ولم يرجع إليّ شيئاً))، أي: لم يُجبني، وفيه أن (١) ((شرح النوويّ)) ٦٥/٦. ١٣٣ (٣٠) - بَابُ بَيَانِ كَرَاهِيَةٍ أَنْ يَنَامَ الرَّجُلُ لَيْلَهُ كُلَّهُ لَا يُصَلِّي فِيهِ ... إلخ - حديث رقم (١٨١٨) السكوت يكون جواباً، والإعراض عن القول الذي لا يطابق المراد، وإن كان حقّاً في نفسه، قاله في ((الفتح)). (ثُمَّ سَمِعْتُهُ) وَ (وَهُوَ مُدْبِرٌ) ولفظ البخاريّ: ((وهو مُوَلِّ)) (يَضْرِبُ فَخِذَهُ، وَيَقُولُ: ﴿وَكَنَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَىْءٍ جَدَلًا﴾) هذا إنكار لجدل عليّ رَظُه؛ لأنه تمسك بالتقدير، والمشيئة في مقابلة التكليف، وهو مردود، ولا يتأتى إلا عن كثرة جدله، نعم التكليف هنا ندبيّ، لا وجوبي، فلذلك انصرف وَل عنهما، ولو كان وجوبيّاً لما تركهما على حالهما، أفاده السنديُّ كَُّ . وقال النوويّ تَخُّْهُ: المختار في معناه أنه تعجّب من سُرعة جوابه، وعدم موافقته له على الاعتذار بهذا، ولهذا ضرب فخذه، وقيل: قاله تسليماً لعذرهما، وأنه لا عتب عليهما. انتهى. وقال في ((الفتح)): فيه جواز ضرب الفخذ عند التأسف، وقال ابن التين تَخْتُ: كَرِهَ احتجاجه بالآية المذكورة، وأراد منه أن ينسُب التقصير إلى نفسه. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عليّ نظُه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٨١٨/٣٠] (٧٧٥)، و(البخاريّ) في ((التهجّد)) (١١٢٧)، و((التفسير)) (٤٧٢٤)، و((الاعتصام)) (٧٣٤٧)، و((التوحيد)) (٧٤٦٥)، وفي ((الأدب المفرد)) (٩٥٥)، و(النسائيّ) في ((قيام الليل)) (١٦١١ و١٦١٢)، وفي ((الكبرى)) (١٣١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٩١/١ و١١٢)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (١١٣٩ و١١٤٠)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٥٦٦)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٢٠٦ و٢٢٠٧ و٢٢٠٨ و٢٢٠٩)، و(أبو نعيم) في (مستخرجه)) (١٧٦٧)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٥٠٠/٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): الحثّ على صلاة الليل، وبيان فضيلتها، وإيقاظ النائمين من ١٣٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها الأهل والقرابة لها، قال الطبريُّ كَّتُهُ: لولا ما عَلم النبيّ وَِّ من عِظَم فضل الصلاة في الليل ما كان يُزعج ابنته وابن عمه في وقت جعله الله لخلقه سَكَناً، لكنه اختار لهما إحراز تلك الفضيلة على الدَّعَة والسكون، امتثالاً لقوله تعالى: ﴿وَأَمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوْةِ وَأَصْطَيِرُ عَلَيْهاً﴾ الآية [طه: ١٣٢]. انتهى. ٢ - (ومنها): أمر الإنسان صاحبه بصلاة الليل، وتعهّد الإمام وكبير القوم رعيّته بالنظر في مصالح دينهم ودنياهم. ٣ - (ومنها): أن فيه إثباتَ المشيئة لله تعالى، وأن العبد لا يفعل شيئاً إلا بمشيئة الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَدَءُونَ إِلََّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ﴾ الآية [الإنسان: ٣٠]. ٤ - (ومنها): أنه ينبغي للناصح إذا لم تُقبَل نصيحته، أو اعتُذِرَ إليه بما لا يرتضيه أن ينكفّ، ولا يُعنّف إلا لمصلحة. ٥ - (ومنها): أن فيه جواز الانتزاع من القرآن، وترجيح قول من قال: إن اللام في قوله: ﴿وَكَانَ اَلِإِسَنُ﴾ للعموم، لا لخصوص الكفار. ٦ - (ومنها): فيه منقبة لعليّ رَُّبه، حيث لم يكتم ما فيه عليه أدنى غَضَاضة، فقدّم مصلحة نشر العلم، وتبليغه علی کتمه. ٧ - (ومنها): ما قاله في ((الفتح)): ونقل ابن بطال عن المهلَّب قال: فيه أنه ليس للإمام أن يشدد في النوافل، حيث قَنِعَ بَّ بقول عليّ ◌َُّبه: ((أنفسنا بيد الله))؛ لأنه كلام صحيح في العذر عن التنفّل، ولو كان فرضاً ما عذره، قال: وأما ضربه فخذه، وقراءته الآية، فدالٌ على أنه ظَنّ أنه أحرجهم، فَنَدِمَ على إنباههم. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: كذا قال المهلّب، وأقرّه ابن بطال، وفيه نظر لا يخفى، بل الأظهر أنه وَّل﴿ إنما فَعل ذلك كراهةً لاحتجاج عليّ ◌َظُه بالآية المذكورة، فإن الأولى في مثل هذا أن ينسُب التقصير إلى نفسه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. (١) ((الفتح)) ١٥/٣. ١٣٥ (٣٠) - بَابُ بَيَانِ كَرَاهِيَةٍ أَنْ يَنَامَ الرَّجُلُ لَيْلَهُ كُلَّهُ لَا يُصَلِّي فِيهِ ... إلخ - حديث رقم (١٨١٩) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٨١٩] (٧٧٦) - (حَدَّثَنَا (١) عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ عَمْرٌّو: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ نَّهِ: ((يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ(٢) عَلَى قَافِيَةِ رَأْسٍ أَحَدِكُمْ ثَلَاثَ عُقَدٍ، إِذَا نَامَ، بِكُلِّ عُقْدَةٍ يَضْرِبُ: عَلَيْكَ لَيْلاً طَوِيلاً، فَإِذَا اسْتَيْقَظَ، فَذَكَرَ اللهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، وَإِذَا تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عَنْهُ عُقْدَتَانِ، فَإِذَا صَلَّى انْحَلَّتِ الْعُقَدُ، فَأَصْبَحَ نَشِيطاً طَيِّبَ النَّفْسِ، وَإِلَّا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بكير، أبو عثمان البغداديّ، نزيل أَذَنَةَ، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت٢٣٢) (خ م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٣/٤. ٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) بن أبي عمران ميمون الهلاليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ، ثقةٌ ثبتُ حافظٌ حجة إمام مشهورٌ، من رؤوس [٨] (١٩٨) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٨٣. ٤ - (أَبُو الزُّنَادِ) عبد الله بن ذكوان القرشيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٥] (ت١٣٠) أو بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٠/٥. ٥ - (الْأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز، أبو داود المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت١١٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٩٢/٢٣. ٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) نَظُله تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رَّلهُ . ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخيه: فالأول ما أخرج له الترمذيّ وابن ماجه، والثاني ما أخرج له الترمذيّ. (١) وفي نسخة: ((وحدّثنا)). (٢) وفي نسخة: ((قال: يعقد الشيطان)). ١٣٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من أبي الزناد، وسفيان مكيّ، وشيخاه بغدادیّان. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. ٥ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة ◌َُّله رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثاً، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َه (يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ وََّ) أي: يرفع هذا الحديث إلى النبيّ وَّ، والظاهر أنه من كلام الأعرج، وإنما عدل عن قوله: ((قال رسول الله (صَ))، أو نحو ذلك؛ لكونه نسي الصيغة التي قالها أبو هريرة رضي الله، هل هي ((قال رسول الله))، أو ((حدّثنا))، أو نحو ذلك، فأتى بصيغة تشمل كلّ الصيغ الصالحة لذلك، والله تعالى أعلم. وفي رواية البخاريّ، من طريق مالك، عن أبي الزناد: ((عن أبي هريرة أن رسول الله (َ﴾ قال إلخ)). (يَعْقِدُ) بكسر القاف، من باب ضرب (الشَّيْطَان) أي: إبليس، أو بعض جنوده، ولعله بالنظر إلى كلّ شخص شيطانه، قاله السنديّ، وقال في ((الفتح)): كأن المراد به الجنس، وفاعل ذلك هو القرين، أو غيره، ويَحْتَمِل أن يراد به رأس الشياطين، وهو إبليس، وتُجوّز نسبة ذلك إليه؛ لكونه الآمر به الداعي (١) إليه. انتهى (عَلَى قَافِيَةِ رَأْسٍ أَحَدِكُمْ) أي: مؤخّر عنقه، وقافيةُ كلّ شيء مؤخّره، ومنه قافية القصيدة، وفي ((النهاية)): القافية القفا، وقيل: مؤخّر الرأس، وقيل: وسطه. وقال الطيبيُّ تَخَّتُهُ: القافية: القفا، وقيل: قافية الرأس مؤخّره، وقيل: وسطه، أراد تثقيله في النوم وإطالته، فكأنه قد شدّ عليه شِداداً، وعقد ثلاث (٢) عُقد. انتهى(٢). (١) ((الفتح)) ٣١/٣. (٢) (الكاشف عن حقائق السنن)) ١٢٠٠/٤. ١٣٧ (٣٠) - بَابُ بَيَانِ كَرَاهِيَةٍ أَنْ يَنَامَ الرَّجُلُ لَيْلَهُ كُلَّهُ لَا يُصَلِّي فِيهِ ... إلخ - حديث رقم (١٨١٩) وظاهر قوله: ((أحدكم)) التعميم في المخاطبين، ومن في معناهم، ويمكن أن يُخصّ منه مَن وَرَدَ في حقّه أنه يُحْفَظ من الشيطان، كالأنبياء ◌ُِّ، ومن تناوله قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَئِسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ﴾ [الحجر: ٤٢]، وكمن قرأ آية الكرسيّ عند نومه، فقد ثبت أنه يُحفظ من الشيطان حتى يُصبح، أفاده في ((الفتح)) . وقال في موضع آخر: وقد يُظَنّ أن بين هذا الحديث وحديث أبي هريرة رضيه: ((إن قارىء آية الكرسيّ عند نومه لا يقربه الشيطان)) معارضة، وليس كذلك؛ لأن العقد إن حُمل على الأمر المعنويّ، والقربَ على الأمر الحسيّ، وكذا العكس، فلا إشكال؛ إذ لا يلزم من سحره إياه مثلاً أن يماسّه، كما لا يلزم من مماسّته أن يقربه بسرقة، أو أذى في جسده، ونحو ذلك، وإن حُملا على المعنيين، أو العكس، فيجاب بادعاء الخصوص في عموم أحدهما، والأقرب أن المخصوص حديث الباب، كما تقدّم تخصيصه عن ابن عبد البرّ بمن لم ينو القيام، فكذا يمكن أن يقال: يختصّ بمن لم يقرأ آية الكرسيّ؛ لطرد الشيطان عنه. انتهى، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم. (ثَلَاثَ عُقَدٍ) منصوب على المفعوليّة لـ((يَعْقِد))، و((الْعُقَد)) بضمّ، ففتح جمع عُقْدة، بضمّ، فسكون، قال البيضاويُّ كَّلُهُ: التقييد بالثلاث، إما للتأكيد، أو لأن ما تنحلّ به عقده ثلاثة أشياء: الذكر، والوضوء، والصلاة، فكأن الشيطان مَنَعَ عن كلّ واحدة منها بعقدة عقدها. انتهى. (إِذَا نَامَ) ظرف لـ((يعقد))، وفي رواية البخاريّ: ((إذا هو نام))، قال في ((الفتح)): للأكثر، وللحموي والمستملي: ((إذا هو نائمٌ))، بوزن فاعل، والأول أصوب، وهو الذي في ((الموطأ)). انتهى. (بِكُلِّ عُقْدَةٍ) متعلّق بـ(يضرب))، وللبخاريّ: ((يضرب على مكان كلّ عُقدة))، قال في ((الفتح)): كذا للمستملي، ولبعضهم بحذف ((على))، وللکشمیهنيّ بلفظ: (عند مکان)). انتهى. وقوله: (يَضْرِبُ) أي: بيده على العقدة تأكيداً وإحكاماً لها قائلاً: ((عليك ليلاً طويلاً))، وقيل: معنى ((يضرب)): يَحْجُب الحسّ عن النائم حتى لا يستيقظ، ومنه قوله تعالى: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى ءَاذَانِهِمْ﴾ [الكهف: ١١]؛ أي: حجبنا ١٣٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها الحسّ أن يَلِجَ في آذانهم، فينتبهوا، وفي حديث أبي سعيد ◌َظُله: ((ما أحد ينام، إلا ضُرِب على سِمَاخِه بجرير معقود)»، أخرجه المخلص في ((فوائده))، و((السماخ)) - بكسر المهملة، وآخره معجمة، ويقال بالصاد المهملة بدل السين -، وعند سعيد بن منصور بسند جيّد عن ابن عمر طفيًا: ((ما أصبح رجل على غير وتر إلا أصبح على رأسه جرير قدر سبعين ذراعاً)). (عَلَيْكَ لَيْلاً طَوِيلاً) هكذا هو في معظم نسخ بلادنا في ((صحيح مسلم))، وكذا نقله القاضي عن رواية الأكثرين: ((عليك ليلاً طويلاً)) بالنصب على الإغراء، ورواه بعضهم: ((عليك ليلٌ طويلٌ)) بالرفع؛ أي: بقي عليك ليلٌ طويلٌ، قاله النوويُّ كَذَتُهُ . ووقع عند البخاريّ في جميع طرقه: ((عليك ليلٌ طويلٌ)) بالرفع على الابتداء؛ أي: باق عليك، أو بإضمار فعل؛ أي: بَقِيَ. وقال القرطبيُّ تَّتُهُ: روايتنا الصحيحة: ((عليك ليلٌ طويلٌ)) على الابتداء والخبر، وقد وقع في بعض الروايات: ((عليك ليلاً طويلاً)) بالنصب على الإغراء، والرفع أولى من جهة المعنى؛ لأنه الأمكن في الغرور من حيث إنه يخبره عن طول الليل، ثم يأمره بالرُّقَاد بقوله: ((فارقُدْ))، وإذا نُصِب على الإغراء لم يكن فيه إلا الأمر بملازمة طول الرُّقَاد، وحينئذ يكون قوله: ((فارقُدْ)) ضائعاً. انتهى(١). ومقصود الشيطان بذلك تسويفه بالقيام، والإلباس عليه. قال في (الفتح)): ظاهره اختصاص ذلك بنوم الليل، وهو كذلك، لكن لا يبعد أن يجيء مثله في النهار كالنوم حالة الإبراد مثلاً . وقال الطيبيُّ كَثْتُهُ: قوله: ((يضرب على كلّ عُقدة عليك ليل طويلٌ)): ((على)) الأولُ متّصلٌ بـ(يضرب))، والثاني مع ما بعده مفعول للقول المحذوف؛ أي: يُلقي الشيطان على كلّ عقدة يعقدها هذا القول، وهو قوله: ((عليك ليلٌ طويلٌ))، قال صاحب ((المغرب)): يقال: ضرب الشَّبَكةَ على الطائر: ألقاها عليه، و((عليك)) إما خبر لقوله: ((ليلٌ))؛ أي: ليلٌ طويلٌ باق عليك، أو إغراء؛ (١) ((المفهم) ٤٠٩/٢. ١٣٩ (٣٠) - بَابُ بَيَانِ كَرَاهِيَةٍ أَنْ يَنَامَ الرَّجُلُ لَيْلَهُ كُلَّهُ لَا يُصَلِّي فِيهِ ... إلخ - حديث رقم (١٨١٩) أي: عليك بالنوم أمامك ليلٌ طويلٌ، فالكلام حينئذ جملتان، والثانية مستأنفة، كالتعليل للأولى. انتهى(١). [تنبيه]: قال القرطبيُّ كَّلُهُ: هذا الذي يعقده الشيطان كأنه من باب عَقد السواحر ﴿النَّفَّئَتِ فِى الْعُقَدِ﴾ [الناس: ٤]، وذلك أنهنّ يأخذن خيطاً، فيعقدن عليه عقدةً منه، ويتكلّمن بالسحر، فيتأثّر المسحور عند ذلك، إما بمرض، أو تخييل، أو تحريك قلب، أو تحزين، أو غير ذلك، فشُبّه فعل الشيطان بالنائم بفعل السواحر، وذلك أن النائم كلّما أراد أن يقوم ليذكر الله تعالى، أو يصلّي غرّه وخَدَعه، بأن يقول له: عليك ليلٌ طويلٌ فارقُد، فيُريه أنه لطول ما بقي عليه من الليل ما يمكنه استيفاء راحته من النوم، وقيامه بعد ذلك لحزبه، فيُصغي لذلك ويرقُّد، ثم إن استيقظ ثانيةً فعل به ذلك، وكذلك ثالثةً، فلا يستيقظ من الثالثة إلا وقد طلع الفجر، فيفوته ما كان أراد من القيام. انتهى(٢). وقال في ((الفتح)): وقد اختُلِفَ في هذه العُقَد، فقيل: هو على الحقيقة، وأنه كما يَعْقِد الساحر مَن يسحره، وأكثر من يفعله النساء، تأخذ إحداهنّ الخيط، فتعقد منه عُقدة، وتتكلّم عليه بالسحر، فيتأثّر المسحور عند ذلك، ومنه ﴾ [الناس: ٤]، وعلى هذا قوله تعالى: ﴿وَمِن شَرِّ النَّفَّشَتِ فِىِ الْعُقَدِ فالمعقود شيء عند قافية الرأس، لا قافية الرأس نفسها، وهل العقد في شعر الرأس، أو في غيره؟ الأقرب الثاني؛ إذ ليس لكلّ أحد شعر، ويؤيده ما ورد في بعض طرقه أن على رأس كل آدمي حبلاً، ففي رواية ابن ماجه، ومحمد بن نصر من طريق أبي صالح، عن أبي هريرة ظُبه، مرفوعاً: ((على قافية رأس أحدكم حبل، فيه ثلاث عُقَد))، ولأحمد من طريق الحسن، عن أبي هريرة بلفظ: ((إذا نام أحدكم عُقِد على رأسه بجرير))، ولابن خزيمة، وابن حبّان من حديث جابر نظُه، مرفوعاً: ((ما من ذَكَر، ولا أنثى إلا على رأسه جَرير معقود حين يرقُد ... )) الحديث، وفي ((الثواب)) لآدم بن أبي إياس من مرسل الحسن نحوه. و ((الجرير)) بفتح الجيم: هو الحبل، وفَهِمَ بعضهم من هذا أن العُقَدَ (١) ((الكاشف)) ١٢٠٠/٤ - ١٢٠١. (٢) ((المفهم)) ٤٠٨/٢ - ٤٠٩. ١٤٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها لازمة، ويردّه التصريح بأنها تنحلّ بالصلاة، فيلزم إعادة عَقْدها، فأبهم فاعله في حديث جابر، وفُسّر في حديث غيره. وقيل: هو على المجاز كأنه شُبّه فعل الشيطان بالنائم بفعل الساحر بالمسحور، فلما كان الساحر يمنع بعقده ذلك التصرّف مَن يحاول عقده كان هذا مثله من الشيطان للنائم. وقيل: المراد به عقد القلب، وتصميمه على الشيء، كأنه يوسوس له بأنه بقي من الليلة قطعة طويلة، فيتأخّر عن القيام، وانحلال العُقَد كناية عن علمه بکذبه فیما وسوس به. وقيل: العقد كناية عن تثبيط الشيطان للنائم بالقول المذكور، ومنه عَقَدت فلاناً عن امرأته؛ أي: منعته عنها، أو عن تثقيله عليه النوم، كأنه قد شدّ عليه شداداً . وقال بعضهم: المراد بالعُقَد الثلاث الأكل، والشرب، والنوم، لأن من أكثر الأكل والشرب كثُر نومه. واستبعده المحبّ الطبريّ؛ لأن الحديث يقتضي أن العُقَد تقع عند النوم، فهي غيره. قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى على البصير أن الصواب حمل الحديث على ظاهره، فعقد الشيطان على قافيته عقد ظاهرٌ، لا مجازٌ، فكما يعقد الساحر الحبل على المسحور، كذلك الشيطان يعقد العقد الثلاث على قافية النائم، فتبصّر والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قال القرطبيُّ تَخْتُ: الحكمة في الاقتصار على الثلاث أن أغلب ما يكون انتباه الإنسان في السَّحَر، فإن اتفق له أن يستيقظ، ويرجع إلى النوم ثلاث مرّات لم تنقَض النومة الثالثة في الغالب إلا وقد ذهب الليل، وطلع الفجر. وقال البيضاويّ: التقييد بالثلاث إما للتأكيد، أو لأنه يريد أن يقطعه عن ثلاثة أشياء، الذكر، والوضوء، والصلاة، فكأنه مُنع من كلّ واحدة منها بعقدة عقدها على رأسه، وكأن تخصيص القفا بذلك لكونه محلّ الوهم، ومجال تصرّفه، وهو أطوع القُوَى للشيطان، وأسرعها إجابة لدعوته(١). (١) ((الفتح)) ٣١/٣ - ٣٢.